طباعة

‏ مضى رمضان‏...‏ شهر القربة وليس شهر اللهو

الجمعة, 05 حزيران/يونيو 2015     كتبه 

جاء شهر رمضان المبارك‏,‏ حاملا معه الرحمات الإلهية والنفحات القدسية‏,‏ ومصحوبا بألطاف الله عز وجل العظيمة‏,‏ وفاتحا أبواب الخير‏,‏ وهو مزاد التقوى وسوق الآخرة حيث امتن الله تعالى فيه على الصائمين بالأجر العظيم والفضل الجزيل‏,‏ فقال عز وجل في الحديث القدسي‏:‏ كل عمل ابن آدم له إلا الصوم‏,‏ فإنه لي وأنا أجزي به ‏(أخرجه البخاري 5/‏2215 ومسلم 2/‏806),‏ ولذلك وجب على المسلمين‏,‏ بل حري بهم أن يقبلوا على الله تعالى في هذا الشهر‏,‏ يؤدون واجباته ويتحلون بآدابه‏,‏ ويعظمون شعائر الله فيه‏,‏ وينأون عن المحرمات والمكروهات‏,‏ لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب‏,‏ وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم‏ (أخرجه البخاري 2/673 ومسلم‏ 2/807).‏ وبمقدار ما يتضاعف أجر المقبلين على الله في هذا الشهر والراعين لحدوده‏,‏ والمصطبغين بآدابه‏,‏ فإن الغافلين عنه والمعرضين عن واجباته وآدابه يحرمون رحماته ويفتقدون بركاته.‏‏

وقد جعل الصيام لتكفير الذنوب‏,‏ وتنقية النفوس‏,‏ وللقرب من الله سبحانه وتعالى‏,‏ فشهر رمضان الكريم هو شهر العبادة والقرآن‏,‏ وإحياء كل نوازع الخير في بني البشر‏.

ولذلك لم يكن الصوم -كما يقول ابن الجوزي‏:‏ صوم جماعة عن الطعام‏,‏ وإنما الصوم صوم الجوارح عن الآثام‏,‏ وصمت اللسان عن فضول الكلام‏,‏ وغض العين عن النظر إلى الحرام‏,‏ وكف الكف عن أخذ الخطام‏,‏ ومنع الأقدام عن قبيح الإقدام‏.

وقبيل قدوم الشهر الكريم استعد المسلمون لاستقباله وشمروا عن ساعد الجد والاجتهاد في الطاعات وفعل الخيرات‏,‏ لئلا ينصرم وقت هذا الشهر المبارك دون الفوز بوعد الله الوارد في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ‏(أخرجه البخاري 1/22 ومسلم ‏523).

وفي ضوء هذا الجو الإيماني الجميل في رمضان‏,‏ نجد هذا الكم الهائل من المسلسلات والأعمال التليفزيونية والفضائية في العالم الإسلامي‏,‏ بما يحويه بعضها من مشاهد خارجة تخاطب غرائز الإنسان‏,‏ وتجرح صومه وطاعته لله عز وجل‏,‏ وتكدر الموقف الروحاني والإيماني الذي يعيشه المسلم في رمضان‏, حتى خشي على الصائم ألا تتحقق له فضائل هذا الشهر الكريم إذا أساغ لنفسه أن يضيع وقته في كل ما يبعد عنها‏,‏ خاصة مع كثرة المعروض من تلك الأشياء‏.

إن مقصود الفن الحقيقي الذي تعارف عليه الحكماء والعقلاء أنه يوازن بين الترويح عن النفس والحفاظ على نشر القيم الصالحة في المجتمع‏.

يقول هاربرت ريد‏:‏ وأظن أننا سنحكم بوجود الدليل الكافي للقول بأن للفن طبيعته الجدلية‏,‏ فليس الفن ناتجا نتاجا ثانويا عن التطوير الاجتماعي‏, لكنه واحد من العناصر الأصلية التي تسهم في بناء المجتمع والثقافات ‏(الفن والمجتمع ص‏13).‏

ولكن يحذر من استخدامه في غير الهدف الصحيح الذي قصده أصحابه منه‏,‏ فقال ص‏10:‏ أعتقد أننا بلغنا نقطة تحول في تطور المدنية الحديثة‏,‏ أصبح فيها الجوهر الحق للفن في خطر من أن يعمي‏,‏ وأصبح الفن في نفسه مندثرا من جراء سوء استعماله‏.

ويقول د‏/‏ حسين فوزي‏:‏ ولا تحسبن الفن بمنأى عن أن يتحول هو أيضا من الخير إلى الشر‏,‏ وذلك بوسائل أقل إنجازا وإن لم تكن أضعف أثرا في مستقبل البشر‏,‏ فالفن قد يستخدم -بل استخدم فعلا- في محاولات لتدمير المجتمع‏, وذلك حين يتحول الفن عن مراميه السامية إلى أدوات دعاية وعدوان‏,‏ أو حينما يهبط إلى أعمال خبيثة ليست من صحيح الفن‏,‏ وإن لبست لبوسه نظما وموسيقى وغناء وتصويرا وتمثيلا ويضيف‏:‏ ولو أن هذه الظواهر المنحلة في ضمن الفنون يقف عند حد تشخيص مرض اجتماعي نتيجة الحروب والانقلابات والعرقيات والانغماس في اللذائذ الحسية والمتع الدنيئة لقلنا شر يزول وشيكا‏,‏ ولكنها -وهنا خطرها- تحمل في طياتها قدرة تبشيرية تهدد المجتمعات والشباب بخاصة‏,‏ وجرثومة تميت المثل العليا في الأخلاق والعادات والتقاليد الصالحة التي أورثها السلف والمنصف لا ينكر وجود عدد من البرامج الجادة والمفيدة التي تبث عبر الفضائيات الهادفة يمكن أن يستفيد بها المسلم‏,‏ ولا بأس من الترويح عن النفس بعض الوقت في رمضان بمشاهدة البرامج الجادة الخالية من وسائل الشر وتدمير الأخلاق والقيم‏.

فرمضان كما عهدناه جميعا هو شهر الطاعات والعبادات والتقرب إلى الله آناء الليل وأطراف النهار بالنفس والمال‏,‏ وهو أيضا شهر صلة الأرحام‏, والارتقاء بالنفس بكثرة فعل الخيرات‏,‏ وليس موسما للتفنن والتسابق في اللهو والغفلة وتضييع الأوقات‏,‏ وإثارة الشهوات والملذات‏.

ولذا ينبغي على وسائل الإعلام في العالم الإسلامي أن تكون على قدر المسئولية‏,‏ وأن تحرص على اختيار الأعمال الجادة التي تلتزم بالقيم‏, وتعمل على نشر الفضائل‏,‏ وتساعد على البناء النفسي والصفاء الروحي للإنسان المكرم على سائر الأكوان‏,‏ وبذلك تكون من المتحققين والفائزين بقوله تعالى‏:‏ (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة:2] نقول هذا بعد ما مر رمضان لعلها تكون كلمة صادقة لرمضان القادم لذا فإننا ننصح القائمين على تلك الأعمال بالعودة بالأعمال الفنية إلى سابق عهدها‏, أعمالا جميلة هادفة‏,‏ تعالج قضايا مجتمعنا ومشكلاته‏,‏ وترسخ قيمنا ومبادئنا المستمدة من نموذجنا الحضاري‏,‏ كي تستمر المؤسسة الإعلامية بالعالم الإسلامي بجانب مؤسسات المجتمع المختلفة‏,‏ في العمل وفق تعاليم ديننا والتمسك بعاداتنا وتقاليدنا الأصيلة في سبيل نهضة المجتمع وتقدمه‏.

عدد الزيارات 5141 مرة
قيم الموضوع
(1 تصويت)