طباعة

الحج 3

الجمعة, 11 أيلول/سبتمبر 2015     كتبه 

تكلمنا في المقال السابق عن باقي واجبات الحج وسننه، وبدأنا في الإجابة عن سؤال كيف يحج المسلم حجا كاملا ؟ وتكلمنا عن أعمال الحج قبل بداية الحج حتى يوم النحر، وفي هذه المرة نكمل الحديث عن باقي أعمال الحج فنوضح أعمال اليوم الأول والثاني والثالث من أيام التشريق

أعمال اليوم الأول والثاني والثالث من أيام التشريق :

أ - المبيت بمنى ليلتي هذين اليومين : فبعد طواف الإفاضة الذي به التحلل الأكبر يتوجه الحاج للمبيت بمنى هذين اليومين وفي هذين اليومين يقوم برمي الجمار؛ بحيث يخرج في اليوم الأول بعد صلاة الظهر (بعد الزوال) يرمي الجمار الثلاثة على الترتيب : الجمرة الأولى أو الصغرى وهي أقرب الجمرات إلى مسجد الخيف بمنى , ثم الجمرة الثانية أو الوسطى , ثم الثالثة الكبرى جمرة العقبة.  يرمي كل واحدة بسبع حصيات , ويدعو بين كل جمرتين. ويقوم بنفس هذا الفعل في اليوم الثاني.

ب - النفر الأول والثاني : يحل للحاج إذا رمى جمار اليوم الثاني من أيام التشريق أن يرحل إلى مكة, إذا انتهى من رمي الجمار الثلاثة قبل الغروب ويسمى النفر الأول، أما إذا غربت عليه شمس اليوم الثاني وجب عليه أن يمكث إلى اليوم الثالث من أيام التشريق وهو رابع أيام عيد الأضحى المبارك؛ حيث يقوم فيه بنفس أعمال رمي الجمار الثلاثة السابق بيانها. ثم يتوجه إلى مكة ولا يحل له أن يمكث في منى بعد ذلك وهذا يسمى النفر الثاني.

ج- التحصيب : وهو نزول الحاج بالمحصب (موضع بمكة) يصلي فيه ويذكر الله تعالى فيه وهو مستحب.

د- طواف الوداع : يمكث الحاج بمكة ما أراد أن يمكث في ذكر لله وغيره من أعمال البر وأعمال المعاش، وليعلم أنه في حرم الله، وفي أطهر بقاع الأرض فليتق الله ليراقبه دائما، فيجوز له أن يعتمر أو يزور من يعرفهم ثم إذا أراد السفر من مكة يجب عليه يطوف بالبيت طواف الوداع, والمعنى الملاحظ في هذا الطواف أن يكون آخر العهد بالبيت, وبعد أن يصلي ركعتي الطواف , يأتي زمزم ويشرب من مائها مستقبل البيت ويدعو بما شاء , ويتشبث بأستار الكعبة, ويستلم الحجر الأسود إن تيسر له من غير إيذاء أحد, ثم يسير إلى باب الحرم ووجهه تلقاء الباب, داعيا بالقبول, والغفران, وبالعود مرة بعد مرة, وألا يكون ذلك آخر العهد من الكعبة.

وبذلك نكون قد انتهينا من الحديث عن الحج من جهة كيفية وفقهه، ويجب الالتفات إلى معاني أخرى غير المعاني الفقهية وهي المعاني الروحية، فإن الحج يدل على التوحيد وعلى الإذعان لله سبحانه وتعالى فهو يعلم الأخلاق الحميدة ويبعدنا عن الأخلاق الذميمة، ويأمرنا بالتقوى، قال سبحانه : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِى الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِى الأَلْبَابِ﴾ [البقرة :197].

والحج تجديد للحياة، فيبدأ الإنسان بعد الحج صفحة جديدة مع ربه يعاهده فيها على السير على طاعته والعزم على امتثال أمره واجتناب نهيه، ولعل لأجل ذلك المعنى قام سيدنا عمر بن الخطاب بوضع التقويم الهجري العربي للمسلمين بداية من شهر محرم، فكان هو أول العام الهجري، فهو بداية سنة جديدة في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، فكان بداية تقويم المسلمين.

والحج يدل على التوحيد بمعناه الشامل، فهو عبادة، فكما يفرض على المسلمين صيام شهر واحد، كذلك يفرض عليهم أداء عبادة واحدة في وقت معين من السنة هي الحج، ففي توحيد الحج وحدة للأمة حيث يجتمعون من كل مكان يلبون نداء الله سبحانه وتعالى.

فالمسلم يؤمن بالتوحيد ليس فقط توحيد الإله، بل توحيد شمل كل شيء في بنائه العقائدي، فنبيه صلى الله عليه وسلم واحد؛ لأنه خاتم قال تعالى : ﴿رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب : 40]، وكتابه واحد؛ ولذلك حفظه من التحريف والتخريف وجعله واحدا لا تعدد له، قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر : 9]، والأمة واحدة قال تعالى : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء : 92]، والقبلة واحدة، قال عز وجل : ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة : 144]، والرسالة واحدة عبر الزمان قال سبحانه : ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج : 78]، والحج واحد، قال تعالى : ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة :196]، وشهر واحد افترض الله صومه على المسلمين : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة :185].

وقد خرج علينا ودعا إلى تعدد الحج –وهو لا يفهم هذا المعنى- فذهب عقله إلى الخلط بين التخريف والتحريف، وبين الاجتهاد الذي كان عليه أئمة الأمة وبين الانسلاخ من الدين، فالله يدعونا إلى تفعيل التوحيد في حياة الناس، وهؤلاء يدعوننا إلى تعدد ما جعله الله واحدا، إنها غفلة تقتضي منه لا يسعنا معها إلا أن نقول له ولأمثاله «سلام عليكم».

فالحج يعد مؤتمرا سنويا يوحد الأمة ويكتب غير المسلمين ويتعبون أن كل المخترعات التي اخترعت لدى المسلمين في الشرق يجدونها وبعد شهور قليلة قد طبقت في الأندلس في الغرب والحال كذلك عند علماء الأندلس من أهل الصناعة والهندسة والطب وغيرها يجدونها انتقلت إلى الصين والهند لدى المسلمين وتتبعوا هذه الظاهرة العجيبة فوجدوا أن الأمر إنما هو مردود إلى الحج حيث يجتمع فيه علماء المسلمين ويتبادلون الخبرات، يقومون بنقل المخترعات والأفكار والنظم والإدارات والإجراءات وحدة للأمة، وقوة للدولة، ووقوفا أمام الحضارات الناقصة.

فكان المسلمون يشهدون في الحج منافع لهم على الحقيقة لا على المجاز، فكان يعود منه إلى أقطارهم وقد ازدادوا قوة إلى قوتهم إلى أن دب الوهن في قلوب المسلمين فأحبوا الحياة، وكرهوا الموت، وتشرذمت الأمة، وتفرق الناس فأصبح الحج خاليا من معناه، وينبغي أن يعود المسلمون لعمل المؤتمرات العلمية لا تلقى يها الخطب الرنانة، بل تقدم فيها الأبحاث وتوضع فيها السياسات وتتفق فيها الشعوب.

فوظيفة الحج إظهار التوحيد، وتعظيم شعائر الله، وهذا التعظيم هو من تقوى القلوب فينبغي على المسلم إذا ذهب إلى بيت الله الحرام أن يعظم شعائر الله، يقول تعالى : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة :185]. وقال سبحانه : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج :26]

وكلمة «سجود» مصدر، ولكنها أطلقت على الساجدين، وإطلاق المصدر على جمع الفاعلين مثل شهود وقعود، وإطلاقه بهذه الكيفية وكأنه ينفي الشخص وينظر إلى الفعل، وانتفاء الشخص معناه أنه قد فنى في الله سبحانه وتعالى، وأنه قد طلق الدنيا من قلبه، وأنه في سجوده لم يبق له وجود سوى هذا السجود لرب العالمين، وأنه يكرر ذلك السجود ويسجد لله دائما، فهو دليل على كثرة السجود.

يرشدنا ربنا في الحج إلى وحدة الأمة وإلى التكافل الاجتماعي بينها، وإلى القيام بشأنها والاهتمام به، وينبهنا إلى أن يكون الحج منطلقا وبداية، وليس من أجل شيء آخر، إنما جاءوا لإعلان التوحيد بالنسك المأخوذ عن حبيب الحق وسيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى : ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج :29] البيت العتيق، وهو الكعبة المشرفة محل نظر ربنا، والنظر إليها عبادة، فهي مهبط الرحمان، وموضع يستجاب فيه الدعاء.

وطواف المسلمين بالبيت العتيق فيه تشبه بملائكة الرحمن الحافين حول العرش، فالمسلمون يحاكون الملأ الأعلى ولديهم المنهج القويم الذي به أسرار الكون والعبادة، وعمارة الدنيا وسلامها، فالبشر جميعهم يحتاجون إلينا، فعلينا أن نقوم بدورنا وندعو إلى الله بالحال قبل القال، وألا نيئس ولا أن نسير في مهالكنا خلفهم، بل علينا أن نعتز بالله ورسوله، وأن نعتز بديننا.

كثير من الدروس والأسرار في الحج، وكثير من مسائل الفقه تكتنف هذا الباب، ولكن نتكفي بما ذكرنا عن الأسرار والفقه، وننتقل إلى أمرنا نتذكره في كل موسم حج، ونتألم كثيرا له، وهو حوادث رمي الجمرات.

إن الأمة بوسعة تفادي تلك المأساة إذا ما أعملت العقول، وفعلت الفكر، وأعادت النظر والاجتهاد في مسألة إطالة مدة الرمي، وكذلك وسعنا قضية الإنابة في الرمي خاصة عن الضعاف وكبار السن.

كما إننا بإمكاننا أن نقف لنقرأ حال الأمة من خلال حوادث رمي الجمرات، ولنضع أيدينا على الخلل في التفكير الفقهي الذي أدى إلى مثل هذه الحوادث المأسوية، مما يؤدي إلى موت المئات من جنسيات كثيرة، وإصابة الآلاف بإصابات مختلفة وهم يؤدون منسكًا من المناسك التي لها دلالة نفسية يمنع من تحصيلها والتمتع بأثرها هذه الأزمة الفكرية، وهذه الحالة بالعقلية الفقهية التي يصر عليها الكثير.

فالأزمة ليست قانونية ولا تنظيمية ولا حتى فقهية، فسلطات تنظيم الحج قد أخذت بالفتوى الصادرة من جهات عديدة في السنين الماضية بأنه يجوز للمسلم أن يرمي الجمرات في أي ساعة شاء من ليل أو نهار.

وهو نص البيان الذي أصدره مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف (هيئة كبار العلماء) وأصدرت دار الإفتاء المصرية هذا المعنى مرارًا، وهو أمر قد صدرت فيه فتاوي من العلماء منذ أكثر من ثلاثين سنة، بل إنه في الفقه الإسلامي الموروث ذهب إليه اثنان من كبار المجتهدين، وهما طاوس بن كيسان اليماني، ومجاهد وكان من تلامذة حبر الأمة، وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكثير من المحدثين منهم العلامة عبد الله آل محمود وألف فيها كتابًا، والعلامة الشيخ يوسف القرضاوي، وغيرهم كثير.

ولقد أيدت وزارة الحج السعودية هذه الفتوى واعتمدتها في العمل من السنة الماضية؛ ولذلك رأينا أن البنود لا تمنع الناس لأداء هذا المنسك في أي وقت كان، كما كان يحدث في سنين ماضية؛ حيث لم يكن عدد الحجاج قد زادت إلى هذا الرقم الكبير، فقد وصل إلى ثلاثة ملايين في هذا العام.

إذن فما هي حقيقة الأزمة ؟ نذكر ذلك في المقال القادم إن شاء الله (يتبع)

 

 

 

عدد الزيارات 4922 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)