طباعة

كيف نجلس سوياً؟

الإثنين, 08 كانون1/ديسمبر 2014     كتبه 

قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران:103].

وأخرج أبو داود في كتاب «الفتن والملاحم»، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله أجاركم من ثلاث خِلال ألا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً، وألا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وألا تجتمعوا على ضلالة».

1- بعد مقالة الأسبوع الماضي بعنوان «أفيضوا مجالسكم بينكم» وهي الكلمة البليغة التي نصحنا بها سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تلقيت الكثير من طلبات المخلصين يسألون: كيف نفيض المجالس وكيف نجلس معاً؟ ومنذ أكثر من ستة أعوام شغل علماء المسلمين هذا الأمر، واستخلصنا حينئذ ثلاثة أسئلة نجتمع حولها لتكون أساساً لهذا الاجتماع، فكانت: من هو المسلم؟ ومن له الحق في أن يتصدى للإفتاء؟ وهل يجوز التكفير لذلك المسلم؟

2- واستجابة لمبادرة عرضها ملك الأردن، عبد الله الثاني، في عام ٢٠٠٥م، اجتمع نحو ١٥٥ عالماً من ٤٤ دولة في عمان في الفترة ما بين ٤ – ٦ يوليو الموافق ٢٧ – ٢٩ جمادى الأولى سنة ١٤٢٦هـ، وكان هؤلاء العلماء يمثلون المذاهب الثمانية: «الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي من أهل السنة والجماعة، والمذهب الجعفري، والزيدي من الشيعة، والمذهب الإباضي والظاهري»، ولقد شرفت بحضور ذلك المؤتمر وأرسل فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر المرحوم الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي إجابته إلى المؤتمرين، فكانت لها الصدارة في الفتوى، وصدَّر بها الأمير غازي بن محمد، الرئيس الأعلى لمؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي، ومنظم المؤتمر، كتابه تحت عنوان «احترام المذاهب»، والذي صدر في عمان بالأردن سنة ٢٠٠٦م، جمع فيه فتاوى أولئك العلماء، وأجمعوا على أن كل من يتبع أحد هذه المذاهب فهو مسلم، لا يجوز تكفيره، ويحرم دمه وعرضه وماله. ووفقاً لما جاء في فتوى شيخ الأزهر وغيرها، لا يجوز تكفير أصحاب العقيدة الأشعرية، ومن يمارس التصوف الحقيقي، ولا أصحاب الفكر السلفي الصحيح، كما لا يجوز تكفير أي فئة أخرى من المسلمين تؤمن بالله وبرسوله -صلى الله عليه وسلم- وأركان الإيمان، وتحترم أركان الإسلام ولا تنكر المعلوم عن الدين بالضرورة.

3- وجرت إعادة التأكيد على هذا المضمون في المنتدى التحضيري للعلماء والمفكرين بالدورة الثالثة لمؤتمر القمة الإسلامي الاستثنائي الذي عقد في مكة المكرمة، في سبتمبر ٢٠٠٥م، وشرفت بحضوره، وحضره أكثر من ١٧٠ عالماً، ثم تمت المصادقة عليه مرة أخرى بالإجماع في جامعة آل البيت في الأردن في نوفمبر ٢٠٠٥م، في مؤتمر «المذاهب الإسلامية والتحديات المعاصرة».

وأخيراً، تم تبنيه في الدورة الاستثنائية الخامسة بقمة منظمة المؤتمر الإسلامي في ديسمبر ٢٠٠٥م، التي حضرها ٥٤ دولة ما بين ملك ورئيس أو مندوب عن الرئيس.

4- ومنذ أكثر من ثلاث سنوات بدأنا مبادرة سميت «كلمة سواء»، بين مسلمي العالم ومسيحيي العالم، وقع عليها أكثر من ٢٠٠ عالم مسلم، مبناها حب الله وحب الجار، وهما المشترك بين المؤمنين من كل الأديان.

5- فهذا هو الأساس الفكري المتفق عليه، والذي يمكن في إطاره أن نفيض مجالسنا دون تكفير أو تفسيق، وبقلوب تقدم حب الله وحب الجار، وآذان تستمع وتبحث عن المشترك، تتعارف حتى تتآلف، ولنعمل فيما اتفقنا عليه ونتجاوز ما اختلفنا فيه.

6- ومبنى هذا القاعدة التي قررها الإمام السيوطي في كتابه «الأشباه والنظائر الفقهية»: (إنما ينكر المتفق عليه ولا ينكر المختلف فيه)، فالمتفق عليه هو الذي أجمع عليه المسلمون ولا خلاف فيما بينهم حوله كحرمة شرب الخمر ووجوب الصلاة والزكاة وحل البيع والزواج، والمتفق عليه يعتبر هو حقيقة الإسلام، أما المختلف فيه فهو ظني، تختلف فيه أنظار المجتهدين، فإذا اخترت مذهباً من المذاهب وقلدت إماماً من الأئمة، فلا أنكر على أخي الذي قلد إماماً آخر أو مذهباً مختلفاً، وكذلك من إطار ما نذكره كلام نفيس قرره الإمام الباجوري في حاشيته الفقهية حيث قال: (من ابتلى بشيء من ذلك -يعنى المختلف فيه- فليقلد من أجاز)، وهي كلمة بليغة حكيمة عليمة تجعل من اختلاف الأئمة مرونة ورحمة وسعة، وتجعل من هذا الاختلاف نسقاً منفتحاً وفكراً حراً.

ويؤكد الإمام الشعراني في كتابه المانع «الميزان الكبرى»، أن اختلاف الأئمة دائر بين الرخصة والعزيمة، وهو ما ذهب إليه الإمام العثماني في كتابه «رحمة الأمة في اختلاف الأئمة»، ومن هذا الإطار أيضاً ما تقرر في علم أصول الفقه أن هناك قطعياً وهناك ظنياً في كل من الثبوت والدلالة، فالقرآن والسنة المتواترة من باب قطعي الثبوت، وسنة الآحاد من باب ظني الثبوت، وهناك نصوص في كل من الكتاب والسنة لا تحتمل إلا مراداً واحداً، فهي من باب قطعي الدلالة، وهناك ما يحتمل معاني كثيرة، وهو أغلب النصوص فهو من باب ظني الدلالة حتى قالوا: «القرآن حمال أوجه»، وهناك أيضاً ما تقرر في قواعد الفقه أن «الخروج من الخلاف مستحب وليس واجباً»، وشرطه عندهم: «ألا يكر على مذهبه بالبطلان»، حيث إنه من باب الورع وليس من باب الترجيح والاختيار الفقهي.

7- ونحن هنا من منبر «المصري اليوم» ندعو جميع الفصائل والمختلفين في وجهات النظر أو في مناهج التناول إلى الجلوس سوياً، بشرط تقديم الوعي قبل السعي، وأن تكون هذه الجلسات في بداياتها خاصة، حيث إن كثيراً من نقاط الخلاف لا تعني عموم الناس، وعند الوصول إلى المشتركات، يخرجون على الناس ببرنامج واضح واتفاق قريب، فيكون -كما قال سيدنا عمر- «أدوم لإلفتكم، وأهيب لكم في الناس»، وأنا على استعداد لعمل هذه اللقاءات في دار الإفتاء المصرية، لتقوم بواجب الوقت في توحيد الكلمة وصالح البلاد والعباد.. والله من وراء القصد.

عدد الزيارات 5704 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)