طباعة

العقيدة الإسلامية ‏(4)‏ تنزيه الله تعالى

الأحد, 19 تموز/يوليو 2015     كتبه 

يجد قارئ القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة أن فيهما بعض النصوص التي يشعر ظاهرها بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح لله سبحانه وتعالى.

 وهذه النصوص تعد من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه, ويجب على المسلم في مثل هذه النصوص ألا يفكر في معانيها ولوازمها, كما يجب عليه في نفس الوقت أن يفوض علمها لله تعالى; وقد ذم الله تعالى من يتبع المتشابه من النصوص; حيث قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 7]، ولم يترك الله تعالى المسلم هكذا بل بيّن له السبيل الواضح الذي ينبغي عليه أن يتبعه إذا مر على مثل هذه المواطن; حيث أمره بأن يلجأ إليه, ولا يفكر فيها حيث قال تعالى بعد الآية السابقة: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8].

والتفكر في هذه الأمور يعد من التفكر في ذات الله تعالى, والذي وعد النبي صلى الله عليه وسلم فاعله بالهلاك في قوله: (تفكروا في خلق الله, ولا تفكروا في الله فتهلكوا), [رواه أبو الشيخ الأصبهاني في العظمة].

والأدلة السابقة وغيرها تؤكد منهج السلف الثابت المستقر في التعامل مع مثل هذه النصوص, وهو منقول عنهم من علماء الأمة على مر العصور جيلا بعد جيل. ومنهج السلف ومن بعدهم من المحققين من العلماء في تلقي النصوص التي يوهم ظاهرها تشبيه الخالق بالخلق أن تؤول, بمعنى: أن تحمل على خلاف الظاهر، أو تفوض, أي: يفوض المراد من النص الموهم إليه تعالى, ويجب مع التأويل أو التفويض قصد التنزيه لله تعالى عما لا يليق به.

ولنضرب مثالا في بيان هذا المنهج حتى يتضح الكلام, فهم يقولون في نحو قوله تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) [الفتح: 10]، المراد منها أن قدرته وقوته فوقهم ومحيطة بهم, وليس المراد منها الجارحة, والتأويل هنا ليس بمستغرب؛ فأنت كمخلوق إذا استحال أن تعرف نفسك بكيفية أو مكان, فكيف يليق بعبوديتك أن تصف الله تعالى بـ أين أو كيف, وهو مقدس عن ذلك؟! فالله عز وجل منزه عن الكيفية والكمية والأينية; لأن من لا مثل له لا يمكن أن يقال فيه: كيف هو؟ ومن لا عدد له لا يقال فيه: كم هو؟... ومن لا أول له لا يقال له: ممن كان؟... ومن لا مكان له لا يقال فيه: أين كان؟

وليخاطب المسلم عقله ويتدبر في كلام الله تعالى; فإنما أمرنا بالتفكر والتأمل والتدبر في آياته; فإن فعل ذلك فسيجد أن مذهب أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية الناقلين والمدافعين عن منهج السلف على مر القرون والعصور- الذي ذكرناه آنفا هو الحق, ويرحم الله الإمام الغزالي حيث يقول: (من أخذ علمه من العبارات والألفاظ ضل ضلالا بعيدا, ومن رجع إلى العقل استقام أمره, وصلح دينه, ومن أشكل عليه أمر فعليه الرجوع إلى أهله; ليستبين له الحق).

إن معرفة حقيقة الله تعالى والوقوف على كنهه هو من أول المحالات, فإنه ليس بين خلقه وبينه أي مشابهة ولا مناسبة, قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]، فكيف يمكن أن تحيط به العقول, وهي لا تحيط إلا بما شاركها في شيء مما هو حادث مثلها. فهو تعالى بكل شيء محيط, ولا يحيطون به علما. وإنما غاية ما نعلم منه تعالى وجوده وتنـزيهه عن صفات المخلوقات، فإنه سبحانه تجب مخالفته تعالى للحوادث; لأنه لو ماثلها في شيء لكان حادثا مثلها وهو محال عليه تعالى.

وما يجب على المسلم في ذلك إلا أن يعمل عقله ولسانه فيما ينفعه; فيعمل عقله في التفكر في آلاء الله تعالى وأفعاله, ويشغل لسانه بذكر الله تعالى لما يرى في كل وقت وحين من آيات باهرات, ومن إبداعه سبحانه في الأرض والسموات مما يدل على أن الله تعالى خالق أحد فرد صمد لا تحيط به الظنون ولا تحويه الفهوم. فاللهم ارزقنا حسن النظر فيما يرضيك عنا, ووفقنا لما تحبه في التعامل مع ذاتك وصفاتك بما يحققنا بالفهم الصحيح الموروث عن أشياخنا.

عدد الزيارات 9050 مرة
قيم الموضوع
(5 أصوات)