الثلاثاء, 22 تموز/يوليو 2014 00:00

الكامن في الحضارة الإسلامية

كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

الكامن وراء الحضارة الإسلامية

نريد معرفة الكامن ورائها. فما هي هذه العلامات وهذه العناصر التي أدت بنا لأن نصف الإسلام بأنه حضارة قد شاعت في الأرض وذاعت وعلمت البشرية من طنجة إلى جاكارتا ومن غانا إلى فرغانة.

ما الذي وراء هذه المظاهر وهذه العناصر وعلام تدل ؟ ما الذي كان يقوم في قلب ذلك المسلم الذي قام بهذه الحضارة ؟

إن الحضارة الإسلامية مركبة قد ننظر فيها في التاريخ أو في الفنون أو في الآداب أو في العلوم أو في الحياة أو في غير ذلك من المجالات فنرى أنها تمثل حضارة.

لو تأملنا في التاريخ لوجدناها أمةً فريدةً من نوعها، دخلت البلاد وانسالت في الأرض يمينًا وشمالاً حتى وصلت إلى الأندلس وإلى الصين والهند، لكنها لم تقع في جريمة الاستعمار وجريمة الاستعمار تتمثل في احتلال البلاد ثم أخذ مواردها إلى البلاد الأصلية لنبنى بها بلادنا ونترك هذه البلاد  المحتلة فقيرة مثل ما فعل فينا الإنجليز والفرنسيون والبولنديون والبرتغال والأسبان، ذهبوا إلى الدنيا وفتشوا عن ثرواتها وأخذوها وحملوها إلى بلادهم وبنوا المدن الفوقية والتحتية وعاشوا في رفاهة وتركوا تلك البلاد في غاية الفقر والتفكك والمجاعة في آسيا وفي إفريقيا وفي كل العالم.

لم يفعل المسلمون ذلك وظل الحجاز أفقر بلاد الله على وجه البسيطة حتى تفجَر البترول في هذه البلاد.  لم يخرج المسلمون ويحملون كنوز مصر والشام ويحملونها إلى الحجاز من أجل أن يصبح العرب أغنياء العالم والعالم فقراء..أبدًا.

التاريخ يبين لنا أننا لم نبد أبدًا شعوبًا، فمازالت الهندوكية في الهند إلى الآن بعد سيطرة المسلمين عليها إلى سنة 1936 آخر سلطان مسلم السلطان محمود في حيدر آباد كان موجودًا وانتهى ملكة 1936 يعنى من 70 سنة فقط كان المسلمون يسيطرون على الهند، وبالرغم من ذلك فإن الهنادكة الذين يقدسون البقر مازالوا يعيشون إلى يومنا هذا بل هم الأغلبية في هذه البلاد.

ومازال أهل الأديان طرًا من مجوس ومن مسيحيين ومن يهود ومن غيرهم يعيشون في أوساط بلادنا إلى يومنا هذا.  لم يتجرأ المسلمون أن يبيدوا سكان هذه البلاد إبادات جماعية كما حصل في الهنود الحمر ولا كما حصل في أستراليا ولا كما حصل في تسمانيا وآخر امرأة ماتت في تسمانيا 1830، كانت آ خر امرأة ماتت من السكان الأصليين.

لم يعطوهم [البطاطين] التي فيها ميكروب الجدري حتى يموت من مات في قصة الجذور كما جاءت.

لم يتصور المسلمون أبدًا أن يستعبدوا الناس بل ليست هناك أمة صيرت عبيدها حكامها سوى المسلمين، المسلمون فقط.  في تاريخهم فترة تسمى بفترة المماليك، تولى العبد الحكم، لم يعذب مثل ما عذب صاحب الجذور، والجذور رواية أمريكية تشرح كيف استعبد الزنوج في أمريكا بأبشع الصور حتى صارت التفرقة العنصرية صارت سبة في تاريخ هؤلاء الناس.  لم يكن عندنا هذه السبة بل إننا لم نكرم العبيد فقط ونحسن إليهم...لا... لأن كانت لديهم كفاءات من تعلم اللغات، من القدرة على القتال، من إدارة الشئون فعّيناهم حكامًا لنا.  إذن هذا أمر لا يصدق، أن يصل الحال بالحضارة إلى هذا المستوى.  لو تأملنا لما وجدنا أمة في الأرض فعلت ذلك .

هذا التاريخ الذي نرى فيه أكثر من 90 امرأة قد وصلن إلى الشأن العام إن صح التعبير.  (شجر) تولت الحكم،  (ثمل) تولت القضاء،  ونرى فرنسا لم يتولَ شأنها إلى الآن امرأة والأمر منفتح الدستور يجيز إلا أنه لم يتولَ الحكم في أمريكا وإلى الآن لا امرأة ولا أسود وهكذا.

ليست هناك تفرقة عنصرية في ديننا، ليست هناك تفرقة عنصرية، فلم يدخل في تاريخنا هذا ثم تبنا عنه أو رجعنا أو كذا. إلى آخره، تاريخ نظيف يمثل حضارة نظيفة

رأينا الفنون والآداب، رأينا إبداعات، إذا ما توغّلنا في الحضارة الفرعونية وتوغلنا في الحضارة الرومانية واليونانية والإغريقية وجدنا لها نمطًا ولكن الحضارة الإسلامية لها نمط آخر في الفنون تمثل في استعمال الأشكال الهندسية، تمثل في تكرار الوحدات بصورة مطلقة، تمثل في استعمال محاكاة الخلق كرسم الشمس وكرسم القمر ورسم السحاب ورسم النباتات والفاكهة والثمار والبحار والأشجار، تمثل في استعمال الخط العربي كنوع من أنواع الزخرفة الراقية التي تتسق مع الخلق الإلهي، لأن ابن مقلة أوحى الله إليه تسديس الخط كما أوحى للنحل بتسديس بيوتها كما يقول أبو حيان التوحيدي. 

ابن مقلة قال: إن كلام الله قد نزل على نسبة إلهية فاضلة. التي نسميها الآن النسبة الطبيعية  وهى 22/7 الخاصة بالدائرة فلابد أن يكتب كلامه بخط فيه نسبة إلهية فاضلة، ففكر حتى اكتشف أن الألف التي تمثل قطر الدائرة المرسوم بداخلها المسدس الدائري يمكن أن تصير ميزانًا للخط فجعلها ميزانًا للخط، وجعل النقطة هي المحصورة بين الوتر والقوس وعلى ذلك فطول ذلك القطر 8 نقاط، فالألف طولها 8 نقاط وعلى ذلك فقس فتكتب الحاء نقطة هنا ونقطة هنا، تكتب التاء تكتب الباء تكتب النون تكتب كل الحروف منسوبة إلى الألف على أساس أنها 8 نقاط، وإذا اشتريت مشقا وهو كراسة الخط تجد فيها النقاط هذه وقد لا يدري كثير منا ما سر هذه النقاط. 

هذه نقاط منسوبة إلى الألف التي هي 8 نقاط باعتبار أنها قطر دائرة فيها مسدس بالداخل.  لماذا تفعل هذا يا ابن مقلة؟ حتى يكتب القرآن بخط بديع متفرد ليس هناك خط مثله في العالم أبدًا وهو أن بين الحروف نسب، هذه النسب هي نسب إلهية فاضلة، فكما أنزل الله القرآن على نسبة إلهية فاضلة محيرة للعقول فترى جرس القرآن فتتمتع به وتعلم أنه قرآن يحفظه الصغير والكبير كمعجزة من عند رب العالمين، فإذ بك تكتبه أيضا بهذه النسبة الفاضلة التي تخرج بعدها منها باتساق وجمال. 

فنون.. إبداع..لكنه إبداع ملتزم، لكنه إبداع فيه نوع من أنواع العبادة والاستنارة وتحويل المعلومات وربطها مع رب العالمين الذي خلق فسوى وقدر فهدى.

فنريد أن ننبه إلى أن هناك شيئًا يسمى بالحضارة الإسلامية وأنه قد راعى الحياة، قد راعى العلوم فتولدت علوم لم يكن لها مثيل من قبل: علم أصول الفقه، علم الرواية والتوثيق سواء في القراءات أو في الحديث، علوم جديدة لم تعرف البشرية أبدًا لها مثيل ولكن بعد ذلك حاولوا في الهرمونوطيقا أن يقلدوا أصول الفقه :علم نشأ من أجل فهم الكتب أو النصوص بدأت أولاً في نشأة دينية بفهم الكتب المقدسة ثم بعد ذلك تحولت إلى فهم النص الأدبي مع شلايماخر في ألمانيا سنة 1834 ميت.

وأصبحت الهرمونوطيقا نوعًا من علوم تفسير النص، هذا التفسير للنص يدرس الآن في المدرسة الألمانية وفي تركيا وكذا إلى آخره وكلما نحاول أن نستفيد منه فاتحين آذاننا للعالمين فيما وصلوا إليه نرى أن الأصوليين من المسلمين قد وصلوا إلى ما هو أعمق من ذلك بآلاف المرات في صورة مبهرة لا تجعلنا إذا أردنا الإنصاف إلا أن نقول سبحان الله.  تراثنا الذي بين أيدينا فيه من الكنوز ما فاق هذا وغطاه ووصل إلى أبعد مدى بعده.

في هذه الهرمونوطيقا يتكلمون عن النص والمفسر والمخاطب، ويتكلم الأصوليون على أن الاستعمال من صفة المتكلم والحمل من صفة السامع والوضع قبلهما، فنرى أن البون شاسع بين هذا وذاك : هذا يتكلم عن ظاهر الأمر وهذا وصل إلى فلسفة اللغة بحيث إنه جعل اللغة الموروثة جزءا لا يتجزأ من الخطاب استعمالاً وحملاً، وتكلم بعد ذلك في دقائقها حقيقةً ومجازًا واشتراكًا وترادفًا وسياقًا وسباقًا ولحاقًا ودلالات للألفاظ  مطابقة ودلالة التضمن ودلالة الالتزام ودلالة الفرض ....ما هذا؟!، هذا شيء بديع يقف أمامه الإنسان وهو يقارن بين المدرستين وحيثما تطورت .. بيرطان وهيبتر وكذا إلى آخره وهناك شيء آخر، شيء أعمق بكثير، هل اطّلع هؤلاء على هذا؟ لا نريد أن ندخل في هذا، لكن معنا شيء نستطيع أن نصنع منه أشياء .

الحياة التي رأينا فيها مساقي للكلاب في الحضارة الإسلامية، لم تقتصر المسألة على رعاية الإنسان واحترامه بل وصل إلى رعاية الكلاب، وجعل أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها وأن امرأة دخلت الجنة في كلب وجدته عطشان فسقته فدخلت الجنة، ففهم المسلمون من هذا فهمًا.  ما الكامن وراء ما كان بجوار بيت القاضي وراء سيدنا الحسين عندما نذهب نجد مساقي الكلاب.

ما الكامن في أن على الخواص رضي الله عنه وكان رجلاً عاميًا لكنه يحفظ القرآن، يذهب بالليل ويعبد الله بأن ينظف مساقي الكلاب -للكلاب التي في الشوارع – ما الكامن في هذا؟ يذهب إلى دورات المياه لينظفها في المساجد ويخرج لينظف مساقي الكلاب وهو من كبار أولياء الله الصالحين؟.

مثل هذا الإنسان كيف كان يفكر؟  وما الذي كونه مثل هذا؟،  ما الكامن وراء هذا التصرف؟ هذا هو سؤالنا -في هذه المحاضرة – ما الكامن في الحضارة الإسلامية؟

الحضارة الإسلامية موجودة بلا شك، موجودة في صورة التاريخ، الفنون، الآداب، العلوم، الحياة وغير ذلك من المجالات ولكن...ما الذي كان وراء هذا كله؟

أرى أن وراء هذا كله إنساناً .. إنسانًا آمن بالرحمن، إنساناً آمن بالإنسان، إنساناً آمن برعاية الأكوان وأن هذا هو الكامن وراء الحضارة الإسلامية.  الإيمان بالرحمن، الإيمان بالإنسان، الإيمان برعاية الأكوان. 

وهيا بنا ننظر إلى هذه الثلاثة فقط، لأن هناك عناصر كثيرة لا يتسع الوقت للاستفاضة فيها لكن هذه الثلاثة  تبين لنا المراد من عنوان هذه المحاضرة لاستطلاع الكامن من وراء هذه الحضارة التي رأيناها وسمعناها وعشنا في بعضها وغاب عنا الكثير منها .

آمنت بالرحمن فماذا حدث؟ إنها آمنت بأن هناك إلهاً واحدًا إذن فالوحدانية كانت مستقرة في عقيدة هذا الإنسان الذي أبدع هذه الحضارة،  هذه الوحدانية اجتمعت أيضًا مع المفارقة فالربُ ربُ والعبدُ عبدُ وهناك فارقٌ بين المخلوق والخالق، فهذه المفارقة منعت أن يعتقد الإنسانُ قداسة الأكوان وأن يعتقد الإنسانُ الحلول والاتحاد وأن يعتقد الإنسان أنه ليس هناك إله خارج هذا الكون، منع الإله المفارق والمفارقة هنا معناها أنه ليس حالاً في الكون ولا في شيء منه ولذلك فليس هناك جزء إلهي في هذا العالم .

أثرت كثيرًا هذه العقيدة في التعامل مع الكون الذي آمن برعايته أنه هو سيرعى هذا الكون،  سنرى الآن ما موقفه من الأكوان،  لكنه لم يكن موقف عبادة،  لم يكن موقف قداسة تمنعه من أن يتعامل مع الكون عمارة.  آمن بالرحمن فآمن بالوحدانية وآمن بأنه إله مفارق والمفارق هنا فضل فيه تفصيل في علم الكلام،  أنه لا متصل ولا منفصل ولا خارج الكون ولا داخل الكون لأنه ليس كمثله شيء لأنه ليس كالأجسام، لأنه سبحانه وتعالى رب ونحن مخلوقات، والله كان ولم يكن شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان؛ العقائد التي ندرسها في الأزهر تصور ما نعبد،  نعبد إلها عظيما لا علاقة له في حلوله بالكون حتى لا يكون جزء من الكون مقدسًا قداسة إلهية تمنعنا من التعامل معه.  هذا هو عقل المسلم الذي سعى في الأرض وعمرها وأنشأ وفعل وترك وكذا إلى آخره، هذا هو الكامن في الحضارة الإسلامية .

آمن أيضا بالتجلي الإلهي،  أن الله سبحانه وتعالى وراء كل شيء ( فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ). ([1])، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ). ([2])

(وفي كل شيء له آية   *   تدل على أنه الواحد)

 مستحضر الله في كل شيء فماذا يفعل التجلي الإلهي؟ يجعل الإنسان مستحضرًا لله في كل شيء،  في كل سكنة،  في كل حركة، وعندما تقرأ الحكم لابن عطاء الله تجدها كلها مبنية على هذا، إنه لا حول ولا قوة بي ولا لي وإنما الحول والقوة لله وبالله فلا حول ولا قوة إلا بالله، وأن الأمر كله بيد الله،  ومع ذلك فإن الاعتماد على الأسباب شرك وترك الأسباب جهل،  فلما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرج إلى أُُحُد خالف بين درعين فأخذ بالأسباب حتى قال إن حقيقة التوكل الأخذ بالأسباب «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا »، قال العلماء فهناك تغدو وتروح، لم تمكث في وكناتها والطير في وكناتها، لا ليس في وكناتها بل أخذت بعضها ومشيت ورجعت فربنا رزقها، تغدو وتروح في هنا حركة.  إذن لا تترك الأسباب ولكن لا يعتمد عليها فالفلاح يلقى الحب ثم يدعو ويقول يا رب .  هذا هو المسلم الذي كان وراء الحضارة يؤمن بالتجلي الإلهي.

والتجلي الإلهي له أسماء، أسماء الله الحسنى 153 اسمًا في القرآن،  164 اسمًا في السُنّة مع حذف المكرر يكون 220 اسمًا هي تمثل منظومة القيم  التي عاشها المؤمنون، بعضها للجمال وبعضها للجلال وبعضها للكمال، فالجمال: الرحمن الرحيم العفو الغفور الرءوف،  الجلال: المنتقم الجبار العظيم شديد المحال جلّ جلال الله، الكمال: الأول الآخر الظاهر الباطن الضار النافع المعز المذل السميع البصير –كمال، وهذا ما يسمونه الأسماء المزدوجة، فالأول الآخر مع بعض كلاهما اسم،  الضار النافع اسم، الظاهر الباطن اسم لأنه بها الكمال المطلق لله رب العالمين.  هذه المنظومة التجلي والتحلي والتخلي، الأول تخلي قلبك من القبيح ثم تحليه بالصحيح ثم يحدث التجلي فيتجلى الله بأنواره وأسراره في قلبك فتخرج من دائرة الحيرة إلى دائرة الرضا، ( أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). ([3])

آمنوا بالمطلق إنه في عدل، هناك أناس آخرين لم يؤمنوا بالمطلق وقولوا هل هناك عدل؟ العدل نسبي فما يفعلونه في جنوب أفريقيا غير الذي يفعلونه في فلسطين سبحان الله! ليست هي هي؟  هنا فيه ناس متحكمين وهنا ناس متحكمين!! أبدًا هذا غير هذا، إذن نزن بميزانين ونكيل بمكيالين لكن أولئك -المسلمين- لم يفعلوا هذا، الحق حق والباطل باطل والعدل عدل والظلم ظلم.  الإنسان الذي آمن بالمطلق غير الإنسان الذي نفى المطلق من الحياة.  آمنوا بالتكليف أن الله سبحانه وتعالى أمر ونهي،  فهناك تكليف في هذا الكون لم يخلقنا عبثًا، لم يتركنا في هذه الحياة الدنيا إلا وقد حدد لنا ما هو المطلوب منا بافعل ولا تفعل ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ).([4]) فهناك أوامر زواجر وعلى ذلك واجب مندوب وهناك مباح وهناك حرام ومكروه وأصبحت الأحكام خمسة والإنسان دائر بينها، بين الإقدام والإحجام وهو يعمل يقول لا  ذلك حتى لا يغضب ربنا عليّّّّ،  إذن التكليف له أثر في سلوكه.  نعم هذا الإنسان لم يرسم رسومات، لماذا؟ قال: لأن الشرع قد أمرنا بأن لا ترسموا وإنه لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة وأنا فاهم الصورة على إنها تمثال فلا داعي للتماثيل.  الحضارة الرومانية مليئة بالتماثيل، الحضارة الفرعونية مليئة بالتماثيل،  هو لما عمل هذا قال لا داعي للتماثيل، لكن لم يسكت، أثر هذا بعد ما تبنى هذا التبني في اختياره لنمط جديد بديع، ماذا يعنى بديع؟ يعنى أنه جعله شيئًا جديدًا فيه إبداع وليس ابتداع، الذي هو الفن الإسلامي والزخرفة والخطوط و.....و إلى آخره. 

إذن هو قد عمل ووصل إلى غاية الإبداع الملتزم بالتكليف الذي ضمّه لأنه هناك علماء قالوا هذه الرأس إذا ذهبت فلا صورة استنادًا لحديث أخرجه البزار، فقال لن أعمل الصور على الإطلاق بل سأفكر في جانب آخر ففكر وأبدع آمن باليوم الآخر الجنة والنار والحساب والعقاب والثواب،  آمن باليوم الآخر ولذلك راعى ربنا، لم يؤمن بالتناسخ والتفاسخ والتراسخ ما آمنت به حضارات أخرى، إنه ليس هناك يوم آخر وأن الروح ستخرج مني وستدخل في إن كنت خير ستدخل في واحد غنى وإن كنت شرير فستدخل في ثعلب أو ديب أو ثعبان أو تدخل في نبات وهذا ما يسمونه التراسخ،  هناك تناسخ وهناك تفاسخ وهناك تراسخ، التراسخ في النبات، التفاسخ في الجماد والتناسخ في الحياة المتحركة بالإرادة  والذي هو الحيوان أي الإنسان أو الحيوان.  التناسخ والتفاسخ والتراسخ.

هذه أمة آمنت بالرحمن التي جعلت الإنسان إنسان حضارة.

أمة آمنت بالإنسان، «آمنت بالإنسان» هذا عنوان لكتاب كتبه الدكتور  محمد غلاب رحمه الله وكان أستاذًا في أصول الدين شعر أن هذا البند وراء الإنسان وراء الحضارة الإسلامية، هو الكامن وراء الحضارة الإسلامية.

ماذا فعلوا : قالوا تقديم الساجد قبل المساجد،  انظر الكلام، فهل ترى الثقافة السائدة،  أن ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع،  هذا إنسان، لم ير أن نعطى للجامع أولاً على حساب خراب البيت؛ لأن الإنسان قبل البنيان، هذا الكلام قد أثر، تدخل معابد غير المسلمين تجدها في غاية الفخامة ومذهبه وأنفقوا عليها ملايين في حين تدخل أعظم مساجد المسلمين تجدها محدودة – لماذا ؟؛ لأن الإنسان قبل البنيان، لأن الساجد قبل المساجد، أعظم ما هنالك من بنيان.

آمن المسلمون بعناصر الجدية، مجموعة من أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقول: كن جادًا في حياتك، الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، يقول الإمام الشافعي: صاحبت الصوفية فاستفدت منهم الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.  يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :لا تزول (وفي رواية لا تزولا) قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه.....)  الوقت، قيمة الوقت.  وقد ألف أبو الوفاء ابن عقيل كتابًا كبيرًا أسماه الفنون في 800 مجلد لو طبع الآن يغطى جدران قاعة كبيرة. 

وأبو الوفاء ابن عقيل كان يسفّ الأرز ولا يأكل الخبز فسئل في ذلك هل الخبز فيه شيء؟ فقال لا ولكن هذه أكلة تأخذ منى وقتًا أكثر من الأكلة ولا أحب أن أضيّع وقتي،  وكان عندما يتعب يبرى الأقلام ويجهز الورق وكان عندما يدخل دورة المياه يحضر اثنان من العبيد يقرأون بصوت مرتفع حتى لا يضيع الوقت لأنه ليس لديه وقت.  ما هذا ؟؟ ما هذا الإنسان؟ جاد في الحياة، عمل كتاب اسمه الفنون وصل إلينا منه مجلدان طبعا بيروت سنة 1964 جمع فيه علوم الإسلام لكن لأنه كتاب كبير لم تتحمله الهمة كما يقولون فهو كتاب ضخم كبير. 

أبو الفرج ابن الجوزي  ألف كتابًا أسماه «لفتة الكبد في نصيحة الولد» ينصح فيه ابنه، وقال له يا بنى إن أكثر الناس لا يعرفون حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال فترى الناس يأتون ويتكلمون في غلاء الأسعار وفي الحكام،  فمن وقتها وهم يتكلمون في الحكام حتى اليوم وغلاء الأسعار فاشتغل بتجهيز الكتب وكذا حتى ينصرفوا، يعنى أنا مشغول عنهم لأنه ليس لديه وقت وهكذا.  هذا الإنسان يحافظ على الأوقات. 

المحافظة على العلم، العمل في روح الفريق (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).([5])، (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه).، (الدين النصيحة)([6])، كل هذه الأشياء طبقوها، حولوها من أوامر ونواهي وموعظة ووصية إلى حياه وبرنامج معيش يستطيع الإنسان فيه وبه ومن خلاله أن يوصف بأنه جاد في حياته، وتأتى منظومة القيم المأخوذة من الأسماء الحسنى لكي لا يكون حادًا، فهناك بعض الناس جاد  وحاد لكن هذا جاد  لكنه ليس بحاد،  إنما صبور وحلو وداخله أبيض وخارجه أبيض.

"آمنت بالإنسان" كانت كامنة وراء الحضارة الإسلامية فهي حضارة إنسانية.  لم يقتصر الأمر على هذا بل إنها آمنت في مصادرها وتاريخها برعاية الأكوان، هذه الأكوان التي حولنا أول عقيدة فيها أنها مخلوقة وأنها فانية وأن لها ظاهرًا وباطناً وأنها تسبح،   آمنوا بأن الكون يسبح  (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ). ([7])، تخيل أن هذا الإنسان يؤمن أن هذا الخشب وهذا الشباك وهذا الحائط يسبح لله، كيف يتعامل معه؟ بدون شك بغير فساد ولا إفساد لبيئة ولا لغيرها.

آمنوا بأن هذا الكون يسجد، وكانوا إذا سجدوا سجدوا مع الكون لرب العالمين إذن هو يشعر بأنه في تيار يسير في تجاه رب العالمين، ولذلك أسموه «الطريق إلى الله»، كلام له دلالة، الطريق آخره ربنا، (من سلك طريقا يلتمس فيه علما).([8]) أي منهجًا يلتمس فيه علمًا، حياه، آمنوا بأن هذا الكون مسخر لنا، آمنوا بأن له ظاهر وحقيقة لذلك لم يتعارض الدين مع العلم أبدا، آمنوا بأننا لابد من أن نقرأ الكونين ابن العربي والرازي أسموه كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور، الكون كتاب الله المنظور والقرآن كتاب الله المسطور، ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ )([9]) أي نقرأ الكون، ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ)([10]) يعيد القراءة مرة أخرى، ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم[11]ِ ) يعني الوحي، ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) ([12])،  الوحي، القلم إشارة إلى الوحي، أول ما خلق الله خلق القلم «فقال اجر بما كان...»([13]) إلى آخره.

فالقلم دلاله وإشارة إلى الوحي، إذن سأقرأ قرآتان والقرآتان من عند الله، الكون من عند الله خلقا والوحي من عند الله أمرًا، لأن كلام الله ليس بمخلوق،  وهذا ما درسناه في الأزهر أن كلام الله ليس بمخلوق.  " أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ"([14]) انظر كيف والواو للمبالغة، (تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)([15]) إذن الله له هذا الكون وله هذا الوحي وكلاهما صدر عن الله فلا تناقض فكلما قرأوا في الكتاب المنظور وجدوه في الكتاب المسطور وكلما قرأوا في المسطور لا  يعارضه المنظور، فلم يحدث أصلاً إشكال بين العلم والدين، حصل في نصوص أخرى،  في حضارة أخرى في ثقافة أخرى في الشرق والغرب لكنه لم يحدث عند المسلمين ولذلك استدلال عداء العلم مع الدين في جانب المسلمين ليس عادلاً وليس صحيحًا. 

آمنت بالرحمن أو آمنت بالرحمن هذه الحضارة، آمنت بالإنسان أو آمنت بالإنسان، آمنت وآمنت برعاية الأكوان التي جعلتني أتعامل مع هذا الكون بهذه الصفات التي كلها موجودة في القرآن وفى السُّنَّةَ، هذا الإنسان الحضاري، هذا الإنسان الذي سيعالج كل المشكلات بعد ذلك  بهذه العقلية: أنه مخلوق، أنه محل التجلي الإلهي، أنه مكلف،  أنه يؤمن بالآخرة، أنه مؤمن بالإنسان، أنه يرعى الأكوان، أن هذا الكون يسبح معه ويسجد معه ومسخر له فهو يأكل اللحم لكن بإذن الله وتحت سلطان الله ويذبح باسم الله وليس إبادة لنوع البقر ولا الجاموس ولا الأنعام إنما يفعلها حتى يتقوى،  حتى يتمتع بمائدة الله التي جعلها له لأن هذا الكون مائدة الله، هذه هي النظرة وهذا ما انبثق منه هذا التاريخ وهذا ما انبثقت منه هذه الحضارة والفنون والآداب والحياة فيما لا ينتهي من الكلام.

هذه الحضارة نامت فهل ماتت؟ هذا سؤال، الحضارة التي نتكلم عنها هذه نحن نراها أنها ليست هي التي لها القيادة والريادة، نامت فهل ماتت؟.  الحضارة التي ماتت الحضارة الفرعونية ذهبت لغتها ذهبت عقائدها ذهبت رؤيتها للحياة والكون أما حضارتنا لازالت لغتها باقية ولازلنا نتكلم بها، لازال محورها وهو النص الشريف الكريم الذي أذن الله أن يكون حبلاً بين رب العالمين والناس أجمعين إلى يوم الدين مازال باقيًا، القرآن الكريم.  

وحتى هذه اللحظة لم يمت المسلمون بل ينتشرون فأصبحوا طبقًا لموسوعة جينيز مليار وثلث وأصبحوا أكثر الناس تبعًا لدين، ومازال اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتردد في الآفاق في الآذان خمس مرات في اليوم وأشهد أن محمدًا رسول الله،  ومازال من تسمى بمحمد هو أعلى نسبة من تسمى في الأرض باسم أكثر من سبعين مليون فلو أضفت أحمد ومصطفي وسائر أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فليس هناك  مقارنة فهذا شيء كبير جداً (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ).([16]) 

إذن فهناك نوم وليس هناك موت، لم تمت الحضارة الإسلامية. نحن مازالت البشرية تحتاجنا، مازالوا في حاجة إلينا، مازالوا في حاجة إلى أن نعلمهم أن لابد أن يرجعوا إلى الإيمان بالرحمن والإيمان بالإنسان والإيمان برعاية الأكوان.  حقوق الإنسان عندنا كنا سميناها المقاصد الشرعية الكبرى : حفظ النفس والعقل والدين وكرامة الإنسان كنا نسميها العرض والمال الذي هو الملك، مازال العقلاء من البشر يحافظون عليها وأهل الشهوات يدعونهم على الخروج عليها أما أولئك فقد كتبوها على الحجر وحرموها البشر، لما تذهب إلى الأمم المتحدة تجد حقوق الإنسان لسنة 1947 مكتوبة على الحجر وأين هي عند البشر ؟ نسأل الله السلامة، ولكن ينبغي علينا أن نؤمن بأن الحضارة وإن كانت قد نامت إلا أنها لم تمت فيمكن أن نوقظها ونوقظها لمصلحة البشرية جمعاء حتى يتمتعون بهذا البهاء وبهذا الجمال وبهذه الحلاوة التي عاشتها البشرية في ظل هذه الحضارة، حضارة التعدد الفكري والسياسي والديني والعرقي وعاشوا في سلام وأمان وجاء الناس من كل صوب يحتمون بالمسلمين فحموهم.  

بعد مائة سنة كان هنا في مصر 1% من المسلمين و99 غير مسلم بعد مائة سنة من دخول العرب بعد 250 سنة 25% مسلمين و75% غير مسلمين،  بعد 750 سنة أصبح هؤلاء أكثر من تسعين أو خمس وتسعين بالمائة والآخرين (الغير مسلمين) 5%،  فأين هو السيف والإكراه فليس هناك أي أثر تاريخي لهذه الدعاوي الباطلة الظالمة التي نسبت إلينا ونحن منها براء بل كان الإنسان إنسان حضارة،  عبد الله وعمر الكون وزكى النفس ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ).([17])

إذن فالحضارة كالمرآة غبش عليها فنريد إزالة الغبش من المرآة حتى تصير مرة أخرى المصقولة السوية،  لا المرآة المحدبة التي تغير الواقع والتي حين تقف أمامها ترى نفسك فتلة ولا المرآة المقعرة التي تجعلك تبدو سمينًا وأنت في الحقيقة رفيع،  هذه تحكي غير الواقع من انعكاس الضوء لتحديبها وتقعيرها، نحن نريد المرآة المصقولة حيثما كانت.  التغبيش قد يحدث في بعض جوانب حياتنا تحديبا وفي بعضها تقعيرًا فتظهر الحضارة الإسلامية متناقضة مطموسة وهذا هو معنى نومها  لكنها الحمد لله لم تكسر هذه المرآة بل هي موجودة في وجداننا وثقافاتنا وفي كل شيء نمارسه من مصادرنا ومن حياتنا فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين من غير حول منا ولا قوة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ) سورة البروج الآية 16

[2] ) سورة الأنبياء الآية 23

[3] ) سورة الرعد الآية 28

[4] ) سورة النور الآية 54

[5]) رواه البخاري 5/2373 ومسلم 1/541

[6]) مسند أحمد 4/102 ، فتح الباري 4/371

[7] ) سورة الإسراء الآية 44

[8]) المستدرك على الصحيحين 1/165

[9] ) سورة العلق الآية 1

[10] ) سورة العلق الآية 3

[11] ) سورة العلق الآيات 4،3

[12] ) سورة القلم الآية 1

[13]) فتح الباري 6/289

[14] ) سورة الأعراف الآية 54

[15] ) سورة الأعراف الآية 54

[16] ) سورة الشرح الآية 4

[17]) سورة الشمس الآيات 10،9

عدد الزيارات 8181 مرة

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة