طباعة

خذ بفتواه

من العبارات الشائعة في كتب الفتوى قولهم : (خذ بفتواه ولا تلتفت إلى تقواه) وهي قاعدة جليلة تنبه إلى الفرق بين علم الدين وبين التدين العملي، وأن علم الدين هو علم كسائر العلوم، له مبادئ وقواعد ومصطلحات ومناهج وكتب وترتيب ومدارس وأسس وتاريخ و .... إلخ

وهو يحتاج أيضا إلى أركان العملية التعليمية التي لا يتم العلم إلا بها وهي الطالب والأستاذ والكتاب والمنهج والجو العلمي، وأن طريق التعلم له درجات مختلفة كدرجات التعليم العام ثم التعليم الجامعي ثم الدراسات العليا بدرجاتها المختلفة، وله أيضا أساليبه المختلفة للتمكن منه بعضها نظري وبعضها تطبيقي وبعضها حياتي وعملي كما أن أداءه يختلف من رسالة علمية إلى كتاب مقرر، إلى بحث في مجلة محكمة، إلى بحث للمناقشة أو كمحور في مؤتمر للجماعة العلمية يخبر فيه صاحبه تلك الجماعة بنتائج، وسيظل أمر الجماعة العلمية دائما مختلفًا تبعا للمنح الربانية، والعطايا الصمدانية، والمواهب التي يمنحها الله لكل شخص يتميز بها على الآخرين، وسيظل أمر التخصص العام مُراعى والتخصص الدقيق مطلوب، وسيظل هناك خارق بين من ينجح في تحصيل الدروس ولا ينجح في الحياة ومن ينجح فيها ومن وصل إلى مرتبة الحجة والمرجعية، ولا يحسن التعامل مع الحياة أو يحسن التعامل معها كما قال شوقي في أواخر قصيدة (كتابي).

وكم منجب في تلقي الدروس                         **    تلقي الحياة فلم ينجب

وكل هذه المعاني نراها في كل مجال، وهل أقرب مجال ينطبق عليه ما ينطبق على علم الدين هو مجال الطب، وعلم الطب، أنظر إلى كل ما ذكرناه وكأننا نتكلم عن علم طب الأبدان في حين أنني كنت أؤكد على علم حفظ الأديان، وكل ذلك يختلف عن حق الناس في رعاية صحتها والوقاية من الأمراض والعلاج منها، ومبادئ الحياة الصحية الصحيحة التي يتمناها كل إنسان، بل هي من حقه، كما يختلف علم الدين عن التدين الذي هو لازم لكل إنسان ويحتاجه كل أحد من الناس، بل يحتاجه الناس على مستوى الفرد والجماعة والأمة.

1-    على الرغم من وضوح الفرق بين علم الدين والتدين، أو علم الطب ومراعة الصحة العامة، إلا أن هذا الفرق غير معترف به في غالب ثقافتنا، ونرى خلطا ضارا له صور منتشرة في جميع القطاعات لم ينج منه إلا من رحم الله ـ وهم قلة في ثقافتنا السائدة ـ وأرجو الله أن يفتح البصائر بهذه الدعوى لمراجعة جد مهمة لمواقف كثير من علمائنا ومفكرينا بشأن موقفهم من هذه البدهية.

2- إننا نرى ما يؤكد أنه ليس هناك اعتراف بالفرق بين علم الدين والتدين من ذلك أن أستاذ العلوم أو الزراعة أو الصحافة أو الهندسة أو الطب صار يتكلم في شأن الفقه، ويناقش الفتوى التي صدت ممن تخصص وأمضى حياته في المصادر وإدراك الواقع، وما هذا إلا لأنه مثقف ديني، أو لأنه لا يعرف أو لم يقتنع بالفرق بين علم الدين وبين التدين ويرى أن الأمر مباح ومتاح للجميع.

3- وكذلك نرى عدم إدراك لمعنى الفتوى؛ حيث يتم الخلط بينها وبين السؤال أو الرأي والذي يكون حظ السؤال الجواب، وحظ الرأي إبداؤه ثم مناقشته، فالتفوى مثل حكم القاضي لا يتتبعه القاضي بعد صدوره وليس قابلاً للنقاش، ولكن هو قابل للاستئناف عند محكمة أعلى أو للنقض أو الإبرام عند محكمة أكبر، وعلى ذلك فعدم الرضا بالفتوى يتطلب فتوى من جهة أعلى، ولا يتطلب اعتراضاً من هنا ومن هناك وعدم الرضا بأمر الطبيب، لا يعني إهمال الأمر، بل يستلزم الاستشارة ممن هم أكثر منه مرجعية أو علما أو خبرة ولا يحق لأحد من الناس أن يناقش الطبيب في رأيه ويكتفي بذلك لفرض الطب والجلوس بلا علاج، إن كثيرا من الناس يفزع إذا ما نبهناه إلى هذا المثال ويبادر برفضه ويدعي أن ذلك حجرا على الرأي أو على حريته، والأمر لا يتعلق لا برأي ولا بحرية بقدر ما يتعلق بمنهج للفكر المستقيم يجب إتباعه بدلا من هذه المهزلة السخيفة بأن يهرف كل أحد بما لا يعرف.

4- وكذلك نرى أن السؤال عندما يوجه لطلب معلومه يعتقد السائل والسامع أن الإجابة فتوى، ومرة سأل سائل عن معلومات عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فأجبناه فاعتبر ذلك إفتاء منا، وعندما لم نجبه اعتبر ذلك رفضا للقيام بواجب الفتوى، وهناك أسئلة عن أوضاع سياسية يبدي فيها الرأي، والحكم الشرعي يكون على الفعل البشري المجرد فلا يفرق صاحبنا بين هذا وذاك ويتكلم ولو على صفحات الجرائد السيارة ويحدث بلبلة عند المتلقي أسأل الله ألا تكون مقصودة، وألا يكون ذلك المنهج يراد منه تحويل علم الفتوى إلى نطاق الآراء القابلة للنقاش بدون إتباع ما تستلزمه هذه الصناعة من ترتيب وما تحتاجه من نظام وما تقوم به من علم.

5- أما الجزء الثاني من المقولة : (ولا تلتفت إلى تقواه) فليس بمجرد محافظة الإنسان على صحته صار طبيبا ولا بمجرد التزام الإنسان بدينه صار عالما، بل يحتاج الأمر إلى الأكاديمية التي نطالب الجميع وفي جميع المجالات أن يعودوا إليها وأن ينتهي نظام الهواة، وأن يبقى العلم والعلم وحده سندا للتخصص الدقيق، وأن نقضي على (أبو العريف) الذي يعيش فينا ومن أمثال العامة التي تمثل حكمة التاريخ وتجارب البشرية (أعط العيش لخبازه ولو أكل نصفه)

عدد الزيارات 4781 مرة
قيم الموضوع
(2 أصوات)