الثلاثاء, 22 تموز/يوليو 2014 00:00

خصائص السيرة النبوية

كتبه 
قيم الموضوع
(13 أصوات)

خصائص السيرة النبوية

تميزت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بالعديد من المزايا والخصائص، التي جعلتها سيرة خاصة ليست كقصة حياة أي إنسان أو حتى أي نبي آخر، ومن هذه الخصائص :

1- دقة تفصيلاتها :

فقد تميزت مراجع السيرة النبوية في التراث الإسلامي بشدة تفصيلاتها التي تجعل الباحث فيها والقارئ لها وكأنه يشاهد تلك المرحلة مشاهدة العين، فذكرت المراجع دقائق النسب في العرب وتوسعت في ذكر فترة ما قبل البعثة وتاريخها، وتحدثت عن مولده ونشأته ورضاعته الشريفة صلى الله عليه وسلم.

وتحدثت كتب السيرة عن شبابه وعمله، وكيف يأكل وكيف يضحك صلى الله عليه وسلم، وكيف ينام، وماذا يحب من الطعام، كل شيء تم تسجيله بتفصيل دقيق يبهر الناظر في ذلك التراث من شدة تتبع المسلمين لكل شيء وهم كانوا في تدوين هذا التراث على هدي الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فذكرت السنة النبوية أن سيدنا عبد الله بن عباس تحرى ليلة خالته ميمونة وذهب ليبيت عندها ليراقب كيف ينام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف يستيقظ، وكيف يقوم الليل، فيرى ذلك كله ويخبر به المسلمين.

2- شدة توثيقها وثبوتها :

«التوثيق» يعد أحد أهم سمات النموذج المعرفي الإسلامي، وقد تأصلت تلك السمة في حضارة المسلمين عبر القرون حتى أصبحت مكونًا أصيلاً من مكونات عقلية المسلم، وابتكر المسلمون علومًا كثيرة لتحقيق تلك السمة، ومن مظاهر ترسخ «التوثيق» في عقلية المسلمين أنهم لم يقصروه على الوحي فحسب، بل قاموا بتوثيق كل الأقوال المنقولة حتى عن غير النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين وغيرهم، كما قاموا بتوثيق الكتب المؤلفة من علماء المسلمين.

وقد أبدع المسلمون (علم التوثيق) على غير مثال سابق، فلم يأخذوه من أمة خلت، ولم يقلدوا أحدًا من الناس فكان من العلوم التي وضعوها وكملت غاية الكمال، وعلم التوثيق مثله في ذلك مثل (علم الفهم) أو ما يسمى (بأصول الفقه)، فإنه علم بديع نشأ من حضارة المسلمين، وهذان العِلمان يحتاجهما العالِم الذي يتمسك بالمنهج العلمي فيوثق مصادره ويتأكد من معلوماته حتى لا يقع في عقلية الخرافة ولا في حد الانطباع التي لا ضابط لها ولا رابط.

ومن علوم التوثيق عند المسلمين (علم القراءات القرآنية) (وعلم رواية الحديث) حيث ينشئ المسلمون علم القراءات ينقلون فيه كتاب الله من غير تحريف ولا تصحيف، وعلوم الحديث رواية ودراية ينقلون فيها كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنهج علمي غير مسبوق، وعلم أصول الفقه وعلوم العربية ليفهموا من خلالها الفهم المنضبط للنص الشرعي الوارد إلينا بلغة العرب.

فالتوثيق ثقافة يجب أن تشيع حتى نصل إلى العقلية العلمية ونخرج من عقلية الخرافة والانطباعات الهشة.

وقد بلغ التوثيق في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذروته، فكتبت سنته وسيرته بأوثق الأسانيد وأكثرها بعد القرآن الكريم،  فهو النبي الوحيد، بل الإنسان الوحيد الذي حفظت سيرته وأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته في اليقظة والمنام بهذا الشكل، فلم يهتم أحد بحفظ سيرة أحد على الأرض على مر التاريخ على هذا النحو، واهتم المسلمون بنقل كل شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنشئوا العلوم لحفظ سيرته وسنته، ولقد بدأ هذا في الصدر الأول للإسلام، فابن عباس ـ رضي الله عنه ـ يتحرى الليلة التي يأتي فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلى خالته ميمونة ـ إحدى زوجاته رضي الله عنها ـ ويبيت عند خالته حتى يراقب النبي صلى الله عليه وسلم في أكله ونومه وعبادته، ويتمثل به كما روى ذلك مسلم في صحيحه وغيره.

فكان في حفظ سيرته وأخباره في كتب الصحاح والسنة والسيرة دليل واقعي تاريخي آخر على خصوصية وفضل ذلك النبي، فليس هناك تسجيل تاريخي محفوظ لنا بسند متصل إلى أحد الأنبياء إلا له صلى الله عليه وسلم.

3- أهمية مصادر كتب السيرة وأهم المراجع في السيرة :

يعد القرآن الكريم من أهم مصادر السيرة، بما تضمنه من وصف للعديد من الأحداث والغزوات، وتصوير للصراع بين الإسلام وخصومه، وبما له من دلالاته لشدة توثيقه وقطعية ثبوته، حيث لا يشكك أحد فيه من الناحية التاريخية، وإن اختلفت الآراء بين المسلمين وغيرهم حول مصدره.

وبعد القرآن الكريم تأتي كتب السنة المختلفة ما بين الكتب المرتبة على المسانيد والكتب المرتبة على الموضوعات الفقهية، حيث أمدت هذه الكتب السيرة النبوية  بمادة علمية غزيرة، كما اشتملت على تفاصيل غاية في الدقة في جميع مجالات الحياة.

وتعلو درجة كتب السنة على كتب السيرة من ناحية صحة الأسانيد واتصالها وينطبق ذلك على الكتب الستة المعروفة أو التسعة المشهورة ويأتي الصحيحان على رأس هذه الكتب.

وإضافة لما سبق فإن كتب الحديث وشروحها تناولت المغازي والأحداث التاريخية، وقدمت معلومات غزيرة في هذا المجال.

وللسيرة النبوية مصادر أخرى غير القرآن الكريم والسنة النبوية، ككتب أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وكتب التفسير عموما وفي مقدمتها [تفسير الطبري]  و [تفسير ابن أبي حاتم الرازي] فكلا التفسيرين خدما السنة من حيث كثرة التفاصيل وذكر الأسانيد مما يفيد في توثيقها.

كما ساهمت كتب الرجال في تحقيق كتب السيرة، فلا تخفى فائدة هذا العلم على معرفة الأسانيد سواء في كتب الأحاديث أو السيرة، فهذا العلم يحكم على صحة الروايات من خلال نقد الرجال ومعرفة أحوالهم.

وقد فقد العديد من المراجع الأصيلة القديمة للسيرة النبوية مثل مغازي عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة، الزهري، ولكن ما اقتبسته المصادر اللاحقة يوضح الهيكل والأسلوب ومستوى الدقة.

 وتعد سيرة ابن اسحق أوثق كتب السيرة المتخصصة التي وصلت إلينا بتهذيب ابن هشام بالإضافة إلى القطع الأصلية منها ، والتي نشرت خلال العقدين الأخيرين، فهو حجة في المغازي كما صرح الذهبي، رغم ما ذكره النقاد المحدثون من وجود المناكير والعجائب في رواياته، إذ أنهم قبلوا من أحاديثه في أمور العقيدة والشريعة ما صرح فيها بالتحديث ولم يدلس ما لم يخالف من هو أوثق منه ، واعتبروها في مرتبة " الحسن " الذي يحتج به. وأصح الروايات المعتمدة لسيرة ابن إسحاق هي رواية البكائي فقد لاقت قبولا لاعتمادها على نسخة منقحة، وأقل منها اعتمادا رواية يونس بكير التي اعتمدت على نسخة قديمة.  

وتأتي مغازي الواقدي في المرتبة الثانية بعد سيرة ابن إسحاق، فقد اهتم المؤرخون بها لغزارة معلوماته، وتقديمها تفاصيل كثيرة تنفرد بها، سواء في وصف الغزوات، أو تحديد تواريخ الأحداث بدقة بالغة.

ويأتي كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد [ت230هـ] في المرتبة الثالثة، وكان محمد بن سعد من كتاب الواقدي، وقد اتهم بسرقة مصنفاته ورد بعض المحدثين هذه الاتهامات، وبمطالعة كتابه تتضح أمانته في النقل حيث صرح في مواطن كثيرة بالنقل عن الواقدي.

ثم يأتي بعد ذلك أنساب الأشراف للبلاذري وترتيبه في هذا لأهميته وقدمه، ولم نقدم عليه الطبري لأن أغلب ما ذكره اعتمد فيه على ابن إسحاق وأضاف روايات قليلة من مصادره.

ثم تأتي بعد ذلك كتب متأخرة نسبية عن هذه منها [الدرر في اختصار المغازي والسير] لابن عبد البر القرطبي [ت 463 هـ]  و [جوامع السيرة] لابن حزم [ت 456هـ] غير أن هذه الكتب لم تكن إلا إعادة صياغة لنفس الكتب القديمة.

ثم جاءت الكتب المتأخرة عن ذلك وجمعت بين اعتمادها على سيرة ابن إسحاق والواقدي وبين المصادر الحديثية، فقد اتضح هذا المنهج عند ابن سيد الناس في [عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير]  و الذهبي في [السيرة النبوية]  و ابن كثير في الجزء الذي تحدث فيه عن السيرة من كتابه [البداية والنهاية]، ولقد أكثر الذهبي وابن كثير من الحديث عن صحة الأسانيد والتوثيق.

وبعد أن كثرت الكتب في السيرة النبوية بشكل كبير اتجه كتاب السير والمؤلفين إلى الجمع الكبير من تلك المؤلفات وهذا ما قام به محمد بن يوسف الدمشقي [ت942هـ] حيث جمع كتابه [سبل الهدى والرشاد في سيرة العباد] من نحو ثلاثمائة كتاب.

وكان لكتب الشمائل والدلال أهمية ومرجعية في سيرته العطرة، ويعد كتاب [دلائل النبوة] للبيهقي من أوسع تلك الكتب، وكتاب [غاية السول في خصائص الرسول] لابن الملقن. وكتاب [اللفظ المكرم بخصائص النبي صلى الله عليه وسلم]  للخيضري الدمشقي.

وعلى هذا العرض فأهمية مصادر السيرة النبوية، وكثرة مراجعها من أهم السمات التي تميزها وتبرزها بين كتب السير والتاريخ الأخرى.

4- تعد بيانا عمليا تطبيقيا للوحي بيان النظري :

لم ينزل ربنا القرآن الكريم ويوحي لنبيه العظيم صلى الله عليه وسلم بالوحي الشريف لمجرد التبرك بتلاوة تلك الكلمات ورواياتها فحسب، مع تأكيدنا على عدم الإقلال من أهمية هذه التلاوة والتبرك بها ففيها من الأسرار والارتقاء في الإيمان ما فيها، إلا أننا نريد أن ننبه على المقصد الأساسي من إنزال الوحي حتى لا يظل نصا تبركيا بعيد عن التطبيق والتأثير في حياة الناس.

حيث يجد المسلم نفسه أمام نصوص الوحي الشريف عاجزا عن تطبيقها ما لم يهتدي إلى النموذج العملي الذي يريده الله منه، فمثلا في قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة :21] فيسأل المسلم وكيف أعبد ربي ؟ وفي قوله تعالى : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء :19] فيسأل كيف أعاشر زوجتي ؟ فلا يجد إجابة عن هذه الأسئلة إلا في قوله تعالى : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب :21]. فسيرته صلى الله عليه وسلم هي النموذج التطبيقي الذي به يهتدي المسلمين لتطبيق كلام ربهم.

فلماذا معرفة السيرة النبوية ؟ لماذا التعرف على حياته ومواقفه صلى الله عليه سلم ؟ لأنه القرآن الذي يمشي على الأرض، وأخلاقه هي القرآن كما وصفته بذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.

ولذا فمن أهم سمات السيرة النبوية أنها تعد منهجا تطبيقيا عمليا للوحي الشريف المسطور في القرآن والسنة فيما يمكن أن نسميه بالوحي العملي التطبيقي، فهي سيرة معصوم كما أن وحيه معصوم وكأنها : ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ [النور :35].

5- تعد منهجا للسياسة الداخلية :

أقام النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة وهو زعيم للمسلمين بين المشركين 13 سنة، أسر دعوتها وأعلنها، حذر الناس ورغبهم، تحمل الأذى، حاصره الناس اقتصاديا، أقاموه فيما يمكن أن نسميه بالإقامة الجبرية أو تحديد الإقامة، ولكنه خرج بدعوته إلى المدينة المنورة وأقام في المدينة 10 سنوات بنى المجتمع المسلم أصلح بين القبائل، جعل ولائهم لله وحده، جعل الأوس والخزرج أخوة بعد حروب ضروس، وجعل المهاجرين والأنصار أخوة، وجعل مفهوم الأخوة في المجتمع مقصورا على الإيمان، فاتسع مفهوم الأخوة من المعنى التقليدي ليكون بين المجتمع المسلم كله، وكأن المسلمين في تجمعهم وتحابهم كالأسرة الواحدة، قال تعالى : ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات :10].

هذه الإنجازات وغيرها تجعل من السيرة نبوية منهجا تطبيقيا عمليا لجمع كلمة الشعب، ولحسن إدارة السياسة الداخلية بين الناس على اختلاف أذواقهم وآراءهم، بالعفو عن المسيء منهم، وطلب المغفرة لهم، وإشراكهم في الرأي واستشارتهم فهو رحمة من ربه لهم، رقيق القلب معهم، وقد جمع الله له صلى الله عليه وسلم تلك الصفات في قوله تعالى :  ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران :159].

6- تعد منهجا للسياسة الخارجية :

لم يكن النجاح في السياسة الداخلية بأكبر منه في السياسة الخارجية، فالنبي صلى الله عليه وسلم أسس دولة الإسلام من المدينة المنورة وفرض عليه ثلاثة معارك كبرى على حدود دولته، فخاضها دفاعا عن دعوته، دفاعا عن دين الله.

وعقد النبي صلى الله عليه وسلم المعاهدات والاتفاقيات مع اليهود والمشركين والمسيحيين، فعقدت معاهدة الحديبية بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومشركي مكة [قريش]  في عام (6هـ /627 م) ، وكانت مواد المعاهدة تتضمن ضماناً من كلا الطرفين بعدم مهاجمة الطرف الآخر . فرسخت الأمن والسلام الذي كان الطرفان بحاجة إليه ، بعد أن شهدت الجزيرة العربية صراعاً عنيفاً وحروباً ومعارك ضارية بين المسلمين والمشركين .

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عقد معاهدات أخرى مع اليهود والمسيحيين، سواء المقيمين داخل الجزيرة العربية أو خارجها ، وخارج حدود دولة المدينة . فقد عقد صلى الله عليه وسلم اتفاقية سلمية مع نصارى نجران عام (10 هـ/ 631م) ، ومع يهود فدك وأيْلة وتيماء ([1]) ، ومع بني صخر من كنانة([2]).

ونجح في تأمين حدود دولته التي زاد في رقعتها الخلفاء من بعده حتى اعتبرت أكبر وأسرع إمبراطورية تتكون في التاريخ وتستمر ما يقرب 12 قرنا من الزمان، كل ذلك النجاح كان ثمرة حسن الإدارة وحسن السياسة الداخلية التي تعد سيرة المصطفى منهجا عمليا لإدارة شئون الدول من ناحية السياسة الدولية، ولا نقصد بهذا الرجوع لنفس الوسائل ولكن نتكلم عن الفكر والعقلية وترتيب الأولويات وحماية مصالح المسلمين.

7- تعد منهجا لإدارة النواحي العسكرية والجهادية :

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدًا مجاهدًا شجاعًا نبيلاً، نراه وهو يعلم قواد الجيوش في العالم بأسره حقيقة الحروب، وكيف تدار، ومتى تبدأ وكيف تنتهي، وبالإطلاع على الحقائق التاريخية يتأكد ذلك المعنى ومن هذه الحقائق : أنه صلى الله عليه وسلم لم يسعَ إلى الحروب وإنما فرضت عليه بسبب الاعتداء عليه، أو رغبة الظلم والعدوان عليه وعلى المسلمين، أو محاربة دين الله والآمنين، فقد فُرض على النبي صلى الله عليه وسلم طوال قيادته للدولة الإسلامية اثنين وثمانين تحركًا عسكريًا، لم ينشب القتال في ستين منها، وخمس تحركات لم يقتل غير المسلمين، ومجموع القتلى والشهداء من الفريقين 1004 شخص منهم 252 شهيدا مسلما والباقي من المشركين.

هذه الأرقام ليست من الفظاعة حتى تجبر العالم بأسره أن يخشى من الإسلام ويدخل فيه خوفا من السيف، بل إن عدد قتلى حوادث السيارات في عام واحد في أي مدينة كبيرة يفوق هذا العدد.

وذلك يؤكد أن القتال لم يكن الاختيار الأول عنده صلى الله عليه وسلم في نشوب النزاعات، وأنه كان يبتعد عن القتال قدر استطاعته حتى لا يجد منه بدا؛ بأن يدافع عن نفسه وينصر المظلومين وينشر الإسلام.

وقد أنتجت هذه الحروب نحو ستة آلاف وخمسمائة أسيرًا عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ستة آلاف وثلاثمائة أسير، ولم يأسر ويستمر الأسر إلا على مائتين، فكانت r رحمة للعالمين، وهو سيد ولد آدم ولا فخر.

وبذلك الخلق وتلك الأرقام يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نجاهد جهاد النبلاء، كيف نكون أتقياء مراقبين لله حتى في ظل احتدام المعركة، كيف نذكر الله في كل وقت وخاصة في وقت الجهاد.

فأين هذا من المفسدين في الأرض الذين دمروا القرى وأبادوا الشعوب بحجج واهية، ومازال الفساد مستمرا في الأرض نسأل الله أن يعافينا وأوطاننا والمسلمين.

8- تعد منهجا لحل إشكالية التنافر بين الدين والدنيا :

ساد الفكر العلماني كل دول العلماء ولم تنج منه دولة سواء في العالم الأول أو العالم الثاني أو حتى في العالم الثالث، ويمكننا أن نعرف العلمانية، فهي تؤمن بالنسبية المطلقة، وأن الإيمان بالنسبية المطلقة هو الذي يمثل ما أسماه الدكتور عبد الوهاب المسيري (بالعلمانية الشاملة) وحينئذ فلا بأس عند ذلك المعتقد أن ينكر الله، ولا بأس عنده أن ينحيه من التلقي منه سبحانه وتعالى، أو من تهميشه من الحياة، وتحويل مسألة الإيمان بالله إلى مسألة شخصية جانبية تمثل إيمانا خاصًا، ولا تمثل قضية للوجود.

وهذه النسبية المطلقة تؤثر كثيرًا في التفسيرات اللغوية، وتجعل الكون لا حقيقة له في نفسه، بل إنه كما يراه الراصد، وكما يراه كل إنسان على حدة، فليس للأشياء حقيقة ثابتة، وهو ما ينقلنا إلى مذهب السوفسطائية القدماء وإلى مذهب الغموصية الحلولية، والتي يتصور الإنسان فيها الله جل جلاله داخل الكون، وليس مفارقا له.

وهو التيار الذي شاع في أواسط حركة مع بعد الحداثة، وكاد يتحكم في التيار العام للفكر الغربي في العصر الحديث. وعليه يمكن لنا أن نطبق هذا المدخل على تفصيلات تزيده وضوحا في كيفية التعامل بواسطته مع النصوص الشرعية ومع الواقع المعيش.

وبالرجوع إلى السيرة النبوية نرى كيف أقام النبي صلى الله عليه وسلم مجتمعا مدنيا على أساس ديني، وكيف نجح هذا المجتمع في التقدم وكون حضارة في جميع المجالات الثقافية والعلمية، ونرى الذين يريدون التغبيش على قدرة تطبيق النموذج المعرفي الإسلامي على التعايش في هذا العصر الحديث يتكلمون عن تجارب شابها الانغلاق والقصور والأهواء والجهل، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان فوق هذا القصور، وأمرنا الله أن نسير على هديه ونهجه.

وعندما تخلت النظم التي قامت عليها الدول الإسلامية والعربية في العصر الحديث عن النموذج المعرفي الإسلامي وتبنت نموذجا غربيا مشوها ما رأينا في النتائج إلا التبعية الثقافية والتبعية التكنولوجية والتبعية السياسية والتبعية الإعلامية، وتحولنا إلى أتباع لهم وقد كانوا يُتَبعون من قبل، وأصبحنا في ذيل الركب بل ونحاول أن نلحق بالذيل بعدما كنا بفضل ما ميزنا به ربنا من منهج قويم ونموذج معرفي يتعامل مع الدين والدنيا أئمة يهتدون بنا، نسأل الله أن يردنا إلى ديننا ردنا جميلا.

9- تعد منهجا للإدارة واختيار عناصر القيادة والعاملين :

كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الحاكم للدولة الإسلامية الوليدة التي امتدت مساحتها لتشمل جميع شبه الجزيرة العربية وهي مساحة مع اعتبار قلة الاتصالات والمواصلات يصعب السيطرة عليها إلا إذا حسنت الإدارة، وكان اختيار الولاة والقضاة وقواد الجيش على أساس سليم.

لذا فمن ينظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يعرف كيف يكون اختيار القادة سيعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار قائد الجيوش والوالي والقاضي من المسلمين لا لأنهم أقرب الناس إليه أو أكثر محبة بالنسبة له أو أكثرهم صلاحا، وإن كان لابد من توافر الصلاح فيهم، ولكن كان معيار الكفاءة هو الأرجح فكان خالد بن الوليد يقود الجيش لأنه أكثر المسلمين تأهيلا لقيادة الجيش وخبرة بالقتال، فكان معيار الكفاءة هو الأصل في الاختيار في كل المناصب.

لذا فتعد سيرته العطرة منهجا لإدارة شئون البلاد والمؤسسات واختيار القادة والعاملين بما يحقق النجاح والرخاء والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

10- تعد منهجا للتربية وبناء المجتمعات على فضائل الأخلاق.

للأخلاق في الإسلام مكانة عظيمة، ويدل على تلك المكانة قول النبي صلى الله عليه وسلم : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق »([3]). ويُبين النبي صلى الله عليه وسلم تلك المكانة في حديث آخر حيث قال صلى الله عليه وسلم: « إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا : يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون ؟ قال : المتكبرون »([4])، وقوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله كريم يحب الكرم ويحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها »([5]).

هذه الأحاديث وغيرها الكثير تدل على المكانة العظيمة للأخلاق، والحديث الأول يوحي بأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم مقصورة على «مكارم الأخلاق»، فـ «إنما» أداة حصر وقصر، فهذا الأسلوب البليغ ينبه المسلمين على تلك المكانة العظيمة التي جعلها الله للأخلاق، بل إن الأخلاق الكريمة تدعو إليها الفطر السليمة، والعقلاء يجمعون على أن الصدق، والوفاء بالعهد، والجود، والصبر، والشجاعة، وبذل المعروف أخلاق فاضلة يستحق صاحبها التكريم والثناء، وأن الكذب، والغدر، والجبن، والبخل أخلاق سيئة يذم صاحبها.

فالمسلم الحسن الخلق هو من تجتمع فيه الأخلاق الفاضلة، ويخلو من الأخلاق السيئة وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم على أفضلها في الحديث الذي يخاطب فيه أحد أصحابه وهو عقبة بن عامر حيث قال صلى الله عليه وسلم : « يا عقبه ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة ؟ تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك »([6]).

وقد تجمعت علامات حسن الخلق في عدة خصال وهي : الحياء، والصلاح، والصدق، وقلة الكلام، وكثرة العمل، وترك ما لا يعنيه، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والصبر، والشكر، والحلم، والعفة. وأصل الأخلاق المحمودة كلها الخشوع وعلو الهمة.

ولحسن الخلق عظيم الأثر على المجتمع في الرقي والازدهار، فعندما تنتشر الأخلاق الفاضلة في المجتمع يتقدم ويزدهر، بل إن أصل الحضارة الحقيقية هي حضارة الإنسان وسمو أخلاقه، ويقول في هذا المعنى أمير الشعراء :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت     ****          فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

فالأخلاق الكريمة هي إفراز القلب السليم والنفس الزكية، والعقيدة الصحيحة، والفكر الرصين، والاستقرار النفسي والإيماني، فهي مظهر ذلك كله، وسوء الأخلاق يدل على خلل في أحد هذه الأشياء أو جميعها. سلمنا الله والمسلمين من سوء الأخلاق

11- تعد منهجا للتعامل داخل الأسرة ووصل الأرحام :

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتيما في كنف جده، ثم في كنف عمه، ثم تزوج وتكونت له أسرة فكان زوجا وأبا وله عائلة وعشيرة، وكان النبي صلى الله عليه مثالا للزوج الحنون الكريم، والأب الرءوف الرحيم، وذكرت كتب السيرة أنه كان يقوم لفاطمة عليها السلام ويقبلها بين عينيها، ويحمل الحسن والحسين وأمامة أحفاده في الصلاة، وكان النبي نموذجا لصلة الرحم حتى مع غير المسلمين منهم فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال بني فلان ليسوا بأوليائي إنما ولي الله وصالح المؤمنين : «ولكن لهم رحم  أبلها بلالها يعني أصلها بصلتها» [رواه البخاري].

فمن طالع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وجدها منهجا لتماسك المجتمع وصلة الأرحام والمعاملة بفضائل الأخلاق بين أفراد الأسرة والعائلة.

12- تعد منهجا لإدارة الأزمات.

مرت الدعوة الإسلامية بأزمات كثير منذ ولادتها في مكة بدأت بمقاومة مشركي قريش له ولدعوته واستهداف المستضعفين من أتباعه بالتعذيب وهؤلاء النفر هم نواة الدولة الإسلامية التي ستسود العالم وتقوده بعد بضع سنوات، ثم واجه بعد ذلك الحروب بعد الهجرة لاستئصال دعوته وإنهاء أمره، وواجه الأزمات الداخلية التي كان يثيرها المنافقون بإثارة الفتن في المجتمع وتفريق المسلمين.

أدار النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأزمات بالصبر والحكمة وعالجها وبث روح الإيمان والوحدة بين المسلمين، وأعد العدة الصحيحة وقام بتربية أصحابه وتأهيلهم وأخذ بالأسباب ورتب الأولويات، ونجح في إدارة السياسة الخارجية والداخلية وخرج من كل الأزمات التي واجهته داخليا وخارجيا.

لذا فإن السيرة النبوية تعد منهجا ومرجعا يرشد إلى كيفية إدارة الأزمات الداخلية والخارجية واستخلاص المبادئ العامة للخروج من الأزمات.

ــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) حميد الله ،State", p. 266  of Conduct "Muslim.

([2]) سيد قطب ، «في ظلال القرآن» / ج 10 / ص 123.

([3]) أخرجه أحمد في مسنده، ج2 ص 382، ومالك في الموطأ، ج2 ص904 ولفظ مالك «لأتمم حسن الأخلاق»، والحاكم في المستدرك، ج2 ص 670، أما لفظ «لأتمم مكارم الأخلاق» فرواه البيهقي  في السنن الكبرى، ج10 ص 191، والقضاعي في مسند الشهاب، ج2 ص 192.

([4]) أخرجه أحمد في مسنده، ج4 ص 193، والترمذي في سننه، ج4 ص 370، وابن حبان في صحيحه، ج2 ص 231. 

([5]) رواه البيهقي في شعب الإيمان، ج6 ص 241. 

([6]) أخرجه أحمد في مسنده، ج3 ص 438، والحاكم في المستدرك، ج4 ص178، والطبراني في الأوسط ج5 ص 364، وفي الكبير، ج17 ص 279، والبيهقي في سننه الكبرى، ج10 ص 235.

عدد الزيارات 13462 مرة آخر تعديل على الثلاثاء, 22 تموز/يوليو 2014 07:16

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة