طباعة

خطوات الخروج من المعاصي والشهوات المحرمة (2)

الجمعة, 08 كانون2/يناير 2016     كتبه 

ذكرنا في المقال السابق أن الخطوة الأولى للخروج من المعاصي أن يجعل المسلم النبي صلى الله عليه وسلم أبا له، ويستحضر صورته دائما، والخطوة الثانية أن يذكر الله كثيرا، وتكلمنا عن ذكر عز وجل وعن الأوراد، وفي هذه المرة نتكلم عن مسائل مهمة في قضية ذكر الله يثيروها بعض المشاغبين يعطلوا بها السالكين إلى الله، ومن هذه المسائل جواز الاجتماع لذكر الله وجواز أن يكون ذلك في حلق للذكر، وكذلك جواز أن يذكر المسلم ربه ويستخدم سبحة في عد الأذكار.

ومسألة جواز الاجتماع لذكر الله وأن يكون ذلك في حلق، فالاجتماع على الذكر في حلق سنة ثابتة بأدلة الشرع الشريف، أمر الله بها في كتابه العزيز، فقال تعالى : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف :28]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا : هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا....... إلى أن قال : فيقول الله عز وجل : أشهدكم أني غفرت لهم. فيقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال : هم الجلساء لا يشقى جليسهم» [رواه البخاري في صحيحه].

        وعن معاوية رضي الله عنه : « أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال : ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا.... إلى أن قال : أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» [رواه مسلم] .

        وقد بوب النووي الحديث الأول في كتابه رياض الصالحين بعنوان، باب فضل : «حلق الذكر». وأورد الصنعاني حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده».

ثم قال : «دل الحديث على فضيلة مجالس الذكر والذاكرين، وفضيلة الاجتماع على الذكر. وأخرج البخاري : «أن ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا هلموا إلى حاجتكم. قال : فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا» الحديث. وهذا من فضائل مجالس الذكر تحضرها الملائكة بعد التماسهم لها. [سبل السلام 2/700]

والمراد بالذكر هو : التسبيح، والتحميد، وتلاوة القرآن، ونحو ذلك، وفي حديث البزار «إنه تعالى يسأل ملائكته : ما يصنع العباد ؟ وهو أعلم بهم، فيقولون : يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم».

فقصر معنى الذكر على مجالس العلم في هذه الأحاديث تحكم، ولا دليل يعضده، وعليه فإن ذكر الله في حلق أو في خلوة جاء به الشرع.

والمسألة الثانية هي جواز عد الأذكار بالمسبحة أو السبحة، فعلينا أولا نعلم أن السبحة : هي الخرزات التي يعد بها المسبح تسبيحه، وهي كلمة مولدة، وهي وسيلة تعين على الخير، والوسائل لها حكم المقاصد، فهي مستحبة باعتبارها تيسر الذكر.

فهي أداة يجوز للمسلم استخدامها في العد في الأوراد، وهي أولى من اليد إذا خشي الإنسان من الخطأ؛ لأنها أجمع للقلب على الذكر، حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة، وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: « أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل ؟ فقال : سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والحمد لله مثل ذلك، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك» [رواه أبو داود في سننه، والترمذي، والحاكم في المستدرك]، فلم ينهها عن ذلك، وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل، ولو كان مكروها لبين لها ذلك.

وقد فهم الفقهاء الجواز من هذا الحديث، فأجازوا التسبيح باليد، والحصى، والمسابح خارج الصلاة، كعده بقلبه أو بغمزه أنامله. أما في الصلاة، فإنه يكره؛ لأنه ليس من أعمالها. وعن أبي يوسف ومحمد : أنه لا بأس بذلك في الفرائض والنوافل جميعا مراعاة لسنة القراءة والعمل بما جاءت به السنة، وقد وردت أثار كثيرة في هذا الباب منها : ما روي عن القاسم بن عبد الرحمن قال : «كانَ لأبي الدَّرْدَاءِ نَوًى مِنْ نَوَى الْعَجْوَةِ في كِيسٍ ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ أَخْرَجَهُنَّ وَاحِدةً يُسَبِّحُ بِهِنَّ حَتَّى يَنْفَدْنَ» [الزهد لابن أبي عاصم].

وعَنْ أَبِى نَضْرَةَ الغفاري قال : حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ طُفَاوَةَ قَالَ: «تَثَوَّيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمْ أَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ تَشْمِيرًا وَلاَ أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ يَوْمًا وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ وَمَعَهُ كِيسٌ فِيهِ حَصًى أَوْ نَوًى وَأَسْفَلُ مِنْهُ جَارِيَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ وَهُوَ يُسَبِّحُ بِهَا، حَتَّى إِذَا أَنْفَدَ مَا فِي الْكِيسِ أَلْقَاهُ إِلَيْهَا فَجَمَعَتْهُ فَأَعَادَتْهُ فِي الْكِيسِ فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ» [رواه أحمد وأبو داود]. وعن نعيم بن المحرر بن أبي هريرة عن جده أبي هريرة رضي الله عنه  أنه كان له خَيْطٌ فِيه أَلْفَا عُقْدَةٍ، فَلاَ يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ. [حلية الأولياء لأبي نعيم]

وروي مثل ذلك عن سيدنا سعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري ، وأبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم، والسيدة فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب وغيرهم من الصحابة والتابعين، رضي الله عنهم جميعا.

وقد صنف في مشروعية الذكر بالسبحة جماعة من العلماء منهم الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته «المنحة في السبحة»، والشيخ محمد بن علان الصديقي وسماها «إيقاد المصابيح لمشروعية اتخاذ المسابيح»، والعلامة أبو الحسنات اللكنوي في رسالة بعنوان «نزهة الفكر في سبحة الذكر».

وأجاب العلامة ابن حجر الهيتمي عن سؤال بشأنها حيث سئل رضي الله عنه : «هل للسبحة أصل في السنة أو لا ؟

(فأجاب) بقوله : نعم ، وقد ألف في ذلك الحافظ السيوطي؛ فمن ذلك ما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده» وما صح عن صفية : رضي الله عنها : «دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن، فقال: ما هذا يا بنت حيي. قلت : أسبح بهن ، قال : قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا ، قلت : علمني يا رسول الله قال : قولي سبحان الله عدد ما خلق من شيء ».

وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي : «عليكن بالتسبيح، والتهليل، والتقديس ولا تغفلن فتنسين التوحيد، واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات ومستنطقات» وجاء التسبيح بالحصى والنوى والخيط المعقود فيه عقد عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم وأخرج الديلمي مرفوعا : نعم المذكر السُّبحة . وعن بعض العلماء : عقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة لحديث ابن عمر. وفصل بعضهم فقال : إن أمن المسبح الغلط كان عقده بالأنامل أفضل وإلا فالسبحة أفضل.» [الفتاوى الفقهية الكبرى 1/152].

وقال ابن عابدين : « (قوله لا بأس باتخاذ المسبحة) بكسر الميم : آلة التسبيح، والذي في البحر والحلية والخزائن بدون ميم. قال في المصباح : السبحة خرزات منظومة، وهو يقتضى كونها عربية. وقال الأزهري : كلمة مولدة، وجمعها مثل  غرفة وغرف. ا هـ . والمشهور شرعا إطلاق السبحة بالضم على النافلة . قال في المغرب : لأنه يسبح فيها.

ودليل الجواز ما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم وقال صحيح الإسناد عن سعد بن أبي وقاص.... وذكر الحديث ثم قال  :  «وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل ولو كان مكروها لبين لها ذلك، ولا يزيد السبحة على مضمون هذا الحديث إلا بضم النوى في خيط، ومثل ذلك لا يظهر تأثيره في المنع، فلا جرم أن نقل اتخاذها والعمل بها عن جماعة من الصوفية الأخيار وغيرهم؛ اللهم إلا إذا ترتب عليه رياء وسمعة فلا كلام لنا فيه ، وهذا الحديث أيضا يشهد لأفضلية هذا الذكر المخصوص على ذكر مجرد عن هذه الصيغة ولو تكرر يسيرا كذا في الحلية والبحر» [حاشية ابن عابدين 1/650، 651].

وقد قال الشوكاني بعد ذكره أحاديث في هذا الباب: « والحديثان الآخران يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى، وكذا بالسُّبحة لعدم الفارق لتقريره صلى الله عليه وسلم للمرأتين على ذلك. وعدم إنكاره والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز.

قد وردت بذلك آثار ففي جزء هلال الحفار من طريق معتمر بن سليمان عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع، ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع، فإذا صلى أتى به، فيسبح حتى يمسي، وأخرجه الإمام أحمد في الزهد قال : حدثنا عفان، حدثنا، عبد الواحد بن زياد، عن يونس بن عبيد، عن أمه قالت : رأيت أبا صفية رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان خازنا قالت : فكان يسبح بالحصى.

وأخرج ابن سعد، عن حكيم بن الديلم، أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى وقال ابن سعد في الطبقات : أخبرنا عبد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن جابر عن امرأة خدمته، عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيه. وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد، عن أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألف عقدة فلا ينام حتى يسبح.

وأخرج أحمد في الزهد عن القاسم بن عبد الرحمن قال : كان لأبي الدرداء نوى من العجوة في كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجها واحدة واحدة يسبح بهن حتى ينفدهن. وأخرج ابن سعد، عن أبي هريرة أنه كان يسبح بالنوى المجموع. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من طريق زينب بنت سليمان بن علي، عن أم الحسن بنت جعفر، عن أبيها، عن جدها، عن علي رضي الله عنه مرفوعا:  «نعم المذكر السُّبحة»، وقد ساق السيوطي آثارًا في الجزء الذي سماه «المنحة في السبحة»، وهو من جملة كتابه المجموع في الفتاوى، وقال في آخره : ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها، ولا يرون ذلك مكروها انتهى» [نيل الأوطار 2/366].

 وقد ذكرنا ما سبق بشأن الإكثار من الذكر وأن يكون من خلال ورد منتظم، وجواز أن يكون في حلق وجماعة، وكذلك جواز أن يكون ذلك على السبحة حتى يقبل عباد الله على ذكر الله بكل وسيلة وبأي شكل راق لهم وحتى نعاونهم على السلوك في طريق الله سبحانه وتعالى. [يتبع]

       

       

عدد الزيارات 5247 مرة
قيم الموضوع
(3 أصوات)