طباعة

من خصائص النبي الأعظم 2

السبت, 27 كانون1/ديسمبر 2014     كتبه 

تكلمنا في المقال السابق عن حفظ القرآن الكريم الذي أرسل به النبي صلى الله عليه وسلم، وتكلمنا عن تخليد ذكره صلى الله عليه وسلم، وحفظ آله عليهم السلام، وبروز قبره الشريف آية للعالمين كل هذه الأمور من خصائص النبي الأعظم التي أيدها الواقع وشهد بها شاهد الوجود.

        وفي هذه المرة نكمل الحديث عن مجموعة أخرى من خصائص ذلك النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم.

خامسا : حفظ سنته وسيرته :

قال تعالى : ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾  [النجم :3] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»([1]). وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله»([2]). وعن حسان بن عطية قال: «كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن»([3]).

فأدرك الصحابة ومن بعدهم أهمية ما يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وحركات وسكنات وقاموا بتسجيلها لحفظ ذلك الدين الخاتم.      

فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو النبي الوحيد، بل الإنسان الوحيد الذي حفظت سيرته وأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته في اليقظة والمنام بهذا الشكل، فلم يهتم أحد بحفظ سيرة أحد على الأرض على مر التاريخ على هذا النحو، واهتم المسلمون بنقل كل شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنشئوا العلوم لحفظ سيرته وسنته، ولقد بدأ هذا في الصدر الأول للإسلام، فابن عباس ـ رضي الله عنه ـ يتحرى الليلة التي يأتي فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلى خالته ميمونة ـ إحدى زوجاته رضي الله عنها ـ ويبيت عند خالته حتى يراقب النبي صلى الله عليه وسلم في أكله ونومه وعبادته، ويتمثل به كما روى ذلك مسلم في صحيحه وغيره.

ومن أبرز تلك العلوم التي نشأت علم الحديث والمصطلح، والذي رأى أن السنة هي: « كل الأقوال والأفعال والتقريرات حقيقة وحكمًا، حتى الحركات والسكنات يقظة ومنامًا قبل البعثة وبعدها» على نحو سيأتي تفصيله فيما بعد.

فكان حفظ سيرته وأخباره في كتب الصحاح والسنة والسيرة دليل واقعي تاريخي آخر على خصوصية وفضل ذلك النبي، فليس هناك تسجيل تاريخي محفوظ لنا بسند متصل إلى أحد الأنبياء إلا له صلى الله عليه وسلم.

سادسا : حفظ أمته من عبادته صلى الله عليه وسلم:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [رواه مالك في الموطأ] وكما يظهر فالمقصود من كلمة مساجد في هذا الحديث، هو السجود لمن في القبر عبادة له، بدليل تحذيره في بداية الحديث لا تجعل قبري وثنًا يعبد، وإن من أعجب العجب، حفظ الله تعالى لأمة نبيه صلى الله عليه وسلم من أن تقع في عبادته رغم وقوعها في عبادة من هو أقل منه شأنًا، فضل أقوام وخرجوا من ملة الإسلام بأنها عبدت سيدنا عليًّا رضي الله عنه ، وضل آخرون بعبادتهم للحاكم بأمر الله.

إلا أن الله وقى الأمة على مر العصور وكر الدهور من الوقوع في عبادته صلى الله عليه وسلم، ولم يسجل التاريخ حتى ولو حالة واحدة أن هناك طائفة عبدته صلى الله عليه وسلم من دون الله، وفي ذلك إعجاز وحفظ واستجابة لدعوته صلى الله عليه وسلم حيث وقى الله الأمة أن تعبده، وسيستمر هذا الأمر إن ـ شاء الله ـ إلى أن يرث ربنا الأرض ومن عليها.

سابعا : نزاهة جهاده وجهاد أمته:

إذا تكلمنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره قائدًا مجاهدًا شجاعًا نبيلاً، ونراه صلى الله عليه وسلم وهو يعلم قواد الجيوش في العالم بأسره حقيقة الحروب، وكيف تدار، ومتى تبدأ وكيف تنتهي، وبالاطلاع على الحقائق التاريخية يتأكد ذلك المعنى، ومن هذه الحقائق: أنه صلى الله عليه وسلم لم يسع إلى الحروب وإنما فرضت عليه بسبب الاعتداء عليه، أو رغبة الظلم والعدوان، أو محاربة دين الله والآمنين، فقد فرض عليه صلى الله عليه وسلم طوال قيادته للدولة الإسلامية اثنان وثمانون تحركا عسكريا، لم ينشب القتال في ستين منها، وخمس تحركات لم يقتل غير المسلمين، ومجموع القتلى والشهداء من الفريقين 1004 أشخاص منهم 252 شهيدا مسلما والباقي من المشركين.

هذه الأرقام ليست من الفظاعة حتى تجبر العالم بأسره أن يخشى من الإسلام ويدخل فيه خوفا من السيف، بل إن عدد قتلى حوادث السيارات في عام واحد في أي مدينة كبيرة يفوق هذا العدد.

وذلك يؤكد أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن الخيار الأول عنده القتال، وكان يبتعد عن القتال قدر استطاعته حتى لا يجد من القتال بدا بأن يدافع عن نفسه وينصر المظلومين وينشر الإسلام.

وقد أنتجت هذه الحروب نحو ستة آلاف وخمسمائة أسير عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ستة آلاف وثلاثمائة أسير، ولم يأسر ويستمر الأسر إلا على مائتين، فكانت حروبه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وهو سيد ولد آدم ولا فخر.

وبذلك الخلق وتلك الأرقام يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نجاهد جهاد النبلاء، كيف نكون أتقياء مراقبين لله حتى في ظل احتدام المعركة، كيف نذكر الله في كل وقت وخاصة في وقت الجهاد، وقد اكتنف جهاده صلى الله عليه وسلم حقائق كثيرة ينبغي أن يعلمها المسلمون، فمن كان يجاهد؟ وكيف كان تواضعه ولجوءه إلى ربه في أصعب الأوقات؟ وكيف صار أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ بعده على هديه في الجهاد؟

وقد واصل الصحابة الكرام مسيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم في نشر الإسلام، والدعوة إلى الله على بصيرة، وبالحكمة والموعظة الحسنة، وكانوا لا يلجئون إلى القتال إلا إذا فرض عليهم من قوى العالم المتجبرة.

فلم ينشر المسلمون دينهم بالسيف، وقد شهد بذلك المنصفون من أبناء الحضارة الغربية، فهذا المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب) - وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام في عهده صلى الله عليه وسلم وفي عصور الفتوحات من بعده -: «قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة...، ولم ينتشر القرآن إذن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل ما زاد عدد المسلمين على خمسين مليون نفس فيها»([4]).

ونسجل شهادة الكاتب الغربي الذي يدعى (توماس كارليل)، حيث قال في كتابه «الأبطال وعبادة البطولة» ما ترجمته: «إن اتهامه ـ أي سيدنا محمد ـ بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم ؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا آمن به من  يقدرون على حرب خصومهم ، فقد آمنوا به طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها»([5]).

إن من يقرأ التاريخ ويلاحظ انتشار الإسلام على مر العصور يعلم أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، بل انتشر بطريقة طبيعية لا دخل للسيف ولا القهر فيها، وإنما بإقامة الصلات بين المسلمين وغيرهم وعن طريق الهجرة المنتظمة من داخل الحجاز إلى أنحاء الأرض.

وهناك حقائق حول هذا الانتشار حيث يتبين الآتي:

في المائة العام الأولى من الهجرة: كانت نسبة انتشار الإسلام في غير الجزيرة كالآتي:  ففي فارس (إيران) كانت نسبة المسلمين فيها هي 5%، وفي العراق 3%، وفي سورية 2%، وفي مصر 2%، وفي الأندلس أقل من 1%.

أما السنوات التي وصلت النسبة المسلمين فيها إلى 25% من السكان فهي كالآتي:-

إيران سنة 185 هـ، والعراق سنة 225 هـ، وسورية 275 هـ، ومصر 275 هـ، والأندلس سنة 295هـ.

والسنوات التي وصلت نسبتهم فيها إلى 50% من السكان كانت كالآتي:

بلاد فارس 235 هـ، والعراق 280 هـ، وسورية 330 هـ، ومصر 330هـ، والأندلس 355 هـ.

أما السنوات التي وصلت نسبة المسلمين فيها إلى 75% من السكان كانت كالآتي:

بلاد فارس 280 هـ، والعراق 320 هـ، وسورية 385 هـ، ومصر 385 هـ، والأندلس سنة 400 هـ.

من يعلم هذه الحقائق ويعلم أن من خصائص انتشار الإسلام:

  • 1- عدم إبادة الشعوب.
  • 2- الإبقاء على التعددية الدينية من يهود ونصارى ومجوس؛ حيث نجد الهندوكية على ما هي عليه وأديان جنوب شرق آسيا كذلك.
  • 3- إقرار الحرية الفكرية، فلم يعهد أنهم نصبوا محاكم تفتيش لأي من أصحاب الآراء المخالفة.
  • 4- ظل إقليم الحجاز مصدر الدعوة الإسلامية فقيرًا حتى اكتشاف البترول في العصر الحديث.

كل هذه الحقائق وغيرها، تجعلنا نتأكد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل، وهو الرسول الخاتم الذي علم البشرية بأسرها فضائل الأخلاق، والتسامح، والنبل، والشجاعة، وعلى دربه سار أصحابه، والتابعون من بعدهم، وضرب المسلمون أروع الأمثلة للأخلاق، وانبهر العالم من حولهم بهذه الأخلاق النبوية التي توارثوها جيلاً بعد جيل.

ثامنا : «كمال أسوته»

فقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أسوة لكل أحد مع اختلاف مشاربهم وأوضاعهم وأحوالهم ودرجاتهم وأعمالهم وتخصصاتهم، ولم يكن نبي قط على هذا الحال إلا سيد الخلق، فقد اشتغل بالرعي، والتجارة، والعبادة، والقيادة، والتدريس، والقضاء، وكان من الأغنياء ومن الفقراء، وكان أبا وزوجا وجارا وصديقا، وتزوج امرأة واحدة، ورأى أحفاده فكان جدا، وتزوج أكثر من امرأة معا، فكانت له الأسرة المستقلة، وكانت له حالة التعدد، وكان محاربا ومعاهدا ومفاوضا ومناظرا ورجل سلام، وعاش في دار الكفر، وعاش في دار الإيمان، وهاجر، ولو جلسنا نعدد نواحيه كلها ما استطعنا.

ولكنه كان بالجملة مثالا لكل أحد فيجد كل واحد ممن أراد أن يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في حال من الأحوال، أو في شأن من الشئون رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامه بسيرته العطرة وإرشاده المستقيم مثالا يحتذى وأسوة حسنة متبعة.

تاسعا : «شفافيته» :

وكان سيد الخلق ظاهره كباطنه، وهو أمر لم نعهده فيما رأيناه من البشر، ولم نعهده كلنا في أنفسنا، بل إن الإنسان يحب أن تكون له خصوصية لا يطلع عليها أحد، ولكنه صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن تعرفه، وقال : «بلغوا عني ولو آية» وتزوج من تسع نسوة حتى ينقلن بثقة وأمانة حياته الخاصة، فلم تتبرم واحدة قط، ولم ترو واحدة ما يشين في سره وخصوصيته، كما أنه صلى الله عليه وسلم، قد آمن به من عرفه لا من لم يعرفه، وهو عكس ما كان عليه الأنبياء من أنهم قد آمن بهم من لم يعرفهم، وكان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم دافعوا عنه وفادوه بأنفسهم، وأصحاب الأنبياء فروا منهم وتفرقوا حين اللقاء.

وبذلك نقلت حياة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بكل تفاصيلها وروى عنه أحاديثه أكثر من ألف وسبعمائة 1700 شخص عاش كثير منهم ليروي مقولة واحدة، وتحت يدينا صورة واضحة بكل العلاقات في حين أن بوذا وكنفشيوس وسيدنا موسى وعيسى -عليهما السلام- لا نعرف عن سيرتهم شيئًا، وأصحابهما -عليهما السلام- نعرف العدد القليل جدا منهم بأسمائهم دون سيرتهم، في حين أن المجلدات قد نقلت في سيرة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ونقلت ترجمة نحو عشرة آلاف صحابي، ولم يحدث هذا في تاريخ البشر.

فكانت حياة محمد عمارا وتعميرا، وكانت حياة غيره مجملة لا تصلح لأن تكون محلا للدرس واستخراج الأسوة للعالمين.

لقد طبق النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر به من ربه على أكمل وجه، وهذا في حد ذاته معجزة، حيث لم يختلف أول أمره عن آخره، فارس معلم بالنهار، عابد قائم بالليل. (يتبع)

 

 

 

([1]) رواه أحمد في مسنده، ج4 ص 130، وابن أيوب الطبراني في مسند الشاميين، ج2 ص 137، والمروزي في السنة، ج1 ص 71.

([2]) رواه أحمد في مسنده، ج4 ص 130، وأبو داود في سننه، ج3 ص 170، والترمذي في سننه، ج5 ص 38، وابن ماجة في سننه، ج1 ص 9، وابن حبان في صحيحه، ج1 ص 188، والحاكم في المستدرك، ج1 ص 190، واللفظ للترمذي.

([3]) رواه أبو داود في مراسيله، ج1 ص 361، المروزي في سنته، ج1 ص 33، وابن المبارك في الزهد، ج1 ص 23.

([4]) غوستاف لوبون حضارة العرب ص 128 ، 129 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب.

([5]) حقائق الإسلام وأباطيل خصومه للعقاد صـ166 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب..

عدد الزيارات 6058 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)