طباعة

العقيدة الإسلامية (‏1)‏ حاجة الإنسانية إلى الاعتقاد

الأحد, 19 تموز/يوليو 2015     كتبه 

إن التاريخ الإنساني على مستوى المكان والزمان يثبت أن الإنسان لم يكن يوما فردا أو جماعة يسير في الأرض بلا دين أو عقيدة أو أيديولوجيا تحركه وتؤثر في سلوكياته وأفعاله‏,‏ وذلك لأن الاعتقاد عنصر ضروري في طبيعة الإنسان; فبه وحده يجد العقل الإنساني ما يشبع تأملاته, وهو فوق ذلك عنصر ضروري لتكميل قوة الوجدان الإنسانية; فالعواطف النبيلة من الحب والشوق والشكر والتواضع والحياء والأمل وغيرها إذا لم تجد ضالتها في الأشياء ولا في الناس وجدت في الاعتقاد مجالا ومنهلا لا ينفد.

والاعتقاد كذلك عنصر ضروري لتكميل قوة الإرادة; فهو يمدها بأعظم البواعث والدوافع ويحميها بأكبر وسائل المقاومة لعوامل اليأس والقنوط. وهكذا نرى أن الاعتقاد يعبر عن حاجات النفس الإنسانية في مختلف ملكاتها ومظاهرها.

وكما أن للاعتقاد وظائف نفسية فردية فإن له وظائف أخرى اجتماعية لا تقل أهمية عن الوظائف الأولى; فإنه من المسلم به أن الحياة الاجتماعية لا قيام لها إلا بالتعاون بين أعضائها, وأن هذا التعاون إنما يتم بقانون ينظم علاقاته ويحدد حقوقه وواجباته, وأن هذا القانون لا غنى له عن سلطان يكفل مهابته في النفوس ويمنع انتهاك حرماته, وليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة الاعتقاد الديني أو تدانيه في كفالة احترام القانون وضمان تماسك المجتمع واستقرار نظامه والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه.

والسر في ذلك أن الإنسان يمتاز عن سائر الكائنات الحية بأن حركاته وتصرفاته الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمعه ولا بصره ولا يوضع في يده ولا عنقه ولا يجري في دمه ولا يسري في عضلاته وأعصابه وإنما هو معنى إنساني روحي اسمه العقيدة; فالإنسان يساق من باطنه لا من ظاهره وليست قوانين الجماعات ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة تحترم فيها الحقوق وتؤدي الواجبات على وجهها الكامل; فإن الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط أو السجن أو العقوبة المالية لا يلبث أن يهمله متى اطمأن إلى أنه سيفلت من طائلة القانون.

ومن الخطأ أن نظن أن في نشر العلوم والثقافات وحدها ضمانا للسلام والرخاء وعوضا عن العقيدة السليمة; وذلك لأن العلم سلاح ذو حدين فهو كما يصلح للبناء والتعمير يصلح للهدم والتدمير, ولابد في حسن استخدامه من رقيب يوجهه لخير الإنسانية وعمارة الأرض لا إلى نشر الشر والفساد, وذلكم الرقيب هو العقيدة والإيمان.

وهذا الإيمان على ضربين: إيمان بقيمة الفضيلة وكرامة الإنسانية وما إلى ذلك من المعاني المجردة التي تستحي النفوس العالية من مخالفتها, وإيمان بذات علوية رقيبة على السرائر يستمد القانون سلطانه الأدبي من أمرها ونهيها, وتلتهب المشاعر بالحياء منها أو بمحبتها أو بخشيتها, ولا ريب أن هذا النوع هو أقوى النوعين سلطانا على النفس الإنسانية وهو أشدهما مقاومة للهوى وأسرعهما نفاذا إلى قلوب الخاصة والعامة.

من أجل ذلك كان الاعتقاد الصحيح خير ضمان لقيام التعامل بين الناس على قواعد العدالة والإنصاف وكان لذلك ضرورة اجتماعية كما هو فطرة إنسانية.

والعقيدة الإسلامية هي الإيمان الجازم بأن خالق السموات والأرض هو الله رب العالمين, وأنه إله واحد متصف بكل الكمالات, منزه عن كل النقائص, ليس كمثله شيء, وأن محمدا صلى الله عليه وسلم نبيه ورسوله إلى العالمين كافة؛ بلغ رسالته على أكمل وجه وأتمه, وأن القرآن كتابه الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأن ما أخبر به من الغيب حق فالملائكة حق والنبيون حق والجنة حق والنار حق; بحيث يحرك هذا الإيمان صاحبه بأن يلتزم بأحكام شريعة الإسلام ويتبع أوامر الكتاب والسنة.

والتوحيد علامة هذه العقيدة وركنها الركين, وهو يعني إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق به ذاتا وصفات وأفعالا وأن ليس هناك ذات تشبه ذاته تعالى, وأن ذاته لا تقبل الانقسام لا فعلا ولا وهما ولا فرضا مطابقا للواقع, ولا تشبه صفاته الصفات فلا تعدد فيها من جنس واحد كأن يكون له تعالى قدرتان أو إرادتان أو علمان مثلا ولا يدخل أفعاله الاشتراك; إذ لا فعل لغيره سبحانه خلقا وإن نسب إلى غيره الفعل كسبا.

وقد جمع أهل التحقيق ما قاله العلماء عن التوحيد في مسألتين: الأولى: اعتقاد أن كل ما تصور في الأوهام فالله بخلافه, والثانية: اعتقاد أن ذاته تعالى ليست مشبهة للذوات ولا معطلة عن الصفات.

هذه هي العقيدة الإسلامية الصحيحة التي قامت عليها حضارة الإسلام وستبقى وتدوم إن شاء الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

عدد الزيارات 7331 مرة
قيم الموضوع
(8 أصوات)