طباعة

الانتحار العرقي

تحية إلى الكاتب القدير أشرف عبد المنعم على مقاله في عدد الجمعة 19أغسطس 2005 من جريدة الأهرام تحت عنوان (الذين يبيدون أنفسهم عرقيا وهم لا يشعرون) والذي تكلم فيه عن الإبادة الجماعية Genocide والإبادة العرقية Ethnocide وينعى فيه على من يبيدون أنفسهم بأيديهم ويقول : (فلم يثبت علميا أو تاريخيا أن تبنت جماعة من البشر نسفا منظما لإبادة نفسها على هذا النحو الذي نمارسه نحن ..) ويقول (فإذا كان الجهل بأنفسنا وبما حولنا قد تسيد (هكذا) علينا إلى الحد الذي جعلنا نروج للشيء ومنتهى نقيضه في وعاء واحد ننادي بالفضيلة ونروج للرذيلة ..) وهذا المقال أثار عندي شجون حول المصطلح وحول المفهوم أردت أن أتكلم حوله.

1- فمصطلح الإبادة الجماعية، والذي يعني حالات القتل المخطط والمتعمد لجماعة بشرية جزئيا أو كليا ظهر عام 1944 لدى الأستاذ الجامعي البولندي اليهودي الديانة رفائيل لمكن Raphael  Lemkin لوصف أفعال النازي والتي لم تقتصر على اليهود بحسب كلامه، بل امتدت إلى إبادة بعض مجتمعات أوروبا الشرقية، ثم شاع المصطلح بعد ذلك والتفت الناس إلى هذا المصطلح وتكلموا عنه ووصوفوا به مجموعة من أحداث التاريخ، ولقد نعى القرآن على فعل فرعون في محاولته لإبادة بني إسرائيل واعتبرها جريمة شنعاء قال تعالى : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِى الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِى نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ) [القصص :4]. وهناك تدمير وليام النورماندي للشعب الإنجليزي من 1066 حتى 1072م، وما فعله التتار من فظائع، وما فعله الأمريكان مع الهنود الحمر، والمستعمرون الإنجليز مع سكان أستراليا الأصليين وسكان تسمانيا، والألمان في جنوب غرب إفريقيا سنة 1904 حتى 1907 وما فعله الصرب في البوسنة والهرسك.

        2- ولقد نجحت جهود (لمكن) طوال خمس سنوات بتجميعه توقيعات من دول مختلفة إلى نقل هذا الأمر إلى الساحة الدولية وبالتحديد عندما قامت الأمم المتحدة إلى إعلان قانون يحرم فعل الإبادة الجماعية باعتباره جريمة دولية. وتم طرح القانون في 21 يناير من عام 1951 إلا أنه لم يقابل بحماس كبير من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، حيث لم يوافق عليه فقط سوى فرنسا والصين، ثم انضمت إليهما روسيا (الاتحاد السوفيتي) في عام 1954 ثم تبعتها بريطانيا العظمة عام 1970، وأخيرا الولايات المتحدة الأمريكية عام 1988، والتي ربما تكون

مقتنعة بالإبادة الجماعية والعنصرية وتلويث البيئة حيث نراها دائما معارضة لهذا. وهو الأمر الذي أدى إلى تأخر تطبيق هذا القانون إلى التسعينيات من القرن العشرين عندما بدأ بالفعل في الدخول إلى حيز الوجود بعدما ظل مجرد حبر على ورق لمدة تصل إلى أربعة عقود كاملة، قد تضمنت مادة القانون خمس أفعال تم وصفهم بهذا المصطلح ومن ثم تجريمهم باعتبارهم جريمة دولية وهم كالآتي :

أ- قتل أعضاء أي جماعة بشرية.

ب- التسبب بأضرار جسدية خطيرة أو عقلية لأي عضو من أعضاء هذه الجماعة.

ج- الإضرار المتعمد بالظروف الحياتية لأي جماعة بشرية والذي يؤدي بالضرورة إلى فنائها.

د- فرض قوانين وقياسات صارمة على أي جماعة بشرية يمنعها من التناسل والتكاثر.

هـ- نقل أطفال أي جماعة إلى جماعات أخرى.

3- أما الإبادة العرقية فقد ذكرها (لمكن) في مقاله المشهور (قوات المحور تحكم أوروبا المحتلة) المنشور عام 1944 والذي قام فيه بتركيب المصطلح من أصول إغريقية ولاتينية مثلما فعل مع مصطلح الإبادة الجماعية، حيث يتألف المصطلح من الكلمة الإغريقية Ethnos  والتي تعني (أمة) Nation والمقطع اللاتيني Cide والذي يعني (قتل) وقد قام (لمكن) بتقديم هذا المصطلح في هامش نفس الصفحة التي استخدم فيها مصطلح الإبادة الجماعية، حيث أكد أن أفعال النازي الإجرامية من الممكن أيضا وصفها بهذا المصطلح.

وعلى الرغم أن المصطلحين (الإبادة الجماعية) و (الإبادة العرقية) تم تقديمها معا في آن واحد خلال الأربعينيات من القرن العشرين لوصف الأفعال السادية للنازي ضد اليهود، إلا أن مصطلح الإبادة العرقية لم ينل نفس الحظ من الشهرة مثل مصطلح الإبادة الجماعية. وفي السنوات التالية لإعلان الأمم المتحدة مشروع القانون الدولي لتجريم الإبادة الجماعية واعتبارها جريمة دولية، بدأ الغالبية العظمة من علماء الاجتماع في استخدام المصطلح كأحد الفروع الثانوية لمصطلح الإبادة الجماعية والذي يقتصر فقط لوصف فعل إبادة جماعية بشرية لأسباب خاصة بالعرق فقط.

غير إن مفهوم هذا المصطلح لم يقتصر على هذا المعنى فقط ولكن امتد ليشمل العديد من المعاني، فهو يشير كذلك إلى أي أفعال إجرامية تجاه عرق معين حتى وإن لم تؤدي إلى إبادته بصورة كاملة، فيشير إلى الأضرار طويلة المدى مثل تقليل مواليد عرق ما، محاولات منع انتقال

 

ثقافة مجتمع ما إلى أجياله القادمة، ومن ثم تفقد هذه الأجيال أي علاقة مع أجدادها، بل ويشير كذلك إلى محاولة البعض لإزالة تاريخ عرق ما من صفحات التاريخ البشري كل ما يتعلق بهم من معلومات. وتؤكد المصادر أن هذا المصطلح أكثر استخداما من قبل الأقليات المضطهدة من مصطلح الإبادة الجماعية.

ويتشابه هذا المصطلح كذلك مع مصطلح الإبادة الثقافية Culturecide بل ويتم استبدالهما مع بعضهما البعض دون الإخلال بالمعنى المراد. إلا أن كلا منهما يقع تحت النطاق المصطلحي للإبادة الجماعية ومن ثم يمكن استخدام الإبادة الجماعية ليحل محل أي منهما دون الإضرار بالمعنى، ولكن علماء الاجتماع يؤكدون أن أهمية هذا المصطلح تكمن في قدرته في وصف الأعمال الإجرامية من قبل بعض الحكومات والتي تكون بمعدل قليل من العنف والوضوح لا يتناسب مع مصطلح الإبادة الجماعية، وأكد بعضهم الآخر أن هذا المصطلح يعد صورة أكثر اعتدالا من مصطلح الإبادة الجماعية والذي عادة ما يصاحبه مشاعر مخيفة وبشعة عند استخدامه.

4- ويمكن أن نصطلح على لفظ (الانتحار العرقي) للحالة التي تكلم عنها الأستاذ أشرف عبد المنعم والتي وصفها بأنها فريدة في التاريخ، وكنت أسمع مشايخي يتكلمون عن حالة (الانضباع) وتلقيت منهم شفويا أنها مشتقة من الضبع وتصرفاته، وذلك أنه إذا أراد افتراس فريسته نظر إليها وأحدث لها ما يشبه التنويم المغناطيسي ثم يسير فتسير وراءه حتى مكمنه ثم يقتلها هناك بعد أن يعلوا ظهرها ويبول عليها وفي بوله مخدر، فيوفر على نفسه مقاومتها ونقل جثتها إلى بيته، وتقال هذه الكلمة لمن يسير إلى حتفه بقدميه وظاهر إرادته من شدة جهله بما حوله، ولقد بحثت كثيرا عن هذا المعنى في الكتب التي تحت يدي فلم أجده لا في المعاجم ولا في كتب حياة الحيوان وآمل ممن عنده توثيق لذلك الخبر الشفوي أن يمدني به. فهل يمكن أن نطلق على هذا (الانضباع).

5- وقد يقال إن الانضباع فيه تأثر من خارج النفس وأتذكر ما يقوله علماء التسويق حول قوة تأثير عرض السلعة على المشتري Demonstration effect  وبدون شك فإن ما يجري حولنا في العالم يقوخ بهذه المهمة ولكن يجب علينا أن نكون من طائفة المستهلك الرشيد لا من طائفة القابلين للاستعمار على حد تعبير مالك بن نبي.

عدد الزيارات 5110 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)