طباعة

الشورى

الجمعة, 08 كانون2/يناير 2016     كتبه 

أراد الله سبحانه وتعالى لهذا الإسلام أن يكون الدين الخاتم، وأرد للقرآن أن يكون الكلمة الأخيرة إلى العالمين، فحفظه الله سبحانه وتعالى، فقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر : 9].

وقد تعرض القرآن الكريم لمحاولات التحريف فلم تفلح، ولمحاولات الترجمة الخاطئة السيئة النية فلم تؤثر فيه، ولمحاولة الطباعة المحرفة، فبقي كما هو، ولمحاولة تقليده ومحاكاته بسيء الكلام وركيكه فلم يزحزح عن مكانته، بل إن كل ذلك أكد معجزته الباقية عبر الزمان، وأعلى من شأنه في صدور الناس، وكان كل ذلك بالرغم مما اشتمل عليه من العدوان والطغيان سببًا في تمسك المؤمنين به، وبابًا جديدًا للدعوة إلى الله ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وبدلا من إبادة المسلمين التي أرادها مشركو مكة ومن بعدهم الفرس والروم ومن بعدهم الفرنجة والتتار ومن بعدهم الاستعمار والتعصب في الشرق والغرب بدلاً من ذلك انتشر الإسلام وأصبح عدد المسلمين أكبر أتباع دين، وقد شهدت بتلك الحقيقة موسوعة جينز للأرقام القياسية، وهم يقدرون الآن بمليار وثلاثمائة مليون نسمة.

وذلك لأن الله أراده مصدراً للأحكام، ومصدراً للأفكار، ومصدراً لمناهج العلوم، ومصدراً لطريقة التعامل مع الكون والأشخاص، فجعله الله كتاب هداية للعالمين، وجعله حجة قائمة إلى يوم الدين، وجعله لا تنتهي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد، ولا يبلى ولا يصاب بالقدم ولا يخرج عن حد الزمان، فهو متجدد كل تجدد، فكان القرآن رسولاً من عند الله سبحانه وتعالى، لأنه كلام الله. وكلام الله نبوة مستمرة تتنزل على المسلمين في كل حين لهدايتهم إلى أقوم طريق.

وقد تختلف الأفهام في استخراج الأحكام والهداية من القرآن ولا تجد في السنة ما يحسم خلافهم، ففي المسائل الفقهية التعبدية وغيرها من المعاملات التي تقتصر على الأفراد نعلم أن هذا الخلاف من الرحمة والسعة، ولكن في المسائل التنظيمية لابد من اجتماع كلمة المسلمين للوصول إلى رأي واحد حتى يتم تنفيذه بين جماعة المسلمين.

من هنا ظهرت أهمية الشورى كوسيلة للاستفادة من وجهات النظر المختلفة، ومن الخبرات المتعددة، ومن العلوم المتباينة لإنتاج القرار السليم الذي لابد أن يكون موافقا لشرع الله، ومحققا لمصالح الأمة. فما هي الشورى ؟ وكيف يحققها المسلمون ؟

الشورى لغة يقال : شاورته في الأمر واستشرته : راجعته لأرى رأيه فيه. واستشاره : طلب منه المشورة. وأشار عليه بالرأي. وأشار يشير إذا وجه الرأي, وأشار إليه باليد : أومأ.

فالشورى التي نقصدها يمكن أن نصيغ تعريفها بشكل عصري بأنها : استطلاع للآراء من أهل الحكمة والخبرة للوصول إلى أفضلها. وفي ثقافة المسلمين لابد من تحقيق موافقة شرع الله، وتحقيق مصالح الأمة، فإن هذين المعيارين لابد وأن يكونا نصب عين كل من سعى لإصدار قرار يخص المسلمين في حياتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية وجميع مناحي الحياة.

والشورى تتعين في حالة الاحتياج لرأي واحد، ولكن –كما ذكرنا- في حالة الأبحاث العلمية والدراسات المختلفة والتي تثمر تعدد الآراء فإن هذا ثراءً علمياً لا ينبغي أن نلغيه ونقول لابد أن نخرج برأي واحد، بل متعة العلم في تعدد الآراء وعرض أدلة كل رأي.

ولذا لا ينبغي أن يختلط علينا مدح الخلاف بين العلماء في المسائل التي تخص الأفراد من أمور العبادات الشخصية، وبين مدح الشورى للخروج برأي واحد في المسائل التي تخص مجموع المسلمين. مثلا هل نقيم معاهدة مع دولة ما لتحقيق مصالح المسلمين أم لا ؟

لذا لا ينبغي أن نسمع ممن اختلط عليهم الأمر أن العلماء لابد وأن يجلسوا للخروج برأي واحد في كل مسألة من مسائل الفقه، فليس هذا هو محل الشورى؛ فإذا كانت المسائل تخص كل فرد بشكل شخصي، فله أن يفعل ما يراه موافقاً لظروفه وحاله.

ولذا نرى ثناء السلف والعلماء على هذا الخلاف عبر الزمان. قال الإمام القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق : «‏لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عيه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيرًا منه قد عمل عمله‏»([1]).

قال سفيان الثوري رحمه الله : «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنهه»([2]).
ي الروضة في أصول الفقه لا تنهه بعة المذاهب الفقهية الإسلامية.ى كمذهب الثوريين، والإمامية، والإباضية، والظاهريةضارتهم.د والنوقال الإمام أحمد بن حنبل : «لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ويشتد عليهم»([3]).

قال الإمام الحنبلي ابن قدامة المقدسي : «وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام, مهد بهم قواعد الإسلام, وأوضح بهم مشكلات الأحكام, اتفاقهم حجة قاطعة, واختلافهم رحمة واسعة»([4]).

وقد صنف رجل كتاباً في الاختلاف. فقال له الإمام أحمد : «لا تسميه الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة»([5])، وقال كذلك : «إن للمفتي إذا استفتى وكانت فتواه ليس فيها سعة للمستفتي أن يحيله إلى من عنده سعة»([6])، وقال ابن العربي : «إن العالم لا ينضج حتى يترفع عن العصبية المذهبية»([7]).

ذلك فيما يخص الاختلاف في المسائل الفردية في أمور العبادات والمعاملات، وعودة للحديث عن الشورى - وهي بيت القصيد- نرى أن الله قد ذكر الشورى في كتابه الكريم في ثلاثة مواضع، كان الموضع الأول في الحديث عن التشاور بين الأبوين في مسألة إتمام رضاعة المولود، وذلك للخروج بالقرار السليم الذي يتناسب مع حالهما ومصلحة المولود، فقال تعالى : ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة :233].

والموضع الثاني في السياق القرآني الذي يوجه فيه ربنا سبحانه وتعالى حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم للعفو عن المؤمنين والاستغفار لهم، ومشاورتهم في الأمر، قال تعالى :  ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران :159]. والشورى في هذا الموضع ليست شورى على مستوى الأسرة، وإنما شورى على مستوى القرار السياسي والاجتماعي في الدولة المسلمة.

أما الموضع الثالث كان في سياق الثناء على المؤمنين بعدة خصال هي الاستجابة لله سبحانه وتعالى، وإقامة الصلاة، واعتمادهم الشورى مبدأ لاتخاذ القرارات فيما يخص الصالح العام، ثم الإنفاق من رزق الله في أوجه الخير، قال تعالى :﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الشورى :38]. ذكر الله تلك الفضائل في نسق واحد، فقرن بين الاستجابة لله والصلاة والزكاة مما يلفت المؤمن عندما يتدبر كتاب ربه ويقارن بين سياقاته المختلفة. فجعل الله أمر الشورى أساساً من أسس الأمة. والشورى ليست كلمة بل هي منهج حياة.

ولقد ذكرت الشورى في وصف اتخاذ القرار من ملكة سبأ دون التصريح بلفظ الشورى أو التشاور أو غير ذلك، فقال تعالى حكاية عنها : ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِى فِى أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل :32].

في تلك المواضع القرآنية بيان على أن الشورى ممدوحة شرعاً، وأن الله طلبها من المؤمنين كسبيل لتحقيق الأصلح في الأمور كلها.

ومن السنة يروى سيدنا عبد الله بن عباس فيقول : لـمّا نزلت «وشاورهم في الأمر» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أما إن الله ورسوله غنيان عنهما، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن شاور منهم لم يعدم رشدا، ومن ترك المشورة منهم لم يعدم عناء» [رواه البيهقي في شعب الإيمان].

وبقاء الشورى بين المسلمين علامة على أن الحياة خير من الموت لنا، أما ذهابها فمن علامات انتهاء الخير في الدنيا وأن الموت خير لنا من الحياة. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم «إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها» [رواه الترمذي].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من أراد أمراً فشاور فيه وقضى هُدي لأرشدِ الأمور» [رواه البيهقي في شعب الإيمان]. وعنه صلى الله عليه وسلم : «ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد» [رواه الطبراني في الصغير والأوسط]

وكانت سيرته صلى الله عليه وسلم تجسيداً للعمل بمبدأ الشورى مع أصحابه رضوان الله عليهم، فثبت في سيرة النبي العطرة أنه أشار عليه الحباب بن المنذر بتغيير موقعه، فاستجاب صلى الله عليه وسلم لمشورته تطييباً لخاطره واحتراماً من القائد لآراء أصحابه ورعيته وأثنى صلى الله عليه وسلم على سعد بن معاذ خيراً حينما أشار عليه ببناء عريشٍ له صلى الله عليه وسلم وبعد انتهاء غزوة بدر استشار أصحابه بشأن أسرى المشركين [راجع السيرة لابن هشام 2/266 : 272].

وقد سار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هديه فكان حال أبي بكر رضي الله عنه دائما المشورة مع أصحابه، وكذلك كان عمر بن الخطاب من بعده، ولمكانة أمر الإمارة أكد عمر بن الخطاب رضي الله عنه على حتمية استشارة المسلمين في ذلك القرار المهم، فعن عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال : «قال عمر اعقل ثلاثاً: الإمارة شورى, وفي فداء العرب مكان كل عبد عبد وفي ابن الأمة عبدان وكتم ابن طاووس الثالثة» [ابن عبد الرزاق في مصنفه].

وقد أكثر عمر بن الخطاب من أمر الشورى وبالغ فيها,. وما أحسن ما امتدح به شوقي عمر بن الخطاب والشورى حيث قال :

يا رافعـًا رايــة الشُّـورى وحـارسَهـا
0

 

جزاك ربُّكَ خيـرًا عـن مُحِبِّــيـهَا
0

رَأْي الجماعةِ لا تَشْقَى البـــلادُ بـــهِ
0

 

رَغْـَم الخـِلاف ورَأْي الْفَـرْدِ يُشْقِيهَا
0

ولقد قال الماوردي كلاماً بديعاً في المشورة ننقله بنصه : « اعلم أن من الحزم لكل ذي لب أن لا يبرم أمراً ولا يمضي عزماً إلا بمشورة ذي الرأي الناصح, ومطالعة ذي العقل الراجح. فإن الله تعالى أمر بالمشورة نبيه صلى الله عليه وسلم مع ما تكفل به من إرشاده, ووعد به من تأييده, فقال تعالى : ﴿وشاورهم في الأمر﴾ . قال قتادة : أمره بمشاورتهم تألفا لهم وتطييبا لأنفسهم. وقال الضحاك : أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل. وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى : أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون وإن كان عن مشورتهم غنيا.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «المشورة حصن من الندامة, وأمان من الملامة». وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : «نعم المؤازرة المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : «الرجال ثلاثة : رجل ترد عليه الأمور فيسددها برأيه, ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل حيث يأمره أهل الرأي, ورجل حائر بأمره لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً ». وقال عمر بن عبد العزيز : «إن المشورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة لا يضل معهما رأيٌ ولا يفقد معهما حزم ». وقال سيف بن ذي يزن : «من أعجب برأيه لم يشاور, ومن استبد برأيه كان من الصواب بعيدا ». [أدب الدنيا والدين]

فعلينا أن نعمل على أن تكون العلاقة بيننا هي علاقة التشاور. والتشاور يحتاج منا إلى أخوة صادقة، وإلى قلوب مفتوحة، وإلى حرية في الرأي، وإلى التزام بالشرع، يحتاج منا أن نكون أمة واحدة. والأمة مفهوم لم يأت في دين من الأديان قبل الإسلام. والشورى من وسائل جمع كلمة المسلمين، ومن وسائل تجميع صفوفهم، وترك الشورى فيه ترك للوحدة وعمل على الفرقة التي ذمها الله في كتابه، فقال تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران :103]، وقال سبحانه ينهانا أن نتبع سنن الذين كفروا : ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران :105].

وأرشدنا ربنا بالسير على صراطه المستقيم وعدم التفرق في السبل المختلفة، فقال سبحانه : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام :153].

والوحدة وعدم الفرق من أوامر الله الثابتة في جميع الشرائع، قال تعالى : ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى :13].

فالشورى هي سبيل الوحدة وعدم الفرقة. وبالبعد عن الشورى نفتقد الخبرات الأصيلة، والآراء المخلصة، ونضيع مصالح الأمة بين الاستبداد والإعجاب بالرأي. رزقنا الله الشورى، وجعل أمرنا شورى بيننا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

([1]) جامع بيان العلم وفضله، ج4 ص 80.

([2]) حلية الأولياء ج6 ص 368.

([3]) الآداب الشرعية لابن مفلح ج1 ص 166، وغذاء الألباب للسفاريني ج1 ص 223.

([4]) المغني، لابن قدامة، ج1 ص1.

([5]) مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ج30 ص 79.

([6]) الروضة في أصول الفقه، لابن قدامة.

([7])  العواصم من القواصم، لابن العربي، ص .

عدد الزيارات 4897 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)