طباعة

من خصائص النبي الأعظم 3

السبت, 27 كانون1/ديسمبر 2014     كتبه 

        مازلنا في ذكر خصائص النبي الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا في المقال السابق حفظ سنته وسيرته صلى الله عليه وسلم، وحفظ أمته من عبادته، ونزاهة جهاده وجهاد أمته، وكمال أسوته صلى الله عليه وسلم، وشفافيته.

        وفي هذه المرة نكمل الحديث عن هذه باقي الخصائص.

عاشرا  : «صدقه في ختم النبوة به» :

        حيث قال ربنا : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب :40]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا نبي بعدي». فلم يأت نبي بعده صلى الله عليه وسلم، وكل من ادعى النبوة كذبا انتهى أمره، ولم يتبعه أحد، وذهب ذكره في التاريخ، أما المصطفى صلى الله عليه وسلم فله أمة هي أعلى وأكثر أهل الأديان تبعا.

        وابتلى الله بعض الكذابين ممن ادعى النبوة أولا بدعوى الألوهية أخيرًا، فخرجوا عن المعقول والمنقول، ولم تنتشر أديانهم انتشار الإسلام.

الحادي عشر : «أمته أمة التوحيد» :

        فهي الأمة التي تعبد ربا واحدا، والتي لها نبي واحد، والتي لها كتاب واحد، ولها قبلة واحدة، وتصوم شهرا واحدا، وترى الدنيا والآخرة حياة واحدة، وهي الأمة الوحيدة التي تسجد لربها في صلاتها، والأمة الوحيدة التي تصلي كل يوم خمس مرات بهذه الكيفية تطهر قبل الصلاة، وتستقبل قبلة واحدة، وترتبط الصلاة بمواقيت، ولها شروط وأركان، وهي الأمة الوحيدة التي فيها الصلاة شخصية تتعلق بذمة كل مسلم ومسلمة، لا يشترط فيها إلا العقل (فلا تفرض على الصبي وإن صحت منه، ولا تفرض على المجنون، ولا تفرض على النائم وإن طولب بها في الجملة).

وهي الأمة الوحيدة التي عندها تفاصيل العلاقة بين الإنسان وربه، فسرها الفقهاء في باب العبادات، وعندها تفاصيل شعب الإيمان، وعندها تفاصيل التشريع في العلاقة بين الإنسان وربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين كونه، وبينه وبين الناس أجمعين. وهي الوحيدة التي عندها تفاصيل عالم الغيب، وتفاصيل مشاهد القيامة والجنة والنار، حتى إنها تفاصيل من يقف في ظل عرش الرحمن يوم القيامة، وعندها سند التوثيق المستمر في نقل الدين من جيل إلى جيل، حتى إن كل النقلة عبر العصور قد سجلوا بأسمائهم وأوصافهم وهو ما لا وجود لهم في البشرية أبدا. فعندها البركة الموروثة.

 

الثاني عشر : «عالمية الإسلام» :

        دعا محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى عالمية الإسلام، قال تعالى : ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [يوسف :104]. وقال تعالى : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء :107]. في حين أن كل نبي جاء لم يدع إلى العالمية، بل دعا إليها من جاء بعده، وهذه العالمية أيدت في القرآن، فنص فيه على أنه محفوظ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر :9].  وأنه الختام ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب :40]. وأن الدين قد كمل : ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة :3].  ولذا تراه قد اعترف بجميع الأنبياء من قبله، وجعل الإيمان بهم ركن الإيمان بالإسلام، وخاطب الناس أجمعين، فقال : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف :158]. وقال : ﴿يَا بَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف :26]

وهناك العديد من الخصائص والمعجزات اختص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها تقدم نبوته وآدم منجدل في طينته، وكتابة اسمه الشريف على العرش وكل سماء والجنان وما فيها وسائر ما في الملكوت، وذكر الملائكة له في كل ساعة، وذكر اسمه في نداء صلاة شريعته، والتبشير به في كل الكتب السابقة ونعته فيها ونعت أصحابه وأمته.

وحجب إبليس من السماوات لمولده صلى الله عليه وسلم ، وشق صدره وجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه، وبأنه سمي أحمد ولم يسم به أحد قبله، وبأنه أوتي كل الحسن ولم يؤت سيدنا يوسف عليه السلام إلا الشطر،كما اختص الله نبيه صلى الله عليه وسلم  برؤيته جبريل على صورته التي خلق عليها، وبانقطاع الكهانة لمبعثه وحراسة السماء، وبالإسراء وما تضمنه من اختراق السماوات السبع والقرب إلى قاب قوسين وبوطئه مكانا ما وطئه نبي مرسل ولا ملك مقرب وإحياء الأنبياء له وصلاته بهم والملائكة، وباطلاعه إلى الجنة والنار ورؤيته للباري تعالى مرتين، وقتال الملائكة معه، كما اختص الله نبيه صلى الله عليه وسلم  بأن لا يكون لأحد عليه فضل في تعليمه الكتابة والقراءة، فأتاه الكتاب وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب.

وكما جعل الله له صلى الله عليه وسلم  معجزات في الدنيا عديدة منها بأنه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه، ويرى في الليل والظلمة كما يرى بالنهار والضوء، وبأن ريقه يعذب بالماء الملح، ويغذي الرضيع، وعرقه أبيض من المسك، وإبطه أبيض غير متغير اللون لا شعر عليه، وما تثاءب قط ولا احتلم قط، ولم ير له ظل في شمس ولا قمر، وكانت الأرض تطوى له إذا مشى، وأعطى قوة أربعين رجلا ،ومن رآه في المنام فقد رآه حقا فإن الشيطان لا يتمثل بصورته .

أما ما اختص الله به نبيه صلى الله عليه وسلم  في الآخرة فخصال كثيرة نذكر منها أنه صلى الله عليه وسلم  أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يفيق من الصعقة، وبأنه يحشر في سبعين ألف ملك، ويحشر على البراق، ويؤذن باسمه في الموقف ، ويكسى في الموقف أعظم الحلل من الجنة، وبأنه يقوم عن يمين العرش وبالمقام المحمود، وأن بيده لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت لوائه، وأنه إمام النبيين يومئذ وقائدهم وخطيبهم، وأول من يؤذن له بالسجود، وأول من يرفع رأيه، وأول من ينظر إلى الله تعالى.

وهو كذلك أول شافع وأول مشفع وبالشفاعة العظمى في فصل القضاء، وبالشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وبالشفاعة فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وبالشفاعة في رفع الدرجات ناس في الجنة، وبالشفاعة فيمن خلد في النار من الكفار أن يخفف عنهم، وبالشفاعة في أطفال المشركين أن لا يعذبوا، وأنه أول من يجوز على الصراط، وأنه أول من يقرع أبواب الجنة ، وأول من يدخلها ، وبعده أمته وبالكوثر والوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة, وقوائم منبره ذوائب الجنة، ومنبره على ترعة من ترع الجنة، وما بين قبره ومنبره روضة من رياض الجنة.

جمال صورته :

وكان صلى الله عليه وسلم جميل الصورة حسن الهيئة، ولرؤية هذا الجمال النبوي أثر كبير في ارتقاء الناس في الدنيا والآخرة، فبرؤيته يرقي العبد في مراقي العبودية إلى الله مدارج لا يعلمها إلا الله، ومن هذا ما أجمع عليه المسلمون من أنه لا يسمى الصحابي بهذا الاسم إلا بلقاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم  واجتماعه بجسده الشريف، وإن كان معه في عصره فقط لا يعتبر صحابي.

فقد ارتفع الصحابة منزلة على رؤوس العالمين بسبب اجتماعهم به صلى الله عليه وسلم  ورؤيتهم له صلى الله عليه وسلم والنظر إليه، وكذلك كانت رؤية صورته الشريفة في المنام من أكبر منن الله على المسلم الصادق إذ يقول صلى الله عليه وسلم  : « من رآني في المنام فقد رآني » [رواه البخاري ومسلم].

وقد تعجب أصحابه من جماله ومدحوا ذلك الجمال فيه صلى الله عليه وسلم  فقد قال حسان بن ثابت :

وأجمل منك لم تر قط عيني
0

 

وأكمل منك لم تلد النساء
0

خلقت مبرءا من كل عيب
0

 

كأنك قد خلقت كما تشاء
0

فكان هذا الجمال المغطى بالجلال، والمكسو بجميل الخصال وحميد الخلال سببا في دخول الإيمان قلب كل صادق غير متبع لهوى بمجرد مواجهته الشريفة صلى الله عليه وسلم.

وكان أصحابه يعظمونه ويهابونه ويقومون لهذا الجمال والجلال تأدبًا منهم، وعجز عن ترك القيام رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم  نهاهم عن ذلك القيام [رواه أبو داود في سننه]  لشدة جماله وبهائه صلى الله عليه وسلم  فقال حسان :

قيامي للحبيب علي فرض

 

وترك الفرض ما هو مستقيم

عجبت لمن له عقل وفهم

 

ويرى ذاك الجمال ولا يقوم

ورؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم  تحتاج إلى تصوره وتخيله، وهذا لا يكون إلا إذا علمت أوصافه وشمائله، ولم يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم  كثيرون لما كان يعلوه صلى الله عليه وسلم  من الجلال فكانوا لا يستطيعون النظر إلى وجه الكريم، فقد وصفته أم معبد، وهند بن أبي هالة، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأما حديث أم مبعد فتقول:

«رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه (مشرق الوجه) لم تبعه نحلة (نحول الجسم) ولم تزر به صعلة (والصعلة صغر الرأس، وخفة البدن ونحوله)، وسيم قسيم (حسن وضئ) في عينيه دعج (شدة السواد)، وفي أشفاره وطف (طويل شعر الأجفان)، وفي صوته صهل (بحة وحسن)، وفي عنقه سطع (طول)، وفي لحيته كثاثة (كثافة الشعر)، أزج أقرن (حاجباه طويلان ورقيقان ومتصلان)، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأجلاهم وأحسنهم من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر (كلامه بين وسط ليس بالقليل ولا بالكثير)، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر (ربعة ليس بالطويل البائن، ولا القصير)، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محشود محفود (عنده جماعة من أصحابه يطيعونه)، لا عابس ولا مفند (غير عابس الوجه، وكلامه خال من الخرافة)» [رواه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك].

 

هذه عظمة النبي صلى الله عليه وسلم وأسباب انبهار العالم به في كل العصور ، فهذه بعض الخصائص التي دل عليها الواقع والتاريخ، وستبقى، وكذلك خصائصه وفضائله التي كانت مقارنة لذاته الشريفة، وأوصافه الحميدة.

كانت هذه لمحة من سمات الرسول المعلم، وكيف كان حاله وهو يجاهد باللسان والسنان في سبيل إعلاء كلمة الله، ولإتمام رسالة رب العالمين، ولم تكن حضارة المسلمين تراثاً مكتوباً فحسب، بل كانت واقعًا عاشه المسلمون وعاشه معهم أنصارهم وأعداؤهم وسجلته كتب التاريخ.

وينبغي علينا أن نتعلم من رسولنا كل الأخلاق الفاضلة، والسلوك القويم؛ حتى نواجه العالم بحضارتنا المتجددة دائما، ولا نتبع أذناب الحضارات التي نحت الأخلاق بعيدا عن واقعها المعيش؛ فأمة الإسلام هي الأمة الشاهدة، وهي الأمة التي تحملت تكاليف الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فسد المسلمون وتركوا ما كلفهم الله به من مهام لإصلاح الأرض فسدت الأرض، فلننظر كيف عرف المسلمون وظيفتهم في الصدر الأول للإسلام، حيث قال ربعي بن عامر رضي الله عنه  لرستم قائد الفرس عندما سأله: ما أنتم ؟ فأجابه بقوله: (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).

فهذه هي رسالة المسلمين، ورسالة كل مسلم أن يكون كذلك الصحابي الجليل، رزقنا الله اقتفاء أثر نبينا رسولنا المعلم صلى الله عليه وسلم.

عدد الزيارات 6037 مرة
قيم الموضوع
(2 أصوات)