طباعة

هل هناك فرق بين الفوائد البنكية والربا أم أن حقيقتهما واحدة؟

الإثنين, 07 تشرين2/نوفمبر 2016     كتبه 

هل هناك فرق بين الفوائد البنكية والربا أم أن حقيقتهما واحدة؟

الجواب

البنك في الأصل من الكلمة الإيطالية: "بنكو" والتي تعني: مائدة، في إشارة إلى تلك المائدة التي كان يضعها الصيرفي في العصور الوسطى، ولهذه الإشارة علاقة بنشأة البنوك في العصر الحديث، وقد أجاز مجمع اللغة العربية بالقاهرة كلمة "بنك"؛ وهي النطق الصوتي للكلمة الإنجليزية وأصبحت تكتب "بنك"، وتجمع على "بنوك" وأدخلت الكلمة معاجم اللغة العربية الثلاثة: الوجيز والوسيط والكبير، وعرفوه بأنه: مؤسسة تقوم بعمليات الائتمان بالاقتراض والإقراض. [المعجم الوسيط 2/ 976].

وترتبط حقيقة البنوك بعملية الصَّرف وعمل الصيارفة، والصَّرف في اللغة: يأتي بمعان، منها: رد الشيء عن الوجه، يقال: صَرَفَهُ يَصْرِفُهُ صَرْفًا إذا ردَّه، وصَرَفْتُ الرجلَ عني فانْصَرَفَ. ومنها: الإنفاق، كقولك: صَرَفْتُ المال، أي: أنفقته. ومنها البيع، كما تقول: صَرَفْتُ الذهب بالدراهم، أي: بِعْتُهُ، واسم الفاعل من هذا صَيْرَفِيٌّ وصَيْرَفٌ، وصَرَّافٌ للمبالغة، ومنها الفضل والزيادة. قال ابن فارس: الصَّرْفُ: فضل الدرهم في الجودة على الدرهم، والدينار على الدينار.

وفي الاصطلاح: عرَّفه جمهور الفقهاء بأنه بَيْعُ الثمن بالثمن، جِنْسًا بِجِنْسٍ أو بغير جِنْسٍ، فيشمل بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، كما يشمل بيع الذهب بالفضة، والمراد بالثمن ما خلق للثمنية، فيدخل فيه بيع المصوغ بالمصوغ أو بالنقد.

وتساعد معرفة نشأة البنوك والنقود الورقية في إدراك حقيقتها، والوصول إلى حكم تعاملاتها؛ فكانت البداية تتمثل في عمل الصرَّاف الذي كان يقوم بتبادل النقود لسدِّ حاجة من يريد أن يستبدل الدينار بالدراهم مثلا أو العكس، أو تبديل الدنانير المكسورة أو غير ذلك.

وكان الصرَّاف دائمًا يحتاج لوجود كمية من النقد، فكان له الصندوق الذي يحفظ فيه أمواله؛ لتيسير هذه المبادلات والمعاملات اليومية؛ ونظرًا لصيانة هذه الصناديق التي لدى الصرَّاف وقربها من أماكن المعاملات، بدأ الناس في إيداع نقودهم بهذه الصناديق كأمانة للحفاظ عليها، مقابل أجرٍ يتناسب مع مدة بقاء الوديعة ومبلغها. وكان الصيارفة يعطونهم إيصالات ورقية تفيد بأن هذه الوديعة موجودة لديهم.

ولاحظ الصيارفة أَنَّ أصحابَ الودائع يتركونها فتراتٍ طويلةٍ بشكلٍ شبه دائم، حيث كان أصحاب الودائع يتعاملون بتلك الإيصالات الورقية بين الناس، بدلا من النقود المودعة لدى الصيارفة. وشجع هذا الحال الصيارفة في الإقراض من هذه الودائع مقابل فائدة، وبدأ الصيارفة لتشجيع المُودِعِين على إيداع المبالغ، يتنازلون عن أجرِ حفظ الودائع، وزيادة في التشجيع بدأ الصيارفة إعطاء المُودِعِين جزءًا من الفوائد التي تحصل من إقراض تلك الودائع ومع زيادة ثقة المتعاملين في هذه الإيصالات تمَّ تبادلها، وكانت هذه الإيصالات الورقية بداية نشأة النقود الورقية، والتي كانت في أصلها تعبر عن وجود قيمة ذهبية لدى الصيرفي، وهو ما كان يعرف بقاعدة الذهب.

وكانت إيطاليا أول دولة تعرف البنوك في شكل قريب من الشكل المعاصر، حيث أنشئ أول بنك في التاريخ عام 1157م في مدينة البندقية الإيطالية.

والبنك في عصرنا الحالي هو مؤسسة وسيطة قامت للتوفيق بين المُودِعِين الذين لديهم فائض ادخاري، والمستثمرين الذين لديهم حاجة لتلك المدخرات، على أن تتلقى تلك المؤسسة أموال المُودِعِين، وتدفعها للمستثمرين مقابل مبلغ مالي تأخذه من المستثمرين يتم توزيعه بين البنك وبين المودعين.

ويقوم البنك بوظائف أخرى هي: الاحتفاظ بودائع العملاء بالحسابات الجارية دون فائدة، والقيام ببعض الخدمات الخاصة بالأوراق المالية، مثل: شراء وبيع الأوراق المالية وحفظها، وتحصيل الكوبونات نيابة عن العملاء أو دفعها نيابة عن الشركات، وخصم الأوراق التجارية أو تحصيلها في ميعاد استحقاقها أو تسديد قيمة أوراق الدفع نيابةً عن العملاء، وشراء وبيع العملات الأجنبية.

ولم تكن الوظائف الثانوية للبنك -والتي تُعدُّ في أغلبها خدمات يقوم بها البنك نظير أجر، أو التجارة في العملات- مثار خلاف بين العلماء أو تخوف من شبهة ربا في تلك المعاملات. وإنما كانت وما زالت الوظيفة الأساسية للبنك منذ نشأتها في ديار المسلمين، هي مثار الجدل بين علماء الإسلام بشأن حِلِّها أو حرمتها، وتتلخص هذه الوظيفة في قبول الودائع المالية من المودعين ثم استثمارها، وإعطاء المودع نسبة محددة على مبلغ الوديعة.

وقد اختلف الفقهاء منذ ظهور البنوك في العصر الحديث في حكم هذه المعاملة؛ وهذا الاختلاف نظرًا لاختلافهم في التصوير والتَكْيِيف.

وهناك خمس نظريات تحاول تكييف وضع البنكنوت الحالي في صورة اقتصادية ليمكن الحكم عليه فقهيًّا؛ وهي: نظرية السندية، ونظرية العرضية، ونظرية البدلية، ونظرية إلحاقها بالفلوس، والنظرية النقدية أي أنه نقد قائم بذاته.

وإذا صَوَّرنا المعاملة بين البنك والمودعين على أنها قرض، فإننا نجد أيضًا العلماء قد اختلفوا في التَّكْيِيف، هل هو قرض على ذهب أم سلعة؟

قال بعضهم: الفلوس مَالٌ وهذا الورق البنكنوت وسيط، وبعضهم قال: لا، هذا ليس ربا بل بيع وأنها أوراق، ولا ربا في الفلوس ولو راجت رواج النقدين -والفُلُوسُ في الاصطلاح القديم: جمع فِلْس، وهو قطعة من نحاس ونحوه يتعامل بها [انظر: حاشية الترمسي على شرح المقدمة الحضرمية 7/ 8، ط. دار المنهاج ]-؛ كما نصَّ العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" [2/ 34، ط. دار المعرفة] بقوله: "(والنقد بالنقد) والمراد به الذهب والفضة مضروبًا كان أو غير مضروب (كطعام بطعام) في جميع ما سبق من الأحكام، فإن بِيعَ بجنسه كذهب بذهب اشترط المماثلة والحلول والتقابض قبل التفرق والتخاير، وإن بيع بغير جنسه كذهب بفضة جاز التفاضل أو اشترط الحلول والتقابض قبل التفرق أو التخاير... وعلة الربا في الذهب والفضة جنسية الأثمان غالبًا كما صحَّحه في المجموع، ويعبر عنها أيضًا بجوهرية الأثمان غالبًا، وهي منتفية عن الفلوس وغيرها من سائر العروض، لا أنها قيم الأشياء، كما جرى عليه صاحب التنبيه؛ لأن الأواني والتبر والحلي يجري فيها الربا، وليس مما يُقَوَّم بها، واحترز بـ"غالبًا" عن الفلوس إذا راجت، فإنه لا ربا فيها" اهـ.

فعِلَّة تحريم الربا في النقدين هي الثَّمَنِيَّةُ الغالبة التي يعبر عنها بجوهرية الأثمان غالبًا؛ لأنه لو كانت العلة معنى يتعداهما لما جاز إسلامهما في غيرهما، ولكن لما جاز إسلام الذهب والفضة في غيرهما من الأموال دل على أن العلة فيهما لمعنى لا يتعداهما، وهو أنهما من جنس الأثمان. [انظر: أسنى المطالب مع حاشية الرملي 2/ 22، ط. دار الكتاب الإسلامي].

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "شرح المنهج" [3/ 46، ط. دار الفكر]: "(إنما يحرم) الربا (في نقد) أي ذهب وفضة ولو غير مضروبين كحُلِيٍّ وتِبْرٍ، بخلاف العروض كفلوس وإن راجت؛ وذلك لعلة الثمنية الغالبة، ويعبر عنها أيضا بجوهرية الأثمان غالبًا، وهي منتفية عن العروض" اهـ.

وقال الزركشي في "المنثور" [3/ 244، ط. وزارة الأوقاف الكويتية]: "ولو راجت الفلوس رواج النقود، فهل تعطى حكمها في باب الربا؟ وجهان، أصحهما: لا؛ اعتبارًا بالغالب" اهـ.

وورد في كتاب "الأم" للإمام الشافعي [3/ 15، ط. دار الفكر] نَصٌّ على أن العلة في النقدين الثمنية، حيث قال: "والذهب والوَرِقُ مباينان لكل شيء؛ لأنهما أثمان كل شيء، ولا يقاس عليهما شيء من الطعام ولا من غيره" اهـ.

وهذه العلة هي التي تسمى في اصطلاح الأصوليين بـ"العلة القاصرة"، وهي التي يكون التعليل فيها بنفس المحل، أو جزئه. ومثال كونها محل الحكم: قولنا: "الذهب ربوي لكونه ذهبًا" -كما هي قضيتنا-، ومثال كونها جزء محل الحكم قولنا: "الخمر حرام؛ لأنه معتصر من العنب فقط"، والمحل مركب من كونه معتصرًا ومن كونه مسكرًا، فالتعليل بالاعتصار تعليل بجزء المحل. [انظر: شرح الكوكب المنير ص 492، جمع الجوامع بشرح المحلي وحاشية العطار 2/ 282-284]

وقال الإمام النووي في "المجموع" [9/ 490، ط. المنيرية]: "أما الذهب والفضة فالعلة عند الشافعي فيهما كونهما جنس الأثمان غالبًا، وهذه عنده علة قاصرة عليهما لا تتعداهما؛ إذ لا توجد في غيرهما" اهـ.

وقد لاحظ هذا القول ارتفاع الغطاء الذهبي سنة 1973م، وأن الدولار أصبح هو الغطاء البديل عن الذهب حيث هو غالب عملة الاحتياط، فلم تعد الأوراق النقدية سندًا لقيمة ذهبية.

ومن القائلين بذلك القول أيضًا: الظاهرية؛ حيث لم يتجاوزوا الأصناف الستة الربوية، وقالوا: لو كان الربا يجري في كل مكيل وموزون لقال صلى الله عليه وآله وسلم: المكيل بالمكيل والموزون بالموزون والنقد بالنقد؛ لأنه أعم وأوضح، ومناسب لما أوتيه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من جوامع الكلم. وجرى على هذا القول أيضًا الأمير الصنعاني وابن عقيل الحنبلي. وعليه: فلا ربا في الفلوس ولا الأوراق النقدية ولا غيرهما مما جعل نقدًا، وعلة الربا تعبدية غير معللة.

وقال بعضهم: التصوير: أنها استثمار، والتكييف: أنها مضاربة فاسدة، فالحكم: الحرمة، والفتوى: جواز المعاملة؛ للضرورة.

وقال البعض: التصوير: أنها استثمار، والتكييف: أنها مُضَارَبَةٌ صحيحة، والحكم: الجواز؛ لأن هناك فرقًا بين الشخصية الطبيعية والشخصية الاعتبارية، فتحديد السعر من قبيل الشخصية الطبيعية حرام، أَمَّا مع الشخصية الاعتبارية فجائز، فإذا قيل: ما موجب الاختلاف بين الشخصيتين؟ قالوا: الشخصية الطبيعية لها ذِمَّةٌ واحدة ولها تعامل واحد، والاعتبارية لها ذمم كثيرة وتعاملات كثيرة، وعندها ما يُسمَّى (Backcasting) أي: التنبؤ للخلف، وعندها (Forecasting) أي: التنبؤ للمستقبل، وذلك عن طريق الحسابات الدقيقة وإلا يخرب السوق، فعن طريق التتبع الخلفي يقولون: أنا بالتجربة المتكررة أكسب كل يوم (2)- أول يوم (2)، ثاني يوم صارت (4)، الثالث صارت (6)، ... (8) إذًا غدًا لا بد أن يكون (10)؛ بناءً على الرؤية الخلفية، بجانب أن البنك المركزي في بعض الأحيان يضمن رأس المال.

والبنوك تختلف عن الشركات؛ فالشركة غالبًا لها أموال وتستثمرها في نشاط واحد، وقد لا تدري كيف تستثمرها أصلًا، أَمَّا البنك فالأمر فيه مختلف؛ لأن فيه تعاملات كثيرة جدًّا، إذا خسرت واحدة ربحت الأخرى.

وبعضهم صَوَّرَها على أَنَّهَا استثمار، وكَيَّفَهَا على أنها وكالة استثمارية، وهي وسيط استثمار، إذًا فالحكم والفتوى على الحِل.

وبعضهم احتار في التصوير: هل هي استثمار أم قرض؟ فالتَّكْييف: شُبْهَةٌ، والحكم: شبهة، والإفتاء: أنها شبهة، فيجري فيها ما يجري في الشبهات.

فالحاصل أن الخلاف قد وقع في تصوير هذه المسألة، والقواعد المقررة شرعًا: أنه إِنَّما ينكر ترك المتفق على وجوب فعله أو فعل المتفق على حرمته، ولا ينكر المختلف فيه. ويجب على كل مسلم أن يُدْرك أَنَّ الرِّبا قد حرمه الله سبحانه وتعالى، وأنه متفق على حرمته، ويجب عليه أن يدرك أن أعمال البنوك اختلف في تصويرها وتكييفها والحكم عليها والإفتاء بشأنها، وأن يدرك أن الخروج من الخلاف مُستحب، ومع ذلك فله أن يقلد من أجاز، ولا حرمة عليه حينئذٍ في التعامل مع البنك بهذه المعاملة.

إلا أن القول الذي ذهب إلى توصيف المعاملة بين البنك والمودِع والمستثمِر، أنها من قبيل الاستثمار هو الأولى بالاتباع، ونرى الأخذ به لرعاية مصالح الناس في هذا العصر والمحافظة على أموالهم وحقوقهم، فيجوز للمسلم أن يُودِعَ هذه الأموال التي يستثمرها له البنك في تمويل المشروعات الكبيرة، ويجوز له أخذ العائد الاستثماري عن هذا المبلغ، وإن كان مُحددًا، كما يجوز للبنك أن يأخذ كذلك العائد المتفق عليه مع أصحاب المشروعات الكبيرة التي قام البنك بتمويلها، فهذه المعاملة هي تمويل واستثمار، وليست قرضًا، ولذا فهي من العقود الجديدة غير المسماة التي يجوز استحداثها.

وهذا هو الذي أفتى به مجمع البحوث الإسلامية بمصر في جلسة الخميس 23 من رمضان 1423ﻫ، الموافق 28 من نوفمبر 2002م.

وكل ذلك إنما هو من خلال الحالة المصرية طبقًا لآخر تعديلات قانون البنوك، ونظام البنك المركزي وقواعد الجهاز المصرفي، وكل الأنظمة المشابهة لذلك في الدول الأخرى، أما النظم التي لا تشابه ذلك أو تعده قرضًا أو تجيز الإقراض مع الزيادة، فالأصل حينئذ هو الحرمة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

عدد الزيارات 6112 مرة
قيم الموضوع
(1 تصويت)