طباعة

تحقيق وحدة الأمة (2)

الأربعاء, 30 أيلول/سبتمبر 2015     كتبه 

تكلمنا في المقال السابق عن عدم إدراك الواقع كأحد معوقات وحدة الأمة الإسلامية، وتكلمنا عن كيفية إدراك عالم الأشياء، ونكمل الحديث عن إدراك باقي العوالم التي تكون الواقع.

والعالم الثاني هو عالم الأشخاص، وقد برزت فيه الشخصية الاعتبارية التي يجب أن نهتم بدراستها دراسة أخرى غير ما ورد عن الشخصية الطبيعية في الفقه الإسلامي، فإن ما ورد في ذلك الفقه عن الشخصية الطبيعية صحيح، ولكن الشخصية الاعتبارية ينبغي أن يكون لها أحكام أخرى تتوافق مع مصالح الناس، وتحقيق المقاصد الشرعية. إن سحب أحكام الشخصية الطبيعية على الشخصية الاعتبارية أمر لم يعد مناسبا وفيه تغبيش على الواقع الذي نريد أن ندركه.

والثالث الزمان، فقد استقر في الفقه الإسلامي أن الأحكام تتغير بتغير الزمان إذا كانت مبنية على الأعراف الزائدة، والتقاليد المستقرة أو المتغيرة، فباختلاف تلك الأعراف والتقاليد من زمان لزمان، أو من مكان لمكان تتغير الأحكام، كما تقرر أن الأحكام تتغير بين ديار المسلمين، وغير المسلمين في مجال العقود؛ لأن المسلم الذي يقيم في بلاد غير المسلمين ينبغي عليه أن يمارس حياته بصورة طبيعية، ولا ينعزل في حارات من غير اندماج في مجتمعه، بل يجب عليه هذا الاندماج؛ لأنه أولاً وأخيراً مأمور بالدعوة إلى الإسلام بمقاله أو بأفعاله أو بحاله.

 وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كل ميسر لما خلق له) [متفق عليه]، ولا يتحقق له ذلك إلا إذا اختلفت أحكام العقود التي بينه وبين غير المسلمين في ديار غير المسلمين عن أحكام ذات العقود نفسها في ديار المسلمين، وهو مذهب أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، قال ما دام ذلك برضى أنفسهم، وقال : لأن هذه الديار ليست محلا لإقامة الإسلام، وهي نظرة واقعية للحياة من ناحية، ولطبيعة الدين الإسلامي في دعوته بالأسوة الحسنة من ناحية أخرى قال تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة : 143] والرسول في حقيقته إنما بعث كما قال عنه نفسه رحمة مهداة قال تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [الأنبياء : 107] فلابد أن يكون أتباعه كذلك.

والرابع عالم الأحداث والخطاب الديني يجب أن يتعلم تحليل المضمون وكيفية استعمال هذا التحليل، وقد ورد في الحديث النبوي عن حكمة آل داود (على العاقل أن يكون عالما بزمانه ممسكا للسانه مقبلا على شأنه) [أخرجه البيهقي في الشُعب].

وعالم الأحداث مركب في الحقيقة من الأشياء والأشخاص والوقائع والعلاقات البينية، وهو أكثر العوالم تداخلا وتسارعا؛ حتى نرى أن وكالات الأنباء الستة الكبرى تبث كل يوم 120 مليون معلومة أغلبها أحداث مما يبين أهمية هذا الجانب ونحن هنا ننبه إليه فقط فنتكلم بشيء (عنه) ولا نتكلم بشيء (فيه).

إن إدراك هذه العوالم لا يكفي وحده دون إقامة علم ديني لإدراك العلاقات البينية والاستعداد لتداخلها ووضع الطرق المناسبة التي تحقق مقاصد الشرع الشريف من حفظ النفس والعقل والدين وكرامة الإنسان وحفظ الملك على الناس، وهي المقاصد العليا التي أشار إليها الأصوليون والتي أفردها الشاطبي في كتابه الموافقات، وهي التي أيضا تمثل فكرة تقارب فكرة النظام العام في النظم القانونية المعاصرة.

وبعد تحليلنا للمعوق الثالث الذي يعوق وحدة الأمة الإسلامية وهو عدم إدراك الواقع، نتكلم عن المعوق الرابع.

4- الأزمة الثقافية التي تمر بها الأمة :  ومن عوائق تحقيق وحدة الأمة وتنميتها الثقافة السائدة في مجتمعاتنا، فأرى أنها بعد هذه المرحلة الطويلة خلال القرنين الماضيين قد وصلت إلى حالة من الأزمة، وأن التنمية المبتغاة التي ندعو إليها تحتاج إلى الخروج من تلك الأزمة، وإلا فإن التنمية أيضًا في أزمة وأشبه هذه الثقافة المأزومة بسيارة قد غرزت في رمل أو وحل وأن إخراج هذه السيارة من الوحل ليس هو كل شيء فإننا عندما أردنا أن نخرجها وجدناها مكبلة بالكوابح، وعند فك هذه الكوابح وجدناها قد صدأت في أجزائها وعندما جلونا الصدأ عنها وجدناها معطلة تحتاج إلى إصلاح فني وعندما أصلحناها وجدناها من غير وقود، فلما اجتهدنا فوجدنا الوقود اكتشفنا أنه لا يوجد سائق لها، وعندما أوجدنا السائق بالتي واللتيا لم يكن يعرف الطريق فسار بنا في متاهة، وكلما رأى شيئًا ظنه هو الطريق الصحيح فسار فيه ثم رجع فضاع الوقت، وأظلم الليل فازدادت المتاهة وازداد الإجهاد به وبنا... فهل من مخرج معقول ؟ هذه الأزمات نمارسها سويًا الآن، فهناك منا من هو في مرحلة الغرز، ومنا من هو في مرحلة الكوابح، ومنا من هو في مرحلة الصدأ، ومنا من هو في مرحلة العطل، ومنا من هو في مرحلة فقد السائق أو فقد الطريق أو الإجهاد المزري.

هذه محاولة للوصف وليست تشاؤمًا محبطًا، بل دعوة إلى أن نلملم شعثنا ونفكر بأصالة، خارجين عن التقليد لغيرنا أو بسحب الماضي في حياتنا، وألا نخرج عن هويتنا، وهذا ممكن حتى الآن، ونخاف إن استمرت الأزمة ولم تؤخذ بجدية أكبر أن نصل إلى مرحلة لا نجد فيها السائق ولا حتى السيارة من أساسه، وحينئذ فإن الأزمة ستصير كارثة بكل المقاييس، وحتى ننبه إلى نقاط واضحة فإنه لابد من مراجعة مناهج التعليم الأساسي والعالي ومراجعة قومية لا تقتصر على اتجاه ولا تتبع مناهج الغير، بل تنطلق من رؤيتنا التي لابد أن تصاغ في صورة واضحة أيضا.

5- التخلف في مجال البحث العلمي : ويتضح هذا التخلف من خلال مظهرين، الأول: عدم قدرة مراكز البحث العلمي على مسايرة آخر التطورات، ويشهد لذلك ما يظهر من نبوغ أبنائنا في مراكز البحث العلمي الأمريكية والأوروبية مقارنة بعدم نبوغ أمثالهم من أبنائنا في مراكزنا، كدكتور أحمد زويل مثلاً. والثاني : عدم الاستفادة من الأبحاث التي تم التوصل إليها في حل المشكلات الواقعية، مما يجعل لناظر يلحظ ازدواجية غير مفهومة بين طريق معالجة مشكلات الواقع، وبين طريق البحث العلمي ونتائجه، فلماذا نقوم بالبحث طالما أنه لن يحقق فائدة، ولن تستفيد الجهات التنفيذية منه، هل لوضعه في الأرشيف واستفادة الباحثين في المستقبل ثم وضع أبحاثهم في الأرشيف وهكذا حتى تأكلها الأتربة.

إن الدين الإسلامي يدعو إلى البحث العلمي  ولا يرى حرجًا ولا قيدًا على البحث العلمي، فليبحث من شاء فيما شاء وليحاول أن يدرك حقيقة العالم كما شاء، ويكشف عن خلق الله في كونه كما يريد، وأن ذلك ضمانة للإبداع وهذا مؤسس على أن الله قد أنزل أول ما أنزل : (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) [العلق : 1 ـ 4]، وذكر أن القراءة الأولى في الوجود والثانية في الوحي، وأنهما قد صدرا عن الله، الأولى من عالم الخلق، والثانية من عالم الأمر  (أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ) [الأعراف : 54] وعلى هذا فلا نهاية لإدراك الكون؛ حيث إنه يمثل الحقيقة، لأنه من عند الله، ولا نهاية لإدراك الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تنتهي عجائبه، ولا يَخلق من كثرة الرد) [رواه الترمذي والدارمي] ، وأيضا لا تعارض بينهما حيث إن كلا من عند الله، وهذا التأسيس يتأكد في قوله تعالى على صفة الإطلاق : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) [الزمر: 9].

إلا أن استعمال المعلومات يجب أن يكون تحت السقف الأخلاقي للتطبيق المأخوذ من مهمة الإنسان في الدنيا : العبادة، والعمارة، والتزكية، هذا السقف الذي يمنع من استعمال ما يوصلنا إليه فيما يخالف الأوامر والنواهي الربانية أو يكر على المقاصد الكلية بالبطلان فنكون بذلك من أهل التعمير؛ لا من أهل التدمير، وهذا السقف للاستعمال من الأهمية القصوى حيث هو الضمان الوحيد لتلك العمارة.

إن الفصل بين حرية البحث للوصول إلى صحيح المعرفة، وبين تقييد الاستعمال للوصول إلى العمارة أمر قد اختلط على كثير من الناس مع وضوحه وتأكده. 

وهناك عوائق أخرى كثيرة : كالتخلف في مجال البحث العلمي، وعدم القدرة على ربط ما توصل إليه العلم بالواقع المعيش وعدم إمكانية تفعيل الأبحاث العلمية في حل المشكلات، وكقلة الأدب وشيوع سوء الأخلاق وقلة الضمير، وما أصاب الأمة من ضعف عسكري وضعف في المواقف السياسية، وتنازع المصالح وسيادة روح الأنانية.

كل هذه الأشياء وغيرها من العوائق التي تكبل الأمة وتلزمها على الوقوف مكانها، وأرى أن إدراك العوائق خطوة على طريق إزالتها، وكان للمذاهب الفقيهة كمنهج علمي عملي الدور الكبير في وحدة الأمة الإسلامية، فنوضحه كنموذج أو أحد مقومات الوحدة المنشودة.

دور المذاهب الفقهية في وحدة الأمة الإسلامية :

تمتعت الأمة الإسلامية عبر قرون مجدها الطويلة باستقرار ديني وتفاهم بين شعوبها وعلماءها على مساحة جغرافية كبيرة تمتد من طنجة غربًا إلى جاكرتا شرقًا؛ وكان لهذا الاستقرار الديني أكبر الأثر في وحدة الأمة الإسلامية، وكان من أهم عوامل ذلك الاستقرار الديني اعتماد المذاهب الفقهية في معالجة القضايا الدينية والحياتية لشعوب الأمة.

فكانت الأمة كلها علماء وعامة تجل المذاهب الفقهية المعتمدة، وتتبعها في كل تفاصيل حياتها، لما في الأخذ بهذه المذاهب من مصلحة عظيمة، وما في الإعراض عنها كلها مفسدة كبيرة، ونحن نبين ذلك من وجهين :

أحدها : أن الأمة اجتمعت على أن يعتمدوا على السلف في معرفة الشريعة، فالتابعون اعتمدوا في ذلك على الصحابة، وتبع التابعين اعتمدوا على التابعين، وهكذا في كل طبقة اعتمد العلماء على من قبلهم، والعقل يدل على حسن ذلك، لأن الشريعة لا تعرف إلا بالنقل والاستنباط، والنقل لا يستقيم إلا بأن تأخذ كل طبقة عمن قبلها بالاتصال، ولابد في الاستنباط أن تعرف مذاهب المتقدمين لئلا يخرج عن أقوالهم فيخرق الإجماع، ويبني عليها، ويستعين في ذلك كل بمن سبقه.

فإن جميع العلوم كالصرف والنحو والطب والشعر وكذلك الصناعات كالحدادة والنجارة والصياغة لم تتيسر لأحد إلا بملازمة أهلها، وغير ذلك نادر بعيد لم يقع، وإن كان جائزًا في العقل.

فإذا تعين الاعتماد على أقوال السلف فلابد أن تكون أقوالهم التي يعتمد عليها مروية بالإسناد الصحيح، أو مدونة في كتب مشهورة، وأن تكون مخدومة بأن يبين الراجح من محتملاتها، ويخصص عمومها في بعض المواضع، ويقيد مطلقها في بعض المواضع، وإلا لم يصح الاعتماد عليها، وليس مذهب في هذه الأزمنة المتأخرة بهذه الصفة إلا هذه المذاهب الفقهية المشهورة.

ثانيها : أن أتباع تلك المذاهب الفقهية هم السواد الأعظم للأمة، وقد قال رسول الله r للصحابي الذي سأله ماذا تأمرني في الفتن فقال :«عليك بالسواد الأعظم»([1])

ولذلك اعتنت الأمة الإسلامية بمذاهب هؤلاء الأئمة فاتبعتها ودرستها وأُفتي بها العامة، كما كانت تتخذها منهجًا في التدريس والتدريب، وسبيلا لإقامة عبادات الناس ومعاملاتهم وأحكام الدين والدنيا مما يجعلهم أمة واحدة.

وفي ختام حديثي عن وحدة الأمة يمكن أن نضع برنامجًا عمليًا منبثقا منا يشتمل على :

أولا : التقريب والتحالف بين دول المنطقة، ولنبدأ باقتراح الطريق السريع الذي يربط بين طنجة وعمان، وشبكة الطرق السريعة هذه هي أول خطوة في ربط البلدان بعضها مع بعض، وفي إذابة الفوارق، بل والعوائق، وهي لا تتدخل في استقلال الدول، ولا في أنظمتها السياسية، ولا في شئونها الداخلية، وهي لا تحتاج إلا إلى قرار ومال وتنفيذ، بل جزء كبير من ذلك الطريق موجود بالفعل ويحتاج إلى تفعيل وأن يقوم بدوره في ربط الدول بعضها مع بعض.

ثانيا : رفع تأشيرات الدخول والإقامة بين العالم العربي، وهو أمر مأخوذ به في كثير من البلدان العربية، ولا يحتاج إلا إلى انتشار، ويمكن استثناء الأراضي المقدسة لتنظيم الحج والعمرة إليها بصورة تمنع من عدم الانضباط.

ثالثا : السعي إلى تفعيل السوق المشتركة والتجارة البينية والاكتفاء الذاتي، عن طريق المشروعات العملاقة كالتي بين مصر والسودان خاصة لزراعة القمح، فإذا كان طعامك من فأسك كان رأيك من رأسك، وأيضا التخصص وتقسيم العمل بين الدول العربية للوصول إلى التكامل الاقتصادي.

رابعا : هل نأمل في السعي الحثيث لتوحيد العملة بين الأقطار العربية، ثم الإسلامية ؟! ولتأخذ وقتها من التنفيذ، وهو مطلب قديم كنا نسمع عنه من التيار القومي حتى حققته أوربا في صورة اليورو.

خامسا : وبعد ذلك هناك أساليب للوحدة مع الاحتفاظ بالهوية والخصوصية كالاتحاد الفيدرالي، وهو أمر يحتاج أيضا إلى رأي عام، وتوجه صادق، وخطوط كثيرة للوصول إلى التوائم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين الدول العربية، وهو أمر ليس بالمستحيل حتى لو اكتنفته بعض العقبات، أو احتاج إلى كثير من الجهد والترتيب والإجراءات.

سادسا : إصلاح التعليم بالاهتمام بمراكز البحث العلمي، وتشجيع الابتكار وحمايته والاهتمام بقضايا التدريب، وبالجانب التطبيقي.

عسى الله أن يمن علينا وأن يمكنا في الأرض كما مكن الذين من قبلنا (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) [الحج : 41].

 

([1])  السنن الواردة في الفتن لأبي عمرو الداني ج 3 صـ 623.

عدد الزيارات 4675 مرة
قيم الموضوع
(2 أصوات)