طباعة

خصائص رمضان وأثرها الأخلاقي

الجمعة, 08 كانون2/يناير 2016     كتبه 

نكمل الحديث عن ليلة القدر وهي الخصلة الرابعة من خصال هذا الشهر الكريم، فليلة القدر أفضل الليالي , والعمل الصالح فيها خير من العمل الصالح في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر, وأنها الليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم. وتنزل فيه الملائكة، وفي معنى نزول الملائكة فيها قال القرطبي : « أي تهبط من كل سماء ومن سدرة المنتهى فينزلون إلى الأرض ويؤمنون على دعاء الناس إلى وقت طلوع الفجر , وتنزل الملائكة والروح في ليلة القدر بالرحمة بأمر الله تعالى وبكل أمر قدره الله وقضاه في تلك السنة إلى قابل» [تفسير القرطبي].

ويندب إحياء ليلة القدر لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يجاور في العشر الأواخر، فصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إني كنت أجاور هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه، وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر» [رواه البخاري ومسلم]. وورد عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر»[رواه مسلم].

ويكون إحياء ليلة القدر بالصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء, وغير ذلك من الأعمال الصالحة, وأن يكثر من دعاء : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني , لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : «يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها قال قولي اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني» [رواه الترمذي] قال ابن علان : بعد ذكر هذا الحديث : فيه إيماء إلى أن أهم المطالب انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب وطهارته من دنس العيوب , فإن بالطهارة من ذلك يتأهل للانتظام في سلك حزب الله وحزب الله هم المفلحون.

ولم تكن ليلة القدر من خصائص شهر رمضان فحسب، بل إنها من خصائص هذه الأمة كما ذهب إلى ذلك ذهب جمهور الفقهاء، فرأوا أنها خاصة بالأمة المحمدية ولم تكن في الأمم السابقة, واستدلوا بما روي عن مالك بن أنس  : أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول : «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر» [رواه مالك في الموطأ].

ولما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم  ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح  في سبيل الله ألف شهر، قال فعجب المسلمون من ذلك، قال فأنزل الله عز وجل ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف﴾ [رواه البيهقي في الكبرى].

 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بمقدم رمضان وليلة القدر، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان، يقول : قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه] وزاد أحمد في روايته : «من حرم خيرها فقد حرم (أي ليلة القدر).

الخصلة الخامسة التي خص الله بها شهر رمضان صلاة التراويح، وهي شكل من أشكال صلاة الليل، وأجمع المسلمون على سنية قيام ليالي رمضان, وقد ذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح يعني أنه يحصل المقصود من القيام بصلاة التراويح.

والتراويح في اللغة : جمع الترويحة. يقول ابن منظور : « التَّرْويحةُ فـي شهر رمضان: سميِّت بذلك لاستراحة القوم بعد كل أَربع ركعات؛ وفـي الـحديث : صلاة  التراويح؛ لأَنهم كانوا يستريحون بـين كل تسلـيمتـين. و  التراويح:  جمع تَرْوِيحة، وهي الـمرة الواحدة من الراحة، تَفْعِيلة منها، مثل تسلـيمة من السَّلام» ([1]).

فهي قيام رمضان، ولها هيئة مخصوصة، فعدد ركعاتها 20 ركعة -كما بينا- يسلم بعد كل ركعتين، وينوي بها سنة التراويح، وهي سنة نبوية في أصلها، عمرية في هيئتها وعدد ركعاتها، ولقد أكثرنا الحديث عن ذلك في مقال «استقبال رمضان».

الخصلة السادسة الاعتكاف، وهو لغة الافتعال , من عكف على الشيء عكوفا وعكفا . من بابي : قعد , وضرب . إذا لازمه وواظب عليه , وعكفت الشيء : حبسته. وشرعا : اللبث في المسجد على صفة مخصوصة بنية.

ويدخل المسلم في مكان معد لخلوته بالمسجد بمجرد غروب شمس اليوم العشرين من رمضان، ويخرج من معتكفه بغروب شمس آخر أيام رمضان، ويقضي هذه الفترة في ذكر الله وتلاوة القرآن والتفكر والتأمل، ويقلل من الاختلاط بالناس ويجمع قلبه على ربه. فيجتمع للاعتكاف كثير من الطاعات؛ من التلاوة ، والصلاة ،  والذكر ، والدعاء ، وغيرها.

«وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يومًا» [أخرجه البخاري] .

قال ابن القيم رحمه الله «لما كان صلاح القلب واستقامته  على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفاً على جمعيته على الله، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى؛ فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام؛ مما يزيده شعثًا ويشتته في كل واد ، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى أو يضعفه ، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة عن سيره إلى الله ، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصودة وروحه عكوف القلب على الله تعالى ، والخلوة به ، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق ، والاشتغال به وحده ، بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطرا ته فيستولي عليه بدلها» [إعلام الموقعين].

ويكون الاعتكاف في هذا العشر الأواخر لأجل طلب ليلة القدر، وهي عند الشافعي -رضي الله عنه- منحصرة في العشر الأخير من رمضان، فكل ليلة محتملة لها لكن ليالي الوتر أرجاها، وأرجى ليالي الوتر ليلة الحادي أو الثالث والعشرين، وعند الجمهور هي ليلة السابع والعشرين.

الخصلة السابعة من الخصال التي خص بها رمضان شهر رمضان هي أن العمرة فيه أفضل من العمرة في أي وقت آخر، فقد روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «العمرة في رمضان تعدل حجة» [رواه مسلم وابن خزيمة واللفظ له]. وفي رواية لمسلم كذلك «أو حجة معي».

العمرة : بضم العين وسكون الميم لغة : الزيارة , وقد اعتمر إذا أدى العمرة , وأعمره: أعانه على أدائها. وشرعا هي الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة بإحرام.

وبالعمرة في رمضان يتحصل المسلم على كفارتين، فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما , والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [رواه أحمد وابن حبان]، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : « الصلاة المكتوبة إلى الصلاة المكتوبة التي بعدهاكفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة والشهر إلى الشهر يعني من شهر رمضان إلى شهر رمضان   كفارة لما بينهما» [رواه أحمد والحاكم في المستدرك]، والعمرة مشروعة في كل وقت إلا أنها في رمضان يعظم أجرها، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولعل انتصارات الأمة الإسلامية من خصائص شهر رمضان التي لم ينص عليها الشرع الشريف صراحة، وإنما حصلت من الاستقراء، وذلك بسبب أن إجابة الدعاء فيه أرجى من أي وقت آخر.

فرمضان شهر الانتصارات عند المسلمين، انتصروا فيه على المشركين في غزوة بدر الكبرى في  17 من رمضان 2هـ، وانتصر المسلمون على المشركين كذلك في فتح مكة 20 رمضان سنة 8هـ.

        كما انتصر المسلمون على الفرس في معركة البويب (يرموك فارس) في 14 رمضان سنة 14 هـ، وفتحوا أواسط المغرب في رمضان سنة 82 هـ، وفتحوا الأندلس وهزموا الفرنجة في 28 رمضان سنة 92 هـ، وفتحوا العمورية في 17 رمضان سنة 223 هـ، وانتصر المسلمون من الحمدانيين على البيزنطيين في رمضان سنة 362هـ، وانتصروا على الصليبيين بقيادة نور الدين زنكي في رمضان سنة 599 هـ، وهزموا التتار بقيادة قطز في 25 رمضان سنة 658 هـ، وفتح المسلمون بقيادة سليمان القانوني سلطان الدولة العثمانية بلجراد في 4 رمضان سنة 927 هـ.

        وأخيراً انتصر المسلمون على اليهود الصهاينة في العاشر من رمضان سنة 1393 هـ انتصارًا أعز الله به هذه الأمة وأرجع للأمة شيئًا من كرامتها وعزتها التي كادت أن تنسى.

        وانتصار العاشر من رمضان لا ينكره إلا مخذول يريد أن يؤيد العدو ويذهب بفرح المؤمنين بنصر الله لهم، فالعاشر من رمضان انتصار لا شك فيه وانكسار للعدو لا ريب فيه، فلم يغادر العدو أي أرض محتلة إلا بعد كسر أنفه وتيقنه بأنه يواجه رجال لن يسمحوا له بالبقاء، فهو لا يعرف إلا لغة القوة، وما يفعله شاهد على ذلك، فلم يغادر غزة وهي جزء بسيط من حقوق الفلسطينيين إلا تحت وطأة الانتفاضة ووخز السلاح.    

        وها نحن قد رأينا رجال المقاومة اللبنانية البواسل كيف هزموهم وحققوا النصر الذي أعاد الفرحة والأمل للأمة الإسلامية، ومقتضيات النصر هي قول الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد :7] و قوله تعالى : (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ) [آل عمران :160]

        فإن نصرناه نصرنا وإن نصرنا فلا غالب لنا، والعبرة بالإنسان لا بالعدة والبنيان فقد نصر الله المسلمين في كل المواطن وهم الأضعف والأقل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

        رأينا كيف خص ربنا هذا الشهر الكريم بكثير من الخصال كنزول القرآن، ووجوب صومه، واستحباب الصدقة فيه وعظم أجرها، وليلة القدر، وصلاة التراويح، واستحباب العمرة فيه وعظم أجرها، وكذلك ما حدث فيه من انتصارات للأمة الإسلامية.

        فرمضان هو شهر القرآن، وشهر الصوم، وشهر الصدقات، وشهر القيام، وشهر القربات، وشهر الانتصارات، وينبغي أن يتأثر المسلم في قلبه وروحه، وفي سلوكه وأخلاقه بهذه الخصائص فيتعلم من المدرسة الربانية ويستفيد من الشحنة الإيمانية ويتعرض للنفحات المباركة.

        يتعلم المسلم من رمضان التقوى، فيكون في حذر شديد أثناء صومه من الاقتراب من الطعام والشراب والشهوة وكذلك من جميع ما لا يرضي ربه عنه، وبعد الإفطار يكون في حذر شديد من الوقوع فيما يغضب الله، فهو يراقب الله ويملأ أوقاته بالطاعات.

ولذا فالتقوى من ثمرات شهر رمضان والصوم، قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة :183]

        والتقوى في لغة العرب : مشتقة من وقاه  وقيا ووقاية : صانه. من قبيل اشتقاق المصدر من الفعل على مذهب الكوفيين أو التقوى ليس بمصدر بل اسم كالعلم ويؤيده ما في القاموس واتقيت الشيء وتقيته حذرته. وهناك معاني كثيرة لها في الشرع ذكرها العلماء لعل أبسطها : التباعد  عن كل مضر في الآخرة، وقد ذُكر في معناها أيضا : أنها عبارة عن حجاب معنوي يتخذه العبد بينه وبين العقاب، كما أن الحجاب المحسوس يتخذه العبد مانعا بينه وبين ما يكرهه [أحكام القرآن للجصاص].

وهي سبيل الفلاح، فقال تعالى : (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)   [البقرة : 189]. وهي كذلك من أسباب معية الله : (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ)   [البقرة : 194]. وهي باب للتعرف على صفات الجلال لله سبحانه وتعالى، قال تعالى : (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ)  [البقرة : 196].

وهي المعيار المعتبر للتفاضل بين الناس : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)   [الحجرات : 13]. والتقوى سبب لدخول الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق»[أخرجه الترمذي وصححه الحاكم]. وسبب لمحبة الله سبحانه وتعالى، فعن سعد بن أبي وقاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي» [أخرجه مسلم].

والصبر ثمرة أخرى يتعلمها المسلم من هذا الشهر الفضيل، فيتعلم تحمل الألم والجزع في سبيل الله، ويهون عليه ألم النفس لرضا ربه، فشهر رمضان شهر التربية، يكسر فيه المسلم شهوته، ويلغي هواه، ولعل المنع من المباح في نهار رمضان والإذن فيه في الليل ثم المنع في الفجر يمثل منهجا تربويا في الامتثال لكل أوامر الله، حيث يتدرب المسلم على الترك والفعل في حدود المباح والمأذون له.

 فرمضان يصنع المسلم الطاهر الممتثل لأمر الله التقي الصابر، وما زال في شهر رمضان آثار وأسرار كثيرة نسأل الله أن يتقبل منا صيامه وقيامه آمين.

 

 

 

 

([1]) لسان العرب، لابن منظور، ج1 ص 615.

عدد الزيارات 4463 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)