طباعة

ما هو حكم الشرع في تأقيت عقد الإيجار وتأبيده؟

الأحد, 20 كانون1/ديسمبر 2015     كتبه 

في البداية نقول: يقصد بأجل التوقيت: الزمن الذي يترتب على انقضائه زوال التصرف، أو انتهاء الحق الذي اكتسب خلال هذه المدة المتفق عليها، والعقود والتصرفات من حيث قبولها للتوقيت تنقسم إلى:

  • عقود لا تصلح إلا ممتدة لأجل (مؤقتة).
  • عقود تصح حالة ومؤقتة.

     كما أن هذه العقود منها ما لا يصح إلا بأجل معلوم، ومنها ما لا يصح إلا بأجل مجهول، ومنها ما يصح بأجل معلوم أو مجهول، وفيما يلي بيان ذلك.

المبحث الأول: عقود لا تصح إلا ممتدة لأجل (مؤقتة)، وهذا القسم يشمل عقود: الإجارة، والكتابة، والقراض.

     أ- (عقد الإجارة): إن الإجارة مؤقتة إما بمدة، وإما بعمل معين، والعمل يتم في زمن عادة، وبانتهاء العمل ينتهي عقد الإجارة، فهو عقد مؤقت. ومثل عقد الإجارة: المساقاة، والمزارعة.

     وقد اتفق الفقهاء على أن الإجارة لا تصح إلا مؤقتة بمدة معينة، أو بوقوعها على عمل معلوم. فمن الأول: إجارة الأرض، أو الدور، أو الدواب، والأجير الخاص. ومن الثاني: الاستئجار على عمل كخياطة ثوب مثلاً، وهو الأجير المشترك.

     اتفق الفقهاء على أن الإجارة تنتهي بانتهاء المدة، أو بهلاك المعقود عليه المعين، أو بالإقالة. وذهب الحنفية إلى أنها تنقضي أيضًا بموت أحد المتعاقدين، أو طروء عذر يمنع من الانتفاع بالعين المستأجرة، وذلك بناء على أنهم يرون أن الأجرة تثبت بالعقد، كالثمن يثبت بنفس البيع. وتفصيل ذلك فيما يلي:

     أولاً: انقضاء المدة: إذا كانت الإجارة محددة المدة، وانتهت هذه المدة فإن الإجازة تنتهي بلا خلاف، غير أنه قد يوجد عذر يقتضي امتداد المدة، كأن تكون أرضًا زراعية، وفي الأرض زرع لم يستحصد، أو كانت سفينة في البحر، أو طائرة في الجو، وانقضت المدة قبل الوصول إلى الأرض، وإذا كانت الإجارة غير محددة المدة، كأن يؤجر به الدار مشاهرة كل شهر بكذا دون بيان عدد الأشهر.

     وقد عرف الإمام الزركشي "التأقيت" بقوله: التأقيت كل عق كانت المدة ركنًا فيه لا يكون إلا مؤقتًا كالإجارة، والمساقاة، والهدنة، فأما الإجارة فالمراد بها العينية، فأما التي في الذمة فإنها تارة تقوم بالزمان، وتارة بالعمل، وقد يعرض التأقيت حيث لا ينافيه، كالقارض يذكر فيه مدة يمتنع من الشراء بعدها فقط، وكالإذن المقيد بالزمان في أبوابه خاصة كالوصاية، ومما يقبل التأقيت الإيلاء، والظهار، والنذر، واليمين ونحوها، ومما لا تقبله الحرية لا تصح مؤقتة على المذهب.

     وقال الإمام السيوطي: قال بعضهم: الإجارة كالبيع إلا في وجوب التأقيت، والانفساخ بعد القبض بتلف العين، وأن العقد يرد على المنفعة، وفي البيع على العين، وأن العوض يملك في البيع بالقبض ملكًا مستقرًا، وفيها ملكًا مراعي لا يستقر إلا بمضي المدة، ولا خيار فيها على الأصح([1]).

     وقال شيخ الإسلام أبو يحي زكريا الأنصاري: (ولو بطول) أي: ولو كان التأقيت مع طول الوقت بقيد زاده بقوله: (مع بقاء العين) المكتراة إليه غالبًا، فيؤجر الدابة إلى عشر سنين ونحوها، والعبد إلى ثلاثين سنة ونحوها، والثوب إلى سنة أو سنتين ونحوهما على ما يليق به، والأرض إلى مائة وأكثر، سواء في ذلك الوقف والطلق([2]).

     وجاء في مجلة الأحكام العدلية: (المادة 452) المنفعة تكون معلومة ببيان مدة الإجارة في أمثال الدار والحانوت والظئر؛ والظئر هي المرضعة يعني: تكون المنفعة معلومة في أمثال الدور، والحوانيت، والظئر، وغرف الخان، والنزل ببيان مدة الإجارة؛ أي: بالعلم بها، وبذلك تكون الإجارة صحيحة، وسواء أكانت تلك المدة طويلة بحيث لا يظهر أن الطرفين يمكن أن يبقيا إلى نهايتها في قيد الحياة، أو قصيرة([3]).

     وإن تأخرت مدة الإيجار عن وقت العقد كالإجارة المضافة، أو لم تتأخر كالإجارة المنجزة؛ لأن المدة إذا علمت تكون المنفعة معلومة، وبعد ذلك فليس تعيين ما يستأجر له وبيانه شرطًا؛ لأن استعمال ما يؤجر يعلم بالعرف والعادة. (انظر: المادتين) (484، 552)، غير أن بعض العلماء قد قالوا ببطلان الإجارة التي تقع لمدة لا يمكن أن يبقى فيها العاقدان على قيد الحياة؛ لن ذلك بمنزلة الإجارة المؤبدة.

     (والتأبيد) في الإجارة مبطل لها، ولكن بما أن بعض الفقهاء كالخصاف اختار جوازها؛ لأن حق الاختيار في ذلك يرجع إلى العاقدين، وإطلاق المتون يفيد جوازها فقد شرحناه على هذا الوجه (مجمع الأنهر، رد المحتار الزيلعي). وقد روي عن الإمام الشافعي (رضي الله عنه) في ذلك أقوال ثلاثة:

  • إن مدة الإجارة لا يجوز أن تزيد عن سنة واحدة.
  • صحة الإجارتين لثلاثين سنة، والزيادة منها ليست صحيحة.
  • صحة الإجارة مؤبدة؛ لأن بيع المنافع كبيع الأعيان.

     فلو قال شخص لآخر: "استأجرت منك الحانوت الفلاني لأسكن فيه شهرًا بكذا قرشًا" تكون المنفعة معلومة، وإذا لم تبين المدة تكون الإجارة فاسدة، وإذا لم ينتفع بها حقيقة فلا تلزم أجرة. وعلى ذلك فلو استأجر شخص ظئرًا على أن ترضع ابنه إلى أن يمشي فالإجارة فاسدة، ويلزم أجر المثل في المدة التي تكون أرضعت فيها الصبي.

 

([1]) الأشباه والنظائر، للسيوطي، الباب السادس في أبواب متشابه وما افترقت فيه.  

([2]) الغرر البهية، لزكريا الأنصاري، باب الإجارة.  

([3]) دور الحكام في شرح مجلة الأحكام، علي حيدر، المادة (452) بيان مدة الإجارة.  

عدد الزيارات 6870 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)