طباعة

قراءات في تاريخ النظام العالمي والصهاينة (2002)

الإثنين, 30 أيلول/سبتمبر 2002     كتبه 

        في أوقات كثيرة نحتاج إلى فهم الماضي لبناء منهجية التعامل في الحاضر، فلابد أن نفهم كيف تكون النظام العالمي الجديد ؟ وعلى أي أساس تكون ؟ ونعرف كيف تم التمهيد لزرع اليهود، بل وتحكمها في فلسطين، وفرض نفوذها في المنطقة ؟

        إنها حلقات متتالية من التاريخ الأسود، فمنذ مائتي عام خرج رجل إيطالي اسمه «أنزلوتي» كتب كتابًا في القانون الدولي، وكان من مؤسسي ذلك العلم، قال في كتابه ذلك إن مصادر القانون الدولي ثلاثة : أولا : التراث الإغريقي الوثني، وما خرج في زمنه من فلسفة أرسطو. ثانيا : القيم المسيحية. ثالثا : ذلك الشعور الذي يجمعنا جميعا ضد ما يسمى بالإسلام والمسلمين.

        فاعتبار الاجتماع الغربي على عداء الإسلام والمسلمين أحد مصادر القانون الدولي، والتي على أساسه سيتم سن القوانين التي تقوم وتحمي هذا المصدر، والكتاب مطبوع ومعروف، ومرت عليه سنوات طويلة، وعرفه كثير من العرب والمسلمين ممن اشتغلوا بالقانون الدولي، إلا أنهم لا يشيرون إليه غير إشارة باهتة ضعيفة، حيث يذكرون في حديثهم أن القانون الدولي كان في نشأته له توجهات دينية ثم انفصل عنها، ويقصدون بتلك التوجهات الدينية ما ذكره «أنزلوتي» في كتابه. ويبدو أن بعض الناس في الغرب لا يزالون يرجعون إلى هذا الفكر القديم .

        ثم في عام 1864 اجتمعوا في جنيف في سويسرا وأصدروا ما يسمى "قانون جنيف" سنة 1864. هنالك أيضاً "قانون لاهاي" أو ما يسمى "قانون الحرب" والذي يعود إلى إعلان بيترسبورغ لسنة 1868 والاتفاقيات التي تلتها والتي تسري على الدول أثناء الحرب.

        ثم كان لإعلان الرئيس الأمريكي (ويلسون) لمبادئه الأربعة عشر في أوائل عام 1918 دوي كبير في كافة أنحاء العالم، إذ استطاعت تلك المبادئ أن تجذب انتباه الشعوب بإعلانها حق الشعوب الغربية في تقرير مصيرها بنفسها، ودعوتها لقيام عصبة من الدول الغربية والاستعمارية، ومن المفترض أن تعمل على الحل السلمي للمنازعات التي قد تنشب بينها مستقبلاً، وذلك لتفادي نشوب حرب عامية أخرى بعد الحرب العالمية الأولى.

        وكان من أهم المواثيق التي وقعت لنزع السلاح والكف عن سياسة الحروب (ميثاق باريس) أو (ميثاق بريان-كلوج) الذي وقعته في باريس في أغسطس 1928 الدول الست الكبرى في ذلك الوقت، وهي الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا واليابان، ثم انضمت إليها بعد ذلك جميع دول العالم تقريبا بما في ذلك الاتحاد السوفيتي، وهدف ذلك الميثاق إلى نبذ الحرب كأداة من أدوات السياسة القومية لأية دولة من الدول الموقعة عليه في علاقتها بالدول الأخرى، أو بمعنى آخر كان دعوة لحل المنازعات الدولية بالطرق السلمية وتحريم الالتجاء إلى الحرب بصفة قاطعة.

        ثم بدأت يظهر العدوان الفاشي بأوروبا والفاشية ليست إلا تعبئة تعصبية للرأي العام على أساس سيادة الجنس والوطنية المتطرفة، ولكنها في واقعها تحالف القوى الرجعية في الدولة المتمثلة في الرأسمالية الاحتكارية المستغلة والإقطاع والمغامرين من قيادة الجيش للسيطرة الكاملة على الحكم، وتوجيه سياسية الدولة لصالح هذه القوى، أي إلى الحروب التوسعية.

        ومن هنا كانت الحرب العالمية الثانية في حقيقتها حربا تحريرية عامة، قادها الرأي العام العالمي، وخاضتها الشعوب عن اقتناع بأن هزيمة الفاشية بما تمثله إنما هي بداية الطريق الحقيقي إلى الخلاص، وإلى قيام عالم أفضل متحرر من ربقة الاحتكارات والاستعمار، يحقق لكل فرد في كل مكان حياة إنسانية كريمة واستقرارًا وأمنًا وسلامًا دائمًا.

وقامت الأمم المتحدة عام 1945 في أعقاب الحرب العالمية الثانية،و حدد ميثاقها خطوطا وقيما ومبادئ واضحة للمجتمع الدولي الجديد ومستقبل الإنسانية التزمت بها الشعوب، ووضعتها فوق مستوى الخلافات المذهبية والقومية، إيمانًا منها بضرورتها لضمان الرفاهية المشتركة للجميع وتحقيق السلام الدائم المنشود.

        وكانت خلاصة أهم المبادئ التي أعلنها ميثاق الأمم المتحدة على لسان الشعوب ما يلي:

  • مبدأ المسئولية الجماعية : نحو إنقاذ الأجيال من ويلات الحرب أيا كان مصدرها.
  • مبدأ المسئولية الجماعية : نحو توفير العمالة الكاملة والحياة الكريمة لكل فرد من أفراد الجنس البشري نساء ورجالاً حتى لا تستغل البطالة لنشر الحق والوقيعة بين الشعوب وإعلان حرب جديدة.
  • احترام حقوق الإنسان الأساسية : بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين أو العقيدة، ولا تفرقة بين الرجال والنساء في العالم أجمع.
  • مبدأ المساواة في السيادة بين الدول كبيرها وصغيرها : وحق كافة الشعوب في تقرير مصيرها بحرية كاملة.

فهذه هي الأمم المتحدة، والتي صدر عنها بعد ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، وكان من بين ما نص عليه أن لكل إنسان أن يستعمل الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان بغير تمييز وفي ذلك بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين، لكل فرد الحق في حرية الفكر والضمير والاعتقاد، ولكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير عنه ويتضمن ذلك الحق في البحث عن الأنباء والآراء ومعرفتها ونشرها بكل وسائل النشر وبغير تقيد بالحدود الجغرافية.

كل ذلك ويبدو أن حقوق الإنسان المسلم لم تكن في الحسبان، بل إن الحديث عن الإنسان الغربي، ففي السنة التي كان فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هي نفس السنة التي أعلن فيها الكيان الصهيوني نفسه دولة، واعترفت تلك الدول التي تعد نفسها حامية لحقوق الإنسان وللنظام العالمي الجديد بتلك الدولة الاستعمارية الفاشية.

في نفس الوقت الذي ينكرون فيه الحروب والاستعمار يقرون اغتصاب أرض من أصحابها، بنفس المبررات وبطريقة العقوبات، وحماية المصالح يتدخلون لتدمير بلاد المسلمين، لتدمير أفغانستان والعراق، ولا ندري الدور على من في المستقبل القريب ؟

الأمم المتحدة التي أصدرت قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين : دولة يهودية على 54%، من مساحة فلسطين، وهم لا يمثلوا إلا لمن يملكون إلا 5% فقط منها، وحتى هذه المساحة البسيطة نصف سكانها منعرب، ودولة عربية على مساحة 46% لمن يملكون 95% منها ولا يوجد بين سكانها يهود.

في نهاية مارس 1948، قبل أن يبدأ الغزو الإسرائيلي، تمكن اليهود من طرد 000ر50 لاجئ من ديارهم واقترفوا مذبحة في سعسع قتل فيها ستون شخصاً. بعد ذلك مباشرة، في أوائل إبريل 1948.

بدأ بن جوريون الإعلان عن خطته لغزو فلسطين التي أعدها قبل 4 سنوات، ومرت بأربعة تعديلات آخرها خطة «دالت» وأصدر أوامره لجيش قوامه 000ر65 جندي صهيوني مدرب، ضباطه خاضوا غمار الحرب العالمية الثانية، بتدمير المجتمع العربي في فلسطين، بأهله ومؤسساته وقراه ومدنه، وباختصار إزالة كل آثار المكان الإنسانية والعمرانية.

تقضي الخطة دالت، التي نشرها بالعربية المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي، ويشرحها المؤلف، بتدمير القرى وطرد السكان إلى خارج «الدولة» (لم تكن دولة إسرائيل قد أعلنت بعد ومع ذلك ذكرت بالاسم)، والقضاء على أية مقاومة مسلحة والإبقاء على قوات في القرى المحتلة (لمنع عودة أهلها). حددت الخطة بالتفصيل القرى التي ستحتل في كل منطقة ومراكز الشرطة والمؤسسات العامة والمواصلات وغيرها·.

ومن يقف أمام هذا كله؟ الجيش البريطاني، الذي يلزمه صك الانتداب بحماية الأهالي ورعايتهم إلى أن تقوم دولتهم في كل فلسطين، حزم حقائبه وبدأ في الانسحاب من فلسطين لكي ينتهي منه في 15/5/1948. لم يتحرك هذا الجيش لحماية الأهالي حتى عندما استغاث به الأهالي أثناء مذبحة دير ياسين، التي حدثت على بعد 5 كم من مكتب المندوب السامي البريطاني.

كان بن جوريون ينتظر إلى أن يتأكد أن خروج بريطانيا من فلسطين مؤكد، ويتفرغ لمواجهة شعب أعزل، يدافع عنه 2500 مناضل شعبي موزعين على عدة مئات من القرى والمدن دون سلاح فعال أو قيادة موحدة، وانضم إليهم فيما بعد 5000 متطوع سوري ومصري وآخرون من العرب دخلوا قبل أفول شمس الانتداب بقليل.

وقد جاء في إعلان دولة إسرائيل الذي أعلنه بن جوريون :

  • انعقد المؤتمر الصهيونى الأول في سنة 5657 عبرية (1897 ميلادية) بدعوة من ثيودور هرتزل الأب الروحي للدولة اليهودية، وأعلن المؤتمر حق الشعب اليهودي في تحقيق بعثه القومي في بلاده الخاصة به.
  • واعترف وعد بلفور الصادر في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 بهذا الحق، وأكده من جديد صك الانتداب المقرر في عصبة الأمم، وهي التي منحت بصورة خاصة موافقتها العالمية على الصلة التاريخية بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل واعترافها بحق الشعب اليهودي في إعادة بناء وطنه القومي.

.... وفي نهاية البنود

  • إن هذا هو الحق الطبيعي للشعب اليهودي في أن يكون سيد نفسه ومصيره مثل باقي الأمم في دولته ذات السيادة.
  • وبناء عليه نجتمع هنا نحن أعضاء مجلس الشعب ممثلي الجالية اليهودية في أرض إسرائيل والحركة الصهيونية في يوم انتهاء الانتداب البريطاني على أرض إسرائيل. وبفضل حقنا الطبيعي والتاريخي وبقوة القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، نجتمع لنعلن بذلك قيام الدولة اليهودية في أرض إسرائيل والتي سوف تدعى "دولة إسرائيل".
  • ونعلن أنه منذ لحظة انتهاء الانتداب هذه الليلة عشية السبت في السادس من مايو (أيار) سنة 5708 عبرية (الموافق الخامس عشر من مايو سنة 1948 ميلادية) وحتى قيام سلطات رسمية ومنتخبة للدولة طبقا للدستور الذي تقره الجمعية التأسيسية المنتخبة في مدة لا تتجاوز أول أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1948.. منذ هذه اللحظة سوف يمارس مجلس الشعب صلاحيات مجلس دولة مؤقت وسوف يكون جهازه التنفيذي الذي يدعى "إسرائيل".

لقد أتقن دعاة الصهاينة أساليب استغلال دوافع الأمان في مخاطبتهم لليهود في جميع أنحار العالم ودعوتهم لهم للهجرة إلى (ذلك الكيان الصهيوني) حيث الأمان الدائم المزعوم لهم ولأولادهم على مدى الزمن، وحيث الاستقرار بعد طول التشتت والفرقة، كما استغلت الولايات المتحدة الأمريكية الدافع نفسه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 لإرهاب شعبها وشعوب العالم عامة تمهيدا لغزو أفغانستان ثم العراق بدعوى امتلاكها أسلحة الدمار الشامل المزعومة.

        حاولت الصهيونية استغلال هذه الدوافع نفسها خلال حرب الاستنزاف عام 1969 لإرهاب الشعب المصري وتحطيم معنوياته عن طريق الغارات التي قامت بها طائرات الفانتوم والسكاي هك الأمريكية على الأهداف المدنية، وكانت الصهيونية ترمي من وراء ذلك إلى إجبار المصريين قبول التفاوض معها والاستسلام لشروطها عن طريق ما قد يحدثه الرعب من بذر بذور الفرقة والخلاف بينهم (كإلقاء الطائرات الإسرائيلية صواريخها على طلاب مدرسة بحر البقر الابتدائية بإحدى قرى الشرقية، وعلى مصنع أبي زعبل المدني).

وفي سنة 67 احتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء، والجولان، والقدس الشرقية، وصدر من الأمم المتحدة حول الأراضي العربية المحتلة والقدس بصفة خاصة ما يزيد على سبعمائة قرار، وقد جمعت هذه القرارات في كتاب باللغة العربية واللغة الإنجليزية، وبسبع لغات أخرى، ومن هذه القرارات قرار 197 والذي وافقت عليه إسرائيل، ويقضي بأن القدس الشرقية عربية، وأنه لا يجوز التصرف فيها بأي حال كان، وأن أي تغيير طبوغرافي، سكاني، ديموغرافي، أو تغيير في أماكن العبادة أو في الآثار، أو في الشوارع يعد باطلا.

ولم ترجع شبه جزيرة سيناء إلى مصر إلا بالحرب وتأكد إسرائيل أنها لا طاقة لها في استمرار المواجهة العسكرية مع مصر، فبسبب حرب 1973 حررت سيناء كاملة، وحرر جزء من الجولان.

ظلت إسرائيل تقر بذلك القرار نظريًا، ولا تطبقه عمليًا حتى سنة 1980، فتبرأت منه نظريا كذلك، حيث صدر قانون في إسرائيل رقم 20، 22 بأن القدس تحت السيادة الإسرائيلية، وحتى الآن لا يعرف العالم كيف يتصرف في هذه الورطة.

فالشرعية الدولية والأمم المتحدة يقتصر دورها على إصدار القرارات فقط إذا تعلق الأمر بإسرائيل، أما إذا تعلق الأمر بالمسلمين فإن الشرعية الدولية والأمم المتحدة والغرب والقوات متعددة الجنسية تقوم بتنفيذ القرارات بالقوة.

وقد يقول قائل : هل إسرائيل بهذه القوة حتى تضع العالم كله أمام الأمر الواقع ولا يستطيع أن يفعل معها شيئًا ؟ أم أن الأمم المتحدة والغرب بهذا الضعف كي يقفوا عاجزين أمام استهزاء إسرائيل بقرارات الأمم المتحدة وتوصيات الغرب ؟

والإجابة إنه سيناريو بات واضحًا، إسرائيل هي يد القوة الاستعمارية الغربية في المنطقة، ولذلك حمايتها هي في الحقيقة حماية للأطماع الاستعمارية الغربية عامة، والأمريكية الإنجليزية بصفة خاصة.

إن قراءة الملف الفلسطيني يصيب الإنسان بالدهشة والإحباط والفزع، حيث يتضح له أن هناك قرارا بقتل المسلمين وتصفيتهم جسديا حتى يخرجوا من دين الله، فمن المسلمين من سيوافق ويخرج وسيظل أبدا مواطنا ثانيا حقيرا في أنظارهم، يعيش ذليلا ثم يأتي يوم القيامة فيدخله الله النار.

والقسم الثاني : لا يوافق على ذلك فيقتل شهيدا، فيذهب إلى ربه شاكيًا له حال الأرض وطغيان الظلم.

 والقسم الثالث : حيران لا يصدق ويحاول أن يتمسك بهويته وبإسلامه ويجمع بين الأمرين، فهذا سوف يأتي دوره.

لابد أن يصل صوتنا إلى من يحيك المؤامرات وينتظر أن ينقض على ثروات بلادنا وأمنها، لابد أن يصلهم صوتنا بأننا جميعنا سنكون تحت قيادة جيوشنا من الاستشهاديين دفاعا عن بلادنا وأمننا، وأن مصر بها 70 مليونًا من الاستشهاديين ينتظرون لحظة العدوان ليهبوا في وجه الطغيان منتصرين بإذن بالله.

إن هذه اللغة التي يفهمونها، هذه اللغة التي تجعلهم يعيدون حساباتهم، فنحن نحب الجنة أكثر من الدنيا، ولا سبيل بيننا وبين الجنة إلا أن نموت شهداء، فليكن حرصنا على الشهادة أكبر من حرصهم على الحياة، بذلك تنتصرون، وتكونون حقا جند الله في الأرض.

 

على مر التاريخ لم تهزم الشعوب، ولأمريكا مقولة مشهورة في هذا المعنى : إذا وصل الأمر إلى الشعوب رفعنا أيدينا، حفظ الله بلادنا وأمننا وأوطان المسلمين وأمن العالم أجمع. آمين.

عدد الزيارات 4925 مرة آخر تعديل على السبت, 22 تموز/يوليو 2017 15:12
قيم الموضوع
(3 أصوات)