طباعة

مولد النور الهادي 3

الجمعة, 26 كانون1/ديسمبر 2014     كتبه 

رأينا في المقال السابق كيف شرف الله كل ما تعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم من زمان ومكان وأشخاص، ونعرض في هذه المرة لجانب آخر من جوانب تكريم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، جانب آخر من جوانب تفضيل الله سبحانه وتعالى لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويتمثل هذا الجانب في ذكره سبحانه له صلى الله عليه وسلم في قرآنه الكريم بأغلب أعضاءه الشريفة، فليس هناك ملك مقرب، ولا نبي مرسل أثنى الله على أعضاءه وخصاله بهذا التفصيل قط.

صحيح أن الله قد ذكر بعض الأعضاء لبعض الأنبياء في القرآن،  كذكر لسان داوود وعيسى بن مريم عليهما السلام في كتابه؛ حيث قال : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ)  [المائدة : 78]، وذكر يد موسى عليه السلام، قال تعالى: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ) [طه : 22]، وذكر يد أيوب ورجله، قال سبحانه : (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) [ص :42]، وقال سبحانه : (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ) [ص : 44].

لكنه لم يذكر سبحانه وتعالى أعضاء أحد من أنبيائه بهذا التفصيل، وعلى هذا الوجه من التكريم، الذي ذكر به أعضاء نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم،  فذكر ربنا وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز،  فقال سبحانه: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) [البقرة : 144]، ويشمل هذا السياق على مدح جليل فوق ذكر الوجه، ووجه المدح فيه أنه بمجرد تقلب وجهه الشريف أعطاه الله به ما أراد دون سؤال منه ولا كلام، فكانت بركة وجهه في تقلبه معطية له ما تمناه ويرضاه صلى الله عليه وسلم .

وقد ذكر ربنا وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم في مواضع أخرى منها قوله تعالى : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ( [البقرة : 144]، وقال : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ( [البقرة : 149]، وقال سبحانه : (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) [آل عمران : 20].وقال تعالى : (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً( [يونس : 105]، وقال عز من قائل : )فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ) [الروم : 43].

وذكر الله عينيه صلى الله عليه وسلم  في أكثر من موضع في القرآن الكريم، فقال سبحانه : (لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ) [الحجر : 88]، وقال تعالى : (وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف : 28]، وقال سبحانه : (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ) [طه : 131].

وذكر ربنا رؤيته صلى الله عليه وسلم  في أكثر من موضع كذلك فقال سبحانه : (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى) [النجم : 18]، وفي هذا ثناء على رؤيته ومدح بأنه رأى من الآيات ما لم يره أحد قبله صلى الله عليه وسلم، وقال سبحانه للمشركين زاجرًا لهم على تكذيبه ما يرى : (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) [النجم : 12]، ثم أخبر ربنا سبحانه وتعالى أن نبيه صلى الله عليه وسلم خص برؤية جبريل عليه السلام على صورته، فقال سبحانه : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) [النجم : 13].

كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى بصره الشريف صلى الله عليه وسلم  في أكثر من موضع من كتابه العزيز، فقال تعالى : (مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى) [النجم : 17]، وفي هذا السياق مدح فوق الذكر؛ إذ أثنى ربنا على البصر وأنه صادق غير زائع، وقال تعالى : (فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ) [ق : 22]، وقال سبحانه : (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) [القلم : 5]، وقال تعالى : (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) [الصافات : 175]، وقال سبحانه : (وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) [الصافات : 179]، وقال سبحانه وتعالى : (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) [الكهف : 26]، وقال : (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) [مريم : 38].

وذكر ربنا سمعه الشريف في عدة مواضع من كتابه العزيز فقال سبحانه : (فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً) [طه : 108]، وقال : (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) [الكهف : 26]، وقال تعالى : (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) [مريم : 38]

وذكر منطقه ومدحه سبحانه فقال : (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى) [النجم : 6]. فبين صدق منطقه صلى الله عليه وسلم  وصواب حديثه، وكذلك امتدح ربنا صوته بالإجلال والتعظيم، وحذر الصحابة من التعالي على هذا القدر، فقال سبحانه : (لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)  [الحجرات : 3].

وذكر الله سبحانه وتعالى لسانه الشريف صلى الله عليه وسلم  في أكثر من موضع في كتابه العزيز فقال تعالى : (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّداًّ) [مريم : 97]، وقال : (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [الدخان : 58]، وقال سبحانه : (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) [القيامة : 16].

وذكر صدره الشريف حيث قال تعالى في شأنه : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [ الشرح : 1]، وفيه إشارة إلى نعمة من نعم الله عليه، وفضيلته صلى الله عليه وسلم  بشرح صدره، وقال الله مطمئنه لحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم  : (فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) [الأعراف : 2]، وكذلك ذكر صدره في تسليته له بقوله تعالى : (وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [هود : 12]، وذكر الله صدره في سياق آخر ليثبته صلى الله عليه وسلم  : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) [الحجر : 97]

كذلك ذكر الله قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم  في أكثر من موضع في كتابه العزيز، واشتمل الذكر الثناء عليه صلى الله عليه وسلم  فقال سبحانه وتعالى : (قُلْ مَن كَانَ عَدُواًّ لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) [البقرة : 97]، وقال سبحانه : (وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران : 159]، وقال تعالى : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ)  [الشعراء : 193 ، 194]، ]، بل إن ربنا أثنى على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم  ثناءً عظيما عندما أثبت أن قلبه صلى الله عليه وسلم  أقوى من الجبال في تحمل التنزلات الإلهية والوحي فقال سبحانه :    (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر : 21]، وقد أنزله الله على قلبه صلى الله عليه وسلم  فتحمل ما لا يتحمل الجبل الأشم الراسخ.

وخص ربنا فؤاده صلى الله عليه وسلم  بالذكر في الكتاب العزيز بما اشتمل الثناء عليه،  فقال تعالى : (مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى) [النجم : 11]، وقال سبحانه مبشرا له : (وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود : 120]، وقال تعالى في شأن إنزال القرآن منجمًا : (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) [الفرقان : 32]

وقد ذكر الله يده الشريفة صلى الله عليه وسلم  في سياق الأمر بالتوسط بين التقتير والتبذير فقال سبحانه وتعالى : (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) [الإسراء : 29]، كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى ظهر النبي صلى الله عليه وسلم  في سياق الامتنان عليه فقال تعالى : (الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ) [الشرح : 3].

فدل كل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكمل الناس أخلاقًا، وأجملهم صورة، وكان لرؤيته صلى الله عليه وسلم بهذا الجمال الخلقي والروحي والصوري أثر كبير في نفوس الناس برؤيته يرقي العبد في مراقي العبودية إلى الله مدارج لا يعلمها إلا الله، ومن هذا ما أجمع عليه المسلمون من أنه لا يسمى الصحابي بهذا الاسم إلا بلقاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتماعه به قبل انتقاله صلى الله عليه وسلم من الحياة الدنيا، وإن كان معه في عصره فقط لا يعتبر صحابي.

 فارتفع قدر الصحابة  على رؤوس العالمين بسبب اجتماعهم به ورؤيتهم له صلى الله عليه وسلم، وكذلك كانت رؤية صورته الشريفة في المنام من أكبر منن الله على العبد المسلم الصادق إذ يقول صلى الله عليه وسلم  : (من رآني في المنام فقد رآني) [متفق عليه].

وقد تعجب أصحابه من جماله ومدحوا ذلك الجمال فيه صلى الله عليه وسلم، من ذلك ما قاله قال حسان بن ثابت :

وأجمل منك لم تر قط عيني

 

وأكمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرءا من كل عيب

 

كأنك قد خلقت كما تشاء

فكان هذا الجمال المزين بالجلال، والمكسو بجميل الخصال وحميد الخلال سببًا في دخول الإيمان قلب كل صادق غير متبع لهوى.

كل ذلك التكريم جعله صلى الله عليه وسلم أشرف الكائنات وأعظمها على الإطلاق، وجعله لنا أسوة حسنة كما أخبر ربنا بذلك حيث قال : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب :21].

فهو صلى الله عليه وسلم أسوتنا وقائدنا لكل فضيلة، وبه صلى الله عليه وسلم نترقى لرب العالمين، ونتعلم من أخلاقه وسلوكه الخير كله، فنحن نتعلم منه صلى الله عليه وسلم علو الهمة، همة في الدين والدنيا، فبالليل كان صلى الله عليه وسلم يقوم لربه يتلو آياته وكان ينام ليتهيأ لقيامه، يعبد ربه على كل حال في الشدة والسعة، مع قلة المال ومع كثرته، لأن قلبه كان معلق بالله ليس لأنه كان مصطفى وليس لأنه كان صلى الله عليه وسلم مرسلا، بل لأنه أسوة حسنة لنا، وكان عمله ديمة، وأخبرنا بأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مراعاة الأوقات، وإتقان العمل، وجمع الكلمة، والنصحية، أين هذه الأخلاق المحمدية من الحالة المتردية التي يعمل فيها العامل في أوساطنا نصف ساعة في يومه، وهو مكلف بثمان ساعات ؟ أين هذا من شخص يصلي صلاة ويترك الأخرى ؟ أين هذا من إنسان مسلم لا يستطيع أن يسيطر على غضبه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أحد أصحابه بقوله: «لا تغضب ولك الجنة» [رواه الطبراني في الأوسط].

أين هذا من قساة القلوب الذين لا يرحمون ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» [رواه الترمذي].

فماذا نفعل حتى نصل إلى الهمة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصل إلى ذلك بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم بداية من فرائض الإسلام بيسر ومن غير تكلف، فنبدأ بإتقان الوضوء، رغبة في ثواب إسباغه وخاصة في الشتاء وخاصة لصلاة الفجر، وخاصة في الجماعة ففي هذا الأمر من المجاهدة والهمة ما فيه وتتولد الطاقات وتتفجر بإكراه النفس على ذلك.

ويعلمنا صلى الله عليه وسلم في الصوم الصبر وحبس النفس والتهيؤ للطاعة الشاملة لله سبحانه وتعالى في كل أوامره ونواهيه.

        وهناك إرشاد نبوي لطيف في تربية الإنسان لنفسه، وهو تلبس الظاهر بالخلق الذي لم يتمكن منه الباطن، فمن كان يشكو من قلة الإخلاص فيفعل بظاهره ما فيه الإخلاص فإنه ينعكس على الباطن، وإن لم يتمكن من العفو عن أحد بقلبه، فليعفو بلسانه فذلك يهيئ القلب للعفو، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرتبة الإحسان : «أن تعبد الله كأنك تراه» ثم يعقبها فيقول : «فإن لم تكن تراه فهو يراك»، ويقول : «إذا قرأتم القرآن فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» لأنك عندما تتباكى وليس هناك بكاء في عينيك يؤثر هذا في نفسك من الداخل ويربيها حتى تصل إلى البكاء، ويقول التبسم في وجه أخيك صدقة، حتى ولو كان قلبك لا يتبسم له، فإن هذا التبسم سوف يستدرجك من هذه الحالة التي تأبى فيها النفس وترفض فيها الخير والثواب.

والمؤمن أثناء ملاحظته لنفسه وتربيته لها إن لم يقدر على فعل شيء تركه وجاوزه إلى ما استطاع فعله، وعليه ألا يترك الخير، فإن رفض القلب فعلها يفعلها كما بينا ذلك. (يتبع)

 

عدد الزيارات 5495 مرة
قيم الموضوع
(1 تصويت)