طباعة

‏ التقوى مناط العمل الصالح

الجمعة, 05 حزيران/يونيو 2015     كتبه 

يحرص الإسلام على أهمية التناسق والتوازن بين التقوى والعمل بما يحقق نهضة الأمة الإسلامية فردا ومجتمعا‏,‏ كما يؤكد أن الركيزة الأساسية هي الإيمان والتقوى في حياة المسلم‏, فالتقوى من أهم الصفات التي حث الإسلام على تحلي المسلمين بها‏,‏ لما لها من أثر عظيم على حياة المسلم في الدنيا والآخرة‏,‏ فهي المقصد الأعظم والهدف الأسمى من كل التشريعات والأعمال‏.

‏والتقوى في الإسلام هي مناطق جميع الأعمال الصالحة‏, ‏وحين نتدبر في النصوص القرآنية والنبوية نجد النص القرآني يؤكد تلك الحقيقة‏,‏ ونجد أن الله جعل الدين والتقوى والخلق الحسن مناط التشريف والتقديم في الدنيا والآخرة‏,‏ فالتقوى حالة قلبية ومنزلة إيمانية رفيعة ومرتقى عال لا يناله المسلم إلا بالمجاهدة والمصابرة‏، ولكن ما التقوى؟ التقوى هي فعل الخيرات‏. ‏التقوى هي اجتناب الشرور‏. ‏التقوى هي تحقق محبة الله ورسوله فيقلب المؤمن‏. ‏التقوى هي حصول الرضا والسكينة‏.‏ التقوى أن نعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله‏, ‏وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله‏. ‏وبهذا المعنى الشامل للتقوى نجد جميع الآيات التي تنص على عمل ما منال أعمال الصالحة يكون الهدف منها تحقيق التقوى في نفس المسلم‏,‏ حيث بيَّن الله تعالى أن القصد من كل ما شرعه سواء في العقيدة أو الشريعة أن تصبح التقوى صفة لازمة للمسلم‏,‏ ففي ستة مواضع من القرآن يعقب الله تعالى على التشريع بقوله‏: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏) [البقرة:21]‏، وفي ستة مواضع أخرى بلفظ‏: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏) [الأنعام:51], ‏ولذلك جاء الأمر بالتقويل جميع الرسل الذين أرسلهم الله تعالى‏, فقال: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ) [النساء:131]، وإذا ما تدبرنا الآيات المحكمات في كتاب الله تعالى‏,‏ نجد أن التقوى هي هدف وغاية أحكام الإسلام‏,‏ ففي العبادة عموما يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:21]، وبشيء من التفصيل يقول سبحانه عن فريضة الصيام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183]، وفي شعيرة الحج يقول جل وعلا: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ) [البقرة:197]، وفي المعاملات بين الله تعالى حكمته في الأمر بالقصاص فقال: (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:179]، ولماذا أمر عباده باتباع الصراط المستقيم والبعد عن الطرق الأخرى قال عز وجل: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153]، وجاء الأمر النبوي بعموم التقوى في الزمان والمكان والحال فقال‏: (اتق الله حيثما كنت‏,‏ وأتبع السيئة الحسنة تمحها‏,‏ وخالق الناس بخلق حسن‏) [‏أخرجه الترمذي 4/355] ‏فإذا تحقق المرء بالتقوى في شئونه كلها نال ثمرتها العظيمة التي تضمن له السعادة في الدنيا والنجاة والفوز في الآخرة‏, ‏ومن هذه الثمرات المباركة‏:

‏‏1- حصول محبة الله تعالى‏,‏ قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ) [التوبة:4].

2- نزول رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة‏, ‏قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) [الأعراف:156]، وقال: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأنعام:155].

‏‏3- الدخول في معية الله ونصره‏,‏ قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل:128]، وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ) [التوبة:36].

4- حصول الأمن من الخوف والحزن‏,‏ قال تعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأعراف:35]، وقال: (وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الزُّمر:61].

5- حصول نور وبصيرة في القلب يميز بها الإنسان بين الخير والشر والحق والباطل‏,‏ قال سبحانه‏: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال:29],‏ وقال‏: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الحديد:28].

‏6- حصول السعة والبركة في الرزق‏,‏ قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [الأعراف:96]، وقال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق‏:3-2]‏.

7- تفريج الهموم والكروب‏,‏ قال عز وجل: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطَّلاق:4].

8- رد كيد الأعداء والنجاة من شرهم‏,‏ قال تعالى‏: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران:120]‏.

9- حسن العاقبة والخاتمة في الدنيا والآخرة‏,‏ قال تعالى‏: (وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف:128],‏ وقال‏: (مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الكَافِرِينَ النَّارُ) [‏الرعد‏:35]‏.

10- التقوى سبب في قبول العمل‏,‏ قال تعالى‏: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ) [المائدة:27]، ‏وقال‏: (لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) [الحج:37]، والحاصل أن التقوى محلها القلب‏,‏ وهي شعور يضع صاحبه في حالة حرص ومراقبة على سلوكياته حتى يأتي بها موافقة لما أمر الله‏,‏ بعيدة كل البعد عما نهى الله عنه‏,‏ وفي حالة حب يأنس فيها العبد بربه وينعم برضوانه‏.‏

عدد الزيارات 5609 مرة
قيم الموضوع
(1 تصويت)