طباعة

وبدأ موسم الخير

الجمعة, 08 كانون2/يناير 2016     كتبه 

ها هو شهر رمضان قد بدأ -أعاده الله على الأمة الإسلامية بالخير والبركات، ورزقنا الله حسن استقباله واغتنامه- بدأ هذا الشهر الكريم الذي اختصه الله بكثير من الخصال أولى تلك الخصال نزول القرآن الكريم فيه قال تعالى : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة :185]، وقال تعالى : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان :3]. وقال سبحانه : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [ القدر :1].

وهناك عدة تفسيرات في معنى نزول القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر، التفسير الأول : هو أن الله أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا، واستند هذا التفسير لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «أُنزل القرآنُ في ليلة القَدْرِ جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعضه في إثر بعض» [الحاكم في المستدرك، والبيهقي في سننه].

وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : «أنزل القرآن في ليلة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القَدْرِ، ثم أُنْزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ : ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلًّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [سورة الفرقان : 33] ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاه لِتَقَرَأه عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاه تَنْزِيلًا﴾  [سورة الإسراء : 106]» [النسائي، والحاكم في المستدرك].

ولذا قال القرطبي : «ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر على ما بيناه   جملة واحدة وضع في بيت العزة في سماه الدنيا ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نجما نجما في الأوامر والنواهي والأسباب وذلك في عشرين سنة» [تفسير القرطبي 2/297].

التفسير الثاني : أنه نزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قَدْر، أو ثَلاث وعشرين أو خمس وعشرين ـ حسب الاختلافات في مدة مكث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة بعد البعثة ـ في كل ليلة قدر ينزل ما يقدِّر الله إنزاله في كل السنة، ثم نزل بعد ذلك منجمًا في جميع السنة، وقد حكى الفخر الرازي هذا القول، وتوقف في الأخذ به، هل هو أولى أو القول الأول.

التفسير الثالث : أنه ابتُدِئ نزوله في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجمًا في أوقات مختلفة . وهذا القول مروي عن الشعبي.

التفسير الرابع : أنه أنزل من اللَّوْح المحفوظ جملة واحدة، وأن الحفظة نجَّمته على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجَّمه على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عشرين سنة .

وهذا القول غريب، والمعتمد أن جبريل كان يعارضه في رمضان بما ينزل به عليه طول السنة، وهو مروي عن ابن عباس. وقد حكاه الماوردي.

على كل حال فإن رمضان شهر القرآن وهذه أهم خصائصه، فعلى المسلم أن يخص رمضان بالإكثار من تلاوة القرآن كما أن ربه خصه بإنزال القرآن فيه، وكما كان حال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل عام مرة وكان ذلك في شهر رمضان، وقد شعر النبي صلى الله عليه وسلم بقرب أجله في العام الأخير لأن جبريل قد عارضه القرآن مرتين.

فعن عائشة قالت «كن أزواج النبي  صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله  صلى الله عليه وسلم شيئا، فلما رآها رحب بها فقال مرحبا بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديدا فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت.

 فقلت لها خصك رسول الله  صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين فلما قام رسول الله  صلى الله عليه وسلم  سألتها ما قال لك رسول الله  صلى الله عليه وسلم،  قالت : ما كنت أفشي على رسول الله  صلى الله عليه وسلم  سره.

قالت فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم  قلت : عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أما الآن فنعم أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه  القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وانه عارضه الآن مرتين وأني لا الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك قالت فبكيت بكائي الذي رأيت فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال يا فاطمة أما ترضي أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة قالت فضحكت» [رواه البخاري ومسلم].

ولذا كان السلف الصالح والعلماء يكثرون من مدارسة القرآن وتلاوته في شهر رمضان، فكانت عائشـة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس - أي ارتفعت - نامت.

وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن، وكان النخعي يختم في كل ثلاث ليال في العشرين الأول من رمضان، وفي العشر الأواخر يختم في ليلتين سوى الصلاة.

 

وكان لأبي حنيفة ستون ختمة في رمضان، وكان مالك إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن في المصحف، وكان للإمام الشافعي ختمتان في كل يوم سوى الصلاة.

فلعل هذه الأخبار تحفز المسلم وترغبه في الإقبال على القرآن الكريم ويتلوه في هذا الشهر العظيم، وينبغي أن يحرص المسلم على ختم القرآن على الأقل مرة واحدة في رمضان.

الخصلة الثاني التي خص الله بها شهر رمضان وجوب صومه، فهو الشهر الوحيد الذي أوجب الله صومه وجعل صومه أحد أركان الدين، قال تعالى : ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة :185]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» [رواه البخاري ومسلم].

ولقد شرع الصوم في أوقات أخرى على جهة الندب كيومي الاثنين والخميس، والأيام القمرية الثلاثة من كل شهر عربي، وعاشوراء، ويوم عرفة، وقد يوجب المسلم على نفسه الصوم بالنذر، وقد يندب الإكثار في أغلب أيام الشهر كشهر شعبان والمحرم إلا أن ذلك كله لا يعارض أن شهر رمضان هو الشهر الوحيد الذي أوجب الله صومه.

والصوم تدريب على الصبر واحتمال ألم الجوع في سبيل الله، ولقد وعد الله الصابرين بأجر عظيم فقال تعالى : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر :10].

خصلة ثالثة اختص بها ربنا شهر رمضان الكريم وذلك بأن جعل الصدقة فيه خير من غيره، وللصدقة عموما فضل كبير في الإسلام فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» [رواه الترمذي]. وقال صلى الله عليه وسلم : أفضل الصدقة صدقة المُقل: «يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، وابدأ بمن تعول» [رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم.

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مؤمن، تكشف عنه كرباً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً» [ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج]. وقوله صلى الله عليه وسلم : «من أفضل العمل: إدخال السرور على المؤمن يقضي عنه ديناً، يقضي له حاجة، ينفس له كربة».

بل إن الصدقة لتباهي غيرها من الأعمال وتفخر عليها؛ وفي ذلك يقول عــمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: «إن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة: أنا أفضلكم» [رواه ابن خزيمة والحاكم في المستدرك].

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصدقة في شهر رمضان، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال : «كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله  صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة».

ولقد حث الشرع الشريف على الصدقات في شهر رمضان ورغب فيها، ومن هذه الصدقات التي حث عليها، إفطار الصائم، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «من فطر صائماً كان له مثل الأجر غيره أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء» [رواه أحمد والنسائي].

يقول ابن القيم رحمه الله : «كان رسول الله أعظمَ الناس صدقة بما ملكت يده وكان لا يستكثر شيئاً أعطاه ولا يستقله، وكان عطاؤه عطاء من لا يخشى الفقر، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظمَ من سرور الآخذ بما يأخذه ، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة ، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه تارة بطعامه وتارة بلباسه, وكان ينوع في أصناف عطائه فتارة بالهبة وتارة بالصدقة وتارة بالهدية وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعاً، وكان يأمر بالصدقة ويحض عليها ويدعو إليها بفعله وقوله , فإذا رآه البخيل والشحيح دعاه حاله إلى البذل والعطاء... إلى أن قال رحمه الله: إذا فهمت ما تقدم من أخلاقه فينبغي على الأمة التأسي والاقتداء به في السخاء والكرم والجود والإكثارُ من ذلك في شهر رمضان لحاجة الناس فيه إلى البر والإحسان ولشرف الزمان ومضاعفة أجر العامل فيه».

الخصلة الرابعة : هي أن الله اختص رمضان بليلة القدر، وللتعرف على معنى ليلة القدر لابد من معرفة معناها اللغوي، فليلة القدر مركب إضافي، يتوقف فهم معناه على فهم جزأيه، والجزء الأول من هذا المركب لفظ ليلة وهي في اللغة : من غروب الشمس إلى طلوع الفجر, ويقابلها النهار. وثانيهما : القدر , ومن معاني القدر في اللغة : الشرف والوقار, ومن معانيه : الحكم والقضاء والتضييق.

واختلف الفقهاء في المراد من القدر الذي أضيفت إليه الليلة فقيل : المراد به التعظيم والتشريف، والمعنى : أنها ليلة ذات قدر وشرف لنزول القرآن فيها, ولما يقع فيها من تنزل الملائكة, أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة, أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر وشرف. 

وقيل : معنى القدر هنا التضييق، ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها, أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة, وقيل : القدر هنا بمعنى القدر - بفتح الدال - وهو مؤاخي القضاء : أي بمعنى الحكم والفصل والقضاء.

قال ابن قدامة : ليلة القدر هي ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة ثم قال : وقيل : إنما سميت ليلة القدر لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من خير ومصيبة , ورزق وبركة. [المغني لابن قدامة].

وليلة القدر خير ليلة في العام، فهي خير من ألف شهر وهي ليلة مباركة، قال تعالى : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ * لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾  [ القدر :1 : 5]. وقال سبحانه : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾  [الدخان :3 ، 4].

قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من قام ليلة القدر  إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» [رواه البخاري ومسلم]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « تحروا ليلة القدر  في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» [رواه البخاري].

وفي المرة القادمة نكمل الحديث عن ليلة القدر وأنها من خصائص هذا الشهر الكريم، بل ومن خصائص هذه الأمة المحمدية، كما نكمل الحديث عن باقي خصال شهر رمضان المعظم (يتبع)

 

  

 

 

عدد الزيارات 4141 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)