طباعة

سماع الغناء

الإثنين, 21 تموز/يوليو 2014     كتبه 

سماع الغناء

الغَناء بالفتح والمد : النفع، وبالكسر والمد : السَّماع، وبالكسر والقصر : اليسار، تقول منه : غَنِي بالكسر غِنىً، فهو غَنِيٌّ و تَغَنَّى أيضًا، أي اسْتَغْنَى، و تَغانَوْا : استغنى بعضهم عن بعض، و المَغْنَى مقصور، واحد المَغَانِي، وهي المواضع التي كان بها أهلوها، ويقال: غَنَّى فلانٌ يُغَنِّي أُغْنِيَّة، و تَغَنَّى بأُغْنِيَّة حَسَنة، وجمعها الأَغاني ([1]).

والمراد هنا الذي هو مد الصوت بالكلام، والغناء بدون موسيقى لا شيء فيه طالما أن كلامه في إطار الشرع، ويستحب إن كان كلام الغناء في إطار الثناء على الله تعالى، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو للحماسة والشجاعة، وحب الأوطان، وما عدا ذلك فيكون من قبيل المباح طالما أن كلاماته لا تتنافى مع الشرع ولا تعارضه.

والغناء في بعض الأوقات أمرًا متعارفا عليه بين المسلمين، وذلك في المناسبات السارة؛ لإشاعة السرور، وترويح النفوس ،وذلك كـ : أيام العيد، والعرس، وقدوم الغائب، وفي وقت الوليمة، والعقيقة، وعند ولادة المولود.

ودل على هذا الإباحة أدلة كثيرة من السنة النبوية الصحيحة نذكر منها التالي :

تروي السيدة عائشة رضي الله عنها : أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو»([2]).

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : زوجت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أهديتم الفتاة؟» قالوا : نعم. قال : «أرسلتم معها من يغني؟» قالت : لا .فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو بعثتم معها من يقول : أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم»([3]).

وعن عائشة ؛أن أبا بكر رضي الله عنه دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى ـ في عيد الأضحى ـ تغنيان وتضربان، والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه، وقال : «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد»([4]).

وعن عائشة رضي الله عنها أيضًا قالت : كان في حجري جارية من الأنصار، فزوجتها، قالت : فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرسها، فلم يسمع غناء، ولا لعبًا، فقال : «يا عائشة هل غنيتم عليها، أو لا تغنون عليها؟» ،ثم قال : « إن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء »([5]).

            وعن عامر بن سعد أنه قال : كنت مع ثابت بن وديعة، وقرظة بن كعب رضي الله عنه في عرس غناء، فسمعت صوتًا، فقلت : ألا تسمعان؟ فقالا : إنه رخص في الغناء في العرس ([6]).

وعن أم سلمة قالت: دخلت علينا جارية لحسان بن ثابت ـ يوم فطر ـ ناشرة شعرها، معها دف، تغني ،فزجرتها أم سلمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعيها يا أم سلمة، فإن لكل قوم عيدًا ،وهذا يوم عيدنا»([7]).

وعن رُبيع بنت معوذ بن عفراء قالت : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخل علي صبيحة بني بي، فجلس على فراشي كمجلسك مني([8])، فجعلت جويريات يضربن بدف لهن، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر ،إلى أن قالت إحداهن : وفينا نبي يعلم ما في الغد، فقال : «دعي هذه، وقولي الذي كنت تقولين»([9]).

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا، فسمعنا لغطًا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا حبشية تزف والصبيان حولها، فقال : يا عائشة تعالي فانظري. فجئت فوضعت ذقني على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: «أما شبعت؟» فجعلت أقول : لا ؛لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر فأرفض الناسَ عنها([10])، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر» قالت : فرجعت([11]).

ومما ورد عن الصحابة أيضًا ما رواه زيد بن أسلم، عن أبيه : سمع عمر رجلاً يتغنى بفلاة من الأرض، فقال : الغناء من زاد الراكب ([12])

وهناك من ذهب إلى حرمة الغناء بدون آلات العزف، ولكن الدليل لا يسعفهم بهذا، فقد قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب [الأحكام] : «لم يصح في التحريم شيء» ،وكذا قال الغزالي، وابن النحوي في [العمدة]، وقال ابن طاهر : «لم يصح منها حرف واحد» ،وقال ابن حزم : «كل ما رُوي فيها باطل وموضوع»([13]).

لا شيء في الغناء إلا أنه من طيبات الدنيا التي تستلذها الأنفس، وتستطيبها العقول، وتستحسنها الِفطَر، وتشتهيها الأسماع، فهو لذة الأذن، كما أن الطعام الهنيء لذة المعدة، والمنظر الجميل لذة العين، والرائحة الذكية لذة الشم.

والإسلام دين الجمال، ودين الطمأنينة، ولم يبق في الإسلام شيء طيب، أي تستطيبه الأنفس والعقول السليمة إلا أحله الله، رحمة بهذه الأمة ؛لعموم رسالتها وخلودها. قال سبحانه تعالي : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4] ، ولم يبح الله لواحد من الناس أن يحرم على نفسه أو على غيره شيئًا من الطيبات مما رزق الله، مهما يكن صلاح نيته أو ابتغاء وجه الله فيه، فإن التحليل والتحريم من سلطة الله وحده، وليس من شأن عباده، قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59].

ولو تأملنا لوجدنا حب الغناء، والطرب للصوت الحسن يكاد يكون غريزة إنسانية وفطرة بشرية، حتى إننا لنشاهد الصبي الرضيع في مهده يسكته الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه؛ ولذا تعودت الأمهات والمرضعات والمربيات الغناء للأطفال منذ زمن قديم، بل إن الطيور والبهائم تتأثر بحسن الصوت والنغمات الموزونة حتى قال الغزالي : « من لم يحركه السماع فهو ناقص مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال والطيور وجميع البهائم، إذ الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرًا يستخف معه الأحمال الثقيلة، ويستقصر - لقوة نشاطه في سماعه- المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه. فتري الإبل إذا سمعت الحادي تمد أعناقها، وتصغي إليه ناصبة آذانها، وتسرع في سيرها، حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها »([14]).

ومما سبق يتضح لنا أن الغناء لا يحرم إلا إذا اشتمل على كلمات تخالف الشرع، ويباح عندئذ، ويستحب إذا اشتمل على الثناء على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم والإسلام، وللحماسة وحب الأوطان، والله تعالى أعلى وأعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) لسان العرب، ج 1 ص 220.

([2]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج 5 ص 1980.

([3]) رواه ابن ماجه في سننه، ج1 ص 612 ،ورواه أحمد في مسنده، ج 3 ص391 ،ولكن رواه من حديث جابر، وكذلك رواه

النسائي في سننه، ج3 ص332 ،ورواه الطبراني في الأوسط، ج3 ص315.

([4]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج1 ص335 ،ومسلم في صحيحه، ج2 ص 608 ،وابن حبان في صحيحه، ج13 ص177، والبيهقي في سننه الكبرى، ج7 ص 92.

([5]) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ج13 ص185.

([6]) رواه الحاكم في المستدرك، ج2 ص201 ،وقال : إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وابن أبي شيبة في مصنفه ، ج3

ص496 ،ولفظة غناء لأبي شيبة، وحديث الحاكم في عرس فقط دون غناء.

([7]) أخرجه الطبراني في الكبير، ج23 ص264 ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، ج2 ص206، وقال : وفيه الوازع بن نافع ، وهو

متروك .

([8]) أي خالد بن ذكوان، وهو الذي يروي الحديث عنها.

([9]) أخرجه البخاري في صحيحه، ج4 ص 1469، وأبو داود في سننه ، ج 4، صـ 281، طـ دار الفكر، والترمذي في سننه، ج3

ص 399، وابن ماجه في سننه، ج1، صـ 611، واللفظ لأبي داود.

([10]) فأرفض الناسَ عنها : أي فرقوهم عنها .انظر : لسان العرب،ج7 ص157 .

([11]) رواه النسائي في سننه، ج5 ص309.

([12]) رواه البيهقي في سننه الكبرى، ج5 ص 68.

([13]) المحلي، لابن حزم، ج9 ص60.

([14]) الإحياء ،كتاب السماع، ص1152، 1153.

عدد الزيارات 9021 مرة
قيم الموضوع
(1 تصويت)