طباعة

الدين بين الحقيقة والأوهام

الثلاثاء, 15 آذار/مارس 2016     كتبه 

أرسل الله سبحانه وتعالى عباده المرسلين وأنزل عليهم الوحي ليخرج الناس من الأوهام إلى الحقائق وينهاهم عن أن يتبعوا أهوائهم ويأمرهم أن يتفكروا، ووضع لهم نظاما إلهيا يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحدد لهم معالم الطريق إليه سبحانه وتعالى. وسـمّى الله سبحانه دينه بدين القيمة والدين القيم، فقال تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة :5]، وقال: ﴿ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [يوسف :40]، ويتميز الدين القيم بالعقل والأخلاق ومراعاة المصالح وتهذيب الشهوات ونفي الضرر والغرر وسوء الأخلاق، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [آل عمران :14]، وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص :26]، وعندما نترك الدين القيم نكون في مهب الريح، ولقد حاول كثير من البشر عبر العصور أن يتركوا الدين القيم فكانت الكارثة على مستوى الفرد في نفسه وعلى مستوى المجتمع وعلى مستوى الاجتماع البشري. ولا يزال البشر حتى الآن يخترعون أديانًا وضعية بعضها لعبادة الشيطان وبعضها لديانة الفوضى.

  • ومما ظهر حديثًا من هذه الأديان عبادة الجوجليزم نسبة إلى الموقع الشهير على شبكة المعلومات الدولية المسمى جوجل، فقد كوّن بعضهم موقعًا يقدس جوجل ويجعله إلهًا ويدعو الشباب إلى عبادته، وبالرغم من تفاهة الفكرة إلا أنها بدأت في سنة 2006م ولم يلتفت إليها أحد فإذ بها تشيع في وسط الشباب الأوروبي بسبب الفراغ الديني وبسبب اعتبار الكبار مثل هذه الأفكار غير معقولة حيث بلغت من التفاهة وعدم التماسك وعدم المنطقية إلى مستوى لا يُلتفَتُ إليه، ويذكرنا هذا بالمثل العربي "معظم النار من مستصغَر الشرر"، ويذكرنا أيضا بقول ابن المعتز: (لا تحقرنّ صغيرةً .. إن الجبال من الحصى)، وبالرغم من الدعوة التي تقول إن الموقع يجيب على كل الأسئلة إلا أنه فعلا لا يستطيع أن يجيب على أبسط الأسئلة.
  • وبدأت في الظهور الآن جماعة عبادة البيئة واعتبار أن الغاية من هذه الديانة الجديدة الحفاظ على العالم. وهذه العبادة لم تنتشر بعد ولكن بدأ استعمال ذلك التعبير في بعض المؤتمرات وفي الأدبيات الصحفية الإنجليزية والفرنسية وأحزاب الخضر والرفق بالحيوان والتي لم تكن أبدا تستعمل كلمة الديانة أو العبادة فيما تقرره من توصيات بشأن البيئة، والجديد الآخذ في التطور هو إضفاء هذه القدسية على هذا النشاط أو هذه القضية.
  • وبدأ في الظهور أيضا جماعة عبادة حقوق الإنسان والشأن في ذلك كالشأن في قضية البيئة سواء بسواء، يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر :3]
  • وهذه الظاهرة في تحويل القضايا أو المواقع إلى آلهة وإنشاء ديانة لمراعاة حقوقها ظاهرة تحتاج إلى مزيد من الدراسة وبيان الأسباب التي أدت إليها والنتائج التي نتجت عنها والأضرار التي اكتنفتها وكيفية العلاج والتعامل مع هؤلاء الشباب الضحية الذي تورط فيها فأصبح فاقدًا لإرادته منعزلاً عن مجتمعه وقد وقع فيما يشبه الإدمان، وهي ظاهرة تُظهر بحق انفصال الأجيال وعدم التواصل فيما بينها والفراغ الذي يعيشه الشباب والعزلة الفكرية التي قد نكون أحد أسبابـها وكأن الشباب يعيش في جزر منعزلة لا يتلقى خبرات الآباء ولا يكمل المسيرة من بعدهم ويزداد الأمر خطورة وتعقيدًا عندما يستقل الشباب بلغة تختلف في أدائها الصوتي وفي مفرداتها ومصطلحاتها عن لغة أقوامهم.
  • وخطورة هذه الأديان أنها استعملت مصطلحات الدين وأنها تريد أن تكون بديلاً عن الدين الحقيقي وأنها توجه كلامها للشباب وتتخذ من الوسائل ما يُمكنها من الانتشار السريع وتعتمد كثيرًا على عدم المعارض الذي غالبًا لا يسمع عنها لأنه من جيل آخر وإذا سمع استهان بها لعدم معقوليتها عنده في حين أن الشباب في حالة من الفراغ تسمح لأي فكر أن يُلقى عليه فيقتنع به فيكون في مهب الريح.
  • ولقد دعا الأستاذ عبد الأحد داوود في آخر كتابه "الإنجيل والصليب" العالم كله أن يتحد ضد هذا البلاء وأن من المصلحة على جميع المتدينين والمؤمنين أن يقفوا ضد الإلحاد الأسود وكان ذلك في بدايات القرن العشرين حيث كان الحال حينئذ فيه دعوة صريحة للإلحاد الأسود ولم تكن تستعمل مصطلحات الدين بل كانت تحاربه، وفي أواسط القرن العشرين حذر الفيلسوف المسلم الفرنسي رينيه جنوه (عبد الواحد يحيى) من غزو المفاهيم وأن هناك أُناسا يريدون أن يستبدلوا نظام الاجتماع البشري بنظام آخر وعن مثل هذا حذر الفيلسوف الروسي توليستوي، فالحالة الراهنة تحتاج فعلاً إلى دراسة موسعة حتى ندرك أبناءنا قبل فوات الأوان، دراسة تجمع بين رصد الظاهرة وأسبابها وآثارها وطريقة علاجها والمشروعات الأصيلة التي تمنع من تكرار أمثالها.
عدد الزيارات 4153 مرة
قيم الموضوع
(2 أصوات)