طباعة

حديث معاذ الجامع للخير 3

الإثنين, 16 تشرين2/نوفمبر 2015     كتبه 

ما زلنا في حديث معاذ الذي سئل فيه عما يقربه للجنة ويبعده عن النار، وتكلمنا في إجابة النبي صلى الله عليه وسلم في المقالات السابقة حيث قال : «لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه. تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت»

وفي هذا المقال نتكلم عن الجزء الثاني من إجابة السؤال، أو ما زاده النبي صلى الله عليه وسلم من أبواب الخير لإرشاد السائل، حيث قال : «ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال ثم قرأ : ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع.... حتى بلغ يعملون.

من عظيم رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالسائل أنه لا يكتفي بإجابته عما سئل، وإنما يزيد له في الإرشاد الدلالة على الخير، وعلى ما يحتاجه في الدين والدنيا، فعندما سئل صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر هل يتوضأ منه، فقال صلى الله عليه وسلم : «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» [رواه الترمذي في سننه، والحاكم في المستدرك] والسؤال كان عن الماء، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن حكم ميتة البحر لحاجتهم إليها، وإن لم تكن في السؤال.

وعلى هذا المنهج يجيب النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا معاذ رضي الله عنه، فبعد أن أخبره بأركان الإسلام التي إذا التزم بها دخل الجنة، أراد أن يخبره عن أبواب الخير، فقال صلى الله عليه وسلم : «ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جنة».

ونحن تكلمنا عن في صوم رمضان عن أحكام الصوم الفقهية، ولكن في هذا الجزء من الإجابة يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم عن الصوم وآثاره الإيمانية، كما أنه يتكلم عنه باعتبار النوافل كذلك وليس قاصرا على شهر رمضان.

فقال صلى الله عليه وسلم : «الصوم جنة» أي وقاية، يقي المسلم من الوقوع في الآثام، فيحقق التقوى، ولذا قال ربنا سبحانه وتعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة :183]، ومن معاني التقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، والصوم من الأعمال التي تحدث تلك الوقاية، والبعد عن عذاب الله،  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله تعالى؛ إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا» [رواه البخاري ومسلم]، وبعد الوجه عن النار كناية عن بعد العبد من عذاب الله، وقال صلى الله عليه وسلم : «الصيام جنه يستجن بها العبد من النار» [رواه أحمد في مسنده]

والصوم جنة أي وقاية وهذا ظاهر ففي الصوم إضعاف للشهوة، والعبد لا يقوى على معاصي الله في حالة تركه للطعام والشراب، والصوم له من المعاني والأسرار ما يحقق البعد عن معاصي الله، فمثلا يتأمل العبد في الصوم فيجده ترك للطعام والشراب وشهوة الزواج، وهذه الأشياء في غير الصوم حلال، وحرمت للصوم، فيلوم نفسه على أنه لم تصم عن المعاصي التي حرمها الله في الصوم وغيره، فيقوى بهذا الفهم على ترك المعاصي والخوف من الله مما يحدث التقوى والوقاية.

ثم يكمل النبي صلى الله عليه وسلم إرشاد معاذ لأبواب الخير، فيقول صلى الله عليه وسلم : «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»، وفي هذا الكلام النبوي المضيء بنور الوحي يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم الخطيئة بالنار، وذلك لأنها تؤدي إليها إن لم يتب الإنسان، ويشبه الصدقة بالماء في قدرتها على إطفاء تلك الخطيئة.

والصدقة هي إعطاء المال أو نحوه ابتغاء وجه الله، فهي ما يعطى على وجه التقرب إلى الله تعالى، فهي من باب إعانة الضعيف، وإغاثة اللهيف، وإقدار العاجز، وتقويته على أداء ما افترض الله عليه من التوحيد والعبادات. وقد جاء في حديث عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم : «أيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمنا على ظمأ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم ، وأيما مؤمن كسا مؤمنا على عري ، كساه الله من خضر الجنة» [رواه أحمد والترمذي].

 والصدقة شكر لله تعالى على نعمه، وهي دليل لصحة إيمان مؤديها وتصديقه، ولهذا سميت صدقة، فهي صدقة بمعنى برهان الإيمان ولقد جاء ذلك المعنى في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبايع نفسه، فمعتقها أو موبقها» [رواه مسلم] والشاهد قوله صلى الله عليه وسلم : «والصدقة برهان» أي أن دليل عملي على التصديق، واختبار حقيقي لاعتقاد المؤمن بثواب الله في الآخرة.

وقد سماها الله في كتابه العزيز قرضا، فقال تعالى : ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة :245]. وقال سبحانه وتعالى : ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد :11] وقال تعالى : ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن :17].

وعد ربنا الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس هو خير ما يتناجى به الناس، فقال تعالى : ﴿لاَ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء :114]

وقد ورد في فضل الصدقة أحاديث منها : ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله، يوم لا ظل  إلا ظله، إمام عدل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» [رواه البخاري ومسلم] والشاهد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» وفي هذا بيان لفضل الصدقة وأن تكون في السر، وأن تكون بعيدة عن حظ الدنيا والرياء وحب الظهور بين الناس.

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى أيضا، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما تصدق أحد بصدقة من طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب-، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة تربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله» [رواه مسلم]

 وللصدقة معنى أعم وأشمل من إعطاء المال ونحوه على وجه التقرب، وهذا المعنى الشامل يجعل الدين كله تصدق من العبد، وربما صدقة بهذا المعنى الشامل تعني الأجر، أي كل ما يثاب عليه المؤمن ويمن الله عليه به بالأجر فهو صدقة، ولذا فأطلق الشرع الشريف الصدقة على أغلب الدين، ولقد بين ذلك الإمام النووي حيث قال : «اعلم أن حقيقة الصدقة إعطاء المال ونحوه بقصد ثواب الآخرة، وقد يطلق على غير ذلك مما سنذكره إن شاء الله تعالى.

من ذلك حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» [رواه مسلم]  وعنه أيضا قال : قلت : «يا رسول الله أي الأعمال أفضل ؟ قال : الإيمان بالله والجهاد في سبيله ، قلت : أي الرقاب أفضل ؟ قال أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا ، قلت : فإن لم أفعل ؟ قال : تعين صانعا أو تصنع لأخرق ، قلت : يا رسول الله . أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل ، قال : تكف شرك عن الناس ، فإنها صدقة منك على نفسك»[رواه البخاري ومسلم]  

وعنه أيضا «أن ناسا قالوا : يا رسول الله : ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال : أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، إن كل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة . قالوا : يا رسول الله : أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر [ رواه مسلم]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، أو يعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة» [رواه البخاري ومسلم] وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل ، فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله ، وعزل حجرا عن طريق الناس أو شوكة أو عظما عن طريق الناس ، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد الستين والثلاثمائة فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار» [رواه مسلم]

وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل معروف صدقة» [رواه البخاري ومسلم  بلفظه من رواية حذيفة] . وعن جابر أيضا رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه إلا كان له صدقة» [رواه مسلم] . وفي رواية له : «فلا يغرس المسلم غرسا، فيأكل منه إنسان، ولا دابة، ولا طير، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة» وفي رواية : «لا يغرس مسلم غرسا، ولا يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان، ولا دابة، ولا شيء، إلا كانت له صدقة» [رواه البخاري ومسلم أيضا من رواية أنس] [المجموع للإمام النووي]  

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» ولعل فيما ذكر من فضل الصدقة ومعانيها، ما يوضح مكانتها في الإسلام، وكيف هي من أبواب الخير التي تطفئ الخطيئة.

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : «وصلاة الرجل من جوف الليل، قال ثم قرأ : ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع.... حتى بلغ يعملون» أي أن من أبواب الخير كذلك، صلاة الرجل أو المرأة طبعا في جوف الليل، أي في الوقت الفاضل من الليل ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم السائل بتلك الآية التي تصف الصالحين الذين يحافظون على قيام الليل حيث قرأ قوله تعالى : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة :16 ، 17].

فما هي صلاة الليل ؟ ولم كانت من أبواب الخير ؟ وكيف يحافظ المسلم عليها حتى يرقى في درجات القرب ؟ إجابات هذه الأسئلة في المقال المقبل إن شاء الله تعالى، وذلك لضيق المقام في هذا المقال، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

عدد الزيارات 4733 مرة
قيم الموضوع
(1 تصويت)