الثلاثاء, 09 آب/أغسطس 2016 20:36

أودعتُ مبلغًا من المال في البنك لتأدِية فريضة الحجِّ هذا العام وعند سحبِ المبلغِ وما أُضيفَ إليه مِن أرباحٍ، أبلَغَنِي مشايخُ القريةِ بأنَّ هذا المَبلَغَ لا يَصلُحُ للحجِّ وأنَّه ربا، فما الحكمِ الشرعيِّ في ذلك؟

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 اختلفَ الفُقَهاءُ مُنذُ ظُهورِ البُنُوكِ في العَصرِ الحديثِ في تَصوِيرِ شأنِها طِبقًا لاختلافِ أهل القانون والاقتصاد في ذلك التصوير فيما إذا كانت العلاقة بين العملاء والبنك هي علاقةُ القَرضِ كما ذَهَبَ إليه القانونيُّون، أو هي علاقة الاستثمار كما ذهب إليه الاقتصاديون. والاختلافُ في التَّصوِيرِ يُبنى عليه اختلافٌ في تَكيِيفِ الواقِعة؛ حيثُ إنَّ مَن كيَّفَها قَرضًا عَدَّه عقدَ قَرضٍ جَرَّ نَفعًا، فكان الحكمُ بِناءً على ذلك أنَّه مِنَ الرِّبا المُحَرَّمِ.

ثُمَّ اختَلَفَتِ الفتوى: فرأى بعضُهم أنَّ هذا مِن قبيل الضَّرُوراتِ التي يجوزُ للمسلمِ عند الاضطِرارِ إليها أن يفعلَها بِناءً على قاعدةِ "الضروراتُ تُبِيحُ المحظوراتِ"؛ أَخذًا مِن عُمُومِ قـوله تعالي: ] فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [ (البقرة:173).

ورأى بعضُهم أنَّه ليس مِن بابِ الضَّرُورة؛ حيثُ إنَّ الضرورةَ تُعَرَّفُ شَرعًا بأنَّها حالة إذا لم يتناول الإنسانُ فيها المُحَرَّمَ هَلَكَ أو قارَبَ على الهلاكِ، وبعضُ هؤلاءِ رأي الجوازَ مِن قاعدةِ "الحاجة تَنـزِلُ مَنـزِلة الضرورة، عامّة كانت أو خاصّة".

وأمّا مَن سَلَكَ في التَّكيِيفِ مَسلَكَ الاستثمار: فبعضُهم عَدَّها مِن قَبِيلِ المُضارَبة الفاسِدة التي يُمكِنُ أن تُصَحَّحَ بإجارة، وبعضُهم ذهبَ إلى أنَّها مُعامَلة جديدةٌ وعَقدٌ جديدٌ غيرُ مُسَمًّى في الفقه الإسلامي الموروث فاجتهدَ فيه اجتهادًا جديدًا كما اجتهدَ فقهاءُ سَمَرقَندَ في عقدِ بيعِ الوفاءِ باعتباره عقدًا جديدًا، وكما اجتَهَدَ شيخ الإسلام أبو السعود في عقد المُعامَلة وحَكَمَ بحِلِّها كما حَكَمَ الأوَّلُونَ بحِلّ الوفاءِ؛ وذلك لمراعاةِ مصالحِ الناس، ولشدّة الحاجةِ إليها، ولاستقامةِ أحوالِ السُّوقِ بها، ولتَرَتُّبِ مَعاشِ الخَلقِ عليها، ولمُناسَبَتِها لمُقتَضَياتِ العَصرِ مِن تَطَوُّرِ المواصلات والاتصالات والتقنياتِ الحديثة وزيادة السكان وضَعفِ الرَّوابِطِ الاجتماعيّة وتَطَوُّرِ علومِ المُحاسَبة وإمساكِ الدفاترِ واستقلالِ الشخصيّة الاعتِبارِيّة عن الشخصيّة الطبعيّة، وغيرِ ذلك كثير.

فالحاصل: أنَّ الخلافَ قد وَقَعَ في تَصَوُّرِ مسألةِ التَّعامُلِ في البُنُوكِ، ومع البنوكِ، وفي تَكيِيفِها، وفي الحُكمِ عليها، وفي الإفتاءِ بشأنِها.

ومن القواعدُ المقرَّرة شرعًا:

أولاً- أنَّه إنَّما يُنكَرُ تَركُ المتفقِ على فعلِه أو فعلِ المُتَّفَقِ على حُرمَتِه، ولا يُنكَرُ المُختَلَفُ فيه.

ثانيًا- أنَّ الخروجَ من الخلافِ مُستَحَبٌّ.

ثالثًا- أنَّه مَنِ ابتُلِيَ بشيءٍ مِنَ المُختَلَفِ فيه فليُقَلِّد مَن أَجازَ.

وفي واقعةٍ السؤال، فإنَّه بناءً على ما سبقَ نقول: يجوز للسّائِلِ أن يَتَصَرَّفَ في هذا المالِ بكُلِّ أنواعِ التَّصَرُّفِ، وله أن يحُجَّ مِن هذا المالِ وحجُّه صحيحٌ ولا وِزرَ عليه.

عدد الزيارات 2262 مرة

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة