طباعة

استقبال رمضان

الجمعة, 08 كانون2/يناير 2016     كتبه 

يوشك أن يقرع أبوابنا ضيف كريم، ضيف جاء ليكرمنا على عكس الحال المعتاد، فإن الضيف ينتظر أن يكرمه أهل الدار، إلا أن هذا الضيف لا ينتظر منا كرما ولكن يجعله الله سببا في الإكرام والغفران والعتق من النيران.

        هذا الضيف هو شهر رمضان الفضيل، شهر رمضان المبارك، فهلموا عباد الله لاغتنام هذا الموسم الرابح، للتعرض لتلك النفحات الإلهية الطيبة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « إن لربكم في أيام دهركم نفحات  فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها» [رواه الطبراني في الأوسط].

        وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال «التمسوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات رحمة الله فان لله   نفحات  من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه].

فرمضان هو الشهر الذي يهيئ الله فيه جو العبادة، فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان   صفدت  الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة» [رواه الترمذي وابن خزيمة والحاكم في المستدرك]

        وها نحن في شهر شعبان نستعد لاستقبال شهر رمضان، ولا ننسى أن شهر شعبان شهر مبارك كذلك، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : «يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا مشرك أو مشاحن» [رواه أحمد في مسنده].

         في شهر شعبان ترفع الأعمال إلى الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في شهر شعبان حتى سأله الصحابي الجليل أسامة بن زيد فقال : يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ؟ قال: «ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» [رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك].

        وقد كان سلفنا الصالح ينشغل برمضان طوال السنة، ومن ذلك ما ورد عن معلّى بن الفضل أنه قال : «كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ! ثم يدعون ستة أشهر أن يتقبل منهم».

وقال يحيى بن أبي كثير: «كان من دعائهم : اللهم سلمني إلى رمضان ، وسلم لي رمضان ، وتسلمه من متقبلاً».

فما السبيل للاستعداد لاستقبال شهر رمضان ؟ يمكننا أن نستعد لاستقبال شهر رمضان بعدة أمور منها : تنظيم اليوم والرجوع إلى تقسيمه إلى يوم وليلة، ومنها التدريب على الصيام، والتلاوة، والقيام وغير ذلك من العبادات والطاعات.

        ففي شأن النظام اليومي فشهر رمضان يعود بالمسلم إلى التوقيت الموافق للشرع الشريف، وإلى التقويم السليم لمعايشة اليوم والليلة، إلا أننا لا نشعر بذلك، بل ربما نشعر بالعكس لأننا نعيش أحد عشر شهرا على أن اليوم والليلة وحدة واحدة 24 ساعة، وأن تلك الوحدة تنتهي في الساعة 12 حتى أن الساعات بعد ذلك تعتبر في صباح اليوم الجديد رغم أن الليل ما زال يخيم علينا.

        وبدأ هذا التغيير على يد الخديوى إسماعيل حيث غير  نمط حياة الإنسان المصرى ، غَيَّر برنامجه اليومى .. غَيَّر التقويم من الهجرى إلى الميلادى .. غَيَّر الساعة من العربى إلى الأفرنجى .. غَيَّر الأزياء .. غَيَّر نمط المعيشة .

        ولقد كانت ساعاتنا ساعات غروبية تتسق مع العبادة ، وتنضبط الساعة مع آذان المغرب على الساعة 12 ، فنعرف الساعة الأولى من الليل ، والساعة الثانية من الليل ، والساعة الثالثة من الليل، فعندما نقرأ حديث البخارى ((أن من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح فى الساعة الثالثة ، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح فى الساعة الرابعة ، فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر))([1]) يفهمه الناس ، لأنهم يعرفون ما الساعة الأولى، وما الساعة الثانية .

ثم اختلف الحال فى عصر الخديوى إسماعيل فأصبحت الساعة (12) هى وسط النهار ، ومن المعلوم أن اليوم  ليس (24) ساعة تماما ، بل يختلف باختلاف الأيام فى السنة ، فهو 24 ساعة و 17 دقيقة ، أو 24 ساعة إلا 17 دقيقة ، لأجل هذه الـ (34) دقيقة يختلف آذان الظهر  عندنا الآن ، فنجده يؤذن مرة 11.35 ، ومرة 12.07 ؛ لأن هذه المساحة من الوقت هى التى يختلف فيها اليوم واقعيا على مر السنة .

كان المسلمون يكيفون أنفسهم ومعيشتهم بطريقة تجعل العبادة سهلة ، وتجعل هذه الشعائر التى يقيمونها تنطبق تماما مع  النظام اليومى الذى يعيشونه. لم يكن هناك نوع تنافر ولا اضطراب، ولا ضيق ، ولا نوع فوات للصلاة . كانوا ينامون بعد العشاء ويستيقظون قبل الفجر ، كانوا يدركون ما معنى ثلث الليل الأخير الذى يستجيب الله فيه الدعاء ، كان هناك تفاعل مع هذا الدين.

هذا عرض بسيط لا نقف عنده طويلا، لكن هذه اللحظة الفارقة فى تاريخنا : لحظة عصر الخديوى إسماعيل، وبعد هذه اللحظة اختفت معالم اليوم الذي كان يتناسب مع فهم النصوص الشرعية ومسايرة الحضارة الإسلامية.

ورغم اختفاء معالم التوقيت الذي كان يتناسب مع العبادات وفهم النصوص الشرعية إلا أن تلك المعالم تعود في رمضان حيث يفرض نفسه طوال الشهر مما يشعر معه المسلمون في أنحاء الأرض يشعرون بارتباك شديد، وزلزال عنيف في نظام نومهم ويقظتهم، وعملهم وراحتهم.

فرمضان لا يقلب الأمور بل يعدلها، لذا فأول ما يستعد به المسلم لاستقبال شهر رمضان هو أن يحاول أن يعيش نظام اليوم الرمضاني قبله، وذلك لا يتأتى إلا بالصوم والسحور ففيهما العون على ذلك.

والجهاز العصبي للإنسان لا يمكنه أن ينتقل في لحظة من حال إلى حال، وإنما ينبغي التدريب شيئًا فشيئًا حتى ينتقل من نظامه الذي اعتاد عليه من نوم ونشاط وفتور، إلى النظام الآخر الذي سيقدم عليه، وكثير من المسلمين يحاولون مسايرة رمضان في أول أيامه بسبب الدفعة الإيمانية ثم سرعان ما يتنافرون مع نظام اليوم الرمضاني، وذلك لأنهم لم يستعدوا بالشكل الصحيح لذلك الشهر.

ولعل اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من الصيام في شهر شعبان ييسر على المسلم مهمة الصيام في شهر رمضان ولا يشعر بعناء في تلك العبادة العظيمة، وذلك لأن شعبان شهر يتناسب في المناخ وطول النهار وقصره مع شهر رمضان لأنه الشهر الذي يسبقه مباشرة، فالتعود على الصوم فيه ييسر على المسلم ذلك.

أمر آخر للاستعداد لاستقبال الشهر المعظم، وهو القرآن الكريم ومدارسته وتلاوته ومحاولة ختم المصحف في شهر شعبان، وذلك لتيسير قراءته وختمه في شهر رمضان، فقراءة القرآن عبادة نيرة، تعين المسلم على باقي العبادات في شهر رمضان وغيره، وهي تنير قلب المسلم وتشرح صدره، فلا ينبغي للمسلم أن يتركها ولا يقصرها على رمضان، إلا أنه يزيد منها فيه لاستغلال هذه الدفعة الإيمانية والنفحة الربانية.

صلاة القيام أيضا من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يعود نفسه عليها حتى يتمكن من فعله في رمضان بغير عناء وشقاء، وقيام الليل ليست عبادة خاصة بشهر رمضان وحده، إلا أنها تشرع في رمضان في جماعة ويعان فيها المسلم على الخير، وتكون لها كيفية خاصة.

وبمناسبة القيام نريد أن ننبه على ما نعيشه من نزاع سنوي في شهر رمضان المبارك بين بعض المتشددين الذين يريدون حمل الناس على مذهبهم والعوام الذين قد لا يجدوا من ينقذهم من هؤلاء، وسبب هذا الخلاف مسألة «عدد ركعات صلاة التراويح» فأصحاب الصوت العالي يُخَطِّئون الأئمة والأمة بأسرها على مدى القرون الماضية، وينكرون عليهم أيما إنكار ويتهمونهم بالابتداع، ويُحَرمون ما أحل الله  إذ قالوا : « لا يجوز الزيادة عن ثمان ركعات في صلاة التراويح ».

والحق أن الأمة أجمعت على أن صلاة التراويح عشرين ركعة من غير الوتر، وثلاث وعشرين ركعة بالوتر، وهو معتمد المذاهب الفقهية الأربعة : الحنفية، والمالكية في المشهور، والشافعية، والحنابلة. وهناك قول نقل عن المالكية خلاف المشهور أنها ست وثلاثين ركعة، ولم تعرف الأمة القول بأن صلاة التروايح ثمان ركعات إلا في هذا الزمن، وسبب وقوعهم في تلك المخالفة الفهم الخاطئ للسنة النبوية، وعدم قدرتهم على الجمع بين الأحاديث، وعدم التفاتهم إلى الإجماع القولي والفعلي من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، فاستشهدوا بحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت: « ما كان رسول الله ﷺ يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلى أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى ثلاثا، قالت عائشة : فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر. فقال « يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبى »([2]).

وهذا الحديث يحكي عن هدي النبي ﷺ في نافلة قيام الليل عمومًا ولم يتعرض إلى صلاة التراويح؛ إذ هي قيام ليل مخصوص بشهر رمضان، وهي سنة نبوية في أصلها عُمرية في كيفيتها، بمعنى أن الأمة صارت على ما سنه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من تجميع الناس على القيام في رمضان في جميع الليالي، وعلى عدد الركعات التي جمع الناس عليها على أبي بن كعب رضي الله عنه، والنبي ﷺ يقول : «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ »([3]).

إن لم يكن مستند الأمة فعل سيدنا عمر رضي الله عنه فلِمَ تؤدى التراويح في جماعة في المسجد على إمام واحد ؟! وكأن هؤلاء يأخذون من سنة سيدنا عمر رضي الله عنه جمع الناس على إمام طوال الشهر، وهو ما لم يفعله النبي ﷺ ، ويتركون عدد الركعات ويزعمون أنهم يطبقون سنة ﷺ ، فإن كان هذا صحيحًا، وأنتم لا تلتفوا لفعل سيدنا عمر رضي الله عنه فيجب عليكم أن تصلوا التراويح في البيت، وتتركوا الناس يطبقون دين الله كما ورثوه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ومما ورد في الآثار الصحيحة يبين أن فعل سيدنا عمر رضي الله عنه هو صلاة عشرين ركعة في تراويح رمضان، ما ثبت عن السائب بن يزيد رضي الله عنه حيث قال : « كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة. قال : وكانوا يقرءون بالمئتين، وكانوا يتوكؤن على عصيهم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه من شده القيام»([4]).

حتى ابن تيمية الذي يعتمده كثير من المتشددين المرجع الوحيد في مسائلهم كان كلامه أهون ويجمع الأمة من كلامهم حيث قال : « شبه ذلك من بعض الوجوه تنازع العلماء في مقدار القيام في رمضان، فإنه قد ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في قيام رمضان، ويوتر بثلاث. فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقامه بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر. واستحب آخرون : تسعة وثلاثين ركعة؛ بني على أنه عمل أهل المدينة القديم. وقال طائفة : قد ثبت في الصحيح عن عائشة : «أن النبي ﷺ لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة. واضطرب قوم في هذا الأصل؛ لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح؛ لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين. والصواب أن ذلك جميعه حسن»([5]).

أردت التنبيه على هذه المسألة لأمرين الأول أنه كادت أن تموت السنة التي ظلت بين المسلمين طوال القرون الماضية، والثاني حتى لا يشتد المخالف في الإنكار على ما اتفقت عليه الأمة سلفا وخلفا.

ونعود إلى الاستعداد لشهر رمضان فالاستعداد يكون بتنظيم اليوم كما ذكرنا، وبالصوم، وبتلاوة القرآن، وبقيام الليل، ويستحب أن يكون ذلك القيام بعد العشاء حتى يعتاد على تراويح رمضان.

ولا ننسى أن نذكر بأهم ما يعين على ذلك كله ألا وهو ذكر الله عز وجل، وقد ورد الحث على الذكر في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة : 152]، وقوله سبحانه : ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾ [الأحزاب : 35]، وقوله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال : 45]، وقوله سبحانه وتعالى : ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت : 45].

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيحة عامة : « لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ». [رواه أحمد والترمذي وابن ماجة].

فبذكر الله يعان المؤمن على كل ما أراد أن يقبل به على ربه عز وجل، ولا ننسى أن نؤكد على أهمية الإعداد والاستعداد لهذا الشهر الفضيل، وأن ترك هذا الإعداد يعد من النفاق العملي، لكن من أراد تحصيل شيء استعد له، ومن أراد النجاح ذاكر، فمن أراد أن يغتنم هذا الشهر الفضيل أحسن الاستعداد له، ولقد ذم الله أقواما زعموا أنهم أرادوا أمرا ولكنهم ما أعدوا الله فقال تعالى : ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القَاعِدِينَ﴾ [التوبة :46]. نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء ورزقنا الله حسن الاستعداد لاستقبال رمضان وكل عام وأنتم بخير.

 

 

([1]) الحديث أخرجه البخارى عن أبى هريرة فى كتاب الجمعة ، باب فضل الجمعة (ح 821) ، 1/264، ط المكتبة العصرية - صيدا بيروت .

([2]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص 385، ومسلم في صحيحه، ج1 ص 509.

([3]) أخرجه أحمد في مسنده، ج 4 ص 126، أخرجه الترمذي في سننه، ج 5 ص 44.

([4]) رواه البيهقي في الكبرى، ج2 ص 492، ومالك في الموطأ، ج 1 ص 114.

([5]) الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، ج2 ص 249.

عدد الزيارات 5365 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)