طباعة

المتشددون

الإثنين, 05 كانون2/يناير 2015     كتبه 

مقدمة في تعريف السلفية وسمات منهج المتشددين الذين تسموا بالسلفيين

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، فمصطلح السلفية يطلق في اللغة على معنى نِسْبِي، يُمْكِن أن تتعاوره الأزمنة المتوالية كلها، فإن كل زمن من الأزمان سَلَف بالنسبة إلى الأزمنة الآتية في أعقابه، وخَلَف بالنسبة إلى الأزمنة التي سبقته ومرَّت من قبله.

وقد اكتسب لفظ (السَّلَفِ) معنى اصطلاحي مُسْتَقِر في الثقافة الإسلامية ويعنى به القرون الثلاثة الأولى من عُمْرِ هذه الأمة الإسلامية، ومصدر هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»([1]).

ومصطلح (السلفية) أُسِيءَ فهمه، وأُسِيءَ استغلاله، وأُسِيءَ استخدامه من بعض المنتسبين إليه، وخاصةً في العصر الحاضر؛ حيث يدعي بعض من ينتسب إلى هذه المصطلح أنَّه هو الوارث الوحيد للسَّلَف، ومن ثَمَّ لا سَلَفِي سواه، وعند التحقيق فيما يتضمنه هذا المفهوم نجده قاصرًا على مسائل وقضايا جُزْئِيَّة خلافية، أو يجعله لا ينطبق إلا على أفراد قلائل من أفراد الأمة، أما علماؤها الكثيرون وأما دعاتها الصادقون العاملون للإسلام في كل أقطار الأرض فهم في زعمهم مبتدعون مهما رسخ قدمهم في هذا الدين؛ لأنهم يختلفوا معهم في هذه المسائل الجزئية.

تطور مصطلح السلفية في التاريخ المعاصر:

ظهر مصطلح السَّلفية في مصر إبان الاحتلال البريطاني لها، وأيام ظهور حركة الإصلاح الديني التي قادها وحمل لواءها كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، فلقد اقترن ظهور هذه الحركة بارتفاع هذا الشِّعَار، ويعود السبب في ذلك إلى واقع مصر آنذاك.

فقد كانت مصر بها أنواع شتى من البِدَع والخُرَافات التي أخذت تكثر وتتنامى في أرجائها تلك الخرافات التي لا تَمُتُّ إلى التصوف الصحيح بِصِلَة، فكان الناس أمام هذا الواقع على فريقين: الأول يرى الانضمام إلى ركب الحضارة الغربية والتخلُّص من بقايا القيود والضوابط، بل حتى الأفكار الإسلامية.

والثاني: يرى إصلاح أمر المسلمين، بإعادتهم إلى الإسلام الصحيح النقي عن سائر الخرافات والبدع والأوهام، وربط الإسلام بعجلة الحياة الحديثة، والبحث عن سبل التعايش بينه وبين الحضارة الوافدة، وكان الشيخ الأفغاني والشيخ محمد عبده يمثلان طليعة الفريق الثاني، وقد اتخذوا هذا الشِّعَار وهو (السلفية) وكان المراد منه في هذا الوقت هو الدعوة إلى نَبْذِ كل هذه الرَّوَاسِب التي عَكَّرت على الإسلام طُهْره وصفاءه من بِدَع وخرافات، بحيث يعود المسلمون في فهم الإسلام واصطباغهم به إلى عهد السلف رضوان الله عليهم اقتداء وسيرًا على منوالهم.

وكان الغرض من اختيار هذا المصطلح (السلفية) هو تهييج كراهية الناس للصورة التي انتهى إليها حال المسلمين؛ بمقارنة فكرية يعقدونها بين واقع الإسلام والمسلمين في عصره الأول الْمُشْرق وواقعه معهم في العصر القاتم المظلم، ثم أن يجعلوا من ارتباط الإسلام بعصر السلف مناط كل سعادة وتقدم وخير.

وفي هذه الأثناء كان المذهب الوهابي -المنسوب إلى محمد بن عبد الوهاب- مُنْتَشِرًا في نجد وبعض أطراف الجزيرة العربية، وقد كان بين هذا المذهب ودعوة الإصلاح الديني في مصر قاسم مشترك يتمثل في محاربة البدع والخرافات، فلهذا راجت كلمة السلف والسلفية بين أقطاب المذهب الوهابي، ثم بعد فترة أُطْلِقَ على الوهابية اسم السَّلَفِيَّة بدلا من الوهابية؛ وكان السبب الإيحاء بأن أفكار هذا المذهب لا تقف عند محمد بن عبد الوهاب فقط، بل ترقى إلى السَّلْف، ولكي يثبتوا للناس أنهم في تبنيهم لهذا المذهب أُمَنَاء على عقيدة السلف وأفكارهم ومنهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه.

 

وهكذا تحولت كلمة (السلفية) من شعار أطلق على حركة إصلاحية للترويج لها والدفاع عنها، إلى لقب لُقِّب به مَذْهَب يرى أصحابه أنهم دون غيرهم من المسلمين على حق، وأنهم دون غيرهم من المسلمين الأمناء على عقيدة السلف والمُعَبِّرُون عن منهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه.

حقيقة اتباع السلف عند العلماء:

إن اتباع السلف لا يكون بالانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بها أو المواقف الجزئية التي اتخذوها؛ لأن السَّلَف أنفسهم لم يفعلوا ذلك، وإنما الاتباع الصحيح لهم يكون بالرجوع إلى ما احتكموا إليه من قواعد تفسير النصوص، وتأويلها، وأصول الاجتهاد، والنظر في المبادئ والأحكام. والرجوع إلى هذه المبادئ والأحكام واجب المسلمين كلهم في سائر العصور، فلا يختص بالرجوع إليها والانضباط بها سلف دون خلف.

ولا يمتاز السلف عن الخلف في ذلك إلا بأن لهم فضل الالتفات إلى هذه القواعد والشعور بمدى الحاجة إليها ثم العكوف على استخراجها وتدوينها.

فالسلفية الحقيقية تعني التزام أهلها بمنهج السلف في تعاملهم مع نصوص القرآن والسنة، هذا المنهج الذي كان مُتَجَسِّدا ومُتَجَلِّيا في سلوك السلف الصالح رضوان الله عليهم. فكل مَن التزم بهذا المنهج فقد دخل في دائرة الوحدة التي عُنْوِنَ لها بأهل السنة والجماعة وإن عاش في القرون الأخيرة من عمر الدنيا، وكل مَنْ لم يلتزم به فقد خرج عن دائرة تلك الوحدة الجامعة، وإن عاش في أول قرن من عمر الإسلام.

وما اتباع السلف إلا الصبغة العامة لسائر المسلمين، وما معناه إلا الاستضاءة بسلوكهم وعلومهم في فَهْمِ هذا المنهج والتمرُّس على تطبيقه بشكل سليم. وكما صح للسلف الصالح أن يختلفوا تحت مظلة ذلك المنهج المتبع، فلا ريب أنه يصح لمن جاء بعدهم متبعًا لهم ومقتديًا بهم أن يختلفوا تحت تلك المظلة ذاتها كما اختلفوا. وكما أن الاختلاف لم يمزق وحدتهم الإسلامية شطرين: ملتزم وزائغ، فإن اختلاف من بعدهم أيضا لم يؤثر على وحدتهم الإسلامية، ولم يجعل منهم شطرين: سلفيًّا وبدعيًّا.

والسَّلف - رضوان الله عليهم - لم يتَّخِذُوا من معنى كلمة (السَّلَف) بحد ذاتها مظهرًا لأي شخصية متميزة أو أي وجود فكري أو اجتماعي خاص بهم يميزهم عمن سواهم من المسلمين، ولم يضعوا شيئًا من يقينهم الاعتقادي أو التزاماتهم السلوكية والأخلاقية في إطار جماعة إسلامية ذات فلسفة وشخصية فكريَّة مستقلة، بل كان بينهم وبين مَنْ نسميهم اليوم بالخَلَف مُنْتَهى التفاعل وتبادل الفهم والأخذ والعطاء تحت سلطان ذلك المنهج الذي تم الاتفاق عليه والاحتكام إليه.

ولم يكن يخطر في بال السابقين منهم ولا اللاحقين بهم أن حاجزًا سيختلف ليرتفع ما بينهما بصُنْعِ طائفة من المسلمين فيما بَعْد، وليقسم سلسلة الأجيال الإسلامية إلى فريقين يصبغ كلا منهما بلون مستقل من الأفكار والتصورات والاتجاهات.

كما أن السلف لم يجتمعوا على مذهب في قضايا الفروع، وإنما ما نقل من خلافات في الفروع هي في الأساس اختلافات بين السلف أنفسهم، فالسلف اختلفوا في قضايا كثيرة فرعيَّة تنتمي إلى الأحكام العمليَّة، وإلى مسائل الاعتقاد الفرعية.

فقول أحدهم هذا مذهب السلف فيه خداع؛ لأنه فيه توهمان: الأول : أن السلف كان لهم هذا المذهب الفقهي الذي اتفقوا عليه وهذا محض وَهْم.

الثاني : أن مذاهب السلف ليست هي ما نقله أئمة المذاهب الفقهية عن شيوخهم من التابعين، وإنما هي أقوال يدعيها كل مدع، والصحيح أن المذاهب الفقهية كانت نقلا لمذهب السلف، ووسيلة لنقل الآراء الفقهية، فكما أن القراءة المتواترة في القرآن الكريم طريق نقل كتاب الله، والسند في الحديث النبوي هي طريق نقل الحديث النبوي، فإن المذاهب الفقهية هي طريق نقل الآراء الفقهية والمذاهب الفقهية من لدن الصحابة.

سمات  المتشددين الذين تسموا كذبا بالسلفيين في العصر الحديث :

نرى آراء أغلب من تسموا بالسلفيين واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة، وهذه هي الأمور الخمسة التي يجب على الدارسين عند تحليلهم للظاهرة أن يقفوا عندها. كما أنهم يتبنون فكرًا صداميًّا، وهذا الفكر الصِّدَامي يفترض أمورًا ثلاثة وهي:

أولا : أن العالم كله يكره المسلمين، وأنهم في حالة حرب دائمة للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة وفي العلن مرات، وأن هناك استنفار للقضاء علينا مللنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب.

ثانيا : وجوب الصدام مع ذلك العالم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجود الصدام يأخذ صورتين الأولى : قتل الكفار الملاعين، والثانية : قتل المرتدين الفاسقين، أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين.

وأما المرتدون الفاسدون فهم من شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله وخالف فكرهم، وهذه الصياغات كما نرى فيها شيء كثير من التلبيس والتدليس والجهالة ولكنها سوف تجذب كثيرًا من الشباب.

ثالثا : أن فكرهم يراد له أن يكون من نمط الفكر الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن تتبع خيوطها بقدر ما يعمل باعتباره فكرًا طليقًا من كل قيد يقتنع به المتلقي له في أي مكان ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد.

وعليه فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى وتنتشر بصورة أعمق، وهذه النظرية لها ارتباط عضوي بنظرية الفوضى الخلاقة، وهو المصطلح الذي شاع في الاستعمالات السياسية والأدبية في الآونة الأخيرة وإن كان الكثيرون لا يدركون أصوله ومعانيه وآثاره والنموذج المعرفي المنتمي إليه.

لقد أصبح توجه هؤلاء المتشددين عائقًا حقيقًا لتقدم المسلمين ولتجديد خطابهم الديني وللتنمية الشاملة التي يحتاجها العالم الإسلامي عامَّة، ومصر على صفة الخصوص، وهذا التوجُّه السلفي أصبح تربة صالحة للفكر المتطرف، وأصلا للمشرب المتشدد الذي يدعو إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده في خياله الذي غالبًا ما يكون مريضًا غير قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس.

ويتميز هذا الفكر المتشدد بعدة خصائص تؤدي إلى ما ذكرنا وترسم ذلك الموقف الذي يجب على الجميع الآن –خاصة- أن يقاوموه وأن يعملوا بكل وسيلة على إخراج أولئك من عزلتهم؛ لأنهم لم يعودوا ضارين لأنفسهم فقط، لكن ضررهم قد تعدَّى إلى من حولهم وإلى شباب الأمة ومستقبلها، وإلى المجتمع بأسره.

هذا الفكر يريد أن يسحب مسائل الماضي في حاضرنا، ولذلك تراه قد حوَّل هذه المسائل إلى قضايا وإلى حدود فاصلة بينه وبين من حوله، وهذه القضايا يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات من طريقة الأكل والشرب إلى قضاء الحاجة واستعمال العطور.

وتؤثر هذه الخصيصة التي تستجلب مسائل الماضي وتسحبها وتجرها إلى الحاضر من ناحية، وتحول مجرد المسألة التي كانت في نطاق الماضي لا تعدو مسألة إلى قضية ندافع عنها وننافح من أجلها، وتكون في عقليته معيارًا للتقويم وللقبول والرد، فمن فعلها فهو معه، ومن لم يفعلها فهو ضده، يشمئز منه وينفر ويعاديه، ويعيش في هذا الوهم، فيشتد انعزاله ممن حوله.

أقول إن ذلك كله يؤدي إلى انتقاله من هذا الدور إلى دور يرى فيه وجوب الانتحار وتفجير نفسه في الناس بالمتفجرات الحقيقية وبالقنابل، ويرى أنه ليس لحياته معنى؛ لأنه يسبح ضد التيار، ويرى أنه لابد عليه أن يزيد من نسله وأن يملأ الأرض صياحًا بأطفاله محاولا بذلك أن يسد ثغرة اختلال الكم، حيث إنه يشعر بأنه وحيد وبأنه قِلَّة، وبأن الكثرة الخبيثة من حوله سوف تقضي عليه وتكتم على أنفاسه، فيحاول أن يَفِرَّ من ذلك بزيادة النسل، بل ويشيع بين أتباعه وأصحابه هذا المفهوم الذي يحدث معه الانفجار السكاني والتخلف التنموي.

ومن خصائص هذا الفكر الانعزالي التَّشَدُّد، فهو يرى أن الحياة خطيئة، وأنه يجب علينا أن نتطهر منها، وأن التطهر منها يكون بالبعد عن مفرداتها، سواء أكانت هذه المفردات هي الفنون أو الآداب أو كانت هذه المفردات هي المشاركة الاجتماعية أو حتى تعلم أساليب اللياقة، فتراه يتمتع ويتفاخر بالخروج عن الحياة، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بصورة تامة.

ولذلك نراه في تناقض شديد، فيفعل أشياء، ويمتنع عن أشياء هي من جنس واحد متبعًا في ذلك هواه، مما يُكَوِّن عنده عقلية الانطباع والهوى، وهي عقلية تُخَالِف العقلية العلمية، وتُخَالف المنطق المعروف الذي به قوام الاجتماع البشري، ومن هنا يكون متعبًا في تلقيه التفكير المستقيم، ومن هنا أيضا نراه متمردًا منعزلا لا يَثِقُ في العلماء، ولا يثق إلا في طائفة قليلة تُجَارِيه في هواه، وهذا يمنعه من تلقي أي رسالة معرفيَّة اجتماعية.

ويتميز هذا الصنف من الناس بامتلاك عقلية المؤامرة، ولذلك يرى كل ما حوله وكأنه يحيك ضده مؤامرات ويحاول أن يبيده من على الأرض، مما يجعله متحفزًا دائمًا بأن يكون ضدًّا ومعاندًا لمن حوله.

ويتميز أيضًا بالكبر والعجب الذي يحتقر معه كل رأي سواه، فإن الظني قد تحوَّل عنده إلى قطعي، ومحل النظر تحوَّل عنده إلى ضروري لا نقاش فيه، مما تختل معه قائمة الأولويات وترتيبها، وتقدم سفاسف الأمور على عظائمها، والمصلحة الخاصة على العامة، والموهومة على المحققة، وهذا كله يؤثر سلبًا على المجتمع ككل.

من هذه الصفات أنهم يقفون ضدَّ أي إصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، ويبتعدون دائمًا عن جوهر الموضوع إلى النظر في مجرد الشكليات، ويُعْمِلون الهوى في فهم النصوص، ويضيِّقون على المسلمين حياتهم بتوسيع دائرة الحرام، ويخرجون عن النظام المعهود من إجلال المشايخ، إلى نظام غريب عجيب يجتهدون فيه من عند أنفسهم في الفقهيات، ويقلِّدون في العقائد، ويعظِّمُون غير العلماء، ويحطُّون من شأن العلماء، ويتصدَّرُون بما لا يزيد عن مائة مسألة لتفسيق الناس وتكفيرهم، والدعوة إلى منابذتهم ومُحَارَبتهم.

لقد آن الأوان وحان الوقت لأن يكون مقاومة هذا الفكر المنحرف مطلبًا قوميًّا، والطريق إلى ذلك هو العودة إلى منهاج الأزهر الذي حمل لواء أهل السنة والجماعة عبر القرون، وأهل السنة بالنسبة لباقي التيارات والمذاهب الإسلامية عدل وسط، يعترفون بكل الصحابة وليس شأنهم كشأن الشيعة الذين ينكرون الصحابة إلا عليًّا وبعضا قليلا حوله.

 

فأهل السنة في المذاهب كأهل الإسلام في الأديان، والمنهج الأزهري يدرس الأشعرية وهي عقيدة أغلب المسلمين في مجال الاعتقاد، ويدرس المذهبية السنية بمذاهبها الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) مع عدم إنكاره للاجتهاد الفردي أو الجماعي، ومع عدم إنكاره للأخذ بباقي المذاهب الثمانية المعمول بها  (كالإباضية والظاهرية والإمامية والزيدية) أو حتى الأخذ من وسيع الفقه الإسلامي من خارج هذه الثمانية في المذاهب المنقولة في كتب الفقه وهي تربو عن ثمانين مذهبًا أو حتى الأخذ من الكتاب والسنة بما يلائم حاجات العصر ومصالح المصر وبما يلائم الانطلاق في هذا العالم الذي حولنا.

فالمنهج الأزهري الوسطي يتوخى تحقيق المقاصد العليا، من حفظ النفس، والعقل، والدين، وكرامة الإنسان، وملكه، وهي التي تمثل النظام العام، وتُمثل حقوق الإنسان، وتمثل في ذات الوقت أهداف الشريعة العليا، وملامح الحضارة الإسلامية والإنسانية، ويدرس في جانب الأخلاق مذاهب التصوف الذي يتعلم فيه الإنسان أن يخلي قلبه من القبيح بما فيه الكبر والعناد، وأن يحلي قلبه بالصحيح بما فيه الرجوع إلى المرجعية الصحيحة، وإلى العلم النافع، وإلى القيادة الرشيدة، وطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منَّا.

ونؤكد أننا عندما نطلق عليهم هذا الاسم «السلفيين» لا نقصد صحة انتسابهم لمنهج السلف الصالح كما مر؛ وإنما لأنه صار علما عليهم، كما استقر اسم «القدرية» على منكري القدر. وحديثا استقر اسم «القرآنيون» على فرقة مبتدعة ثمرة منهجها مخالفة القرآن والسنة. فهم كذلك يخالفون منهج السلف الصالح وطريقهم القويم، وإن تسموا بالسلفيين.

ولذا حرصنا على تسميتهم بالمتشددين في هذا البحث، تنزيها لاسم السلف عن بدعهم، وغيرة على دين الله، وإن عرفوا بهذا الاسم وأصبح علامة عليهم كما بينت.

 

 ([1])  متفق عليه أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا استبد، حديث 2509 واللفظ له، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين يلونهم ثم الدين يلونهم، حديث 2533

عدد الزيارات 10880 مرة
قيم الموضوع
(18 أصوات)

3 تعليقات

  • تعليق mazen esmaiel الإثنين, 09 شباط/فبراير 2015 11:50 أرفق mazen esmaiel

    كتاب مهم جدا ومتميز

  • تعليق radwa yahya الخميس, 08 كانون2/يناير 2015 15:02 أرفق radwa yahya

    الله على كلامك يا سيدى واعلمك الواسع

  • تعليق radwa yahya الثلاثاء, 06 كانون2/يناير 2015 13:56 أرفق radwa yahya

    مقال مهم جدا وفى انتظار برنامج المتشددون