طباعة

رحيل الشيخ أبي بكر سراج الدين

رحل عن عالمنا أحد الأعلام الكبار صباح الخميس الموافق الثاني عشر من مايو من هذا العام بمنزله بمقاطعة (كنت) بإنجلترا، ودفن في حديقة بيته بعد أن عاش يرعاها محباً للأزهار والجمال، وهي الحديقة التي تطل على الريف المترامي حولها، وهو الشيخ (مارتن لينجز) ـ والذي تسمى بعد ذلك بـ (أبي بكر سراج الدين) ـ وولد في (لانكشير) في يناير 1909 من أسرة بروتستانتية، من والدين أحباه كثيراً، ورأيا فيه النباهة، بل والولاية من الصغر، فلم يعترضا عليه في شيء طوال حياته حتى من الله عليه بالإسلام.

أمضى طفولته المبكرة في أمريكا حيث كان يعمل والده، وعندما عاد إلى بريطانيا التحق بكليته (كليفتون) حيث ظهرت عليه مواهب القيادة، ثم انتقل إلى (أكسفورد) لدراسة اللغة الإنجليزية على يد (c.s lewis) عام 1935 والذي رأى فيه نباهاً ينبغي أن يصاحبه ثم درس في ليتوانيا الأدب الإنجليزي، وكان من أصدقاء مارتن لنجز اثنان على نفس روحه الطواقة لمعرفة الحق، والبحث عن الحقيقة أحدهما (باترسن) ـ والذي أسلم بعد ذلك وأسمى نفسه (الشيخ حسين) ودفن بمقابر المماليك بالقاهرة ـ والآخر أسلم بطريق آخر وأسمى نفسه (الشيخ داود) ومات في إنجلترا ـ سافر باترسن إلى الصين بحثا عن الحقيقة في (الكنوفوشوسية) وأراد (مارتن لنجز) الذهاب إلى الهند بعد أن غير مذهبه إلى (الكاثوليكية) فلم يجد مراده، ففكر في الهندوسية وأثناء السفر إلى الهند عن طريق القاهرة سنة 1940 التقى بالمفكر الفرنسي المسلم (رينيه جينو) ـ وهو الشيخ عبد الواحد يحيى الذي توفي سنة 1950 ودفن بالقاهرة بجوار الشيخ حسين المذكور، وأولاده مازالوا بها حتى الآن نفع الله بهم ـ فوجد ما أراده فيه فأسلم ورجع باترسن إلى مصر وأسلم وعمل في جامعة القاهرة ـ فؤاد الأول حينئذ ـ وتوفي في حادث فروسية.

تزوج مارتن لنجز من السيدة (ليزلي سمولي) سنة 1944  وهي التي أسلمت أيضا، وأسمت نفسها (رابعة) وهي تعيش الآن في هذا المنزل الريفي، (بكنت) بعد رحيل شريك العمر، والتي اتفقت مع أفكاره طوال الستين عام الأخيرة.

وكان وهو في القاهرة يسكن بجوار الهرم في قرية نزلة السمان، وظل في القاهرة حتى سنة 1952، وكان يفصل جلبابه الذي حرص على ارتدائه دائماً عند الحاج عاشور في مدخل خان الخليلي، وكان الحاج عاشور من أولياء الله الصالحين رحمهم الله جميعاً.

كان (مارتن لينجز) يود لو أمضى حياته في مصر ما لم تتدخل أحداث السياسة، فقد أعقبت ثورة 1952 مظاهرات معادية للبريطانيين، قتل فيها ثلاثة من زملائه في الجامعة، وجرى تسريح الأساتذة الإنجليز من الجامعة، وكانت عودته إلى لندن عام 1952 مشوبة بالصعاب، فقد كانت المنافسة الأكاديمية تستلزم ما يربو على مجرد التدريس في ليتوانيا ومصر، وكان الحل الوحيد هو التقدم لنيل الدكتوراه، ونشر له في ذلك الحين كتاب كان قد كتبه في مصر وهو (كتاب اليقين، المذهب الصوفي في الإيمان والكشف والعرفان) وكان عليه أن يحصل على ليسانس في اللغة العربية، ثم حصل بعده على الدكتوراه، وكان موضوعها (الشيخ أحمد العلوي) ونشرت بعنوان (ولي صوفي من القرن العشرين) وقد كان من أعمق كتبه أثراً بوصفه منظوراً فريداً للروحانية الإسلامية من داخلها، وعمل (لينجز) عام 1955 بالمتحف البريطاني، وهو الأمر الذي أدى إلى لفت انتباهه إلى الخط القرآني وتبلور في كتابه (الفن القرآني في الخط والتذهيب) وقد توافق صدوره مع قيام مؤسسة مهرجان العالم الإسلامي عام 1976.

وقضى (لينجز) الثلاثين عاماً التالية في كتابات لجمهور الذي كان يزداد، وقد كان أحد كتبه العديدة مبنيا على رسالته لنيل الماجستير، وصدر بعنوان (محمد رسول الله وحياته من أقدم المراجع) عام 1973 ثم كتاب (شكسبير في ضوء الفنون التقديسية) عام 1966 والذي أعيدت طباعته عام 1984 بمقدمة للأمير ولي العهد أمير (ويلز) بعنوان (سر شكسبير)، حيث يعرض للأصول التراثية في أعمال شكسبير في التراث الأفلاطوني والمدرسي، وكتابه عن (الفن القرآني في الخط والتذهيب) عام 1976، والذي أعيدت طباعته عام 2004 بعنوان (روائع الخط والتذهيب القرآني)، وقد كان خاتمة أعماله (مكة؛ تاريخ المدينة المقدسة من عصر ما قبل الإبراهيمية حتى اليوم) والذي نشر عام 2004.

وكان للقاء (لينجز) بـ (رينيه جينو) عظيم الأثر في ظهور أنوار الهداية التي اجتمعت فيما عرف (بمدرسة التراث)، وقد كان من أحد نتائجها الحاسمة؛ نقد العالم الحديث في تضخمه المادي، واكتشاف الحكمة التي تربعت في قلب كل الأديان، سواء أكانت الزرادشتية أو البوذية أو الهندوسية، ثم اليهودية والمسيحية والإسلام، تلك الحكمة التي هي النور الفطري الذي خلقه الله في قلوب الناس، والذي منه يمكن دعوتهم إلى الحق قال تعالى : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [الروم :30]  وقد عاش في نور تلك الهداية حتى نهاية حياته المباركة.

ولقد أسلم (مارتن لينجز) على يد الشيخ عيسى نور الدين الذي كان سويسرياً فأسلم على ولي الله أحمد العلوي المستغانمي الجزائري، وطريقته قائمة إلى الآن في مستغانم بالجزائر، وكتبه مطبوعة منتشرة.

وكان لـ(لينجز) اهتمام بالغ برمزية الألوان ودلالاتها وتطورها عند المسلمين، كتب يقول في كتابه (روائع فن الخط والتذهيب القرآني) : أُعطى اللون الأزرق أسبقية واضحة على الأخضر والأحمر، وسرعان ما ارتفع إلى منزلة مساوية للون الذهبي في المشرق، بينما في المغرب كان الأزرق يأتي في المرتبة الثانية، وبقيت للون الذهبي صدارته الأصلية. إن أهمية هذين اللونين يمكن تقديرها من واقع أن أية أصباغ تضاف إنما تأتي في أغلب الأحوال في دور ثانوي. زد على ذلك، أن المرء يجد في جميع الطرز والفترات التاريخية تقريباً أمثلة لمصحف يُعتمد فيه بشكل مطلق على الأزرق والذهبي، وهذا الإطلاق نفسه قد يكون ملحوظاً في صفحات أي مصحف كان، حتى إن جاء تذهيبه بألوان عديدة في صفحات أخرى.

إن الأزرق هو لون اللامتناهي، وهو يتطابق مع الرحمة، إذ أن (رحمتي وسعت كل شيء) [الأعراف : 156]. فأعظم رمز لهذه اللانهائية هو السماء المحيطة بالكل، أما الاسم الإلهي لها فهو الرحمن، وهو أول أسماء الرحمة، والوحي يعبر عن الجذور الجوهرية للرحمة.

إذا كان الأزرق يحرر بواسطة اللانهائية، فالذهبي مثله في ذلك مثل الشمس، يحرر لكونه رمزاً للروح، فهو بالتالي يتعالى عن كل عالم الصور. إن اللون الذهبي، من ذات طبيعته، (يفلت) من قيد الصور إلى درجة أن الخطاط الذي يكتب باللون الذهبي عليه أن يخطط حواف كتابته باللون الأسود حتى يعطيها الأثر الفعال من الناحية الصورية، ولكونه لون النور، فإن الذهبي، مثله في ذلك مثل الأصفر، وهو رمز ذو صلة جوهرية بالعلم. خارجيا، هو يعني التدريس والظهور (أو التجلي). أما الأزرق في حضور الذهبي فهو يعني أن الرحمة ميالة إلى الكشف عن ذاتها.

وما ذُكر قليل من كثير عن (مارتن لينجز) وأعماله التي كان لها وسيبقى ذلك المغزى العميق في عالم مضطرب، إلا أن شخصيته هي التي أثرت على الذين عرفوه، بما فيهم كثير من الشباب الذين كانوا يسعون إليه في المشورة الروحية، وهذا أيضا سوف يستمر معهم طوال حياتهم في خوفهم من ألا يجدوا له مثيلاً. رحمه الله رحمة واسعة ورزق الأمة أمثاله. آمين.

إننا في حاجة إلى دراسة أولئك الأعلام الذين أسلموا دراسة علمية تؤكد عالمية ذلك الدين وصلاحيته لكل زمان ومكان.

عدد الزيارات 5127 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)