طباعة

التخلي.. والتحلي.. والتجلي

الإثنين, 05 حزيران/يونيو 2017     كتبه 

الإنسان يسير في طريق الله. لكن ما معني: "السير في طريق الله"؟؟ معناه أنه يبدأ بالتوبة. وما معني التوبة؟ معناها أن ينخلع من المعاصي. وأن يعاهد نفسه علي أن يترك المعاصي. وأن يعطل ملك السيئات. أي يجعل ملك السيئات لا يكتب عليه شيئاً.
هذا الانخلاع له درجات: أولها انخلاع من المعصية. المعصية هي التي يقول عنها الشرع: إن هذا حرام. فالانسان قرر مع نفسه ألا يفعل هذا الحرام.
هناك توبة أخري وهي: الانخلاع من كل ما يشغل البال أو القلب عن الله. من ولد. ومن المال. ومن حب للأكوان. وللسلطة. وللجاه. وللشهوات. الانسان هنا لم يرتكب حراما لكي يتوب منه. فهو قد تركه. لكنه الآن يتوب من شيء آخر. يتوب من الانشغال عن الله! وكأن الانشغال عن الله- وهو أمر يقع فيه جل البشر- معصية. لا.. هو ليس معصية. لكن كأنه معصية! وهو لعلو همته يعتبره في حقه معصية. فيخلي قلبه من شواغل الدنيا ومشاغلها.
"يخلي قلبه": هذه كلمة وقف عندها السادة الصوفية كثيرا. وقفوا عند التخلية من القبيح. ويأتي بعدها عندهم معني آخر. وهو أن: "يحلي قلبه" بكل صحيح. وهذه هي التحلية.
إذن فهناك مرحلتان وهما: "التخلية. والتحلية". التخلية تفريغ القلب من الشواغل والمشاغل. والتحلية هي تجميل القلب بهذه الصفات العالية من التوكل. ومن الحب في الله. ومن الاعتماد علي الله. ومن الثقة بما في يد الله.. الخ.
والسالك إلي الله لا يزال إلي الآن في المرحلة الأولي من الطريق. ومن التوبة. فإنه خلي قلبه من القبيح. وحلي قلبه بالصحيح. لكن تأتي توبة أخري بعد ذلك. في مرحلة ثانية. يتشوق فيها قلب هذا التقي النقي. الذي خلي قلبه من الشواغل والمشاغل. وخلي نفسه وجوارحه من المعصية. ثم خلي قلبه من الشوائب. ثم حلي قلبه بتلك المعاني الفائقة الرائقة. وهو في كل ذلك يريد من الله أن يتجلي عليه.
وهذا التجلي يأتي بعد التخلي والتحلي. فما معني التجلي؟ معناه- كما قالت السادة الصوفية: التخلق بأخلاق الله: فالله تعالي رحيم. فلابد من أن نكون رحماء. والله تعالي رءوف. فلابد من أن نكون كذلك. والله تعالي غفور فلابد أن نكون متسامحين. نغفر للآخرين.. ويصبح الإنسان في رضا عن الله.. عنده تسليم تام بقدر الله. هذا الرضا وهذا التسليم يدخل قلبه علي ثلاث مراحل:
المرحلة الأولي: هي مرحلة يسلم فيها بأمر الله. ويقاوم نفسه من الاعتراض. ومن الحزن. فهو يحزن لكنه يمنع نفسه من أن يعترض علي أمر الله. وهو أيضا يبكي ليل نهار علي فقدان الولد مثلا. لكنه ساكن القلب إلي حكمة الله تعالي.
والمرحلة الثانية: لا يحزن. فلو مات له ابن أو اصابته مصيبة فانه يضحك. والسبب اليقين في لطف الله وحكمته.
المرحلة الثالثة: يبكي. لأنه يستحضر في نفسه أن الله قد أفقده هذا العزيز لديه الآن من أجل أن يبكي. فهو لا يبكي حزنا انما هو يبكي الله. وهذا هو الذي كان عليه مقام النبوة وأكابر الأولياء. فلما فقد النبي- صلي الله عليه وسلم- ابنه إبراهيم بكي. وفي حديث آخر أنه قد أرسلت ابنة النبي- صلي الله عليه وسلم- إليه أن ابنا لي قبض. فائتنا. فأرسل يقريء السلام ويقول: إن لله ما أخذ. وله ما أعطي. وكل عنده بأجل مسمي. فلتصبر ولتحتسب. فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها. فقام ومعه جماعة من أصحابه. فرفع إلي رسول الله- صلي الله عليه وسلم- الصبي وهو في النزع ففاضت عيناه صلي الله عليه وسلم. فقال سعد: يا رسول الله!! ما هذا؟! فقال: "هذه رحمة. جعلها الله في قلوب عباده. وإنما يرحم الله من عباده الرحماء".
والنبي- صلي الله عليه وسلم- يبكي علي إبراهيم. ولكنه يبكي لأن الله قد قدر لمن أصيب بمصيبة أن يبكي. فالأول يبكي حزنا. والثاني يضحك رضا. والثالث يبكي مرة ثانية قهرا تحت سلطان الله سبحانه وتعالي. واستجابة لمقتضي ما أجراه الحق في هذا الوقت المخصوص من أحوال. وكأن الله أرادني الآن أن أحزن فأنا أحزن لذلك.
فالتوبة إذن أول الطريق. وهي مراحل: أولها: توبة من المعصية. ثم توبة من الأكوان بالتخلية والتحلية. ثم بعد ذلك توبة من كل شيء سوي الله. ومن تاب عما سوي الله. تجلي الله عليه بصفاته. فكان عبدا ربانيا. يدعو الله ويقول: يارب.. فيستجيب الله له. وكان عبدا ربانيا في رضاه بالله. وفي تسليمه لأمر الله. لا مزيد علي ذلك عليه. ويكون بذلك قد فعل هذا الشيء الذي يسمي التوبة.. فكيف السبيل إذن؟ قالوا: التوبة هذه مرحلة من عشر مراحل. نعالج كل مرحلة منها. نحن الآن في أول الطريق إلي الله وهو: التوبة.. فما الذي يحدث لي أثناء هذه التوبة؟
أولا: أن أتوب عن المعاصي.
ثانياً: التحلية والتخلية.
ثالثا: مرحلة التجلي والرضا التام تحت قهر الله.

عدد الزيارات 20917 مرة
قيم الموضوع
(11 أصوات)