طباعة

تحتفل الأمة الإسلامية كل عام بالمولد النبوي الشريف، ونرى من يعترض على ذلك الاحتفال، ويقولون إنه بدعة، فما حقيقة ذلك ؟

الأحد, 25 أيلول/سبتمبر 2016     كتبه 

لقد كان المولد النبوي الشريف إطلالة للرحمة الإلهية بالنسبة للتاريخ البشري جميعه، وعبر القرآن الكريم عن وجود النبي صلي الله عليه وسلم بأنه « رحمة للعالمين »، وهذه الرحمة لم تكن محدودة؛ فهي تشمل تربية البشر وتزكيتهم، وتعليمهم، وهدايتهم نحو الصراط المستقيم وتقدمهم على صعيد حياتهم المادية والمعنوية، كما أنها لا تقتصر على أهل ذلك الزمان، بل تمتد على امتداد التاريخ بأسره ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ([1]).

والاحتفال بذكرى مولده صلي الله عليه وسلم من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنه تعبير عن الفرح والحب له صلي الله عليه وسلم، ومحبَّة النبي صلي الله عليه وسلم أصل من أصول الإيمان، وقد صح عنه أنه صلي الله عليه وسلم قال : «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده»([2])، وأنه صلي الله عليه وسلم قال : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»([3]).

قال ابن رجب: « محبَّة النبي صلي الله عليه وسلم من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله عز وجل، وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدَّم عليهما محبَّة شيء من الأمور المحبَّبة طبعًا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، فقال تعالى : ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ([4]).ولما قال عمر للنبي صلي الله عليه وسلم: أنت أحـبُّ إليَّ من كلِّ شيء إلاَّ من نفسي فقال: « لا يا عمر، حتَّى أكون أحبَّ إليك من نفسك» فقال عمر: والله أنت الآن أحبُّ إليَّ من نفسي، قال: «الآن يا عمر»([5]).

والاحتفال بمولده صلي الله عليه وسلم هو الاحتفاء به، والاحتفاء به صلي الله عليه وسلم أمر مقطوع بمشروعيته؛ لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولى، فقد علم الله سبحانه وتعالى قدر نبيه، فعرَّف الوجود بأسره باسمه، وبمبعثه، وبمقامه، وبمكانته، فالكون كله في سرور دائم وفرح مطلق بنور الله، وفرجه، ونعمته على العالمين، وحجته.

وقد درج سلفنا الصالح منذ القرن الرابع والخامس على الاحتفال بمولد الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه بإحياء ليلة المولد بشتى أنواع القربات من إطعام الطعام، وتلاوة القرآن والأذكار، وإنشاد الأشعار والمدائح في رسول الله صلي الله عليه وسلم، كما نص على ذلك غير واحد من المؤرخين مثل الحافظين : ابن الجوزي، وابن كثير، والحافظ ابن دحية الأندلسي، والحافظ ابن حجر، وخاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي رحمهم الله تعالى.

وألف في استحباب الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف جماعة من العلماء والفقهاء بينوا بالأدلة الصحيحة استحباب هذا العمل؛ بحيث لا يبقى لمن له عقل وفهم وفكر سليم إنكار ما سلكه سلفنا الصالح من الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، وقد أطال ابن الحاج في [المدخل] في ذكر المزايا المتعلقة بهذا الاحتفال، وذكر في ذلك كلامًا مفيدًا يشرح صدور المؤمنين، مع العلم أن ابن الحاج وضع كتابه المدخل في ذم البدع المحدثة التي لا يتناولها دليل شرعي.

قال خاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي في كتابه «حسن المقصد في عمل المولد» بعد سؤال رفع إليه عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول: ما حكمه من حيث الشرع، وهل هو محمود أو مذموم، وهل يثاب فاعله؟ قال: « والجواب عندي أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس، وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلي الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط يأكلونه و ينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها؛ لما فيه من تعظيم قدر النبي صلي الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.

وقد رد السيوطي على من قال : « لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة » بقوله: « نفي العلم لا يلزم منه نفي الوجود » مبينًا أن إمام الحفاظ أبا الفضل ابن حجر رحمه الله تعالى قد استخرج له أصلا من السنة، واستخرج له هو - يعني السيوطي- أصلا ثانيا موضحا أن البدعة المذمومة هي التي لا تدخل تحت دليل شرعي في مدحها أما إذا تناولها دليل المدح فليست مذمومة»

روى البيهقي عن الشافعي رضى الله عنه عنه قال :« المحدثات من الأمور ضربان؛ أحدهما : أحدث مما يخالف كتابا، أو سنة، أو أثرًا، أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، والثاني : ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد وهذه محدثة غير مذمومة. وقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه في قيام شهر رمضان نعم البدعة هذه، يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى. هذا آخر كلام الشافعي.

قال السيوطي: « وعمل المولد ليس فيه مخالفة لكتاب ولا سنة ولا أثر ولا إجماع، فهي غير مذمومة كما في عبارة الشافعي، وهو من الإحسان الذي لم يعهد في العصر الأول، فإن إطعام الطعام الخالي عن اقتراف الآثام إحسان، فهو إذن من البدع المندوبة كما عبر عنه بذلك سلطان العلماء العز ابن عبد السلام ».

وأصل الاجتماع لإظهار شعار المولد مندوب وقربة؛ لأن ولادته أعظم النعم علينا والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، وهذا ما رجحه ابن الحاج في المدخل حيث قال :« لأن في هذا الشهر مَنَّ الله تعالى علينا بسيد الأولين والآخرين، فكان يجب أن يزاد فيه من العبادات والخير وشكر المولى على ما أولانا به من النعم العظيمة ».

والأصل الذي خرج عليه الحافظ ابن حجر عمل المولد النبوي هو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي صلي الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا : هذا يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجى موسى، فنحن نصومه شكرا لله تعالى، قال الحافظ: « فيستفاد منه فعل شكر الله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر يحصل بأنواع العبادات كالسجود، والصيام، والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من نعمة بروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم ؟ »

ويؤكد الحافظ ابن حجر على مظاهر ذلك الاحتفال، فيقول : «فينبغي أن نقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة، والإطعام، وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة وما كان مباحًا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به ».

ونقل السيوطي عن إمام القراء الحافظ شمس الدين ابن الجزري من كتابه «عرف التعريف بالمولد الشريف» قوله : «إنه صح أن أبا لهب يخفف عنه العذاب في النار كل ليلة اثنين لإعتاقه ثويبة عندما بشرته بولادة النبي صلي الله عليه وسلم، فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلي الله عليه وسلم، فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلي الله عليه وسلم يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ؟ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنة النعيم.

وأنشد الحافظ شمس الدين الدمشقي في كتابه المسمى مورد الصادي في مولد الهادي:

إذا كان هــــــــــذا كافرا جـــــــــــاء ذمه

 

وتبَّت يــــــــــداه في الجـحيـــــــم مخــــــــــــلدا

أتى أنـــــــــه في يـــــــــوم الاثنين دائما

 

يخـــــــفف عنـــــــــــه للسرور بأحمــــــــــدا

فما الظن بالعبــــــد الذي كان عمــــــــــره

 

بأحمــــــــد مسرورا ومات موحدا؟ اهـ([6])

 

كما يمكن الاستدلال بعموم قوله تعالى : ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ([7])، فلا شك أن مولد النبي صلي الله عليه وسلم من أيام الله فيكون الاحتفال به ما هو إلا تطبيقًا لأمر الله، وما كان كذلك فلا يكون بدعة، بل يكون سنة حسنة حتى ولو لم يكن على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم.

ونحن نحتفل بمولده صلي الله عليه وسلم؛ لأننا نحبه، ولِمَ لا نحبه وقد عرفه وأحبه كل الكائنات؛ فهذا الجذع وهو جماد أحب النبي صلي الله عليه وسلم وتعلق به واشتاق إلى قربه الشريف صلي الله عليه وسلم، بل وبكى بكاء شديدًا تشوقا للنبي صلي الله عليه وسلم، وقد تواتر هذا الخبر، وصار العلم به محتم، وروي عن أكثر من صحابي من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم : « أنه عندما كان النبي صلي الله عليه وسلم يخطب قائمًا معتمدًا على جذع نخل منصوب، فإذا طال وقوفه وضع يده الشريفة على ذلك الجذع، ولما كثر عدد المصلين صنع له الصحابة منبرًا، فلما خرج صلي الله عليه وسلم من باب الحجرة الشريفة يوم الجمعة يريد المنبر، وجاوز الجذع الذي كان يخطب عنده إذا بالجذع يصرخ صراخًا شديدًا، ويحن حنينا مؤلمًا حتى ارتج المسجد وتشقق الجذع، ولم يهدأ، حتى نزل النبي صلي الله عليه وسلم عن المنبر وأتى الجذع، فوضع يده الشريفة عليه، ومسحه، ثم ضمه بين يديه إلى صدره الشريف حتى هدأ، ثم خيره بأن سارره بين أن يكون شجرة في الجنة، تشرب عروقه من أنهار الجنة، وبين أن يعود شجرة مثمرة في الدنيا، فاختار الجذع أن يكون شجرة في الجنة فقال صلي الله عليه وسلم أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله» فسكن الجذع، ثم قال صلي الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لبقي يحن إلى قيام الساعة شوقًا إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم »([8]).

ومما سبق ذكره من  أقوال الأئمة كابن حجر، وابن الجوزي، والسيوطي، وغيرهم، وتبين أن هذا حال الأمة من القرن الخامس الهجري، نرى استحباب الاحتفال بالمولد الشريف موافقة للأمة والعلماء، وأن يكون الاحتفال بما ذكر من تلاوة القرآن والذكر وإطعام الطعام، ولا يتطرق إليه مظاهر مذمومة كالرقص والطبل وما إلى ذلك، ولا عبرة بمن شذ عن هذا الإجماع العملي للأمة وأقوال هؤلاء الأئمة؛ وليس ذلك الاحتفال بكثير على النبي صلي الله عليه وسلم الرحمة المهداة حبيب رب العالمين، وفي الختام أذكر قول صاحب البردة :

ثم اصطفــــــــــاه حبيبًا بارئُ  النَّســــــــمِ

 

فهو الذي تم معنــــــــاه  وصـــــــــورته        

فجـــــوهر الحسن فيـــــــــــه غيرُ منقسـمِ

 

منزهٌ عن شـــــــــريـكٍ فـي محاسنـــــــه           

واحكم بما شئت مـدحًا فيه واحتكم

 

دعْ ما ادعتْهُ النصارى    في  نبيـــــــــهم         

وانسب إلى قــــــــــدره ما شئت من عظمِ

 

وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف

حدٌّ فيعــــــــرب عنــــــــه ناطقٌ بفـــــــــمِ

 

فإن فضـــــــل رســــــــول الله ليس له

 

والله تعالى أعلى وأعلم

________________________________________________________________________

([1]) سورة الجمعة : 3.

([2]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص14، أخرجه مسلم، ج1 ص 76.

([3]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص14.

([4]) التوبة:24.

([5]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج6 ص 2445.

([6]) كل ما سبق من النقل ذكره الإمام السيوطي في كتابه، حسن المقصد في عمل المولد من ص 5 : 15ونقل هذا الكلام بنصه ابن قاسم العبادي في حاشيته على تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي، ج7 ص 424.

([7]) إبراهيم : 5.

([8]) أخرج أصل الحديث جمع غفير من الحفاظ بألفاظ متقاربة، فأخرجه أحمد في مسنده، ج3 ص 293، والبخاري في صحيحه، ج3 ص 1313، والترمذي في سننه، ج5 ص 594، وابن ماجه في سننه، ج1 ص 454، والدارمي في سننه، ج1 ص 30، وابن حبان في صحيحه، ج14 ص 435، وابن أبي شيبة في مصنفه، ج 6 ص 319، والطبراني في الأوسط، ج2 ص367، وأبو يعلى في مسنده، ج6 ص 114.

عدد الزيارات 6514 مرة
قيم الموضوع
(3 أصوات)