طباعة

إنهم يقتلون الجمال

حادث مروع سخيف قَتل وجرح فيه أحدُ المرجفين الجبناء خلقاً من خلق الله تعالى مصريين وسياح في منطقة تشهد على تبني المسلمين للجمال والرحمة عبر العصور، الجمال بمعناه الواسع الذي يتعدى الجمال الفلسفي، الذي يقتصر على ما يتعلق بالبصر والمشاهدة بالعين، في حين أن المسلمين قد ارتفعوا به إلى البصيرة وإلى اعتقادهم أن الجمال من صفات الله تعالى ففي الحديث الشريف : (إن الله جميل يحب الجمال) [أحمد ومسلم]؛ فإذ بهؤلاء القتلة المرجفين يقتلون الإنسان في منطقة الأزهر، لابد أن هذا العربيد لم يشاهد الجمال لا بعينه ولا بقلبه ولا بعقيدته إنه شاهد قبح نفسه وقبح معتقده في قلبه، وهو يخالف الدين الذي أنزله الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

في الأسبوع قبل الماضي كتبت عن مدرسة السلطان حسن ومسجده، وكنت أريد التنبيه إلى جمال هذه المدرسة في ظاهرها وحقيقتها ومضمون الرسالة التي أرادها السلطان حسن، وكيف نحي هذه الأغراض الجليلة في عصرنا، وأردت أن أنبه أيضا إلى أن الحضارة الإسلامية مستمرة لم تمت، وإن كانت قد تخلت عن القيادة والريادة وتخلت عن المساهمة والإفادة، وتخلت عن اليقظة والإيقاظ، ولكن بقاء لغتها وبقاء كتابها وبقاء تراثها، واستمرار ميراث الدين الذي بنيت عليه من جيل إلى جيل يؤكد عدم موتها وبقاءها، فهي في حالة نوم قابلة للإيقاظ ولا تحتاج إلى إحياء من موت وبعث بعد وفاة.

1- تفجير يوم الخميس قبل الماضي هو أحد المظاهر السلبية التي نراها من آثار نوم الحضارة الإسلامية، وبالإضافة إلى الإنكار وإلى الجهود الأمنية التي ستضرب بيد من حديد جزاء وفاقاً لردع المجرمين، وإلى تعليم الناس صحيح الإسلام فإنه لابد من الاستمرار في مراعاة جيلنا الجديد حتى لا يقع فريسة لهؤلاء المضلين المرجفين الذي حذرنا الله منهم ووصفهم بالنفاق والمرض  (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [الأحزاب :60 : 62].

فالإرهاب كلمة غير صحيحة لتسمية هذا الفعل وتلك الظاهرة، بل الصحيح في لغة العرب وفي الاستعمال القرآني (الإرجاف) فالإرجاف هو ما يقوم به هؤلاء السفلة، أما الإرهاب فيعني في لغة العصر الردع مثل قوله تعالى : (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) [الأنفال :60].وهذا معناه أن ترجمة كلمة (Terrorism) هو الإرجاف وليس الإرهاب، بل الإرهاب هو قوة الردع التي تهدف إلى السلام.

2- زارني بعد المقالة السابقة الدكتور صالح لمعي مصطفى ـ عميد كلية الهندسة المعمارية بجامعة بيروت سابقا ـ وأهداني كتابه الكريم في العمارة الإسلامية، وبين لي كيف أن العقد في مدرسة السلطان حسن هو نوع من أنواع تنفيذ مقتضيات الرياضة التطبيقية، وهو علم حديث لكن المسلمين قد عرفوه، وأن التداخل من ثلاث جهات كما هو موجود في المدرسة دخل بزاوية معينة لا يمكن حدوثها إلا بها، ولكن سيبقى ما في المدرسة آية للذكاء وللجمال وللهندسة وللتطبيق للمعلومات المجردة، كما صحح  لي الدكتور لمعي ما ذكرته عن علاقة حسن عبد الوهاب بشأن اسم مشيد أو باني مسجد السلطان حسن، وهو كما ذكر المرحوم حسن عبد الوهاب (ناصر الدين محمد بن بالييك المحسني) ولكنه بين لي أن هذا الشخص كان متحدثاً رسميا باسم السلطان في ما يتعلق بالقصور والمنازل وبناء الأسوار، وله مرتبة بالحكومة هي (إمرة عشرة). قال القلقشندي : (شاد) شد العمائر : وظيفة يكون صاحبها متكلما في العمائر السلطانية. [صبح الأعشى في صناعة الإنشا ج4 ص 22]. وعلى ذلك فما عثر عليه العلامة حسن عبد الوهاب ليس هو من بنى المسجد، بل إنه المتحدث الرسمي للسلطان ولا يزال المهندس الذي بنى المسجد مجهولاً حتى الآن، فشكراً للأستاذ الدكتور المحب للجمال صالح لمعي.

3- لقد فطر الله النفس البشرية على حب كل جميل، والنفور من كل قبيح، جعل الله الميل للجمال أمراً طبعيا في الفطرة السليمة، فطبع الإنسان ينفر من كل منظر وخلق وصوت قبيح، وجعل الله الجمال كذلك أمرًا محثوثًا عليه في شرعه الشريف، ففي الجمال اجتماع للأمر الكوني والأمر الشرعي في انسجام باهر.

        ولذلك حث الإسلام على جمال المنظر، وجمال الأخلاق، والأصوات، والرائحة، والمسلم بخلقه الجميل، وبعبادته لرب جميل، وبالتزامه بشرع جميل، يكون جميلا يشيع الجمال والراحة والطمأنينة في المكان الذي يحل فيه، فالمسلم كالغيث أينما حل نفع، وفيما يلي نصوص الشرع الشريف التي تدعو إلى الجمال وترغب فيها :

ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تتكلم عن الجمال وتحث عليه وترغب فيه منها قوله تعالى: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل : 5 : 8] ففي هذه الآيات يمتن الله تعالى على خلقه بالجمال والزينة التي جعلها في الدواب. وقوله تعالى : (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِين) [الحجر : 16]، وهذا مشهد جمالي آخر يدعونا ربنا للتأمل فيه وهو جمال السماء وتزينها بالبروج. كما امتن سبحانه على خلقه بجمال حدائق الأرض فقال سبحانه : (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) [النمل :60]  وقد حث الإسلام على التجمل والتزين عموما لا سيما للذهاب إلى المسجد فقال تعالى : (يَا بَنِى آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف : 31].

كما ورد الحث على الجمال والاعتناء به في السنة النبوية الشريفة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). قال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة. قال : (إن الله جميل، يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس) [أحمد ومسلم].

وعن معاذ بن جبل قال : جاء رجل إلى النبي  صلى الله عليه وسلم.  فقال : يا رسول الله، إني أحب الجمال، وإني أحب أن أُحمد ـ كأنه يخاف على نفسه ـ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وما يمنعك أن تحب أن تعيش حميدا وتموت سعيدا ؟ وإنما بعثت على تمام محاسن الأخلاق) [ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد].

كل هذه النصوص الشرعية تؤكد على قيمة الجمال وأثره في النفس البشرية، ولعل هذه النظرة إلى الجمال ترقق قلوب الفسقة ليرجعوا إلى الله تعالى، ويكفوا عن الفساد والإفساد في الأرض.

       

 

عدد الزيارات 4800 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)