طباعة

من عقيدة المؤمن : تعظيم ما عظم الله (2)

الثلاثاء, 15 كانون1/ديسمبر 2015     كتبه 

تكلمنا في المقالة السابقة عن مظاهر تعظيم المؤمن لما عظم الله من الأزمان والأماكن التي أراد الله لها التعظيم وباركها، والمؤمن ينطلق في هذا التعظيم من أن الله سبحانه هو الذي يختار ويعلي قدر ما شاء من خلقه، قال تعالى : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص :68]. فيعلم المسلم أن ما اختاره ربنا وعظمه وحرمه، فقد وجب عليه أن يعظمه كذلك لأن أصبح من حرمات الله، قال تعالى : ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [الحج :30]. وقال تعالى في تعظيم الشعائر : ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾ [الحج :32].

والمؤمن يعظم من الخلق من عظم ربنا، فيعظم من عالم الأشخاص [البشر] سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أعظم البشر كلهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع» [رواه مسلم].

بل إنه صلى الله عليه وسلم أعظم الخلق على الإطلاق، قال السفاريني : «لا شك أنه صلى الله عليه وسلم خير الخلائق تفصيلا وجملا . قال ابن عباس : «ما خلق خلقا ولا برأه أحب إليه من محمد صلى الله عليه وسلم» . وفي أبي نعيم عن عبد الله بن سلام أنه صلى الله عليه وسلم قال : «أنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر» [غذاء الألباب 1/21].

قال البهوتي رحمه الله : « (و) جعل (خير الخلائق أجمعين) لحديث «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» أي ولا فخر أكمل من هذا الفخر أعطيته, أو لا أقول ذلك على وجه الافتخار بل لبيان الواقع أو للتبليغ وحديث «لا تفاضلوا بين الأنبياء» ونحوه, أجيب عنه بأجوبة منها أن المراد ما يؤدي إلى التنقيص ونوع الآدمي أفضل الخلق فهو صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق» [كشاف القناع 5/28].

وقال البوصيري رحمه الله :

فمبلغ العلم فيه أنه بشر
00

 

وأنه خير خلق الله كلهم
0

وقال أحدهم :

وانعقد الإجماع أن المصطفى
00

 

أفضل خلق الله والخلف انتفى
0

لذا ترى المؤمنين يجلونه ويحبونه ويقرونه، ويموتون دفاعا عنه، ويتبعونه لقوله تعالى : ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف :157]، فهم يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم خليل الرحمن، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا» [رواه مسلم] .

فهو المصطفى الذي اصطفاه ربه من ولد بني آدم كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم حيث قال : «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». [مسند أحمد، ورواه الترمذي والبيهقي]. وعن عمه العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثمّ تخيَّر القبائل فجعلني من خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً» [رواه الترمذي].

فكان تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعلى مظاهر تعظيم المؤمنين لعالم الأشخاص الذي اختصهم الله بإعلاء القدر وباركهم، ومن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظمون باقي أولي العزم من الرسل فهم خمسة بنبينا صلى الله عليه وسلم، وهم [سيدنا محمد، وسيدنا نوح، وسيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى، وسيدنا عيسى عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام] الذين قال الله فيهم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف :35]، وعينهم ربنا في قوله تعالى : ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى :13]

كما يعظمون جميع أنبياء الله من ذكر منهم في القرآن ومن لم يذكر في القرآن يؤمنون به إجمالا، وقد ورد في القرآن ذكر خمسة وعشرين رسولا ونبيا، منهم ثمانية عشر ذكروا في سورة الأنعام في قوله تعالى : ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى المُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًا فَضَّلْنَا عَلَى العَالَمِينَ﴾ [الأنعام :83 : 86]. والسبعة الباقون هم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وآدم عليه السلام، وهود عليه السلام، وصالح عليه السلام، وذو الكفل عليه السلام، وشعيب عليه السلام، وإدريس عليه السلام، وقد ذكروا في مواضع متفرقة في القرآن الكريم.

ومن الأنبياء من ذكر الله قصتهم بغير تعين اسم لهم كما في قوله تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلأِ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بَالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة :246].

كما أن هناك من الأنبياء لم يقصهم ربنا في كتابه ولم يقصهم نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته، وذلك لأن ربنا لم يقصهم على نبيه، قال تعالى : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ [غافر :78] .

ويؤكد ذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :: « إني خاتم ألف نبي أو أكثر ما بعث نبي يتبع إلا قد حذر أمته الدجال» [أخرجه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك]، وكذلك ما رواه أبو ذر رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : « يا رسول الله، كم النبيون ؟ قال: مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي.  قلت : كم المرسلون منهم ؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر» [الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى وشعب الإيمان].

ويلي أنبياء الله في التعظيم الصحابة الكرام ويقدمون في التعظيم الخلفاء الراشدين، ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة، وآل النبي صلى الله عليه وسلم ويقدمون من آله السيدة فاطمة وزوجها سيدنا علي وابنيهما الحسن والحسين عليهم السلام جميعا؛ وذلك لحديث الكساء الذي رواه كثير من الصحابة منهم عائشة رضي الله عنها حيث قالت : «خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة و عليه مِرْط مرحّل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال :{ ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}» [رواه مسلم].

عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسنًا وحسينًا، وعلي خلف ظهره، فجللهم بكساء، ثم قال : «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيراً». قالت أم سلمة : و أنا معهم يا نبي الله ؟ قال : «أنت على مكانك و أنت على خير» [رواه الترمذي في سننه].

فلم يكن لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب إلا من الزهراء، وهكذا كان من ذرية الزهراء، من أبناء الحسن والحسين، جميع السادة الأشراف.

وقد حكى النووي هذا القول، فقال : « (والثاني) أنهم عترته الذين ينسبون إليه صلى الله عليه وسلم وهم أولاد فاطمة رضي الله عنها ونسلهم أبدا, حكاه الأزهري وآخرون» [المجموع 3/448].

ويقدمون من أصحابه من طالت صحبته وغزا معه، وروى عنه أحاديث، وذلك لأن مفهوم الصحابي يدخل في أعداد كثيرة جدا، فالصحابي : هو كل إنسان لقي النبي صلى الله عليه وسلم ولو لحظة مؤمنا ومات على ذلك الإيمان. وهو ما ذهب إليه المحدثون في تعريف الصحابي.

قال الواقدي: ورأيت أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة من نهار.

وحصر الصحابة رضي الله عنهم  بالعد والإحصاء متعذر، لتفرقهم في البلدان، ولأنهم كثرة بالغة، ومن حدهم من العلماء فإنه من باب التقريب، فعن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان» [رواه البخاري ومسلم].

هذا وقد وردت بعض الروايات تذكر عدد الصحابة في بعض المشاهد والغزوات، فعن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان من المدينة ومع عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون حتى بلغ الكَدِيدَ - وهو ماء بين عُسْفَان وقُدَيْد - أفطر وأفطروا وحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع تسعون ألفًا من المسلمين» [رواه البخاري].

وسأل رجل أبا زُرعة الرَّازي فقال له: يا أبا زرعة أليس يقال حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث ؟ قال: ومن قال ذا قَلْقَلَ الله أنيابَه هذا قول الزنادقة، ومَنْ يُحْصِي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه. قيل: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وسمعوا منه؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة، ومَنْ بينهما، والأعراب، ومَنْ شهد معه حجة الوداع.

وذكر الزرقاني نحو هذا الكلام فقال : «وقد مر أن أبا الأسود وصله عن عروة عن عائشة : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع خرج إلى الحج في تسعين ألفا، ويقال مائة ألف وأربعة عشر ألفا، ويقال أكثر من ذلك» حكاه البيهقي [شرح الزرقاني 2/341].

وقد أُلِّفَ في الصحابة رضي الله عنهم كتب كثيرة تناولت أحوالهم وعلمهم، وحصر ابن الأثير في كتابه «أُسْد الغابة» وهو من أوسع ما ألف في الصحابة، نحو سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسين صحابيًّا، ويُذكر أن الرواة من الصحابة الذين بلغتنا مروياتُهم ألف وثمانمائة صحابي على وجه التقريب.

ويعظمون بعد أصحابه وآله صلى الله عليه وسلم التابعين، ثم من بعدهم، والأصلح والأعلم من هؤلاء مقدم، هذا من تعظيم المسلمين للأشخاص، ومن مظاهر تعظيمهم للأشخاص أنهم يقومون لهم إجلالا، ويقبلون يد العلماء والصالحين منهم احتراما.

قال النووي : المختار استحباب إكرام الداخل بالقيام له إن كان فيه فضيلة ظاهرة من : علم، أو صلاح، أو شرف، أو ولاية، مع صيانة، أو له حرمة بولاية، أو نحوها، ويكون هذا القيام؛ للإكرام لا للرياء والإعظام، وعلى هذا استمر عمل السلف للأمة وخلفه.[المجموع]

قال النووي في موضع آخر : «(الرابعة) : يستحب تقبيل يد الرجل الصالح، والزاهد، والعالم، ونحوهم من  أهل الآخرة، وأما تقبيل يده لغناه، ودنياه، وشوكته، ووجاهته عند أهل الدنيا بالدنيا، ونحو ذلك فمكروه شديد الكراهة، وقال المتولي: لا يجوز، فأشار إلى تحريمه. [المجموع].

ما ذكر يكشف عن مكانة عالم الأشخاص ممن خصهم الله في عقيدة المسلم، ويعلم أن المسلم يجعل لهؤلاء الأشخاص حرمة خاصة، كما ظهرت هذه الحرمة للأزمان، والأماكن، وفيما يلي من مقالات نبين تعظيمهم للأشياء. [يتبع]

 

 

عدد الزيارات 5344 مرة
قيم الموضوع
(1 تصويت)