حكم المظاهرات والاعتصامات
المبـــــــادئ
1- من القواعد المقررة شرعا أن الأصل في الأفعال نفي الحرج حتى يدل الدليل على خلافه، وأن الوسائل تأخذ حكم المقاصد.
2- الأصل في المظاهرات والاعتصامات الجواز بشرط الخلو من المحاذير الشرعية، وقد تعتريها باقي الأحكام الخمسة بحسب مقصدها ووسيلتها. وحكم المشاركة فيها بحسب حكمها.
الســــــــــؤال
ما الحكم الشرعي في المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات؟
الجــــــــــواب
المظاهرات جمع مظاهرة، وهي: تجمع طائفة من الناس في العلن لتظهر مطلبًا أو أكثر من الحاكم غالبًا، والغرض منها إظهار أن المطلب ليس مطلبًا فرديًّا وإنما هو مطلب جماعي. فالتظاهر تعاون بين المتظاهرين، وتقوٍّ بين أفرادهم، وهذا نفسه المعنى اللغوي؛ ففي "مختار الصحاح" [مادة: ظ هـ ر ]."(الْمُظَاهَرَةُ) الْمُعَاوَنَةُ و(التَّظَاهُرُ) التَّعَاوُنُ وَاسْتَظْهَرَ بِهِ اسْتَعَانَ بِهِ". اهـ.
فالتظاهر مكون من أمرين كل منهما في نفسه يعد جائزًا بمجرده؛ أولهما: مجرد الاجتماع بالأبدان؛ إذ الأصل في الأفعال نفي الحرج حتى يدل الدليل على خلافه.
الأمر الثاني: المطالبة بتحقق أمر مشروع، أو رفع أمر مكروه؛ فالمظاهرة بهذا وسيلة لهذا، والوسائل تأخذ حكم المقاصد. والأصل في طلب الحاجات من الحاكم أنه مشروع؛ فولي الأمر قائم لقضاء حوائج الرعية، ولذا رهَّب النبي صلى الله عليه وسلم من احتجاب أصحاب الولايات دون أصحاب الحاجات، فروى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ، وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ، وَفَقْرِهِ»، وروى أحمد أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ عَنْ أُولِي الضَّعَفَةِ وَالْحَاجَةِ احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". بل قد رغب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الشفاعة لقضاء حاجات الناس، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ». ومعنى الحديث: توسلوا في قضاء حاجة من طلب أو سأل يكن لكم مثل أجر قضاء حاجته.
وأخرج البخاري عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ، حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَفَاءَ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي رِجَالًا المِائَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَحُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَقَالَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ» ، فَقَالَ فُقَهَاءُ الأَنْصَارِ: أَمَّا رُؤَسَاؤُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا نَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَإِنِّي أُعْطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رِحَالِكُمْ، فَوَاللَّهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَجِدُونَ أثرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي عَلَى الحَوْضِ» قَالَ أَنَسٌ: «فَلَمْ يَصْبِرُوا».
وفي الحديث دليل على التحدث في أمر يتعلق بطلب من الحاكم على مستوى الجماعة؛ لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لهم.
على أنه ينبغي التنبه إلى أن هذا الجواز مشروط بعدة شروط ومضبوط بعدة ضوابط، منها:
1- ألا يكون موضوعها المطالبة بتحقق أمر منكر لا يجيزه الشرع.
2- ألا تتضمن شعارات أو ألفاظا يحرمها الشرع.
3- ألا تتضمن أمورًا محرمة من نحو إذاية الخلق أو الاعتداء على ممتلكات الناس أو الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء.
والاعتصامات شأنها شأن المظاهرات في الحُكم والضوابط، ويدل على مشروعيتها: ما رواه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه جاره، فقال: يا رسول الله إن جاري يؤذيني. فقال: «أَخرِج متاعك فضعه على الطريق» فأخرج متاعه فوضعه على الطريق فجعل كل من مر عليه قال: ما شأنك؟ قال: إني شكوت جاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أخرج متاعي فأضعه على الطريق فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم اخزه، قال: فبلغ ذلك الرجل فأتاه فقال: ارجع فوالله لا أؤذيك أبدًا.
وأما قول من قال إن المظاهرات ممنوعة لأنها بدعة غربية، فغير مقبول، لأنها ليست من العبادات حتى يقال إنها بدعة، فإن قيل: المقصود أنها من بدع العادات الواردة إلينا من الغرب، فالجواب: أن هذا أيضا غير صحيح؛ لأن المظاهرات عرفها المسلمون في مختلف أمصارهم وأعصارهم قديما، وكانت تستعمل مع الولاة أحيانًا، وأحيانا مع المحتل الغاصب؛ وقد أخرج أبو نُعيم في حلية الأولياء [4 /324، ط. السعادة ] عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: "نِعْمَ الشَّيْءُ الْغَوْغَاءُ، يَسُدُّونَ السَّيْلَ، وَيُطْفِئُونَ الْحَرِيقَ، وَيَشْغَبُونَ عَلَى وُلَاةِ السُّوءِ".
كما أنه ليس كل ما ورد إلينا من الغرب مذموم مرذول، ففي الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَنْ يَقْرَءُوا كِتَابَكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَنَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ. وقال الطبري عن عمر: وهو أول مَنْ حمل الدِّرَّة، وضرب بِهَا، وهو أول من دون لِلنَّاسِ في الإِسْلام الدواوين، وكتب الناس عَلَى قبائلهم، وفرض لَهُمُ العطاء. حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حدثنا ابن سعد، قال: حدثنا محمد بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَائِذُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ بْنِ نُقَيْدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَدْوِينِ الدَّوَاوِينِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: تَقْسِمُ كُلَّ سَنَةٍ مَا اجْتَمَعَ إِلَيْكَ مِنْ مَالٍ، فَلا تُمْسِكْ مِنْهُ شَيْئًا. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: أَرَى مَالا كَثِيرًا يَسَعُ النَّاسَ، وَإِنْ لَمْ يُحْصَوْا حَتَّى تَعْرِفَ مَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ، خَشِيتُ أَنْ يَنْتَشِرَ الأَمْرُ. فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ جِئْتُ الشَّامَ، فَرَأَيْتُ مُلُوكَهَا قَدْ دَوَّنُوا دِيوَانًا، وَجَنَّدُوا جُنْدًا، فَدَوِّنْ دِيوَانًا، وَجَنِّدْ جُنْدًا، فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ. تاريخ الطبري (4 /209) وله شواهد.
ووجه الدلالة واضح، وهو الاستفادة من بعض أمور الملك من الأمم الأخرى مما لا ينافي شريعتنا.
والخلاصة: أن المظاهرات والاعتصامات جائزة من حيث الأصل، وقد تعتريها باقي الأحكام الخمسة بحسب مقصدها ووسيلتها. وعليه فتكون المشاركة فيها بحسب حكمها.
حكم أخذ الضرائب على المحرمات
السؤال
ما حكم أخذ الضرائب على التجارات المحرمة كالخمور ونحوها ثم الاستفادة منها في النفقات العامة للدولة؟
الجواب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد فالضرائب: مقدار محدد من المال تفرضه الدولة في أموال المواطنين، دون أن يُقابل ذلك نفعٌ مخصوص، فتُفْرَض على المِلْك والعَمَل والدخْل نظير خدمات والتزامات تقوم بها الدولة لصالح المجموع، وهي تختلف باختلاف القوانين والأحوال.
أو هي -كما يقول أهل الاقتصاد-: "اقتطاع مالي جبري تقوم به الدولة على حسب مقدرة المكلف؛ مساهمة من الأغنياء في الأعباء العامة للدولة، بغض النظر عن المنافع العامة الخاصة التي تعود عليه، ويُستفاد من حصيلة الضريبة في تغطية النفقات العامة، وتحقيق أهداف الدولة السياسية والمالية والاقتصادية". اهـ بتصرف [يُنظر: موسوعة الاقتصاد الإسلامي، د. محمد عبد المنعم الجمال 2 /673، ط. دار الكتاب المصري بالقاهرة، ودار الكتاب اللبناني ببيروت].
ويجوز لولي الأمر أن يقرر فرض ضرائب عادلة في تقديرها وجبايتها على القادرين؛ وذلك لتغطية النفقات العامة والحاجات اللازمة للأمة، ومعلوم أن ميزانيات الدول الإسلامية الآن لا تقوم فقط على الزكاة، بل لها موارد متعددة منها الضرائب والرسوم وغيرها.
وهناك ما يسمَّى بالموازنات العامة للدول، وهي عبارة عن الإيرادات العامة والنفقات العامة، فإذا كانت النفقات العامة للدولة أكبر من الإيرادات العامة كان هناك عجز في ميزانية الدولة، ويتعين عليها تعويضُه للقيام بأعبائها بعدة سبل، ومنها فرض الضرائب، إلا أنه ينبغي أن يُراعَى في فرض الضرائب عدمُ زيادة أعباء محدودي الدخل وزيادة فقرهم، وأن تُحصَّل الضرائبُ أصالة من الفئات التي لا يُجهدها ذلك كطبقة المستثمرين، ورجال الأعمال الذين يجب عليهم القيام بواجبهم تجاه الدولة.
والمقرر في الشريعة أن في مال المسلم حقًّا سوى الزكاة؛ دلَّ على ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177]. وجهة الدلالة في الآية -كما يقول الإمام الفخر الرازي في [تفسيره مفاتيح الغيب 5 /216، ط. دار إحياء التراث العربي- بيروت]: "أن الله تعالى عطف إيتاء الزكاة في قوله: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} على الإيتاء في قوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ...}، ومن حق المعطوف والمعطوف عليه أن يتغايرا، فثبت أن المراد به غير الزكاة، ثم إنه لا يخلو إما أن يكون من التطوعات أو من الواجبات، ولا جائز أن يكون من التطوعات؛ لأنه تعالى قال في آخر الآية: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، فوقف التقوى عليه، ولو كان ذلك ندبًا لما وقف التقوى عليه، فثبت أن هذا الإيتاء، وإن كان غير الزكاة إلا أنه من الواجبات" اهـ.
وقال الإمام القرطبي في [تفسيره الجامع لأحكام القرآن 2/242، ط. دار الكتب المصرية- القاهرة]: "ذِكْرُ الزكاة مع الصلاة في قوله تعالى: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} فيه دليل على أنَّ الْمراد بقوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} ليس الزكاة الْمفروضة؛ لأنَّ ذلك يكون تكرارًا، والله أعلم... ثم قال: واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك رحمه الله: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم. وهذا إجماع أيضًا". اهـ بتصرف.
والقواعد الفقهية المقررة تؤيد هذا وتعضضه، ومنها فيما يتعلق بهذا الشأن: ما جاء في [الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفى ص74، 75، ط. دار الكتب العلمية- بيروت]: "يُتَحَمَّلُ الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام، وأن الضرر الأشد يُزال بالأخف". اهـ.
وهذا لا يُفهم منه إباحة الضرائب فحسب، بل يُحتم فَرْضها وأخْذها، تحقيقًا لمصالح الأمة والدولة، ودرءًا للمفاسد والأضرار والأخطار الناتجة عن عدم فرضها.
وقد أقرَّ جماعةٌ من فقهاء المذاهب الْمُتَّبَعة الضرائبَ، لكنهم لم يطلقوا عليها هذا الاسم، فنجد أن بعض الحنفية قد سمَّاها (النوائب) جمع نائبة، وهي اسم لما ينوب الفرد من جهة السلطان بحق أو بباطل، وفيما يلي ذكر طرف من أقوالهم:
جاء في حاشية ابن عابدين [رد المحتار على الدر المختار 4 /282] في بيان معنى النوائب، وأن منها: "ما يكون بحقٍّ كأجرة الحراس، وَكَرْيِ النهر المشترك، والمال الموظف لتجهيز الجيش، وفداء الأسرى إذا لم يكن في بيت المال شيء، وغيرهما مما هو بحق، فالكفالة به جائزة بالاتفاق؛ لأنها واجبة على كل مسلمٍ مُوسِر بإيجاب طاعة ولي الأمر فيما فيه مصلحة المسلمين، ولم يلزم بيت المال أو لزمه ولا شيء فيه. وإن أريد بها ما ليس بحقٍّ كالجبايات الموظفة على الناس في زماننا ببلاد فارس على الخيَّاط والصَّبَّاغ وغيرهم للسلطان في كل يوم أو شهر، فإنها ظلم".
وقد نقل أيضًا عن أبي جعفر البلخي قولَه: "ما يَضْرِبُه السلطانُ على الرعية مصلحةً لهم يصير دَيْنًا واجبًا وحقًّا مُستحقًّا كالخراج، وقال مشايخنا: وكل ما يضربه الإمام عليهم لمصلحة لهم فالجواب هكذا، حتى أجرة الحراسين لحفظ الطريق، واللصوص، أي: ما يُحتاج من نفقات لحفظ الطريق وأمنه وحراسته، ونصب الدروب، وأبواب السكك، وهذا يُعْرَف، ولا يُعَرَّف خوف الفتنة، ثم قال: فعلى هذا ما يؤخذ في خوارزم من العامة لإصلاح مسناة الجيحون، أو الربض ونحوه من مصالح العامة، دَيْنٌ واجبٌ لا يجوز الامتناع عنه وليس بظلم، ولكن يعلم هذا الجواب للعمل به وكف اللسان عن السلطان وسعاته فيه لا للتشهير؛ حتى لا يتجاسروا في الزيادة على القدر المستحق"اهـ [حاشية ابن عابدين 2 /57].
وقال الإمام أبو حامد الغزالي من أئمة الشافعية في [المستصفى ص177، ط. دار الكتب العلمية]: "إذا خلت الأيدي من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام، أو خيف ثوران الفتنة من أهل العَرامة أي: أهل الفساد في بلاد الإسلام، فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند].
وتَكلَّم الشيخ تقي الدين بن تيمية في [مجموع الفتاوى 30 /337 وما بعدها، ط. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالسعودية] عن بعض ما يأخذه السلطان بما يفيد إقراره لذلك، باعتباره من الجهاد بالمال الواجب على الأغنياء، وسماها بـ(الكلف السلطانية) أي: التكليفات المالية التي يلزم بها السلطان رعيته أو طائفة منهم.
وفي [المحلى لابن حزم الظاهري 4 /281، ط. دار الفكر- بيروت]: "وفَرْضٌ على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويُجْبِرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم" اهـ.
وبما تقدم يتبين مشروعية فرض ولي الأمر للضرائب على الناس لصرفها في المصالح العامة.
أما بخصوص أخذ الضرائب على المحرمات كالخمور ونحوها فجائز أيضًا لِما يلي:
أولًا: أن هناك فارقًا بين ثمن المحرم والضريبة عليه؛ فثمن الخمر مثلًا هو المال الذي يُدفَع عِوَضًا مقابل شراء هذه السلعة المحرمة، والخمر حرام بإجماع المسلمين، وثمنها في دار الإسلام حرام بإجماعهم أيضًا، فلا يجوز شراؤها ولا بيعها ولا أخذ ثمنها بين المسلمين.
وهذا بخلاف الضرائب، وقد مرَّ تعريفها، وهي هنا قدر محدد من الدخل يُستقطع من هذه التجارات والسلع وليست ثمنًا لها؛ فلا علاقة لها بكون هذه السلعة حلالًا أو حرامًا، وحينئذٍ لا تكون الضريبة على الخمر أو نحوها من الحرمات ثمنًا لأي منها، وعليه لا يكون أخذها والاستفادة منها حرامًا.
ثانيًا: أن هذا الأمر له نظير في الفقه يُقاس عليه، وهو الجزية؛ فقد فرضت على غير المسلمين وفي أموالهم أثمان الخمور وفوائد الربا، ومع ذلك لم يمتنع أحد من الخلفاء والولاة عن قبول هذه الأموال وإدخالها في بيت مال المسلمين والانتفاع بها.
والقول بأن هذا في حق غير المسلمين فقط أما المسلمون فلا، جوابه: أنه يجوز أخذ الضرائب من المسلمين على نحو هذا أيضًا؛ وذلك لأن عدم تحصيل الضرائب منهم على هذه التجارات كغيرها من التجارات المباحة فيه تشجيع لهم على ذلك، فيَجْمَعُون بهذا بين التجارة في المحرم وبين التمتع بالمكاسب كاملة، وهذا قد يؤدي إلى تنمية تجاراتهم. أما أخذ الضرائب منهم على ذلك ففيه تضييق عليهم إن كان هناك واقع لا يمكن رفعه دفعة واحدة.
ولهذا نظير في أقوال العلماء والفقهاء؛ فقد رأى بعضهم أن من استوفى عوضًا عن محرم من شخص برضاه ثم تاب فلا يلزمه رد هذا العوض إلى هذا الشخص حتى لا يُعان صاحب المعصية بحصول غرضه ورجوع ماله إليه.
وممن أشار لهذا الإمام ابن القيم في [زاد المعاد في هدي خير العباد 5 /690، 691، ط. مؤسسة الرسالة]؛ حيث قال وهو يتكلم عن كسب الزانية إذا قبضته، ثم تابت هل يجب عليها رد ما قبضته إلى أربابه، أم يطيب لها، أم تتصدق به؟ ما يلي: "هذا ينبني على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهي أن من قبض ما ليس له قبضه شرعًا، ثم أراد التخلص منه، فإن كان المقبوض قد أخذ بغير رضا صاحبه، ولا استوفى عوضه رده عليه. فإن تعذر رده عليه قضى به دينًا يعلمه عليه، فإن تعذر ذلك رده إلى ورثته، فإن تعذر ذلك تصدق به عنه، فإن اختار صاحب الحق ثوابه يوم القيامة كان له. وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض استوفى منه نظير ماله، وكان ثواب الصدقة للمتصدق بها، كما ثبت عن الصحابة -رضي الله عنهم-. وإن كان المقبوض برضا الدافع وقد استوفى عوضه المحرم، كمن عاوض على خمر أو خنزير، أو على زنى أو فاحشة، فهذا لا يجب رد العوض على الدافع؛ لأنه أخرجه باختياره، واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان، وتيسير أصحاب المعاصي عليه. وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله، فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به، ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر. ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها، ثم يرجع فيما أعطاها قهرًا، وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء، فلا تأتي به شريعة" اهـ.
وإن كنا نهيب بأولياء الأمور والقائمين على مصالح البلاد والعباد أن يتخذوا إجراءات واقعية للحد من بيع هذه المحرمات والقضاء عليها في بلاد المسلمين، أو أن يسمحوا بذلك حصرًا في غير المسلمين حتى تستقر الأمور ويرتفع الحرج.
ثم إنه بانتقال هذا المال من ذمة من يُتاجر في المحرمات إلى خزانة الدولة يتطهر المال ويجوز الانتفاع به في المصالح العامة، وقد ذكر بعض الفقهاء أن الحرام لا يتعدى ذمتين، فبانتقال المال من ذمة صاحبه إلى خزانة الدولة حل وجازت الاستفادة منه.
جاء في [حاشية العلامة ابن عابدين الحنفي رد المحتار على الدر المختار 2 /292، ط. دار الفكر]: "وفي حاشية الحموي عن الذخيرة: سُئِل الفقيه أبو جعفر عمن اكتسب ماله من أمراء السلطان وجمع المال من أخذ الغرامات المحرمات وغير ذلك، هل يحل لمن عرف ذلك أن يأكل من طعامه؟ قال: أحب إلي أن لا يأكل منه ويسعه حكمًا أن يأكله إن كان ذلك الطعام لم يكن في يد المطعم غصبًا أو رشوة" اهـ. أي إن لم يكن عين الغصب أو الرشوة؛ لأنه لم يملكه فهو نفس الحرام فلا يحل له ولا لغيره. وذكر في البزازية هنا أن من لا يحل له أخذ الصدقة فالأفضل له أن لا يأخذ جائزة السلطان، ثم قال: وكان العلامة بخوارزم لا يأكل من طعامهم ويأخذ جوائزهم، فقيل له فيه، فقال: تقديم الطعام يكون إباحة والمباح له يتلفه على ملك المبيح فيكون آكلا طعام الظالم، والجائزة تمليك فيتصرف في ملك نفسه. اهـ. قلت: ولعله مبني على القول بأن الحرام لا يتعدى إلى ذمتين" اهـ.
وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي في [الفروع 4/390، ط. مؤسسة الرسالة]: "وروى جماعة من حديث الثوري عن سلمة بن كهيل عن ذر بن عبد الله عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رجلًا سأله فقال: لي جار يأكل الربا ولا يزال يدعوني، فقال: "مَهْنَؤُهُ لك، وإثمه عليه". وروى جماعة أيضًا من حديث معمر عن أبي إسحاق عن الزبير بن الخريت عن سلمان -رضي الله عنه- قال: "إذا كان لك صديق عامل فدعاك إلى طعام فاقبله، فإن مَهْنَأَهُ لك وإثمه عليه". وسُئِل الحسن عن طعام الصيارفة فقال: "قد أخبركم الله عن اليهود والنصارى أنهم يأكلون الربا وأحل لكم طعامهم". وقال أحدهم لإبراهيم النخعي: عريف لنا يصيب من الظلم فيدعوني فلا أجيبه، فقال إبراهيم: للشيطان غرض بهذا ليوقع عداوة" اهـ بتصرف.
ومما سبق يُعلم الجواب عن السؤال، والله تعالى أعلم.
هل يجب على المسلم أن يأمر زوجته الكتابية بالحجاب؟
المبـــــــادئ
1- يرى جمهور الفقهاء أن الكافر مطالب شرعًا بفروع الدين كما هو مخاطب بأصل الإيمان.
2- ليس للزوج منع زوجته من أكل الخنزير ولا من شرب الخمر ولا من الذهاب إلى الكنيسة.
3- لا يجوز للزوج الاستمتاع بعضو من زوجته نجس.
4- للزوج له أن يأمر زوجته الكتابية بالحجاب، فإن لم يأمرها، أو أمرها فأَبَت لم يأثم.
الســــــــــؤال
اطلعنا على الطلب المقيد برقم 24 لسنة 2011م المتضمن:
هل يجب على الزوج المسلم أن يأمر زوجته الكتابية بالحجاب؟
الجــــــــــواب
هذه المسألة مبنية في أصلها على مسألة أصولية شهيرة، وهي: "تكليف غير المسلم بالفروع الفقهية"، وهي في غير المرتد فيها ثلاثة مذاهب على المشهور، وقد لخصها الإسنوي في "التمهيد" (ص126، ط. مؤسسة الرسالة) بقوله: "الكفار هل هم مكلفون بفروع الشريعة؟ فيه مذاهب؛ أصحها: نعم، قال في البرهان: وهو ظاهر مذهب الشافعي. فعلى هذا يكون مكلفًا بفعل الواجب وترك الحرام، وبالاعتقاد في المندوب والمكروه والمباح. والثاني: لا، واختاره أبو إسحاق الإسفراييني. والثالث: مكلفون بالنواهي دون الأوامر".اهـ.
على أن كثيرًا من الفقهاء في كتب الفروع لم يذكر أن غير المسلم مطالب بأداء هذه العبادات، وقد أزال الإمام النووي ظاهر هذا التعارض بين كتب الأصول والفروع بقوله في المجموع (3/ 5، ط. المنيرية): "وأما الكافر الأصلي فاتفق أصحابنا في كتب الفروع على أنه لا يجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام، فأما في كتب الأصول، فقال جمهورهم: هو مخاطب بالفروع، كما هو مخاطب بأصل الإيمان، وقيل: لا يخاطَب بالفروع، وقيل: يخاطب بالمنهي عنه؛ كتحريم الزنا والسرقة والخمر والربا وأشباهها، دون المأمور به كالصلاة. والصحيح الأول، وليس هو مخالفًا لقولهم في الفروع؛ لأن المراد هنا غير المراد هناك، فمرادهم في كتب الفروع: أنهم لا يطالَبون بها في الدنيا مع كُفرهم، وإذا أَسلَم أحدُهم لم يلزمه قضاء الماضي، ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة، ومرادهم في كتب الأصول: أنهم يعذبون عليها في الآخرة؛ زيادة على عذاب الكفر، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعًا، لا على الكفر وحده، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا، فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين، وفي الفروع حكم الطرف الآخر، والله أعلم".اهـ.
ولعل سبب ندرة النقل في هذا الفرع هو الاحتشام العام في ظل الشريعة الغراء، مع قيام نظام الحسبة، وانتشار الأخلاق الراقية. وظاهر الأمر أن احتجاب المرأة كان يزداد يومًا بعد يوم، كما ورد في صحيح البخاري (رقم 318) «عن حَفصَة بنت سِيرين قالت: كنا نمنع جوارينا أن يخرجن يوم العيد، فجاءت امرأة فنزلت قصر بني خلف فأتيتُها، فحدثت أن زوج أختها غزا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ثنتي عشرة غزوة، فكانت أختها معه في ست غزوات. فقالت: فكنا نقوم على المرضى ونداوي الكلمى، فقالت: يا رسول الله، على إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج. فقال: لتُلبِسها صاحبتُها مِن جِلبابها فليَشْهَدنَ الخَيرَ ودَعوةَ المؤمنين». ففي هذا الأثر نجد أنه حدث في عصر التابعين منع للجواري من الخروج للعيدين مع كونه مخالفًا لما كان في العصر الأول.
لكن في مقابل ذلك ورد قول سعيد بن أبي سعيد لأخيه الحسن البصري: "إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن! قال: اصرف بصرك عنهن" (علقه البخاري (5/ 2299)، وفي هذا دليل على وجود ذلك في عهد السلف دون نكير. لكن كلمة "نساء العجم" لا تعني الكتابيات، أو المجوسيات والكتابيات معًا، بل قد يكون المراد المجوسيات فقط دون الكتابيات، وإن كان اللفظ يفيد العموم، لكنه لم يرد نص ما يفيد أن من أولئك كن زوجات لمسلمين، لكن على كل حالٍ العبارةُ على الاحتمال في كل ذلك. وهي وإن كانت لا نستطيع بها الاستدلال على جواز ترك الزوج زوجته الكتابية دون حجاب للاحتمالات المذكورة، لكن نستطيع أن نستدل بها على جواز ترك ذلك لولي الأمر، ويقاس الزوج عليه بجامع القوامة والرعاية في كليهما.
ويضاف إلى ذلك أن المسلم يجوز له نكاح الأمة -بالشروط الفقهية المذكورة في بابها-، ومعلوم أن عورة الأمة تختلف عن عورة الحرة، فدَلَّ ذلك على أن أمر الحجاب يرجع التكليف به بحسب حال الزوجة، وليس بحال الزوج.
وقد صَرَّح كثيرٌ من أهل العلم أن الزوج لا يمنع زوجته مما أُحِلّ لها في دينها، إلا أن يكون ذلك الحلال في دينها مانعًا للزوج من كمال الاستمتاع، الذي هو حقه بموجب العقد الذي دفع فيه المهر في مقابل التمكين من الاستمتاع، وإنما يمنعها الزوج مما يحرم عليها في دينها؛ كمنعه لليهودية من أكل الخنزير دون النصرانية.
قال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير (2/ 268، ط. دار إحياء الكتب العربية): "إنما كره ذلك مالك في بلد الإسلام؛ لأنها تتغذى بالخمر والخنزير وتغذي ولده بهما، وهو يقبلها ويضاجعها، وليس له منعها من ذلك التغذي، ولو تضرر برائحته، ولا من الذهاب للكنيسة".اهـ.
وقال النفراوي في الفواكه الدواني (2/ 19، ط. دار الفكر): "إنما كُره نكاحها في بلاد المسلمين؛ لأن الزوج ليس له منعها من أكل الخنزير ولا من شرب الخمر ولا من الذهاب إلى الكنيسة". اهـ.
وقال البَهُوتي في كشاف القناع (2/ 190، ط. دار الكتب العلمية): "(وتُمنَع) أي: للزوج منع الزوجة (الذمية من دخول كنيسة وبيعة)، فلا تخرج إلا بإذن الزوج. (و) له منعها من (تناول محرم و) من (شرب ما يسكرها)؛ لأنه محرم عليها، و(لا) تُمنَع مما (دونه)، أي: دون ما يسكرها (نَصًّا)؛ لاعتقادها حِلَّه في دينها، (وكذا مسلمة تعتقد إباحة يسير النبيذ) فلا يمنعها منه، (وله إجبارها على غسل أفواههما ومن سائر النجاسات كما تقدم)؛ لأنه يمنع من القُبلة، (ولا تُكرَه الذمية على الوطء في صومها نَصًّا، ولا) على (إفساد صلاتها) بوطء أو غيره؛ لأنه يضر بها، (و) لا على إفساد (سَبتها، ولا يشتري لها) -أي: الزوجة الذمية- زُنّارًا (ولا) يشتري (لأمته الذمية زُنّارًا)؛ لأنه إعانة لهم على إظهار شعارهم، (بل تخرج هي تشتري لنفسها نَصًّا)".اهـ.
وعلى ذلك المعنى يُحمل كلام من أجاز له منعها من العلماء؛ قال الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (4/ 313، ط. دار الكتاب الإسلامي): (والكتابية المنكوحة كمسلمة في نفقة وقسم وطلاق) وغيرها لاشتراكهما في الزوجية... (وتجبر) الزوجة الممتنعة مسلمة كانت أو كتابية وكذا الأمة (على غسل حيض ونفاس) أي للحليل إجبارها على ذلك إذا طهرت لتوقف حل الوطء عليه... (وكذا جنابة) أي تجبر الكتابية على غسلها من الجنابة (و) على (ترك أكل) لحم (خنزير) ونحوهما مما يتوقف كمال التمتع على زواله (في الأظهر) كما تجبر على إزالة النجاسة. والثاني: لا إجبار؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع، ومحل الخلاف في إجبار الكتابية على منع أكل الخنزير إذا كانت تعتقد حله كالنصرانية، فإن كانت تعتقد تحريمه كاليهودية منعها منه قطعًا (و) الكتابية (تجبر هي ومسلمة على غسل ما نجس من أعضائها) ليتمكن من الاستمتاع بها كما علله الرافعي، وعلله الماوردي لما يلحقه من المشقة بالتنجيس، وقضية ذلك أنه لا يجوز الاستمتاع بعضو نجس، والظاهر أن محله إذا كان يتولد منه تنجيس وإلا فلا كما بحثه الأذرعي. تنبيه: تخصيص المصنف بالأعضاء قد يخرج الثوب وليس مرادًا، فقد قال الماوردي: "له منعها من لبس ما كان نجسًا قطعًا، وفي الروضة له منعها من لبس جلد الميتة قبل دباغه، ولبس ما له رائحة كريهة، وله إجبارها أيضًا على التنظيف بالاستحداد وقلم الأظافر وإزالة شعر الإبط والأوساخ إذا تفاحش شيء في ذلك، وكذا إن لم يتفاحش، وله منعها من أكل ما يتأذى من رائحته؛ كبصل وثوم، ومن أكل ما يخاف منه حدوث المرض، وله منع الكتابية من شرب ما يسكر، وكذا من غيره ومن البيع والكنائس كما يمنع المسلمة من شرب النبيذ إذا كانت تعتقد إباحته من القدر الذي لا يُسكِر، وكذا من غيره، ومن المساجد والجماعات، وكالزوج فيما ذكر السيد كما فُهم بالأولى، وليس له إجبار أمته المجوسية أو الوثنية على الإسلام؛ لأن الرق أفادها الأمان من القتل". اهـ.
وقد ذهب بعض السلف -كسفيان الثوري- إلى أن النظر لعورات الكتابيات ممنوع؛ خوفًا من أن يجر النظر إلى الوقوع فيما يغضب الله، لا لأن لهن حرمة ذاتية ثابتة لهن في أنفسهن تُحَرِّم النظر لذواتهن من حيث هي، واستدل بقوله تعالى:{وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} [الأحزاب: 59]، وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ} [الأحزاب: 59]؛ أي إذا فعلن ذلك، عُرِفن أنهن حرائر لسن بإماءٍ ولا عواهر. (انظر: تفسير ابن كثير: 6/ 425، ط. دار الكتب العلمية).
والخلاصة: أن الزوج له أن يأمر زوجته الكتابية بالحجاب، فإن لم يأمرها أو أمرها فأَبَت لم يأثم؛ لكونها غير مكلفة بالفروع، أو أن المراد بتكليفها بالفروع المحاسبة عليه في الآخرة.
حكم توسعة المَسعى
المبـــــــادئ
1- ذهب الجمهور إلى أن السعي من أركان الحج والعمرة لا يتم أحدهما إلا به.
2- السعي في توسعة المسعى الجديد سعيٌ صحيحٌ تَبرأ به الذمة وتَسقُط به المطالبة والتكليف.
3- الأصل أن يُحمَل الكلام على موضوعه اللغوي إلا أن ينقله الشرع إلى معنى خاص.
4- من المقرر في قواعد الشريعة أن الزيادة المتصلة تتبع أصلها، وأن الزيادة لها حُكم المَزيد فيه، وأن ما جاوَر الشيء أَخَذ حُكمه، وهذه القواعد مَضبوطة بكون الزيادة لا تخالف تحديدًا شرعيًّا.
الســــــــــؤال
اطلعنا على الطلب المقيد برقم 1609 لسنة 2008م المتضمن:
ما حكم السَّعي في المَسعى الجديد الذي أنشأته الحكومة السعودية بغرض توسعة مكان السعي بين الصفا والمروة؟ وما حكم الإقدام على هذه التوسعة ابتداء؟ حيث يذكر بعض الناس أن عَرض المسعى مُحَدَّدٌ معروف لا تجوز الزيادة عليه، وأن الزيادة عليه افتئات على الدين واستدراك على الشرع.
الجــــــــــواب
أصل السعي لغة هو التَّصَرُّف في كل عمل، ومنه قوله تعالى: {وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} [النجم: 39]. أي: إلا ما عمل، وقد يُطلَق أيضًا ويُراد منه أحد أمور، منها القَصد، كما في قول القائل: سعى الرجل، إذا قصد، وبه فُسِّر قوله تعالى: {فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ} [الجمعة: 9]. أي: فاقصدوا، ويقال: سَعى لهم وعليهم، أي: عمل لهم فكسب، ويقال: سعى إذا مشى.
أما في اصطلاح الشرع فالمراد به هو قطع المسافة بين الصفا والمروة سبع مرات ذهابًا وإيابًا بعد أن يكون الناسك قد طاف بالبيت المُعَظَّم في الحج أو العمرة.
وقد اختلف العلماء في حكم السعي، فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه ركنٌ من أركان الحج والعمرة لا يتم أحدهما إلا به، وذهب الحنفية إلى أنه واجبٌ لا رُكن، فمن تركه عندهم فعليه دَمٌ وحَجُّه تام، وذهب أحمد في رواية عنه إلى أنه سُنَّة ولا يجب بتركه دمٌ، وهو مرويٌّ أيضًا عن بعض السلف، لكنَّ القَدْر المتفق عليه بين الجميع هو أن السعي من جُملة المطلوبات الشرعية.
والصفا والمروة اللذان أناط الشرع الشريف الحكم بهما -في مثل قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158]، وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم- للحجيج الذين أَهَلُّوا بالحج مفرَدًا: «أحِلُّوا مِن إحرامكم فطُوفوا بالبيت وبين الصَّفا والمَروَة». الحديث متفق عليه- هما الجبلان المتقابلان المعروفان بمكة المكرمة، الأول بسفح جبل أبي قُبَيس، والثاني بسفح جبل قُعَيقِعان. (يُنظر: تاج العروس للزبيدي باب الهاء فصل الصاد، وفصل الميم، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام للتقي الفاسي 2/ 218، 258 ط. دار الكتب العلمية).
وهذا المسعى الواقع بين جبلي الصفا والمروة كان الناس في السابق قد بَنَوا على جانبيه الشرقي والغربي وطرفيه الجنوبي والشمالي دُورًا ومنازل وحوانيت، مما أدى إلى ضيقه -وَصَف ذلك بشيء من التفصيل الدكتور عويد المطرفي، وهو ممن نشأ في هذه البقاع من صباه إلى شبابه وتابع التغيرات الطارئة على الجبلين والمسعى، وهو أيضًا أحد مؤلفي الأطلس التاريخي لمكة والمشاعر في كتابه رفع الأعلام بأدلة توسيع عرض المسعى المشعر الحرام- فقامت الحكومة السعودية عام 1375هـ بإزالة هذه المباني بعد تعويض أصحابها، ليَتَمَحَّض المسعى بعد ذلك للسعي والتعبد ويتسع للمسلمين الراغبين في أداء عبادتهم ونسكهم، ثم حدث أن زاد عدد الحجاج والمعتمرين بعد ذلك ازديادًا عظيمًا، فارتأت الحكومة السعودية القيام بتوسعة أخرى جديدة في عَرض المسعى لأجل أن تُيسر للمسلمين أداء سعيهم مشفوعًا بتحقق سلامتهم.
والذي نراه هو أن السعي في المسعى الجديد سعيٌ صحيحٌ تَبرأ به الذمة وتَسقُط به المطالبة والتكليف، فقد قال تعالى: {إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158]. ففي هذه الآية الكريمة قد أَمَر الله تعالى بالسعي بين الصفا والمروة، فدَلَّ هذا بالمنطوق على أن كل ما كان بين الجبلين فهو مكان للسعي؛ لأن الآية أطلقت ولم تخص محلا دون محل مما هو بين الجبلين، والمسعى الجديد واقع بين الجبلين. وينبغي هنا أن نلفت النظر إلى أمور مهمة، بتقريرها وفهمها يتم الاستدلال على مشروعية المسعى الجديد وصحة السعي فيه:
أولها: أنَّ المعتبر في هذا المقام هو ما يصدق عليه اسم الصفا والمروة لغة؛ لأن الشرع قد خاطبنا باللسان العربي، فالأصل أن يُحمَل الكلام على موضوعه اللغوي إلا أن ينقله الشرع إلى معنى خاص، فيقدم حينئذ المعنى الشرعي على المعنى اللغوي كما هو مُقَرَّرٌ في أصول الفقه، وليس هذا حاصلا هنا، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قد قام على موضع مخصوص من الصفا لا تُعرف عَينُه الآن، ثم سعى إلى المروة فقام على موضع مخصوص منها كذلك، ثم عاد في الشوط الثاني إلى الصفا ثم المروة، وهكذا سبعًا، ويُحتمل أنه قد قام وسعى في المرات التالية للمرة الأولى في نفس الطريق الأول والمواضع الأولى، ويُحتمل أن يكون قد وقع ذلك فيما يَقرب منه، ومع هذا فإنه لم يجئ عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- ولا عن أحد من أصحابه شيء يُخَصِّص محلا معينًا مما بين الصفا والمروة بأنه هو الذي يُسعى فيه دون غيره مما يقع بينهما، وذلك مُؤذِنٌ بأنَّ هذا التحديد والتقييد غيرُ مقصود شرعًا.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني -رحمه الله تعالى- 1386هـ في رسالته المخطوطة في توسعة المسعى بين الصفا والمروة: "وعدم مجيء شيء عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه في تحديد عَرض المسعى يُشعِر بأن تحديده غير مقصود شرعًا، وإلا لكان لتعرضه لمزاحمة الأبنية أولى بالتحديد من عرفات ومزدلفة ومنى، وقد ورد في تحديدها ما ورد". اهـ.
ولذلك أيضًا لم تتعرَّض كتب الفقه لتحديد المسافة العَرضية للمسعى بل تعرَّضت لتقرير أن من واجبات السعي استيفاء المسافة بين جبلي الصفا والمروة، وبعضُها قد ذكر تحديد المسافة الطولية وأنها مقدرة بسبعمائة وسبعة وسبعين ذراعًا دون تعرض للمسافة العَرضية، وهذا مُشعِرٌ بأنَّ مَدار الحكم ومُتَعَلَّقَه في استيفاء المسافة الطولية هو أداء شعيرة السعي بين الجبلين بصرف النظر عن السعة العَرضية ما دام أنه يَصدُق على الساعي أنه قد أَدَّى شعيرة السعي بينهما وفي حدودهما، فمدلول الحكم في تحديد العَرض هو مدلول كلمة جبل الصفا وجبل المروة بكامل المدلول اللغوي لهذين الاسمين؛ لأنه لم يرد تحديد شرعي لهما ينافي هذا المدلول اللُّغَوي. وقد سئل الإمام شمس الدين الرملي في فتاويه -2/ 86 ط: المكتبة الإسلامية-: "هل ضُبِط عَرض المَسعى؟ فأجاب بقوله: لم أر من ضبطه، وسكوتهم عنه لعدم الاحتياج إليه؛ فإن الواجب استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة كل مرة بأن يلصق عقبه بما يذهب منه ورؤوس أصابع رجليه بما يذهب إليه، والراكب يلصق حافر دابته". اهـ.
وقال أيضًا في نهاية المحتاج -3/ 291 ط: دار الفكر-: "ولم أَرَ في كلامهم ضبط عَرض المسعى، وسكوتهم عنه لعدم الاحتياج إليه، فإن الواجب استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة كل مرة، ولو التوى في سعيه عن محل السعي يسيرًا لم يضر، كما نص عليه الشافعي رضي الله عنه". اهـ.
وأما ما ذكره بعض المؤرخين من أن عَرض المسعى خمسة وثلاثون ذراعًا، فليس ذلك تحديدًا شرعيًّا منهم لعَرض المسعى بحيث يكون ملزمًا لا يحل الزيادة عليه، بل هو وَصفٌ للواقع الذي شاهدوه، حيث لم يحدد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عَرض المسعى ولا حَدَّده المسلمون بحدود معلومة، فكان الواجب في السعي هو أن يكون بين الصفا والمروة على ما كانا عليه قبل أن تنالهما التغييرات بالتكسير أو النسف أو البناء عليها أو بينهما.
قال العلامة الشيخ عبد الحميد الشَّرْواني في حواشيه المفيدة على تحفة المحتاج -4/ 98 ط: المكتبة التجارية الكبرى بمصر مع التحفة وحاشية ابن قاسم العَبَّادي- ما نصه: "هذا ولك أن تقول: الظاهر أن التقدير لعَرضه -أي المسعى- بخمسة وثلاثين أو نحوها على التقريب؛ إذ لا نص فيه يُحفَظ عن السنة، فلا يضر الالتواء اليسير لذلك بخلاف الكثير، فإنه يخرج عن تقدير العَرض ولو على التقريب، فليتأمل". اهـ.
الثاني: أن المسعى الذي هدمته الحكومة السعودية مؤخرًا ليس هو المسعى الذي كان في العهد النبوي ولا في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، بل أصل المسعى قد أُخذ من عَرضه بزحف المباني عليه شرقًا وغربًا عبر العصور اللاحقة. ويؤكد ذلك ما ورد عن يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم عن جده عثمان بن الأرقم أنه كان يقول: أسلم أبي سابع سبعة، وكانت داره على الصفا، وهي الدار التي كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يكون فيها في الإسلام، وفيها دعا الناس إلى الإسلام، فأسلم فيها قوم كثير، وقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ليلة الإثنين فيها: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام»، فجاء عمر بن الخطاب من الغد بكرة فأسلم في دار الأرقم، وخرجوا منها وكبروا وطافوا بالبيت ظاهرين، ودُعيت دار الأرقم دار الإسلام، وتَصَدَّق بها الأرقم على ولده، فقرأت نسخة صدقة الأرقم بداره: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قضى الأرقم في ربعه ما حاز الصفا أنها صدقة بمكانها من الحرم لا تباع ولا تورث. شهد هشام بن العاص وفلان مولى هشام بن العاص، قال -أي يحيى بن عمران-: فلم تزل هذه الدار صدقة قائمة، فيها ولده يسكنون ويؤاجرون ويأخذون عليها حتى كان زمن أبي جعفر.
قال محمد بن عمر -أحد رواة الحديث-: "فأخبرني أبي عن يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم قال: إني لأعلم اليوم الذي وقع في نفس أبي جعفر أنه يسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها ونحن على ظهر الدار، فيمر تحتنا لو أشاء أن آخذ قلنسوته لأخذتها، وإنه لينظر إلينا من حين يهبط الوادي حتى يصعد إلى الصفا. الحديث. رواه الإمام الحاكم في مستدركه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص. والشاهد من هذا الحديث أن دار الأرقم كانت على الصفا قديمًا، ودار الأرقم موضعها معروف في القديم والحديث لم يتغير، والخريطة التي أعدتها هيئة المساحة المصرية عام 1947م توضح أن دار الأرقم تبعد أكثر من ثلاثين مترًا عن حدود منتهى عَرض المسعى في التوسعة السعودية الأولى، ومشروع المسعى الجديد يمتد إلى شرق المسعى عشرين مترًا، فيكون هذا الامتداد داخلا في حيز المسعى الحقيقي.
الثالث: أن جبلي الصفا والمروة قد تعرضا عبر الأزمان لتغيرات من تكسير وتشذيب وتسوية مع سطح الأرض، من هذه التغيرات ما هو بفعل عوامل الطبيعة، ومنها ما هو بتدخل الإنسان؛ ففي عام 1375هـ تم تقطيع أكتاف جبل الصفا وفُتح عليها شارعٌ لمرور السيارات، ثم في عام 1401هـ تمت إزالة هذا الشارع، وقطع الجبل من أصله، وفصل موضع الصفا عن الجبل، وفُتح بينه وبين الجبل الأصلي طريقٌ متسع للمشاة بين ما بقي من أصل الجبل وبين جُدُر الصفا، وهذه التغيرات قد أدت إلى أن يتغير حجم الجبل عما كان في عهد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وما قبله، ومعلوم أن إزالة جزء من صخور الجبلين لا يُغَيِّر الحكم الشرعي في السعي بين مكاني هذه الصخور ولو سُوِّيَا بالأرض. ونظير هذا ما ذكره الفقهاء ومنهم سيدي أحمد الدردير في شرحه الكبير على مختصر خليل من كتب المالكية -1/ 224، 225 ط: دار إحياء الكتب العربية مع حاشية الدسوقي- من أنه لو هُدمت الكعبة المُشَرَّفة ونُقل حجرها ونُسي محلها -حماها الله تعالى بفضله من ذلك- فالواجب إذ ذاك الاجتهاد في استقبال جهتها اتفاقًا، فزوال جِرمها لا يوجب زوال وجوب استقبال مكانها، فكأنَّ لها وجودًا حُكميًّا، فكذلك ما نحن فيه، فإن ما تمت إزالته من جرم الصفا والمروة حتى وإن لم يكن له وجود حقيقي فإن له وجودًا حُكميًّا، فيصح السعي في حدوده.
ولما هَمَّت الحكومة السعودية بالتوسعة الأخيرة اسْتَكْتَبَت غير واحد من العلماء، ومنهم من عاش في مكة من طفولته إلى شيخوخته ورآها على طبيعتها لم تتغير معالمها قبل حدوث توسعة الحرم المكي الشريف، كما استدعت مجموعة من كبار السن من أفاضل شيوخ مكة المكرمة ممن كانوا يقطنون منطقة الصفا والمروة أصغرهم قد تجاوز السبعين عامًا، وأدلوا بشهاداتهم أمام قاضي مكة وسجلت شهاداتهم، وكان حاصل كلام هؤلاء وأولئك هو أن جبلي الصفا والمروة كانا ممتدين فيما مضى بأكثر مما هو واقع اليوم بمسافة تشمل وتستوعب الزيادة الحادثة.
ومن المقرر أن أمثال هذه الشهادات والنقول كافية في باب الإثبات، يقول ابن القيم في إعلام الموقعين -2/ 282 ط: دار الكتب العلمية-: "وأما نقل الأعيان وتعيين الأماكن فكنقلهم الصاع والمد، وتعيين موضع المنبر، وموقفه للصلاة، والقبر والحجرة ومسجد قباء، وتعيين الروضة والبقيع والمصلى ونحو ذلك، ونَقلُ هذا جارٍ مجرى نقل مواضع المناسك كالصفا والمروة ومنى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة ومواضع الإحرام كذي الحليفة والجحفة وغيرهما". اهـ.
وقد قامت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية أيضًا باختبار عينات جبل الصفا والمنطقة التي ستشملها توسعة المسعى في الجهة الشرقية، فأثبتت في تقريرها أن جبل الصفا لسانٌ من أبي قبيس لديه امتداد سطحي بالناحية الشرقية مسامت للمشعر بما يقارب ثلاثين مترًا، وأن جبل المروة يمتد امتدادًا سطحيًّا مسامتًا للمشعر الحالي بما يقارب واحدًا وثلاثين مترًا، وهذا يُعَضِّد أيضًا ما نقله الشهود.
والاعتراض بأننا متعبدون بالظاهر وأن استعمال المعارف الجيولوجية بالتنقيب في باطن الأرض تَكَلُّفٌ لم يأمرنا الله تعالى به حتى نمتثل ما شرعه، غير سديد؛ لأننا لا نَتَكلَّف مجرد استخراج مستور، بل إننا نبحث عما يدل على ما كان ظاهرًا ومشاهدًا ومعلومًا من امتداد جبلي الصفا والمروة وتمت إزالته، فأَخْذ عينة من باطن الأرض في مثل هذه الحال ضرورةٌ لإثبات ما كان ظاهرًا وأُزيل؛ لأن مكونات الجبل واحدة في أعلاه وفي أسفله.
الرابع: من المقرر في قواعد الشريعة أن الزيادة المتصلة تتبع أصلها، وأن الزيادة لها حُكم المَزيد فيه، وأن ما جاوَر الشيء أَخَذ حُكمه، وهذه القواعد كلُّها تنطبق على المسعى الجديد من حيث اتصالُه بمكان المسعى القديم، والاعتراض على تخريج هذه النازلة على هذه القواعد بأن المَشعَر توقيفي لا تجوز الزيادة عليه، وأن القول بإلحاق الزيادة بالمَزيد يجعل الأمر غير مُنضبط بحَدٍّ مُعَيَّن اعتراضٌ مدفوعٌ بأن المسعى الجديد لا يخرج عن حَيِّز التوقيف؛ حيث إنه في حدود ما بين الصفا والمروة غير خارج عنها كما سبق بيانه، فهو من الزيادة المعتبرة شرعًا، والقواعد المذكورة ليست مُرسَلَة بل هي مَضبوطة بكون الزيادة لا تخالف تحديدًا شرعيًّا، وهذا هو ما ندعيه هنا وقد دَلَّلنا عليه وذكرنا النقول التي تُعَضِّده.
الخامس: هذا التعديل الذي أجرته الحكومة السعودية مؤخرًا لم يكن هو التعديل الوحيد الذي حَدَث لعَرض المسعى؛ فقد نقل الأثبات من المؤرخين كأبي الوليد الأزرقي في تاريخه والفاكهي والقطب الحنفي في كتابه "الإعلام بأعلام بيت الله الحرام" وغيرهم خبر الزيادة التي أجراها المهدي العباسي في عَرض مَشعر المسعى، وقد استشكل القطب الحنفي ذلك، ثم أجاب عن هذا الإشكال، فقال -ص105، 106، ط: مكتبة الثقافة الدينية-: "وأما المكان الذي يُسعَى فيه الآن فلا يُتَحَقَّق أنه بَعضٌ من المسعى الذي سَعَى فيه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أو غيره، فكيف يصح السعي فيه وقد حُوِّل عن محله كما ذكر هؤلاء الثقات؟ ولعل الجواب عن ذلك: أن المسعى في عهد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كان عريضًا، وبنيت تلك الدور بعد ذلك في عَرض المسعى القديم، فهدمها المهدي وأدخل بعضها في المسجد الحرام وترك بعضها للسعي فيه، ولم يُحَوَّل تحويلا كليًّا، وإلا لأنكره علماء الدين من الأئمة المجتهدين -رضوان الله عليهم أجمعين- مع توفرهم إذ ذاك؛ فكان الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن -رضي الله عنهما- والإمام مالك بن أنس -رضي الله عنه- موجودين يومئذ، وقد أقروا ذلك وسكتوا، وكذلك من صار بعد ذلك الوقت في مرتبة الاجتهاد كالإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وبقية المجتهدين رضوان الله عليهم أجمعين، فكان إجماعًا منهم -رضي الله عنهم- على صحة السعي من غير نكير نُقِل عنهم". اهـ.
والمتأمل في هذه الأمور السابقة كلِّها يَقطع بمشروعية السعي في المسعى الجديد، ويَقطع أيضًا بأن ما قام به ولاة الأمور في المملكة العربية السعودية من تعديل في عَرض المسعى هو أمرٌ حَسَنٌ محمودٌ مُتَّسق مع مطلوبات الشرع ومقاصده، فهو من التعاون على البر والتقوى، وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰ} [المائدة: 2]. وهو من تعظيم شعائر الله التي قال فيها عز من قائل: {ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} [الحج: 32]. قال البيضاوي في تفسيره -295، 296 ط: دار صادر، مع حاشية الشهاب-: "{ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ} دين الله أو فرائض الحج ومواضع نسكه. {فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ} فإن تعظيمها منه من أفعال ذوي تقوى القلوب". اهـ بتصرف.
ومن تعظيم شعائر الله إجلالها والقيام بها والتزامها ومراعاة أحكامها وشرائطها وتكميلها على أكمل ما يقدر عليه العبد، وكذلك إعانة الغير على ذلك كله، ولا يخفى تَحَقُّق كل هذه المعاني في عملية التوسعة. وكذلك فإن فيه من التيسير ورفع العنت عن المسلمين في أداء شعائرهم ومناسكهم ما هو واضح لكل ذي عينين، وقد قال -صلى الله عليه وآله وسلم- فيما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- واللفظ للبخاري: «يَسِّروا ولا تُعَسِّروا وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا». كما أن فيه التَّحَرِّي لما يجب على ولي الأمر من رعايةٍ لمن يليهم، حيث تتزايد أعداد الحجيج والمعتمرين كل عام بما يوجب على ولي الأمر أن يأخذ في اعتباره هذا التزايد ويبحث عن طرق شرعية لمواجهته، وفيه رعاية لمقصد حفظ النفس التي هي إحدى الضروريات الخمس التي يجب حفظها في كل المِلَل، وغير خافٍ ما يحدث من تهارج وتزاحم بين الحجيج قد يؤدي مع ضيق المسعى إلى تلف النفوس المعصومة، ومعلوم أن التزاحم في المناسك ليس مقصودًا شرعيًّا، والشرع قد نظر إلى التوسعة على الناسكين ووقايتهم من التدافع والتزاحم وراعاها، والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ما سُئِل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر في حجة الوداع إلا قال: «افعل ولا حَرَج» رواه البخاري. وليس هذا إلا لمنع التدافع والتزاحم.
تغيير الجنس لعلاج اضطراب الهوية الجنسية
السؤال
كثر الحديث مؤخرًا في وسائل الإعلام المختلفة عن مرض يسمى (اضطراب الهوية الجنسية) وظهر عديد من الأشخاص يدَّعون أنهم في معاناة حقيقية وحياة مريرة بسبب هذا المرض، وأن الحل الجذري لمشكلتهم هو إجراء عملية جراحية للتحويل إلى الجنس الآخر، زاعمين أن عقولهم وأرواحهم تنتمي إلى الجنس الآخر لكنها تجسدت في البدن الخطأ، ويصفون العملية الجراحية بـأنها تصحيح للجنس وليست تغييرًا للجنس تجنبًا لتهمة العبث وتغيير خلق الله، ويستشهدون بتصريحات لبعض الأطباء تؤكد أن هذا المرض لا يستجيب للعلاج الهرموني ولا العلاج النفسي، بل إنه لا علاج له حتى الآن سوى تغيير الجنس، فهل يعتبر هذا المرض عذرًا شرعيًّا يجيز إجراء عملية التحويل؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد، فاضطراب الهوية الجنسية أو ما يسمى بالإنجليزية: (Gender identity disorder) ويعرف اختصارًا بـ(GID) هو تشخيص يطلقه أطباء وعلماء النفس على الأشخاص الذين يعانون من حالة من عدم الارتياح أو القلق حول نوع الجنس الذي ولدوا به، وهو يعتبر تصنيفًا نفسيًّا، يصف المشاكل المتعلقة بالتغير الجنسي وهوية التحول الجنسي والتشبه بالجنس الآخر، وهذا المرض النفسي يعني باختصار أن يجد الإنسان المريض في نفسه شعورًا لا إراديًّا بأنه ينتمي إلى الجنس الآخر رغم اكتمال خلقته الجسدية وسلامة أعضائه التناسلية.
والجندر (Gender): كلمة إنجليزية تنحدر من أصل لاتيني، وهي لغة: الجنس. من حيث الذكورة والأنوثة، ويستخدم لتصنيف الأسماء والضمائر والصفات.
ويُعَرِّف هذا المصطلح منظمة الصحة العالمية بأنه: الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات اجتماعية مركبة لا علاقة لها بالاختلافات العضوية، وتعرّفه الموسوعة البريطانية بأنه: شعور الإنسان بنفسه كذكر أو كأنثى، ومن ثم فإذا قام الرجل بوظيفة الأنثى، أو قامت الأنثى بوظيفة الذكر، فإنه لن يكون هنالك ذكر أو أنثى، وإنما سيكون هنالك «نوع» أي «جندر»، وهذا يعني أن اختلاف الرجل والمرأة البيولوجي لا علاقة له باختيار النشاط الجنسي الذي يمارسه كل منهما، وهنا دعوة صريحة للشذوذ الجنسي، ويعني أيضًا قيام الرجل بوظائف المرأة، وقيام المرأة بوظائف الرجل؛ لأن هذه الوظائف المخصصة لكل منهما حددها المجتمع ولم يحددها طبيعة الذكورة والأنوثة كما يزعمون، وهذا يعني أيضًا أنه هدم للأسرة التي هي نواة المجتمعات كلها ومن دونها يخرب المجتمع.
وحقيقة الإنسان أنه كائن فقير وضعيف، فهو في حاجة دائمة إلى أن يستمد وجوده ومقومات حياته من خالقه الذي أوجده في هذه الدنيا، وقد أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بإظهار حقيقة الإنسان وحقيقة ما يملكه قائلا: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28]، {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ} [يونس: 49]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ 15 إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ 16 وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ } [فاطر: 15 – 17]، وقد يتوهم الإنسان لنفسه ملكية حقيقية يدعيها جاهلا مفتونا على خلاف واقع الأمر كما قال تعالى: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 49]، وروى الترمذي في سننه عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ». وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا».
فدلت هذه النصوص الشرعية على أن الإنسان لا يملك جسده ملكا حقيقيا؛ لأنه مسؤول عنه أمام الله تعالى، ومجازى على تصرفه فيه وما اقترفه من ظلم في حق نفسه وجسده، بينما المالك الحق لا يُسأل ولا يُجازى على ما فعل في ملكه، قال تعالى: {قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ} [آل عمران: 26]، وقال تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]، وكما تدل محاسبة الإنسان على ماله -من أين اكتسبه وفيما أنفقه- على أنه لا يمتلكه ملكا حقيقيا يبيح له حرية التصرف المطلقة، فكذلك تدل محاسبته على جسده فيما أبلاه.
يقول ابن الحاج المالكي في «المدخل» (1 /132، ط. دار التراث): «وإن كان للإنسان أن يتصرف في ماله لكن تصرفا غير تام محجورا عليه فيه؛ لأنه لا يملك الملك التام؛ لأنه أبيح له أن يصرفه في مواضع ومنع أن يصرفه في مواضع، فالمال في الحقيقة ليس هو ماله وإنما هو في يده على سبيل العارية على أن يصرفه في كذا ولا يصرفه في كذا، وهذا بيِّن منصوص عليه في القرآن والحديث» اهـ.
وعلى هذا الأساس لا يحق للإنسان التصرف في أعضاء جسده إلا في حدود ما بينت شريعة الإسلام إباحته بنص خاص أو بنص عام، قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ 116 فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115،116]، فالإنسان لم يخلق عبثًا ولن يترك سدى بلا أمر ونهي وحساب، فإنه عبد مكلف في الحياة الدنيا بمهام محددة يؤديها ويثاب أو يعاقب بناء على ما عمل، {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105].
وفيما يتعلق بالتدخل الجراحي في أعضاء الإنسان التناسلية، فأصله المنع إلا للضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة؛ لأن الشريعة الإسلامية قد حرمت الخصاء وما في معناه لكونه تغييرا لخلق الله تعالى، قال عز وجل: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا 117 لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا 118 وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء: 117-119]، فالقرآن الكريم يوضح أن تغيير خلق الله تعالى محرم؛ لأنه امتثال لأمر الشيطان وولاء له من دون الله وخسران مبين، والخصاء ونحوه تغيير لخلق الله، ومخالفة لفطرته التي فطر الناس عليها فهو حرام، وقد جاء في التفسير عن ابن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهم وأيضا عن غيرهما من السلف الصالح، أن المراد بتغيير خلق الله الوارد في الآية الكريمة: هو الخصاء. (انظر: تفسير الإمام الطبري، جامع البيان 9 /215- 216، ط. مؤسسة الرسالة)، لكن إذا كان في الجراحة بتر بعض أعضاء الجسد للإبقاء على الحياة مثلا أو منافع سائر الأعضاء، فالقاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات، وأنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما. (انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 84، 87، ط دار الكتب العلمية).
واضطراب الهوية الجنسية لبعض الأشخاص مشكلة معروفة منذ زمن قديم سابق لعصور الإسلام، لكن معناها أن تجتمع في الشخص الواحد علامات ومؤشرات شكلية وسلوكية للذكورة والأنوثة مع تفاوت في نسبة ذلك بين مريض وآخر، غير أن هذه المشكلة لها حالتان: فقد تكون مشكلة فعلية لا دخل لإرادة الشخص فيها؛ وقد تكون مفتعلة بإرادته، ولكل حالة من هاتين حكم وعلاج. ويسمى من ابتلي بهذا الاضطراب (خنثى) إذا كان الاضطراب جسديا شكليا فكانت له آلة تناسل الذكر والأنثى، فإذا استحكم اللبس وأشكل الأمر بحيث لم يعلم أيهما الأصل وأيهما الزائد سمي: (خنثى مشكل) وكذا إذا لم يكن له آلة أصلا.
وقد ذكر الفقهاء أن ترجيح جنس الخنثى المشكل بميوله القلبية لا يعتبر إلا في حالتين؛ الأولى: عند العجز عن علامات ظاهرة، والثانية: إذا كان ليس له ذكر رجل ولا فرج أنثى، وفيما عدا هاتين الحالتين لا يجوز إلحاقه بأي الجنسين بناء على ميوله القلبية أو ما يمكن أن يعبر عنه اليوم بالإحساس الداخلي بأن روحه تنتمي إلى الجنس الآخر (انظر: روضة الطالبين للنووي 1 /79، ط. المكتب الإسلامي).
وجاء في «الأشباه والنظائر» للسيوطي (ص241- 242): «قال النووي: الخنثى ضربان: ضرب له فرج المرأة، وذكر الرجال. وضرب ليس له واحد منهما. بل له ثقبة يخرج منها الخارج، ولا تشبه فرج واحد منهما، فالأول: يتبين أمره بأمور: أحدها: البول، فإن بال بذكر الرجال وحده: فرجل، أو بفرج النساء: فامرأة، أو بهما اعتبر بالسابق، إن انقطعا معًا. وبالمتأخر إن ابتدآ معًا، فإن سبق واحد، وتأخر آخر: اعتبر بالسابق، فإن اتفقا فيهما فلا دلالة في الأصح، ولا ينظر إلى كثرة البول من أحدهما، ولا إلى التزريق بهما، أو الترشيش. الثاني، والثالث: خروج المني والحيض في وقت الإمكان. فإن أمنى بالذكر، فرجل، أو الفرج أو حاض، فامرأة. بشرط أن يتكرر خروجه ليتأكد الظن به، ولا يتوهم كونه اتفاقيا. كذا جزم به الشيخان. قال الإسنوي: وسكوتهما عن ذلك في البول يقتضي عدم اشتراطه فيه. والمتجه: استواء الجميع في ذلك، قال: وأما العدد المعتبر في التكرار فالمتجه: إلحاقه بما قيل في كلب الصيد: بأن يصير عادة له. فإن أمنى بهما، فالأصح أنه يستدل به، فإن أمنى نصفه مني الرجال فرجل، أو نصفه مني النساء، فامرأة، فإن أمنى من فرج الرجال نصفه منيهم ومن فرج النساء نصفه منيهن، أو من فرج النساء نصفه مني الرجال، أو عكسه، فلا دلالة، وكذا إذا تعارض بول وحيض، أو مني بأن بال بفرج الرجال، وحاض أو أمنى بفرج النساء. وكذا إذا تعارض المني والحيض في الأصح. الرابع: الولادة. وهي تفيد القطع بأنوثته، وتقدم على جميع العلامات المعارضة لها. قال في شرح المهذب: ولو ألقى مضغة وقال القوابل: إنه مبدأ خلق آدمي: حكم به. وإن شككن دام الإشكال. قال: ولو انتفخ بطنه، وظهرت أمارة حمل: لم يحكم بأنه امرأة، حتى يتحقق الحمل. قال الإسنوي: والصواب الاكتفاء بظهور الأمارة فقد جزم به الرافعي في آخر الكلام على الخنثى. وتبعه عليه في الروضة. كذا في شرح المهذب في موضع آخر وهو الموافق الجاري على القواعد المذكورة في الرد بالعيب، وتحريم الطلاق، واستحقاق المطلقة النفقة، وغير ذلك. الخامس: عدم الحيض في وقته علامة على الذكورة، يستدل بها عند التساوي في البول نقله الإسنوي عن الماوردي، قال: وهي مسألة حسنة قل من تعرض لها. السادس: إحباله لغيره، نقله الإسنوي عن العدة، لأبي عبد الله الطبري، وابن أبي الفتوح وابن المسلم. قال: ولو عارضه حبله قدم على إحباله، حتى لو وطئ كل من المشكلين صاحبه» فأحبله، حكمنا بأنهما أنثيان، ونفينا نسب كل منهما عن الآخر. السابع: الميل ويستدل به عند العجز، عن الأمارات، السابقة، فإنها مقدمة عليه، فإن مال إلى الرجل فامرأة، أو إلى النساء فرجل، فإن قال: أميل إليهما ميلا واحدا، ولا أميل إلى واحد منهما، فمشكل. الثامن: ظهور الشجاعة، والفروسية، ومصابرة العدو، كما ذكره الإسنوي تبعا لابن المسلم. التاسع إلى الثاني عشر: نبات اللحية، ونهود الثدي، ونزول اللبن، وتفاوت الأضلاع في وجه. والأصح أنها لا دلالة لها. وأما الضرب الثاني -أي الذي ليس له ذكر رجل ولا فرج أنثى- ففي شرح المهذب عن البغوي: أنه لا يتبين إلا بالميل. قال الإسنوي: ويتبين أيضا بالمني المتصف بأحد النوعين، فإنه لا مانع منه. قال: وأما الحيض، فيتجه اعتباره أيضا. ويحتمل خلافه؛ لأن الدم لا يستلزم أن يكون حيضا، وإن كان بصفة الحيض، لجواز أن يكون دم فساد بخلاف المني» اهـ.
أما إذا كان الاضطراب اللاإرادي والمشابهة عارضة للسلوك والكلام والحركات فيسمى المبتلى مخنَّثا (بفتح النون المشددة) إذا كان ذكرا، ومُتَرَجِّلَة إذا كانت أنثى، ولا يلحق هذا المبتلي عقاب ولا لوم إلا إذا أمكنه دفع هذا الاضطراب فلم يفعل.
أما من افتعل هذا الاضطراب بأن يتشبه بالجنس الآخر فإن كان رجلا سمي مخنَّثا (بالفتح) وقيل: بل مخنِّثا (بكسر النون المشددة)، وإن كانت امرأة سميت مترجلة، وفي الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري في صحيحه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ» قَالَ: فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلانًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلانًا. (رواه البخاري)، وفي رواية أخرى للحديث توضح أن المقصود بالمخنثين والمترجلات المتشبهون بالجنس الآخر بافتعال وتصنع واختيار، جاء فيها: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ».
يقول الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (10 /332، ط دار المعرفة): «قال الطبري: المعنى لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس. قلت: وكذا في الكلام والمشي فأما هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كل بلد فرب قوم لا يفترق زي نسائهم من رجالهم في اللبس لكن يمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار، وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به، وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين وأما إطلاق من أطلق كالنووي وأن المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني والتكسر في المشي والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك وإلا متى كان ترك ذلك ممكنا ولو بالتدريج فتركه بغير عذر لحقه اللوم» اهـ.
فالاضطراب المفتعل انحراف سلوكي يقتضي التعزير والردع وإعادة تأهيل المنحرف، فإذا تجاوز افتعال الاضطراب والتشبه بالجنس الآخر حد السلوك إلى حد إجراء عملية جراحية من أجل التشبه بالجنس الآخر، كان هذا التصرف جريمة لا يجوز الإقدام عليها طلبا وفعلا تستحق العقوبة؛ لأنه تغيير لخلق الله وكفر لنعمته وتشويه وإضرار بالنفس غير جائز شرعا، ويقال في هذا ما قاله العلماء عن جراحة الخصاء وما شابهها.
يقول الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (9 /119): «قوله: (فنهانا عن ذلك) -أي عن الخصاء- هو نهي تحريم بلا خلاف في بني آدم لما تقدم، وفيه أيضا من المفاسد تعذيب النفس والتشويه مع إدخال الضرر الذي قد يفضي إلى الهلاك، وفيه إبطال معنى الرجولية وتغيير خلق الله وكفر النعمة؛ لأن خلق الشخص رجلا من النعم العظيمة فإذا أزال ذلك فقد تشبه بالمرأة واختار النقص على الكمال» اهـ.
ويقول الإمام القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن 5 /391، ط. دار الشعب): «وأما الخصاء في الآدمي فمصيبة فإنه إذا خصي بطل قلبه وقوته عكس الحيوان وانقطع نسله المأمور به في قوله عليه السلام: «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم»، ثم إن فيه ألما عظيما ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك فيكون فيه تضييع مال وإذهاب نفس وكل ذلك منهي عنه، ثم هذه مُثْلة وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة، وهو صحيح وقد كره جماعة من فقهاء الحجازيين والكوفيين شراء الخصي من الصقالبة وغيرهم وقالوا: لو لم يشتروا منهم لم يخصوا، ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز لأنه مُثْلَةٌ وتغيير لخلق الله تعالى وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود، قاله أبو عمر» اهـ.
أما الاضطراب اللاإرادي فهو ابتلاء مرضي ينبغي علاجه ويراعى في معالجته استقراء علامات الذكورة والأنوثة العضوية فتتحدد هوية المريض بناء على ذلك، ويجوز حينئذ إجراء العملية الجراحية وما تتطلبه من علاج بعد تحديد الهوية الجنسية لإبراز الهوية الحقيقية، وإزالة العناصر العضوية والآثار النفسية التي سببت اضطراب الهوية الجنسية للمريض؛ لأن القاعدة الشرعية أن (الضرر يزال)، ولا شك أن هذا التشابه والالتباس ضرر، فإزالته واجبة قدر الاستطاعة؛ لأن تركه مع إمكان دفعه يوقع صاحبه في إثم التشبه بالجنس الآخر المستوجب للَّعن.
وبناء على ما سبق فإنه لا يجوز إجراء العملية الجراحية التي تسمى: تحويل الجنس أو تغييره أو تصحيحه إلا في حالة الخنثى الذي اجتمعت فيه أعضاء جسدية تخص الذكور والإناث (كآلة التناسل مثلا)، كما يتضح أنه لا يجوز شرعا الاعتماد في تحديد هوية (الخنثى المشكل) الجنسية على سلوكه وميوله إلا في حالتين: الأولى: عند العجز عن التحديد بناء على العلامات المادية المذكورة، والثانية: إذا لم يكن له ذكر رجل ولا فرج أنثى، وفيما عدا هاتين الحالتين لا يجوز إلحاقه بأي الجنسين بناء على ميوله القلبية أو ما يمكن أن يعبر عنه اليوم بالإحساس الداخلي بأن روحه تنتمي إلى الجنس الآخر. هذا وإنَّ فشل أطباء الغرب ومقلديهم في الشرق في علاج من يسمونهم مرضى (اضطراب الهوية الجنسية) نفسيًّا لا يقتضي التسليم التام بأنه لا علاج لهم سوى العملية الجراحية ومسخ آدميتهم، فماذا لو كان فهم الإسلام والتزام شريعته وآدابه يعتبر ركنا أصيلا في علاج المرضى الذين يريدون العلاج حقا، لا الذين يتبعون شهواتهم الشيطانية الشاذة، ويريدون الاعتراف بشرعية جريمتهم في حق أنفسهم وفي حق الآدمية وفي حق الخالق عز وجل، ومهما أجرى المخنث من عمليات جراحية لتحويله صوريًّا إلى الجنس الآخر لم يتحول شرعًا، ولا يُعطى الحقوق المادية أو المعنوية إلا المناسبة لحقيقته قبل عمليات المسخ والتشويه التي أجراها. والله تعالى أعلم.
حكم إضافة لقب عائلة كافل اليتيم إليه
المبــادئ
1- يجوز شرعًا لكافل الطفل اليتيم أو مجهول النسب أن يضيف لقب عائلة الكافل إلى اسم الطفل، أو يغير الاسم الأخير من اسم الطفل إلى اسم تلك العائلة بحيث يظهر مطلق الانتماء إليها.
2- الولاء جائز شرعًا.
الســــــــــؤال
اطلعنا على الطلب المقيد برقم 1345 لسنة 2006م المتضمن:
هل يجوز إضافة اللقب "عبد الحميد" وهو الاسم الرابع في اسمي لمكفولي/ إبراهيم كامل إبراهيم بركات، ليصير: إبراهيم كامل إبراهيم عبد الحميد؟
الجــــــــــواب
يجوز شرعًا لكافل الطفل اليتيم أو مجهول النسب أن يضيف لقب عائلة ذلك الكافل، سواء أكان رجلا أم امرأة إلى اسم الطفل أو تغيير الاسم الأخير من اسم الطفل إلى اسم تلك العائلة بحيث يظهر مطلق الانتماء إليها دون الإخلال أو التدليس بأنه ابنه أو ابنته من صلبه حتى لا يدخل في نطاق التبني المحرم شرعًا، بل إن تلك الإضافة ستكون مثل علقة الولاء التي كانت بين القبائل العربية قديمًا، والولاء جائز شرعًا ويحقق مصلحة الطفل في مراحله العمرية المختلفة مع الاحتفاظ بالأحكام الشرعية من حرمة التبني وما يترتب عليه من آثار شرعية.
وبناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنه يجوز إضافة اسم "عبد الحميد" بدلا من اسم "بركات"، فيكون اسم الطفل "إبراهيم كامل إبراهيم عبد الحميد"، ولا يعد ذلك من التبني المنهي عنه شرعًا.
حكم ترك المبيت بمِنى لأهل الأعذار، والتوكيل في رمي الجمار
المبـــــــادئ
1- المحافظة على النفس من المقاصد المهمة للشريعة الإسلامية.
2- درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح.
3- يرى الجمهور أن المبيت بمنى واجب، إلا أنهم رخصو لِمَن كان له عذر شرعي بترك المبيت بمنى، ويجوز له أيضًا التوكيل في رمي الجمرات.
الســــــــــؤال
اطلعنا على الطلب المقيد برقم 1609 لسنة 2009م المتضمن:
ما حكم ترك المبيت بمِنى للضَعَفة والمرضى والنساء من الحجاج؟ وما حكم توكيل هؤلاء لغيرهم في الرمي عنهم؟
الجــــــــــواب
المحافظة على النفس من المقاصد المهمة للشريعة كما هو معلوم، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فإن من المقرر في قواعد الفقه أن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، وإذا كان هناك تعارض بين المصالح وُفِّق بينها، وإلا قدم أعلاها على حساب أدناها، ونفس المؤمن تتوق دائمًا إلى أداء فريضة الحج، إلا أن الله قد جعل ذلك لمن استطاع إليه سبيلا، كما جعل الإحصار عذرًا في ترك تكملة أداء (المناسك).
والمحافظة على أرواح الحجيج واجب شرعي، فعلى الجميع أن يعملوا على المحافظة عليها؛ لعظم حرمتها. وعن ابن عباس قال: «لَمَّا نَظَرَ رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى الكعبة قال: مَرحَبًا بكَ مِن بَيتٍ، ما أَعظَمَك وأَعظَمَ حُرمَتَك، ولَلمؤمنُ أَعظَمُ عندَ اللهِ حُرمةً منك» رواه البيهقي.
وفي هذه الأيام تزداد الحاجة إلى التيسير على الناس في فتاوى الحج وأحكامه، فإن من الحكمة مراعاة أحوال الناس في أدائهم لمناسك الحج، بحيث نجنب الحجيج ما قد يصيبهم من أمراض وأوبئة، حتى يعودوا إلى أهلهم سالمين غانمين إن شاء الله تعالى، خاصة في الأماكن التي يكثر فيها التجمع، والتي جعل الله فيها سعة لعباده، والمبيت بمنى ليالي التشريق مختلف فيه بين العلماء: فالجمهور من الشافعية والحنابلة والمالكية على أنه واجب، والحنفية على أنه سنة، ووافقهم في ذلك بعض أقوال في المذاهب الأربعة وإن كانت غير معتمدة عندهم.
قال الفقيه داماد الحنفي في "مجمع الأنهر" -1/ 282، ط: دار إحياء التراث العربي-: "يكره أن لا يبيت بمنى ليالي منى، ولو بات في غيره من غير عذر لا شيء عليه عندنا". اهـ.
وقال العلامة الميرغيناني الحنفي في "الهداية" -2/ 501- 502 مع العناية للبابرتي ط: دار الفكر-: "ويُكرَه أن لا يَبِيتَ بمنى لياليَ الرمي؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- بات بمنى، وعمر -رضي الله عنه- كان يُؤَدِّبُ على ترك المُقام بها، ولو بات في غيرها متعمدًا لا يلزمه شيء عندنا خلافًا للشافعي رحمه الله؛ لأنه وجب ليسهل عليه الرمي في أيامه فلم يكن مِن أفعال الحج، فتركه لا يوجب الجابر". اهـ.
والقول بسنية المبيت في منى قول للإمام الشافعي، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "المهذب" -8/ 222 مع المجموع ط: المنيرية في تعليله-: "لأنه مبيت فلم يجب، كالمبيت ليلةَ عرفة". اهـ.
ونقل العلامة المرداوي الحنبلي في "الإنصاف" -4/ 60، ط: دار إحياء التراث العربي- قولا عن الإمام أحمد أيضًا أنه سنة. ويدل على القول بالسُّنِّيَّة ما رواه الشيخان عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أن العباس -رضي الله عنه- استأذن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له». ولو كان المبيت واجبًا لما رُخِّص في تركه لأجل السقاية، فعلم أنه سُنَّة. راجع فتح القدير للمحقق الكمال بن الهُمَام 2/ 501، 502، ط: دار الفكر.
ومما يقوي القول بالسنية أيضًا أن يقال: إن المبيت ليس مقصودًا في نفسه، بل قد شُرِعَ لمعنى معقول، وهو الرفق بالحاج، بجعله أقرب لمكان الرمي في غده، فهو مشروع لغيره لا لذاته، وما كان كذلك فالشأن فيه ألا يكون واجبًا، وإذا أضفنا إلى ما سبق اعتبار ما يَعتَرِي الحجيجَ مِن تعب شديد وضيق مكان وخَوف مرض، كان القول بسنية المبيت بمنى وعدم وجوبه هو المختار للفتوى، وإذا قلنا بالسنية لا الوجوب فمَن ترك مبيت الأيام الثلاثة جميعًا فمِن العلماء مَن قال: إنه يسن له أن يجبره بدم ولا يجب، ومن ترك مبيت ليلة واحدة جبرها بالتصدق بمُدٍّ من طعام، وهذا هو ما يستتبع القول الآخر للإمام الشافعي بسنية المبيت بمنى.
قال الإمام النووي في "المجموع" -8/ 223-: "فإن قلنا: المبيت واجب كان الدم واجبًا، وإن قلنا سنة فسنة". اهـ.
وقال الحنفية والإمام أحمد في رواية: "إنه لا يلزم من ترك المبيت بمنى شيء. وقال الإمام أحمد: لا شيء عليه، وقد أساء". اهـ. المغني لابن قدامة 3/ 232.
وحتى على قول الجمهور إن المبيت بمنى واجب، فإنهم يرخصون لِمَن كان ذا عذر شرعي بترك المبيت ولا إثم عليه حينئذ ولا كراهة، ولا يلزمه شيء أيضًا، ولا شك أن الخوف من المرض من جملة الأعذار الشرعية المرعية. قال الإمام النووي في "منسكه" -ص399، 402، مع حاشية العلامة الهيتمي ط: دار الحديث ببيروت-: "أما من ترك مبيت مزدلفة أو منى لعذر فلا شيء عليه، والعذر أقسام:... الثالث: مَن له عذر بسبب آخر؛ كمن يخاف على نفسه أو مال معه، فالصحيح أنه يجوز لهم ترك المبيت، ولهم أن ينفروا بعد الغروب ولا شيء عليهم". اهـ.
وقال الشيخ الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج" -2/ 266، ط: دار الكتب العلمية-: "ويُعذَر في ترك المبيت وعدم لزوم الدم خائفٌ على نفس أو مال أو فوت أمر يطلبه؛ كآبق أو ضياع مريض بترك تعهده لأنه ذو عذر فأشبه الرعاء وأهل السقاية، وله أن ينفر بعد الغروب كما يؤخذ من التشبيه بأهل السقاية". اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" -5/ 257-: "وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى، ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم، كالرعاء في ترك البيتوتة; لأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- رخَّص لهؤلاء تنبيهًا على غيرهم، أو نقول: نصَّ عليه لمعنًى وُجِد في غيرهم، فوجب إلحاقه بهم". اهـ.
وقد وردت الرخصة من الشارع لأهل الرعاء والسقاية في ترك المبيت في منى، فروى الإمام مالك في موطئه عن عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ -رضي الله عنه-: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- أَرخَصَ لرِعاءِ الإبِلِ في البَيتُوتةِ خارِجِينَ عن مِنًى يَرمُون يومَ النَّحرِ ثُم يَرمُون الغَدَ ومِن بعدِ الغَدِ ليَومَين ثُم يَرمُون يومَ النَّفرِ».
وروى الشيخان عن ابنِ عمرَ -رضي الله عنهما- قال: «استأذَنَ العَبَّاسُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ -رضي الله عنه- رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يَبِيتَ بمَكَّةَ ليالي مِنًى مِن أَجلِ سِقايَتِه، فأَذِنَ له». ولا ينبغي الوقوف على النص الوارد هنا، بل ينبغي اعتبار مراد الشارع منه، وإلا كان جمودًا محضًا.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" -3/ 579، ط: دار المعرفة-: "وهل يختص الإذن بالسقاية وبالعباس أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم؟ فقيل: يختص الحكم بالعباس، وهو جمود. وقيل: يدخل معه آله. وقيل: قومه، وهم بنو هاشم. وقيل: كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك. ثم قيل أيضًا يختص الحكم بسقاية العباس حتى لو عملت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها، ومنهم مَن عَمَّمه، وهو الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين. وهل يختص ذلك بالماء أو يلتحق به ما في معناه من الأكل وغيره؟ محل احتمال، وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه أو أمر يخاف فوته أو مريض يتعاهده بأهل السقاية". اهـ.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد" -17/ 263، ط: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب-: "وروى عطاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: إذا كان للرجل متاع بمكة فخشي عليه الضيعة إن بات بمنى، فلا بأس أن يبيت عنده بمكة، وهذه الرواية أشبه؛ لأنه خائف مضطر فرخص له". اهـ.
ومعلوم أن الالتزام بالمبيت وإلزام الحاج به مع أعمال الحج الأخرى يزيد من إجهاده وضعفه، ويجعل الجسم في أضعف حالاته، فإذا انضم إلى ذلك ما نزل بالناس في هذه الأيام على المستوى العالمي من انتشار للأوبئة والأمراض الفتاكة التي يسهل انتقالها عبر التجمعات البشرية المزدحمة، فإن جسم الإنسان يكون أكثر عرضة لالتقاط الأمراض والعدوى بها، ولا شك أن أشد الناس تضررًا بذلك وضعفًا على احتماله هم النساء والأطفال والمرضى والضعفاء، فناسب أن يأخذ هؤلاء حكم مَن رُخِّص لهم، خاصة أن المبيت ليس من أركان الحج عند جميع المذاهب المتبعة.
أما النيابة في رمي الجمار للضعفة والمرضى والنساء فهي جائزة، ودليل ذلك أنه تجوز الاستنابة في الحج، فالاستنابة في الرمي جائزة من باب أولى؛ لأن الحج رمي وزيادة، وهي رخصة لأهل الأعذار من المرضى ونحوهم ممن توجد فيه العلة، ولذا فقد ذكر كثير من الفقهاء أمورًا غير التي ورد بها النص إلحاقًا بهذه الفروع على الأصل، كمن خاف على نفسه أو ماله، أو كان يتعاهد مريضًا أو ما ينبغي تهيئته للحجيج، وكذا من خاف على ماله أو نفسه كما تقدم. قال الإمام النووي في "المجموع" -8/ 219، 220-: "قال الشافعي والأصحاب -رحمهم الله-: العاجز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس ونحوهما يستنيب مَن يرمي عنه". اهـ.
وقال: "إذا كان الرجل مريضًا أو محبوسًا أو له عذر، جاز أن يستنيب من يرمي عنه". اهـ.
ولذلك كله فإنه يجوز للضعفاء والمرضى والنساء تركُ المبيت بمنى، كما يجوز لهم أيضًا التوكيل في رمي الجمرات، ولا حرج عليهم ولا يلزمهم بذلك جبران.
تحية العلم والوقوف للسلام الوطني
السؤال
نرجو بيان الحكم الشرعي في تحية العلم والوقوف للسلام الوطني؛ حيث يدعي بعض الناس أن ذلك محرم شرعًا؛ لما فيه من تعظيم، والتعظيم لا يجوز للمخلوق، خاصة إذا كان جمادًا؛ لأنه حينئذ يكون شركًا أو ذريعة إلى الشرك، وكذلك هو من التشبه بالكفار في عاداتهم القبيحة، كما أنه يعتبر بدعة؛ لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد خلفائه الراشدين رضي الله عنهم.
الجواب
العلم له عدة معان في اللغة؛ منها: الفصل بين الأرضين، والشيء المنصوب في الطريق يهتدى به، والجبل، والرسم في الثوب، والراية [انظر: تاج العروس للزبيدي 33/ 131، 132، ط. دار الهداية]. والمراد منه هنا: هو خصوص الراية التي هي الآن رمز للوطن وعلامة للدولة.
واعتبار العلم رمزًا كان معروفًا عند العرب قبل الإسلام لا سيما في الحروب، وقد تضمن الشعر الجاهلي ذكر الرايات والأعلام والألوية؛ من ذلك قول عنترة العبسي:
|
وترى بها الرايات تخفق والقنا |
|
وترى العجاج كمثل بحر مزبد |
وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اتخذ الرايات والألوية والأعلام، وعقد عليه المحدثون أبوابًا في كتبهم؛ فقالوا: "باب في الرايات والألوية" [سنن أبي داود]، "باب ما جاء في الألوية" [سنن الترمذي]، "باب ما جاء في عقد الألوية والرايات" [سنن البيهقي]، ونحوه.
وروى الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كانت راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوداء ولواؤه أبيض"، وروى أبو داود عن سماك عن رجل من قومه عن آخر منهم رضي الله عنه قال: "رأيت راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم صفراء"، وروى الترمذي عن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض، وروى أحمد وابن ماجه عن الحارث بن حسان البكري رضي الله عنه قال: "قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر وبلال قائم بين يديه متقلد بالسيف، وإذا رايات سود، فسألت: ما هذه الرايات؟ فقالوا: عمرو بن العاص قدم من غزاة".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" [6/ 127، ط. دار المعرفة]: "كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مغازيه يدفع إلى رأس كل قبيلة لواء يقاتلون تحته" اهـ.
وللدلالة الرمزية للأعلام والرايات فإنه قد جرت العادة بأن يعمد العدو إلى ضرب حامل الراية وإسقاطه قبل غيره؛ ليثبط من عزيمة الجيش؛ فمتى كان العلم مرفوعًا كان ذلك دالا على العزة والقوة والصمود، ومتى نكس وسقط كان ذلك دالا على الهزيمة والذل والانكسار، وفي المقابل كان يحرص حامله على إبقائه مرفوعًا، ولو بذل في سبيل ذلك نفسه وروحه، لا لخصوص تعظيم القماش، بل لما يرمز إليه.
وقد روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((أخذ الراية زيد فأصيب -يعني: في غزوة مؤتة-، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب -وإن عيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتذرفان- ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له)).
وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريبة منه إذ رد السلام، ثم قال: ((يا أسماء، هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل وميكائيل وإسرافيل سلموا علينا فردي عليهم السلام، وقد أخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا -قبل ممره على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث أو أربع- فقال: لقيت المشركين فأصبت في جسدي من مقاديمي ثلاثًا وسبعين بين رمية وطعنة وضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى فقطعت، ثم أخذت بيدي اليسرى فقطعت، فعوضني الله من يدي جناحين أطير بهما مع جبريل وميكائيل أنزل من الجنة حيث شئت، وآكل من ثمارها ما شئت))، فقالت أسماء: هنيئًا لجعفر ما رزقه الله من الخير، ولكن أخاف أن لا يصدق الناس، فاصعد المنبر فأخبر به، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((يا أيها الناس، إن جعفرًا مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه سلم علي)) ثم أخبرهم كيف كان أمره حيث لقي المشركين، فاستبان للناس بعد اليوم الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن جعفرًا رضي الله عنه لقيهم؛ فلذلك سمي الطيار في الجنة.
وتحية العلم بنحو الإشارة باليد بهيئة معينة، أو الهتاف بالدعاء عند رفعه بأن تحيا البلاد، هو من قبيل الحركة أو الكلام، وإلف ذلك وتكراره -كما هو الحاصل- يجعله من العادات؛ إذ العادة هي: اسم لتكرير الفعل والانفعال حتى يصير سهلا تعاطيه كالطبع، ولذلك قيل: "العادة طبيعة ثانية" [المفردات للراغب الأصفهاني ص594، ط. دار القلم]. والأصل فيما كان كذلك الإباحة، ما لم يرد دليل على المنع؛ قال تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾ [الأنعام: 119]، وروى الترمذي عن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه)).
ثم إن هذه الممارسات والأفعال هي مما ارتبط عند الناس بحب الأوطان، وتواضعوا على دلالتها على ذلك، فصارت بذلك وسيلة عامة للتعبير عن حب الأوطان وإظهار الانتماء وتأكيد الولاء، وقد تقرر في قواعد الشريعة أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فإذا كان حب الوطن من المطلوبات الشرعية كما هو متقرر في أدلة الشريعة فإن وسيلته الجائزة في أصلها تكون كذلك مشروعة مطلوبة، ويتأكد ذلك إذا كان عدم القيام أمارةً عند الناس على عدم الاحترام.
أما السلام الوطني فهو عبارة عن مقطوعة موسيقية ملحنة على نشيد البلد أو الوطن تكون رمزًا للبلد أو الوطن تعزف في الحفلات العسكرية وبعض المناسبات العامة.
والمختار أن الموسيقى من حيث هي لا حرمة في سماعها أو عزفها؛ فهي صوت؛ حسنه حسن وقبيحه قبيح، وما ورد في تحريمها: صحيحه غير صريح، وصريحه غير صحيح.
وعدم التحريم هو المنقول عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعمرو بن العاص، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، ومن التابعين: خارجة بن زيد، وسعيد بن المسيب، وعطاء والشعبي، وأكثر فقهاء المدينة، وممن بعدهم: أبو محمد بن حزم، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والشيخ عبد الغني النابلسي، وغيرهم خلق كثيرون. ولما سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن الآلات كلها، قال: "مباح"، فقال الشيخ شرف الدين التلمساني: "يريد أنه لم يرد دليل صحيح من السنة على تحريمه"، فسمعه الشيخ عز الدين، فقال: "لا، أردت أن ذلك مباح". [نقلا من فرح الأسماع برخص السماع، لأبي المواهب الشاذلي ص12، ط. الهند].
وأفرد بالتصنيف في الكلام عن إباحتها جماعة؛ منهم: ابن حزم، وابن السمعاني، وابن القيسراني، والأدفوي، وأبو المواهب الشاذلي المالكي وغيرهم.
والسلام الوطني الشأن فيه هو الشأن في العلم؛ من حيث كون كل منهما رمزًا، والوقوف عند عزفه ليس المراد منه إلا إظهار الاحترام والتقدير والإكرام لما يمثله، وهو الوطن.
وحب الوطن أمر قد جبل عليه الإنسان؛ حتى قال بعض الفلاسفة: "فطرة الرجل معجونة بحب الوطن" [الحنين إلى الأوطان للجاحظ، ص10، ط. دار الكتاب العربي].
وقد روى البخاري عن حميد الطويل أنه سمع أنسًا رضي الله عنه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم من سفر، فأبصر درجات المدينة، أوضع ناقته -أي: أسرع السير بها-، وإن كانت دابة حركها. قال البخاري: "زاد الحارث بن عمير عن حميد: (حركها من حبها)".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" [3/ 621، ط. دار المعرفة]: "وفي الحديث دلالة...على مشروعية حب الوطن والحنين إليه" اهـ.
وقال الإمام ابن بطال في شرحه [4/ 453، ط. مكتبة الرشد]: "قوله: (من حبها)؛ يعني: لأنها وطنه، وفيها أهله وولده الذين هم أحب الناس إليه، وقد جبل الله النفوس على حب الأوطان والحنين إليها، وفعل ذلك عليه السلام، وفيه أكرم الأسوة" اهـ.
والتعبير عن هذا الحب الوارد في الحديث له دوال ومظاهر؛ منها ما يكون بالأقوال ومنها ما يكون بالأفعال، ومن ذلك قول قيس بن الملوح:
|
أمر على الديـــــــــار ديار ليلى |
|
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا |
|
وما حب الديار شغفن قلبي |
|
ولكن حب من سكن الديارا |
والأصل في ذلك كله الإباحة حتى يرد الدليل الناقل عنها، ومن جملة الأفعال المعبرة عن الحب القيام لرمز الوطن وعلامته وشعاره، وهو العلم أو السلام الوطني؛ فالمحب يتعلق ويعتني بكل ما له صلة بمحبوبه، ولا يذم من ذلك إلا ما ذمه الشرع بخصوصه.
أما دعوى أن ذلك محرم شرعًا؛ لما فيه من تعظيم، والتعظيم لا يجوز للمخلوق، خاصة إذا كان جمادًا، فيجاب عنه بأن ذلك وإن كان فيه تعظيم، إلا أن القول بأن مطلق التعظيم لا يجوز للمخلوق هو قول باطل، بل الذي لا يجوز هو ما كان على وجه عبادة المعظم، كما كان يعظم أهل الجاهلية أوثانهم، فيعتقدون أنها آلهة وأنها تضر وتنفع من دون الله، وهذا هو الشرك. أما ما سوى ذلك مما يدل على الاحترام والتوقير والإجلال فهو جائز، إن كان المعظم مستحقا للتعظيم، ولو كان جمادًا؛ وقد روى البخاري عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أنه قال واصفًا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له".
وروى أحمد والحاكم أن عائشة رضي الله عنها قالت: "لقد رأيت من تعظيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمه -أي: العباس- أمرًا عجيبًا".
وروى البيهقي بسنده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: ((اللهم زد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا، ومهابة)).
وروى الدارمي عن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه أنه كان يضع المصحف على وجهه، ويقول: "كتاب ربي، كتاب ربي".
وقال الإمام مالك في الموطأ [1/ 265، ط. الإمارات]: ((ويقال: ومن تعظيم الله عز وجل تعظيم ذي الشيبة المسلم)).
وتفصيل ذلك: أن هناك فارقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا ما بين الوسيلة والشرك؛ فالوسيلة المأمور بها شرعًا هي: التقرب إلى الله بكل ما شرعه، ويدخل فيها تعظيم ما عظمه سبحانه من الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال؛ فيسعى المسلم مثلًا للصلاة في المسجد الحرام والدعاء عند قبر المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والملتزم تعظيمًا لما عظمه الله سبحانه وتعالى من الأماكن، ويتحرى قيام ليلة القدر والدعاء في ساعة الإجابة يوم الجمعة وفي ثلث الليل الآخر تعظيمًا لما عظمه الله من الأزمنة، ويتقرب إلى الله تعالى بحب الأنبياء والصالحين تعظيمًا لمن عظمه الله من الأشخاص، ويتحرى الدعاء حال السفر وعند نزول الغيث وغير ذلك تعظيمًا لما عظمه الله من الأحوال.. وهكذا؛ أي أنها تعظيم بالله، والتعظيم بالله تعظيم لله كما قال تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج: 32]، كما أن طاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طاعة لله تعالى الذي أرسله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: 80]، ومبايعته مبايعة لله تعالى: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ [الفتح: 10].
أما "الشرك" فهو تعظيم مع الله أو تعظيم من دون الله؛ ولذلك كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام إيمانًا وتوحيدًا وكان سجود المشركين للأوثان كفرًا وشركًا مع كون المسجود له في الحالتين مخلوقًا، لكن لما كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام تعظيمًا لما عظمه الله كما أمر الله كان وسيلة مشروعة يستحق فاعلها الثواب، ولما كان سجود المشركين للأصنام تعظيمًا كتعظيم الله كان شركًا مذمومًا يستحق فاعله العقاب.
وعلى ذلك فهناك فرق كبير بين الوقوف تعبدًا للموقوف له وبين الوقوف احترامًا؛ فالأول ممنوع لغير الله تعالى، والثاني قد ورد في السنة الشريفة ما يشهد لجواز جنسه في حق المخلوقين؛ ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن سعد بن معاذ لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار: ((قوموا إلى سيدكم)).
قال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" [4/ 219، ط. دار الكتب العلمية]: "يسن القيام لأهل الفضل من علم أو صلاح أو شرف أو نحو ذلك؛ إكرامًا لا رياء وتفخيمًا. قال في الروضة: وقد ثبت فيه أحاديث صحيحة" اهـ.
وقد نص العلماء على استحباب القيام للمصحف؛ قال الإمام النووي في كتابه: "التبيان في آداب حملة القرآن" [ص191، ط. دار ابن حزم]: "ويستحب أن يقوم للمصحف إذا قدم به عليه؛ لأن القيام مستحب للفضلاء من العلماء والأخيار، فالمصحف أولى" اهـ.
ونص العلماء على أن جريان العادة بكون الوقوف لبعضهم علامةً على الاحترام يجعل ترك الوقوف لما هو آكد احترامًا أقرب إلى الذم؛ فقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي في "الفتاوى الكبرى" [1/ 49، ط. دار الكتب العلمية]: "إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض، فقد يقال: لو تركوا القيام للمصحف مع هذه العادة لم يكونوا محسنين في ذلك ولا محمودين، بل هم إلى الذم أقرب؛ حيث يقوم بعضهم لبعض، ولا يقومون للمصحف الذي هو أحق بالقيام؛ حيث يجب من احترامه وتعظيمه ما لا يجب لغيره... وقد ذكر من ذكر من الفقهاء الكبار قيام الناس للمصحف ذكر مقرر له، غير منكر له" اهـ.
والقيام للعلم أو عند سماع نشيد السلام الوطني له نظير في فعل المسلمين قديمًا، فقد نص بعض العلماء على أن من حسن الأدب ما اعتاده الناس من القيام عند سماع توقيعات الإمام، وأخذوا من ذلك أولوية القيام للمصحف، وأن ترك القيام احترامًا إنما كان في أول الأمر، فلما اعتاده الناس وصار تركه مشعرًا بالاستهانة انتقل من الجواز إلى الاستحباب؛ جاء في "غاية المنتهى" للشيخ مرعي الكرمي وشرحه "مطالب أولي النهى" للشيخ مصطفى الرحيباني من كتب السادة الحنابلة [1/ 157، 158، ط. المكتب الإسلامي]: "(و) يباح (القيام له -أي: المصحف-) قال الشيخ تقي الدين: إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض، فقيامهم لكتاب الله أحق. وفي الفروع والمبدع: يؤخذ من فعل أحمد الجواز؛ وذلك أنه ذكر عنده إبراهيم بن طهمان، وكان متكئًا، فاستوى جالسًا، وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فنتكئ. قال ابن عقيل: فأخذت من هذا حسن الأدب فيما يفعله الناس عند ذكر إمام العصر من النهوض لسماع توقيعاته. قال في الفروع: ومعلوم أن مسألتنا أولى، وذكر ابن الجوزي أن ترك القيام كان في الأول، ثم لما صار ترك القيام كالهوان بالشخص، استحب لمن يصلح له القيام" اهـ.
فليس القيام للمصحف أو للقادم ذي الشأن إلا لإظهار الاحترام والتوقير، وتعليلات العلماء ناطقة بهذا، فلا بأس إذن من القيام عند رفع العلم أو السلام الوطني؛ إذ العلة واحدة.
أما دعوى أنه من التشبه بالكفار في عاداتهم القبيحة، فلا نسلم أصلا أن ذلك من عادات الكفار المختصة بهم، بل تلك دعوى عارية عن الدليل، ولو صحت لقلنا: لم يصر ذلك مختصا بهم الآن، بل صار عادة دخلت بلاد المسلمين وتواطؤوا عليها حتى تنوسي أصلها، فصارت من باب: قاعدة: "يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء" [المنثور للزركشي 3/ 375، ط. وزارة الأوقاف الكويتية].
ولو كان تشبهًا بهم، فمجرد التشبه لا يكون حرامًا إلا فيما يتعلق بعقائدهم وخصوصياتهم الدينية، وقد وردت أدلة كثيرة على هذا؛ منها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بتغيير الشيب؛ فقال فيما رواه الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود))، وكان عدد كبير من الصحابة لا يخضبون، ولم ينقل أن الخاضبين قد أنكروا عليهم بأنهم قد ارتكبوا محرمًا بتركهم الخضاب لما في ذلك من التشبه الممنوع.
وقد نقل الإمام الطبري في "تهذيب الآثار" [ص518، ط. دار المأمون للتراث] الإجماع على أن الأمر بتغيير الشيب والنهي عن المشابهة هنا للكراهة لا للتحريم.
ومنها: ما رواه أبو داود عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم))، ولم ينقل عن أحد من الفقهاء القول بوجوب الصلاة في النعال، بل اختلفوا هل هو مستحب أو مباح أو مكروه [فيض القدير 4/ 67، ط. المكتبة التجارية الكبرى].
ومنها: ما رواه أحمد في مسنده عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر)).
والسحور مستحب، ونقل الإمام ابن المنذر الإجماع على ذلك في كتابه "الإجماع" [ص49، ط. دار المسلم].
ومنها: ما رواه ابن سعد في "الطبقات" [1/ 159، 160، ط. دار صادر] عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: ((وأما أنت يا جعفر فشبيه خلقي وخلقي))، قام جعفر فحجل حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما هذا يا جعفر؟))، فقال: يا رسول الله، كان النجاشي إذا أرضى أحدًا قام فحجل حوله.
وظاهر ذلك أن هذه كانت عادة نصارى الحبشة، فهذا إقرار من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه لم ينكر على جعفر ما أخذه من نصارى الحبشة، فهذا نص صريح في أن المخالفة ليست واجبة.
ومنها: ما رواه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قد مرضت فاطمة رضي الله عنها مرضًا شديدًا، فقالت لأسماء بنت عميس رضي الله عنها: ألا ترين إلى ما بلغت أحمل على السرير ظاهرًا؟ فقالت أسماء رضي الله عنها: ألا لعمري، ولكن أصنع لك نعشًا، كما رأيت يصنع بأرض الحبشة، قالت: فأرنيه. قال: فأرسلت أسماء إلى جرائد رطبة، فقطعت من الأسواف، وجعلت على السرير نعشًا، وهو أول ما كان النعش، فتبسمت فاطمة رضي الله عنها، وما رأيتها متبسمة بعد أبيها إلا يومئذ، ثم حملناها ودفناها ليلا. وهذا كان بمحضر من الصحابة الكرام رضي الله عنهم ولم ينقل إنكار أحدهم لصنيع فاطمة رضي الله عنها بأن في ذلك تشبهًا بنصارى الحبشة، فكان إجماعًا سكوتيا، وهو حجة.
قال في "جمع الجوامع" وشرحه للعلامة المحلي [2/ 221 -مع حاشية العطار-، ط. دار الكتب العلمية]: "(والصحيح) أنه -أي: الإجماع السكوتي- (حجة) مطلقًا" اهـ.
وممن أشار إلى أن التشبه بغير المسلمين لا يحرم بمجرده: الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" [10/ 98، ط. دار المعرفة] عند كلامه على الأسباب التي من أجلها حرم استعمال أواني الذهب والفضة؛ حيث قال: "وقيل: العلة في المنع التشبه بالأعاجم. وفي ذلك نظر؛ لثبوت الوعيد لفاعله. ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك" اهـ.
وقال الإمام المواق المالكي في "سنن المهتدين في مقامات الدين" [ص249، ط. مؤسسة الشيخ مربيه ربه بالمغرب]: "ونص من أثق به من الأئمة أنه ليس كل ما فعلته العجم منهيا عن ملابسته، إلا إذا نهت الشريعة عنه ودلت القواعد على تركه... ويختص النهي بما يفعلونه على خلاف مقتضى شرعنا، وأما ما فعلوه على وفق الندب أو الإيجاب أو الإباحة في شرعنا، فلا نترك ذلك لأجل تعاطيهم إياه؛ لأن الشرع لا ينهى عن التشبه بمن يفعل ما أذن الله فيه؛ فقد حفر صلى الله عليه وآله وسلم الخندق على المدينة تشبهًا بالأعاجم، حتى تعجب الأحزاب منه، ثم علموا أنه بدلالة سلمان الفارسي عليه" اهـ.
ثم إننا لو سلمنا أن التشبه بغير المسلمين ممنوع في كل صوره، فإن مجرد حصول ما يشبه صنيع أهل الكتاب لا يسمى تشبهًا إلا إذا كان الفاعل قاصدًا لحصول الشبه؛ لأن التشبه: تفعل، وهذه المادة تدل على انعقاد النية والتوجه إلى قصد الفعل ومعاناته؛ قال الإمام السيوطي في "جمع الجوامع" وشرحه "همع الهوامع" في علوم العربية [3/ 305، ط. المكتبة التوفيقية]: "(وتفعل) وهو (لمطاوعة فعل) ككسرته فتكسر وعلمته فتعلم (والتكلف) كتحلم وتصبر وتشجع إذا تكلف الحلم والصبر والشجاعة وكان غير مطبوع عليها" اهـ.
ومن الأصول الشرعية اعتبار قصد المكلف، ويدل على ذلك أيضًا: ما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا، فقعدنا، فلما سلم قال: ((إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم؛ إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا)). و(كاد) تدل في الإثبات على انتفاء خبرها مع مقاربة وقوعه، وفعل فارس والروم وقع منهم فعلا، لكن الصحابة لما لم يقصدوا التشبه انتفى ذلك الوصف عنهم شرعًا. والمسلم الذي يحيي العلم أو يقوم للسلام الوطني الشأن فيه أنه لا يخطر بباله التشبه بغير المسلمين، فضلا عن قصده.
قال الإمام الطحطاوي في حاشيته على "مراقي الفلاح" [1/ 336، ط. دار الكتب العلمية]: "التشبه بأهل الكتاب لا يكره في كل شيء؛ فإننا نأكل كما يأكلون ونشرب كما يشربون، وإنما الحرام التشبه بهم فيما كان مذمومًا وما يقصد به التشبه، قاله قاضيخان في شرح الجامع الصغير" اهـ.
وقال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" [1/ 624، ط. دار الفكر] -معلقًا على قول صاحب "الدر المختار": "(التشبه بهم -أي: أهل الكتاب- لا يكره في كل شيء)- فإنا نأكل ونشرب كما يفعلون... ويؤيده ما في الذخيرة قبيل كتاب التحري. قال هشام: رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفين بمسامير، فقلت: أترى بهذا الحديد بأسًا؟ قال: لا. قلت: سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك؛ لأن فيه تشبهًا بالرهبان. فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلبس النعال التي لها شعر، وإنها من لباس الرهبان. فقد أشار إلى أن صورة المشابهة فيما تعلق به صلاح العباد لا يضر؛ فإن الأرض مما لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النوع. اهـ وفيه إشارة أيضًا إلى أن المراد بالتشبه أصل الفعل: أي: صورة المشابهة بلا قصد" اهـ.
أما دعوى أن ذلك يعد بدعةً؛ لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في عهد خلفائه الراشدين رضي الله عنهم، فنقول: سلمنا ببدعية ذلك، ولكن لا يلزم من البدعية التحريم، لأن البدعة تطرأ عليها الأحكام الشرعية الخمسة، فالبدعة ليس مرادفة للمحرم، بل البدعة مقسم والمحرم قسم.
قال شيخ الإسلام الإمام عز الدين بن عبد السلام في كتابه الفذ: "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" [2/ 204، 205، ط. دار الكتب العلمية]: "البدعة: فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة. وللبدع الواجبة أمثلة؛ أحدها: الاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك واجب؛ لأن حفظ الشريعة واجب، ولا يتأتى حفظها إلا بمعرفة ذلك، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب... وللبدع المحرمة أمثلة؛ منها:... مذهب المجسمة، والرد على هؤلاء من البدع الواجبة. وللبدع المندوبة أمثلة؛ منها:... صلاة التراويح... وللبدع المكروهة أمثلة؛ منها:... تزويق المصاحف. وللبدع المباحة أمثلة؛ منها: المصافحة عقيب الصبح والعصر" اهـ.
ولمسألتنا شبيه ونظير؛ وهو مسألة تقبيل الخبز على وجه إكرام النعمة، والجامع بين هذه وتلك: هو إرادة الإكرام في كل دون نظر إلى المكرم بالذات، بل لما يمثله، وقد سئل الجلال السيوطي عنه، وهل هو بدعة؟ فقال في "الحاوي للفتاوي" [1/ 221، ط. دار الفكر]: "أما كون تقبيل الخبز بدعة فصحيح، ولكن البدعة لا تنحصر في الحرام، بل تنقسم إلى الأحكام الخمسة، ولا شك أنه لا يمكن الحكم على هذا بالتحريم؛ لأنه لا دليل على تحريمه، ولا بالكراهة؛ لأن المكروه ما ورد فيه نهي خاص، ولم يرد في ذلك نهي. والذي يظهر أن هذا من البدع المباحة، فإن قصد بذلك إكرامه؛ لأجل الأحاديث الواردة في إكرامه فحسن" اهـ.
ونقل العلامة ابن عابدين ذلك الحكم في حاشيته [6/ 384، ط. دار الكتب العلمية] عن الشافعية عمومًا، ثم قال: "وقواعدنا لا تأباه" اهـ.
فإذا تقرر مما سبق أن المسؤول عنه جائز شرعًا في أصله، وحقيقة الجائز: أنه مأذون في فعله أو تركه، ثم لما تواضع الناس وتعارفوا على كونه دالا على احترام الوطن وتعبيرًا عن الانتماء ووسيلة لإظهار ذلك في الشأن الوطني والعلاقات بين الدول، صار حكمه حكم مدلوله ومقصده، فإذا انضاف إلى ذلك أن تركه يشعر بالاستهانة أو قلة الاحترام ويفضي إلى الخصام والشحناء وشق الصف والتراشق بالتهم بين أبناء الوطن أو المواقف المضادة في العلاقات الدولية، فإنه يتعين حينئذ الإعراض عن تركه؛ اتقاءً لهذه المحاذير، وممن نص على هذا المعنى الإمام شهاب الدين القرافي في "الفروق" [4/ 430، ط. دار الكتب العلمية] نقلا عن شيخ الإسلام العز بن عبد السلام ومقرا له؛ فقال: "حضرت يومًا عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام -وكان من أعيان العلماء، وأولي الجد في الدين، والقيام بمصالح المسلمين خاصة وعامة، والثبات على الكتاب والسنة، غير مكترث بالملوك فضلا عن غيرهم، لا تأخذه في الله لومة لائم- فقدمت إليه فتيا فيها: ما تقول أئمة الدين -وفقهم الله- في القيام الذي أحدثه أهل زماننا مع أنه لم يكن في السلف؛ هل يجوز، أم لا يجوز ويحرم؟ فكتب إليه في الفتيا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانًا))، وترك القيام في هذا الوقت يفضي للمقاطعة والمدابرة، فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدًا" اهـ.
وعليه: فإن تحية العلم المعهودة أو الوقوف للسلام الوطني أمران جائزان لا كراهة فيهما ولا حرمة كما شغب به من لا علم له، فإذا كان ذلك في المحافل العامة التي يعد فيها القيام بذلك علامة على الاحترام وتركه مشعرًا بترك الاحترام: فإن الوقوف يتأكد؛ فيتعين فعله حينئذ؛ دفعًا لأسباب النفرة والشقاق، واستعمالا لحسن الأدب ومكارم الأخلاق، والله سبحانه وتعالى أعلم.
حكم قول الزوج لامرأته: أنت طالئ
المبـــــــادئ
1- من المقرر شرعا أن الأصل في الأبضاع هو الاحتياط.
2- لفظ "طالئ" بدلا من "طالق" كما هو جارٍ على لسان كثير من أهل مصر: يُخرِج اللفظ مِن الصَّراحة إلى الكناية التي تحتاج إلى نية مقارنة للفظ يقع به الطلاق.
3- الطلاق الشرعي لا يقع إلا بلفظ أو ما يقوم مقامه؛ كإشارة الأصم والكتابة، فلو نواه بقلبه مِن غير لفظ لم يقع.
4- إذا أُبدلت الطاء في لفظ الطلاق تاءً مثناة "أنت تالق" لم يقع الطلاق إلا بالنية.
5- العبرة في الطلاق بالألفاظ والمباني لا بالمقاصد والمعاني.
6- الفتوى بالأخف ليست بالضرورة من التساهل في الفتوى؛ لأن هذا الأخف قد يكون هو المترجِّح لدى المفتي، أو هو الأليق بحال المستفتي.
الســــــــــؤال
اطَّلعنا على الطلب المقيَّد برقم 604 لسنة 2010م المتضمن:
ما حكم قول الزوج لامرأته: "أنت طالئ" بالهمزة بدلا عن القاف، على ما جرت به عادة كثير من المصريين في نطقهم القاف همزة؟ هل هو من كنايات الطلاق التي لا يقع الطلاق بها إلا بنيته؟ بحيث إن من قالها بقصد إسكات زوجته حال المشادَّة -مثلًا- لا يقع طلاقه. وهل نُقِل هذا القول عن أحد من العلماء المتقدمين أو المتأخرين؟
كما أنه لا يوجد أحد ممن يتلفظ بلفظ: "طالئ" إلا ويعلم أنها تفيد الطلاق، وهذه قرينة على قصد إيقاع الطلاق، فكيف يكون كناية مع ذلك؟
ثم إنَّ اشتهار لفظٍ في الطلاق يجعله صريحًا، وقد اشتهر في أهل مصر وغيرهم هذا اللفظ في الطلاق، فلم لا يكون صريحًا مع ذلك؟ وعدم القول بصراحته يلزم منه أيضًا أن الطلاق بغير العربية كناية إذا وقع من غير الناطق بالعربية.
ومن المقرر أن الأصل في الأبضاع هو الاحتياط، ومقتضى هذه القاعدة: أن يحتاط المفتي في الطلاق ويفتي بوقوعه، فكيف يُفتَى بعدم الوقوع في هذه الحالة؟
وهل يُعَدُّ الإفتاء بذلك تساهلا في الدين وتلمسًا للأقوال الشاذة؟ ومعلوم نهي السلف عن تتبع الشذوذات والقول بها.
ومن المعروف في الفقه والفتوى أنه ليس كل تيسير على الناس يكون صحيحًا؛ بل لا بد أن يكون للتيسير حظ من النظر السليم والفقه الصحيح، بدليل أن هناك من الأقوال في باب الطلاق ما لا يُؤخذ به مع كونه أيسر على الناس. فهل هذه المسألة من هذا الباب؟
الجــــــــــواب
جاء الشرع الإسلامي بلغة العرب، فنزل القرآن الكريم بلغتهم، وتكلم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بها، وقد تصرف الشرع في بعض الكلمات، فأخرجها من الحقيقة الموضوعة لها إلى تخصيص في الاستعمال كالحج والصوم والطلاق.
وورود هذا النوع من الكلمات التي خُصِّصَتْ في الإطلاق الشرعي في القرآن الكريم هو قرينة قوية على أن الشرع قد قصد لفظها بعينه؛ ولذلك اتفق الفقهاء على أن لفظ "الطلاق" هو الصريح في الطلاق، وزاد الشافعية في المشهور والحنابلة في قول لفظَيْ: "السراح" و"الفراق"؛ بناءً على أن هذه هي الألفاظ التي وردت في القرآن للدلالة على إنهاء عقد النكاح دون غيرها، وزاد بعضهم ألفاظًا أخرى.
وهذه الكلمات التي يقع بها الطلاق لها نطق يدل عليها في لغة العرب، فإذا نُطِقَتْ محرَّفةً: فإما أن تغير المعنى، وإما ألا تغير المعنى، لكنها على كل حال لم تَعُدْ عربية في الدلالة على معنى الطلاق.
وتحريف الكلمة قد يكون بحذف بعض حروفها، أو بإبدال حرفٍ منها بآخر بسبب تقارب مخرجيهما -كما بين الطاء والتاء مثلا-، بحيث يُخرِج التحريفُ الكلمةَ عن أصل وضعها اللغوي.
وقد يكون الإبدال مقبولا لغة إذا كان قد سُمِع مِن العرب، وقد يكون مردودًا، فيُعَدّ مجرد خطأ لُغَويّ، كما أن حذف بعض الحروف قد يكون صحيحًا لغة كما في ظاهرة الترخيم عند النداء؛ كما في قولنا: "يا عائش"، بدلا مِن "يا عائشة"، وقد يكون الحذف سببًا في عدم ترتب الآثار الشرعية على التصرف؛ كمن قرأ بعض كلمات الفاتحة في الصلاة ناقصة الأحرف.
والمقصود بتحريف كلمة الطلاق: حذف أو تغيير حرف أو أكثر مِن حروف لفظ الطلاق الصريح؛ بحيث يخرج اللفظ عن وضعه اللغوي؛ وذلك كنطقها: "تالق" أو "تالئ" أو "طال" أو "طاق" أو "طالِئ" بدلا مِن "طالق"، وهذه الأخيرة هي التي اشتهرت على ألسنة أهل مصر وغيرهم.
والمقرر أن الطلاق الشرعي لا يقع إلا بلفظ أو ما يقوم مقامه؛ كإشارة الأصم والكتابة، فلو نواه بقلبه مِن غير لفظ لم يقع في قول عامَّة أهل العلم؛ لما روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه -واللفظ لمسلم- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إنَّ الله تَجَاوزَ لأُمَّتِي عمَّا حدَّثَت به أنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّموا أو يَعْمَلوا بِه»، ومُجَرَّد النية يُعَدّ مِن حديث النَّفْس المُتَجاوَز عنه، ولأن الطلاق تَصَرُّفٌ يزيل الملك، والملك لا يزول بمجرد النية؛ كالبيع والهبة والعتق، ولأن الطلاق أحد طرفي النكاح، فلم يصح بمجرد النية كالعقد. (راجع: الحاوي الكبير للماوردي 10/ 149، ط. دار الكتب العلمية، والمغني لابن قدامة 7/ 294، ط. دار الفكر).
وهذه الألفاظ والأفعال المعبِّرة عن الطلاق لا تقع جميعًا في مرتبة واحدة مِن حيث حصول أثرها؛ وذلك لأن بعض الألفاظ تعد صريحة في حَلّ عقد الزواج، وبعضها مِن الكنايات، وبعضها ليس بصريح ولا كناية، فهو غير معتبر في الطلاق أصلا.
فما ليس بمعتبر في الطلاق هو: ما لا دلالة له على الطلاق، ولا دلالة فيه على إرادة الفِراق، ولا يحتمله إلا على تأويل متعسِّف، فهو لَغْوٌ، كقوله: "اقعدي" و"اقربي" و"اطعمي" و"أَسقيني" و"بارك الله فيك"، وما أشبه ذلك، فإنه لا أَثَر له، ولا يقع به الطلاق وإن نوى؛ لأن اللفظ لا يحتمل الطلاق، فلو أوقعنا الطلاق: لكان واقعًا بمجرد النية، والطلاق لا يقع بمجرد النية كما سبق. (راجع: نهاية المطلب للجويني 14/ 65، ط. دار المنهاج، والمهذب للشيرازي 4/ 296، ط. دار القلم والدار الشامية).
وأما "الصريح" فالمراد به في باب الطلاق: ما لا يحتمل ظاهره غير الطلاق. (شرح البهجة الوردية لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري 4/ 250، ط. الميمنية)، واللفظ الصريح محصور عند الشافعية في ثلاثة ألفاظ: الطلاق والفراق والسراح، وما اشتق منها -على تفصيل سيأتي-؛ لأن الأول اشتهر في معناه لغة وشرعًا، والأخيرين قد وردا في القرآن بمعنى الطلاق؛ قال تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا} [الأحزاب: 49]، وقال تعالى: {أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ} [الطلاق: 2]. (شرح المحلي على المنهاج 3/ 325-مع حاشيتي قليوبي وعميرة-، ط. دار إحياء الكتب العربية).
وصريح الطلاق لا يفتقر إلى نية لإيقاعه؛ لأنه لا يحتمل غيره، فلا يتوقف إيقاع الطلاق فيه على النية، فلو قال الزوج: "لم أنو بالصريح الطلاق" لم تُقبَل دعواه، ووقع الطلاق.
وأما "الكناية" فالمراد بها في باب الطلاق: ما احتَمل الطلاق وغيره، ووقوع الطلاق بها موقوف على النية، فإن نوى به الطلاق وقع، وإلا فلا.
قال الإمام الغزالي في "الوسيط" (5/ 376، ط. دار السلام): "حَدُّ الكناية ما يَحتَمل الطلاق ولو على بُعْد". اهـ.
ومِن أمثلة كنايات الطلاق: قوله: "أنت بَرِيّة"، و"أنت خَلِيّة"، و"الحقي بأهلك"، وغير ذلك مما ذكره الفقهاء وهو محتمل للطلاق وغيره.
وهذا الفرق بين الصريح والكناية هو ما جَرَت عليه الشريعة في عامة الأبواب، بأن ميزت بالنية بين المحتمل لعدة أمور، كما في التمييز بين العادات والعبادات فيما يحتملهما، والتمييز بين مراتب العبادات فيما يحتملها، فلا بد في كل ذلك مِن النية.
قال الإمام الزركشي في "المنثور" (2/ 310، ط. وزارة الأوقاف الكويتية): "الصريح لا يَحتاج إلى نية, وقد استُشكل هذا بقولهم: يُشترَط قَصْدُ حروفِ الطلاقِ لمعنَى الطلاق، وعلى هذا: فلا فرق بين الصريح والكناية, وقد تكلَّموا في وجه الجمع بكلام كثير, وأقرب ما يقال فيه: إن معنى قولهم: "الصريح لا يحتاج إلى نية"، أي: نية الإيقاع; لأن اللفظ موضوعٌ له، فاستغنى عن النية. أما قصد اللفظ فيُشترَط؛ لتَخرُج مسألةُ سَبْق اللسان، ومِن هاهنا يفترق الصريحُ والكنايةُ؛ فالصريح يُشترَط فيه أمرٌ واحدٌ، وهو: قصد اللفظ, والكناية يُشترَط فيها أمران: قصد اللفظ، ونية الإيقاع". اهـ.
والمفهوم مِن كلام الإمام الزَّركشي أنه يشترط في كلٍّ مِن الصريح والكناية أن ينطق باللفظ مع قصد اللفظ لمعناه؛ بأن يكون مُستَعمِلا له في معناه، ويزاد على ذلك في الكناية قصد الإيقاع (مغني المحتاج 4/ 456- 457، ط. دار الكتب العلمية، وحاشية الشَّرواني على تحفة المحتاج 8/ 4، ط. المكتبة التجارية الكبرى).
وألفاظ الكناية كثيرة لا تنحصر، فالفقهاء في كلامهم على ألفاظ الطلاق لم يستوفوا كل الكنايات، بل عدَّدوا منها جملا، ثم أشاروا إلى ما لم يذكروه بضابط، وسكوت الفقهاء عن التعرض لبعض ألفاظ الكنايات بخصوصها إنما هو لكونها لم تقع في زمنهم، كما أنه ليس كل استعمال للألفاظ المشتقة مِن مادة (ط ل ق)، يكون صريحًا في الطلاق، بل منه ما يكون كناية رغم أنه مشتق منها، كما لو استعمل المصدر فقال لها: "أنت الطلاق" مثلا، ويُعَلَّل ذلك بأن المصادر غير موضوعة للأعيان وإنما تستعمل فيها توسعًا، وهو استعمال غير معتاد، وليس جاريًا على قياس اللسان، وكان كالمعدول عن الوضع والعرف، فصار كناية، بخلاف ما إذا وقعت مبتدآت أو مفعولات أو نحو ذلك، فإنها صرائح. ومثله: لو استعمل الفعل المحتمل للطلاق وغيره؛ نحو: "أطلقتك"، أو الصفة المحتملة كذلك؛ كـ: "أنت مُطْلَقة"؛ لاحتمالهما الطلاق وغيره، مع عدم اشتهارهما في معنى الطلاق. (راجع: الشرح الكبير للرافعي 8/ 509، ط. دار الكتب العلمية، ومغني المحتاج 4/ 457، 458).
والضابط في ذلك أن نقول: إن مأخذ الألفاظ الصريحة هو ورودها لغة أو شرعًا مؤديةً للمعنى الموضوع لها لا غير، ولا مدخل لغَلَبَة الاستعمال وشيوعه وحصول التفاهم في كون اللفظ صريحًا، وهذا ما نَصَّ عليه الإمام النووي في "المنهاج" (ص230، ط. دار الفكر) بقوله: "ولو اشتهر لفظ للطلاق؛ كالحلال أو حلال الله عليَّ حرام، فصريح في الأصح. قلت -يعني: النووي-: الأصح أنه كناية. والله أعلم". اهـ.
وعبارته في "الروضة" (8/ 25، 26، ط. دار عالم الكتب): "إذا اشتهر في الطلاق لفظ سوى الألفاظ الثلاثة الصريحة؛ كحلال الله عليّ حرام، أو أنت عليّ حرام... ففي التحاقه بالصريح أوجه، أصحها: نعم؛ لحصول التفاهم، وغلبة الاستعمال، وبهذا قطع البغوي، وعليه تنطبق فتاوى القَفَّال والقاضي حسين والمتأخرين. والثاني: لا، ورجَّحه المُتَوَلي. والثالث حكاه الإمام عن القَفَّال: أنه إن نوى شيئًا آخر مِن طعام أو غيره: فلا طلاق، وإذا ادعاه صُدِّق، وإن لم ينو شيئًا، فإن كان فقيهًا يعلم أن الكناية لا تعمل إلا بالنية، لم يقع، وإن كان عاميًّا، سألناه عما يفهم إذا سمعه مِن غيره، فإن قال: يسبق إلى فهمي منه الطلاق، حمل على ما يفهم، والذي حكاه الـمُتَوَلي عن القفَّال أنه إن نوى غير الزوجة فذاك، وإلا فيقع الطلاق؛ للعرف. قلت: الأرجح الذي قطع به العراقيون والمتقدمون أنه كناية مطلقًا -أي: بلا تفصيل بين العامي والفقيه- والله أعلم. وأما البلاد التي لا يشتهر فيها هذا اللفظ للطلاق، فهو كناية في حق أهلها بلا خلاف". اهـ.
قال الإمام السيوطي في "فتح المغالق من أنت تالق" -ضمن كتاب "الحاوي للفتاوي" (1/ 205)، ط. دار الكتب العلمية-: "فانظر كيف صدر الفرع بضابط وهو: "أن يشتهر في الطلاق لفظٌ" ولم يخصه بلفظ دون لفظ، ولا يَظُنُّ أحدٌ اختصاصَه بلفظ "الحلالُ عليَّ حرامٌ" ونحوه، فإنما ذكر هذه على سبيل التمثيل". اهـ.
وقال العلامة شهاب الدين القَرافي المالكي في كتابه: "الفروق" (3/ 153، ط. عالم الكتب): "وضابطُ مشهورِ كلامِ الأصحاب: أن اللفظ إن دَلَّ بالوضع اللغوي فهو صريح، وهذا هو الطلاق; لأنه لإزالة مطلق القيد، يقال: لفظ مطلق، ووجه طلق، وحلال طلق، وانطلقت بطنه، وأطلق فلان مِن السجن... والكناية: ما ليس موضوعًا له لغة، لكن يحسن استعماله فيه مجازًا؛ لوجود العلاقة القريبة بينهما". اهـ.
ويظهر من كلام القرافي تعريف الصريح، وأن مداره على الوضع اللغوي، وأنه متى لم يكن اللفظ موضوعًا للمعنى: لم يكن مِن الصريح في شيء.
ويقول الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (7/ 300) في سياق حديثه عن الكنايات التي اشتهرت بين الناس في الطلاق: "ومفهوم كلام الخِرَقي: أنه لا يقع إلا بنية; لقوله: "وإذا أتى بصريح الطلاق وقع، نواه أو لم ينوه"؛ فمفهومه: أن غير الصريح لا يقع إلا بنية، ولأن هذا كناية, فلم يثبت حكمه بغير نية كسائر الكنايات". اهـ.
وقد سئل الإمام الرملي الكبير مِن الشافعية عن ألفاظ اشتهرت في الطلاق عند أهل "ضيار" ببلاد الهند وبلغتهم وليست ترجمة الطلاق فيها، بل هي ألفاظ اشتهرت على ألسنتهم عند التطليق, واشتهار هذه الألفاظ عندهم أكثر مِن اشتهار الطلاق في الطلاق، هل هي مِن ألفاظ الطلاق أو لا؟ وإذا قلتم: نعم، فهل هي كناية أو صريحة؟ وفي تطليق أهل هذه الديار بلفظ الطلاق مع عدم معرفتهم معناه وغاية معرفتهم أنه للفراق بين الزوج والزوجة، هل تطلق بذلك أو لا؟
فأجاب: بأن الألفاظ المذكورة ليست صريحة في الطلاق, ثم إن احتملت الطلاق فهي كناية فيه، وإلا فليس بكناية. ولفظ الطلاق مِن المذكورين صريح. (انظر: فتاوى الرملي 3/ 340، ط. المكتبة الإسلامية، وانظر: حاشيته على أسنى المطالب 3/ 270، ط. دار الكتاب الإسلامي).
وعلى ما ذُكِر: فكل صور التحريف والتبديل والحذف في لفظ الطلاق مِن كناياته التي تحتاج إلى تحقق قصد معنى الطلاق ووجود النية، ومِن ذلك: "أنت تالق"، أو "أنت دالق"، أو "أنت طالك"، أو "أنت طال"، أو "طال"، أو "أنت طاق"، أو "أنت تالك"، أو "أنت دالك"، أو "أنت طالئ"، فكل هذه الألفاظ مِن قبيل الكنايات لا مِن الصرائح.
قال الإمام السيوطي في "فتح المغالق" (1/ 207): "والحاصل: أن هنا ألفاظًا بعضها أقوى من بعض: فأقواها تالق، ثم دالق -وفي رتبتها طالك-، ثم تالك، ثم دالك وهي أبعدها، والظاهر القطع بأنها لا تكون كنايةً طلاق أصلا.
ثم رأيت المسألة منقولة في كتب الحنفية؛ قال صاحب "الخلاصة": وفي "الفتاوى": رجل قال لامرأته: أنت تالق، أو تالغ، أو طالغ، أو تالك، عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل: أنه يقع وإن تعمد وقصد أن لا يقع، ولا يصدق قضاء ويصدق ديانة، إلا إذا أشهد قبل أن يتلفظ وقال: إن امرأتي تطلب مني الطلاق ولا ينبغي لي أن أطلقها فأتلفظ بها قطعًا لعلتها، وتلفظ، وشهدوا بذلك عند الحاكم، لا يحكم بالطلاق. وكان في الابتداء يفرق بين الجاهل والعالم كما هو جواب شمس الأئمة الحلواني، ثم رجع إلى ما قلنا. وعليه الفتوى". اهـ.
ويدل على أن تحريف كلمة الطلاق على الوجه المذكور يخرجها من الصريح إلى الكناية جملة من الأدلة؛ منها ما يلي:
الدليل الأول: أن اللفظ الصريح إنما يؤخذ مِن ورود القرآن به، أو موافقته الوضع اللغوي، فإذا اشتهر عرفًا لفظٌ للطلاق ولم يَرِد به القرآن ولا ورد به عرف اللغة فإنه يخرج عن أن يكون صريحًا، ويصير كناية.
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في أسنى المطالب (3/ 272): "الصريح إنما يؤخذ من القرآن" اهـ، ولعل سبب هذا ما فيه من معنى التعبد.
(راجع: نهاية المطلب للجويني 14/ 104 وما بعدها، والمنثور في القواعد للزَّركشي 2/ 306، 308، والأشباه والنظائر ص293، ط. دار الكتب العلمية، والحاوي للفتاوي للسيوطي 1/ 207، ط. دار الكتب العلمية، وحاشية الشَّبْرَامَلِّسي على نهاية المحتاج 6/ 429، ط. دار الفكر، وحاشية الشِّرْوَاني على تحفة المحتاج 8/ 4، والشرح الكبير للرافعي 8/ 527).
الدليل الثاني: وهو مبنيٌّ على معرفة أن الصريح والكناية يُفرَّق بينهما مِن وجهين:
أحدهما: أن الصريح لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فحُمِل على موجبه مِن غير نية، والكناية تحتمل أكثر مِن معنى، فلم تنصرف إلى أحدهما إلا بنية؛ كالعبادات: ما كان منها لا يعقد إلا على وجه واحد -كإزالة النجاسة- لم يفتقر إلى نية، وما كان محتملا -كالصوم- لم يصح أن يكون عبادة إلا بالنية.
والثاني: أن الصريح حقيقة، والكناية مجاز، والحقائق يفهم مقصودها بغير قرينة، والمجاز لا يُفهَم مقصوده إلا بقرينة، فلذلك افتقرت الكناية إلى نية، ولم يفتقر الصريح إلى نية. (انظر: الحاوي الكبير للماوردي 10/ 166).
وتخريجًا على هذا يقال: متى تحقق الوجهان في اللفظ المحرَّف، خرج مِن باب الصريح، وصار كناية يحتاج إلى نية، وهذه الألفاظ السابقة قد حُذِفَ حَرفٌ مِن حروفها الأصلية أو أُبدِلَ بحرفٍ آخر، فخرجت عن انحصارها في معنى واحد، وصارت تحتمل أكثر مِن معنى، وخرجت عن أن تكون حقيقة؛ لأن الحقائق يفهم مقصودها بغير قرينة، وهذه التي دخلها الإبدال أو الحذف لا يفهم مقصودها إلا بقرينةِ ملاحظة المحذوف أو المُبدَل. فقرينة الإبدال في هذه الألفاظ موجودة ومتحققة، وهي التي بسببها انصرف اللفظ مِن كونه صريحًا إلى كونه كناية؛ فإن الصريح لا يحتاج في فهم معناه إلى قرينة، ولفظ "طالئ" ونحوه لا يفهم المقصود منه إلا بملاحظة قرينة الإبدال، ولو سمعه العالم بلسان العرب دون أن يعرف ما استجد عند العامة مِن هذا الإبدال لتوقف في فهم المراد، ولم يحمله على شيء، ولو وُقِّف على هذه العادة بالإبدال لحمله بالقرينة، ومتى احتاج فهم معنى اللفظ إلى قرينة صار كناية، ومتى صار كناية احتاج إلى نية.
الدليل الثالث: سبق أن الشافعية يعلِّلون كون قوله: "أنت طلاق"، وقوله: "أنت الطلاق" كناية في الأصح بأنه كالمعدول عن الوضع، وهذه العلة موجودة في الكلمات المحرَّفة كـ "طالئ" ونحوها؛ فإنها معدول بها عن الوضع، وهذا العدول هو العلة الأساسية في إخراجها مِن باب الصريح إلى الكناية. (انظر: الشرح الكبير للرافعي 8/ 509).
الدليل الرابع: أن ثبوت الحُكم يقتضي ثبوت الاسم، وانتفاء الاسم يقتضي انتفاء الحكم (انظر: الحاوي للماوردي 10/ 158)، ومقتضى هذه القاعدة أن ثبوت حكم الطلاق يقتضي ثبوت اسم الطلاق، وانتفاء اسم الطلاق في صورة: "تالق، وطالئ" ونحوهما يقتضي انتفاء حكم الطلاق، فيصير بناء على هذه القاعدة لغوًا لا حكم له، لكن لما اشتهر استعماله عرفًا خرج عن أن يكون لغوًا، ولم يلتحق بأن يكون صريحًا؛ لعدم وروده في القرآن أو كونه موافقًا للوضع اللغوي، فلم يبق إلا أن يكون كناية يحتاج إلى نية.
الدليل الخامس: تَقَدَّم أنه ليس كل استعمال للألفاظ المشتقة مِن مادة (ط ل ق) يصير صريحًا في الطلاق، بل منه ما يكون كناية رغم أنه مشتق مِن مادة (ط ل ق)، كما لو استعمل المصدر فقال لها: "أنت الطلاق"، أو الفعل نحو: "أطلقتك"، أو الصفة نحو: "أنت مُطْلَقة"، فإذا كان الأمر كذلك: فإبدال حرف أو أكثر مِن مادة (ط ل ق) أولى بالنزول عن رتبة الصريحية إلى الكناية، بل ربما خرج عن باب الطلاق أصلا، ولم يدل عليه لا صراحة ولا كناية.
الدليل السادس: أن الكلمة الواردة في اللغة لها نطقٌ يدل عليها، فإذا نُطقت محرَّفة؛ فإن تغيَّر المعنى دلَّت على المعنى الجديد دون القديم المحرَّف عنه، وذلك كنطق الضاد ظاءً مُشَالَة، ونطق القاف همزة، ولذلك نصَّ الشافعية على أن مَن قرأ الفاتحة في الصلاة وقال: "ولا الظالين" بدلا مِن: {وَلَا ٱلضَّآلِّينَ} [الفاتحة: 7]، أو "المستئيم" بدلًا مِن: {ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، لم تصح منه هذه الكلمات؛ وبالتالي الفاتحة، وبطلت صلاته إن كان عامدًا عالمًا بالبطلان. وإن لم يتغيَّر المعنى بالتحريف، فلا أثر لهذا التحريف، ولذلك نَصُّوا على صحة صلاة مَن قرأ بالواو بدل الياء مِن {ٱلۡعَٰلَمِينَ} في الفاتحة. (راجع: حاشية الباجوري على شرح ابن قاسم الغزي لمتن أبي شجاع 1/ 155، ط. عيسى الحلبي، وحاشية الرملي على أسنى المطالب 1/ 151، وحاشية البجيرمي على الإقناع 2/ 25، دار الفكر).
أما إذا حُرِّفت ولم تدل على أي معنًى، فإنها تصير كاللفظ المهمل لا المستعمَل؛ لأن الكلام العربي المستعمَل هو ما وضعته العرب ليدل على معنى معيَّن، وله قوانين لا يجوز تغييرها، ومتى غُيِّر ولم يدل على معنًى حُكِم عليه بأنه ليس بعربي، فصار مهملا، وقد اتفقوا على أن المهمل لم تضعه العرب قطعًا (انظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار ص35، ط. مطبعة السنة المحمدية)، ومِن ثمَّ فإذا حُرِّفت الكلمة وخرجت عن نطاق الوضع العربي -كما في "تالق، وطالئ" ونحوهما- لم يَجْرِ عليها ما يجري على لفظ الطلاق الصريح وهو لفظ "طالق" ونحوه؛ لمخالفتها قوانين الكلام العربي، ولكونها لم توضع مِن العرب أصالة للدلالة على معنى الطلاق، فإنه إنما يُستدل على صريحية الكلمة في الطلاق بورودها شرعًا أو لغة مؤدية للمعنى الموضوع لها لا غير، فإذا لم تكن كذلك فقد دخل دلالتَها مِن الاحتمال ما يُخرجها عن الصريح إلى الكناية.
فإذا أُبدلت الطاء في لفظ الطلاق تاءً مثناة فقال الزوج: "أنت تالق"، لم يقع الطلاق إلا بالنية، قال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (3/ 280، ط. دار الفكر): "ولو أتى بالتاء المثناة من فوق بدل الطاء كأن يقول: "أنت تالق" كانت كناية كما أفاده شيخي -يعني: الشهاب الرملي- قال: سواء كانت لغتُه كذلك أم لا". اهـ.
وقال العلامة القليوبي في حاشيته على شرح "المنهاج" (3/ 325، ط. دار الفكر): "وإبدال الطاء مثناةً كنايةٌ على المعتمد ولو لمن هي لغته". اهـ.
وقد صنف الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي رسالته المشهورة "فتح المغالق من أنت تالق" -وهي مطبوعة ضمن كتابه "الحاوي للفتاوي"- ليثبت أن تغيير الطاء في كلمة الطلاق إلى تاء يخرجها من حد الصريح إلى الكناية، وأن ذلك هو مذهب الشافعية.
ومعلوم أن التاء والطاء مشتركان في المخرج وبعض الصفات؛ قال الشيخ محمد مكي نصر في "نهاية القول المفيد" (ص: 89، ط. مكتبة الصفا) في الفصل الثالث في بيان الفرق بين الحروف المشتركة في المخرج والصفة: "والطاء والدال المهملتان والتاء المثناة الفوقية اشتركت في المخرج والشدة وانفردت الطاء بالإطباق والاستعلاء والتفخيم؛ فلولا هذه الثلاثة لكانت دالا، ولولا أضدادها في التاء لكانت طاء، ولو أُعْطِيَت الطاء همسًا مع بقاء الإطباق والاستعلاء والتفخيم لا تصير حرفًا معتدًّا به بل هو لحن، وتنفرد الدال عن التاء بالجهر فقط؛ فلولا الجهر لكانت تاء، ولولا الهمس في التاء لكانت دالا، فالطاء أقرب إلى الدال منها إلى التاء بدون العكس؛ لأن الدال أقرب إلى التاء وبالعكس". اهـ.
ومعلوم أيضًا أن القاف لهوية وأن الهمزة من حروف الحلق؛ فالقاف تخرج من المخرج الخامس ما بين أقصى اللسان يعني أبعده مما يلي الحلق وما يحاذيه من الحنك الأعلى، أما الهمزة فمخرجها المخرج الثاني وهو أقصى الحلق (راجع: نهاية القول المفيد ص54- 55).
وعليه فإذا كانت "تالق" تُخرج الكلمة من نطاق الصريح الذي ورد في اللغة العربية أو جاء في القرآن الكريم -وهما ما يستدل به على الصريحية كما سبق ذكره- فمن باب أولى أن كلمة "طالِئ" بالهمزة تُخرج الكلمة من الصريح إلى الكناية كذلك، وسبب الأولوية: أن التاء والطاء مشتركان في المخرج وبعض الصفات، وأن الهمزة والقاف مختلفان في المخرج، وهو حـق الحرف، فكان ذلك اللفظ –أعني ما بالهمزة– أولى في خروجه عن الصريح من "تالق".
الدليل السابع: أننا نقول: إن اللغات توقيفية، وواضعها هو الله سبحانه وتعالى، كما هو الراجح عند أهل أصول اللغة وأصول الفقه (راجع: المزهر للسيوطي 1/ 12 وما بعدها، ط. دار الكتب العلمية، وشرح الأصفهاني على مختصر ابن الحاجب 1/ 150، ط. جامعة أم القرى، والإحكام للآمدي 1/ 101- 107، ط. دار الصميعي)، وما دامت ألفاظ الطلاق المحرَّفة لم توضع لصريح الطلاق فإنها تكون مِن الكنايات التي يُحتاج في إيقاعها إلى النية.
قال الإمام الإسنوي في "التمهيد" (ص137- 139، ط. مؤسسة الرسالة): "ذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري إلى أن اللغات توقيفية، ومعناه أن الله تعالى وضعها ووقَّفنا عليها، أي: أعلمنا بها، واختاره ابنُ الحاجب وصاحبُ المحصول في الكلام على القياس في اللغات. وقال الآمدي: إنه الحق، وذهب أبو هاشم إلى أنها اصطلاحية. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: الألفاظ التي يقع بها التنبيه إلى الاصطلاح توقيفية والباقي محتمل. وفي المحصول قول رابع: أن ابتداء اللغات اصطلاحي والباقي محتمل. وتوقَّف القاضي أبو بكر في المسألة، ونقله في المحصول عن جمهور المحققين. وذهب عبَّاد بن سليمان وطائفة إلى أن الألفاظ لا تحتاج إلى وضع، بل تدل بذاتها؛ لما بينها وبين معانيها مِن المناسبة، كذا نقله في المحصول. ومقتضى كلام الآمدي في النقل عنه أن المناسبة مشروطة لكن لا بد مِن الوضع. إذا علمت ذلك فمن فروع المسألة: إذا قال لزوجته: "أنت عليَّ حرام"، أو قال: "حلال الله عليَّ حرام"، أو "الحرام يلزمني"، ونحو ذلك، فهل هو صريح أو كناية؟ فيه وجهان: صحَّح الرافعي الأول، والنووي الثاني، فإن قلنا: اللغات اصطلاحية: كفى اشتهارُها في العرف والاستعمال العام عن النية، فتكون صريحة، وهو ما صحَّحه الرافعي. وإن قلنا: إنها توقيفية، فلا تخرج عن وضعها، بل تُستعمَل في غيره على سبيل التجوز، فإن نوى وقع، وإلا فلا، وهو الصحيح عند النووي". اهـ.
الدليل الثامن: أن العبرة في باب الطلاق بالألفاظ والمباني لا بالمقاصد والمعاني، وهذا يظهر مِن اختيار فقهاء الشافعية لألفاظ الطلاق الصريحة، فأثبتوا لفظ "الطلاق" بلا خلاف، و"الفراق" و"السراح" على خلاف فيه، واختلفوا في وقوعه فيهما بالاسم؛ لأن النص ورد فيهما بالفعل؛ يقول الجلال المحلي في شرحه للمنهاج (3/ 325): "ويقع" الطلاق "بصريحه بلا نية وبكناية بنية"، والكناية ما تحتمل معنى الصريح وغيره، "فصريحه: الطلاق" لاشتهاره فيه لغة وشرعًا، "وكذا الفراق والسراح على المشهور" لورودهما في القرآن بمعناه؛ قال تعالى: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا} [الأحزاب: 49]، وقال: {أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ} [الطلاق: 2]، والثاني: أنهما كنايتان؛ لأنهما لم يشتهرا اشتهار الطلاق، ويستعملان فيه وفي غيره، ومثال لفظ الطلاق: "كطلقتك، وأنت طالق، ومُطَلّقة" بفتح الطاء "ويا طالق، لا أنت طلاق، والطلاق في الأصح"؛ لأن المصادر إنما تستعمل في الأعيان توسعًا، فيكونان كنايتين. والثاني: أنهما صريحان؛ كقوله: يا طالق، ويُقاس بما ذُكر: فارقتك، وسرحتك، فهما صريحان، وأنت مفارقة ومسرحة ويا مفارقة ويا مسرحة، فهي صريحة، وقيل: كناية؛ لأن الوارد في القرآن مِن اللفظين الفعل دون الاسم، بخلاف الطلاق، قال تعالى: {وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ} [البقرة: 228]، وأنت فراق والفراق وسراح والسراح؛ فهي كنايات في الأصح". اهـ.
ففي هذا إشارة إلى أن العبرة في هذا الباب بالألفاظ والمباني لا بالمقاصد والمعاني. وقد صرح غير واحد منهم أن الطلاق محمول على اللغة، بخلاف الأيمان؛ فمحمولة على العرف. (انظر: حاشية البيجوري الفقهية 2/ 405، وحاشية الجمل على شرح المنهج 5/ 309، ط. دار الفكر، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج 4/ 328، ط. دار الفكر العربي).
وكما أن مدار انعقاد النكاح على الألفاظ فالعبرة في حل قيده أيضًا تكون بالألفاظ، ولما كان قول القائل لزوجته: "أنت طالق" مما يُحَلُّ به عقد النكاح، كان الاعتماد في إمضاء هذا الحل على اللفظ لا على المعنى، وتحريفُ اللفظِ للفظٍ آخر لا تعرفه العربية إخراجٌ له عن أصله، ومِن ثَم لا يُعتمَد حل العقد به إلا إذا نوى به طلاقًا، فتكون نيته قرينة على إرادته حل العقد؛ إذ العبرة بالألفاظ الموضوعة في العربية، ولفظة "طالئ" ليست موضوعة في العربية للدلالة على حل العقد صراحة، وإنما تحتاج إلى اقتران نية المُطَلِّق معها للقول بوقوع الطلاق.
وقد ذكر الإمام السيوطي في شرحه لهذه القاعدة في "الأشباه والنظائر" (ص166) فروعًا متعددة: منها: "لو قال: أسلمتُ إليك هذا الثوب في هذا العبد. فليس بسَلَم قطعًا, ولا ينعقد بيعًا على الأظهر؛ لاختلال اللفظ. والثاني: نعم؛ نظرًا إلى المعنى". اهـ.
وفي هذا الفرع نرى أنه قد نطق بلفظ السلم صحيحًا مِن حيث اللغة، ولكنه أخطأ مِن حيث الشرع؛ لأنه أراد غير معناه الذي وضع له في الحقيقة الشرعية، فلم يعتبروا ما يؤدي إليه معنى اللفظ باتفاق، ثم اختلفوا في اعتبار المعنى: هل يصير بيعًا أم لا؟ فأشبه هذا ما لو نطق بلفظ الطلاق محرَّفًا على غير ما وضع له في اللغة كقوله: "أنت طالئ"، فمِن باب أولى ألا نقطع بدلالة هذا اللفظ على الطلاق شرعًا إلا بقرينة، وذلك لا يُعرَف إلا بسؤال المتلفظ به عن نيته.
وبعد بيان الأدلة على دعوانا، فإنه ينبغي التنبيه على أمرين:
الأول: في موضع النية من التلفظ بالكناية؛ فإنها تكون مقترنة باللفظ الكنائي، فإن تَلَفَّظَ بالكناية من غير نية ثم نوى بها بعد ذلك لم يقع بها طلاق.
قال الإمام النووي في "روضة الطالبين" (6/ 32): "فصل: الكناية لا تعمل بنفسها، بل لا بد فيها من نية الطلاق، وتقترن النية باللفظ، فلو تقدمت ثم تلفظ بلا نية، أو فرغ من اللفظ ثم نوى، لم تطلق". اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة في "المغني" (7/ 306): "فصل: فأما غير الصريح; فلا يقع الطلاق به إلا بنية, أو دلالة حال... ولنا: أن هذه كناية لم تعرف بإرادة الطلاق بها, ولا اختصت به, فلم يقع الطلاق بها بمجرد اللفظ, كسائر الكنايات, وإذا ثبت اعتبار النية, فإنها تعتبر مقارنة للفظ, فإن وجدت في ابتدائه, وعَرِيَتْ عنه في سائره, وقع الطلاق... ولنا: أن ما تعتبر له النية يكتفي فيه بوجودها في أوله؛ كالصلاة وسائر العبادات, فأما إن تلفظ بالكناية غير ناوٍ, ثم نوى بها بعد ذلك, لم يقع بها الطلاق, وكما لو نوى الطهارة بالغسل بعد فراغه منه". اهـ.
الثاني: أن ما قررناه من أن تحريف كلمة الطلاق يجعلها كناية، لا يتناول ما إذا نطق القاف في كلمة الطلاق قافًا معقودة، كما عليه أهل صعيد مصر وغيرهم.
والقاف المعقودة: هي التي ليست بقاف خالصة ولا بكاف خالصة، بل هي متوسطة في النطق بين القاف والكاف، وهي الجيم المصرية، مثاله: أن تُنطَق كلمة: معقول: معجول.
ونُطْقُ القاف الخالصة قافًا معقودة عربي خالص، وهو لغة بني تميم؛ قال الإمام اللُّغَوي أبو الحسين أحمد بن فارس القزويني في كتابه: "الصاحبي في فقه اللغة" (ص25، ط. المكتبة السلفية): "فأما بنو تميم: فإنهم يُلحِقون القاف باللَّهاة حتى تَغْلظ جدا؛ فيقولون: "القوم"، فيكون بَيْنَ الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم. قال الشاعر:
|
ولا أكُولُ لِكدرِ الكَوم قَدْ نضجت |
|
ولا أكولُ لبابِ الدَّار مَكْفولُ |
...". اهـ.
وقد نَصَّ علماء الشافعية على صحة الفاتحة إذا قرأ: {ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} فيها بالقاف المعقودة؛ بناء على أنها عربية صحيحة؛ قال الإمام جمال الدين الإسنوي في "الكوكب الدري في تخريج الفروع الفقهية على المسائل النحوية" (ص480، 481، ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية): "مسألة: إبدال الهاء من الحاء لغة قليلة، وكذلك إبدال الكاف من القاف... أما الثاني -أي: إبدال الكاف من القاف-: فمن فروعه: إذا قرأ: {ٱلۡمُسۡتَقِيمَ} بالقاف المعقودة المشبهة للكاف، وهي قاف العرب، أي: التي ينطقون بها، فإنها تصح أيضًا كما ذكره الشيخ نصر المقدسي في كتابه المسمى بالمقصود والروياني في الحلية وجزم به ابن الرفعة في الكفاية ونقله النووي في شرح المهذب عن الروياني ثم قال: وفيه نظر. ومال المحب الطبري في شرح التنبيه إلى البطلان، لكن اللحن الذي في الفاتحة لا يمنع الصحة إذا كان لا يختل المعنى كما جزم به الرافعي وإن كان حرامًا كما قاله النووي في شرح المهذب، وحكى فيه وجهًا أن الصلاة لا تصح أيضًا، وحينئذ فالصحة في أمثال هذه الأمور لأجل وروده في اللغة". اهـ.
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "شرح المنهج" (1/ 346، ط. دار الفكر، مع حاشية الجمل): "ويجب رعاية حروفها -أي: الفاتحة-" فلو أتى قادر أو من أمكنه التعليم بدل حرف منها بآخر لم تصح قراءته لتلك الكلمة؛ لتغييره النظم، ولو نطق بقاف العرب المترددة بين القاف والكاف صحت، كما جزم به الروياني وغيره". اهـ.
قال العلامة الجمل في حاشيته عليه (1/ 346): "المراد بالعرب: أجلافهم, وأما الفصحاء منهم فلا ينطقون بذلك...، وقوله: "صحت" أي: ولو كان قادرًا على القاف الخالصة، ووجه الصحة حينئذ: أن ذلك ليس بإبدال حرف، بل هي قاف غير خالصة". اهـ.
وقال العلامة الرملي في نهاية المحتاج (1/ 481): "ولو نطق بالقاف مترددة بينها وبين الكاف كما ينطق بها بعض العرب صح مع الكراهة، كما جزم به الشيخ نصر المقدسي والروياني وابن الرفعة في الكفاية، وإن نظر فيه في المجموع". اهـ.
وبناء على ما سبق: فلو قال رجل لامرأته: "أنت طالق" بالقاف المعقودة؛ بحيث يكون نطقها: "أنت طالج" كان هذا طلاقًا صحيحًا صريحًا، ولا يكون مِن باب الكناية، ولا يسأل فيه عن النية؛ لأن نطق القاف الخالصة قافًا معقودة نطق عربي لا عُجْمَة فيه كما سبق، وبهذا يفترق نطق القاف الخالصة قافًا معقودة عن نطقها همزة.
وهذا الفرع بخصوصه قد نص عليه أئمة الشافعية في كتبهم:
قال الإمام السيوطي في رسالته: "فتح المغالق من أنت تالق" (1/ 253): "فرع: ولو قال: أنت طالق -بالقاف المعقودة قريبة من الكاف كما يلفظ بها العرب- فلا شك في الوقوع". اهـ.
وما قاله السيوطي هو ما نَصّ عليه أيضًا الشيخ الشبرامَلِّسي في حاشيته على نهاية المحتاج (6/ 429)، والشيخ عبد الحميد الشَّرواني في حواشيه على تحفة المحتاج (8/ 4).
أما السؤال عمن اعتبر من الفقهاء السابقين أن كلمة "طالئ" هي من الكنايات المفتقرة إلى النية:
فقد ذكر فقهاء الشافعية في مصنفاتهم صورًا عديدة للتحريف، وبيَّنوا أنها ليست صريحة في الطلاق، وعَلَّلوها بِعِلَّة تجعل كلمة "طالئ" أولى في الحكم عليها بالكناية مما ذكروه -كما سبق بيانه-، والفتوى في النهاية مرتبطة بالواقع، وليست حكمًا شرعيًّا مُجَرَّدًا، بل هي جمعٌ بين حُكم شرعي وصورة لواقع يتعلق به هذا الحكم في ذهن المجتهد أو المفتي فينتج الفتوى، فالحكم غير الفتوى، بل هو أحد عناصرها، وهو منضبط لا يتغيَّر، والفتوى قد تتغير بتغيُّر مُتَعَلَّق الحُكم -وهو الواقع- إذا تغيرت جهة من جهاته الأربع: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال؛ فقد تَجِدُّ أمورٌ لم تكن في العصور الأولى، ثم تكون في العصور التالية، كما هو الواقع في كثير من قضايا الفقه الإسلامي، وهذا يكون لتغير الأحوال في الأمصار المترامية الأطراف، وهذا مقرر معلوم، وكون هذه الكلمة لم تُذكَر بخصوصها في كنايات الطلاق لا حجة فيه على أنها ليست كذلك؛ فعدم الذِّكْر لا يصح دليلا على المنع، خاصة وأن إدراك علل المسائل المنصوص عليها وبناء المسائل المستجدة عليها هو لباب الفقه؛ فالأحكام الشرعية تدور مع عللها وجودًا وعدمًا، والمفتي يقوم بهذا الدور في هذه المسألة وغيرها، وقد رد الإمام السيوطي على من أنكر كون كلمة "تالق" كناية بكونها لم ترد في كنايات الطلاق المذكورة في كتب الفقه بأن هذا لا يستلزم عدم كنائيتها، لأن كنايات الطلاق غير محصورة، والفقهاء لم يشترطوا حصرها في كتبهم عند ذكرهم لأمثلتها، فقال في "فتح المغالق" (1/ 205): "فإن نظر ناظر إلى أن الفقهاء لم ينبهوا على هذا اللفظ في كتبهم، قلنا: الفقهاء لم يستوفوا كل الكنايات، بل عددوا منها جُمَلا، ثم أشاروا إلى ما لم يذكروه بضابط، وقد استنبط البلقيني من حديث قول إبراهيم لامرأة ابنه إسماعيل عليهما السلام: "قولي يغير عتبة بابه"، أن هذه اللفظة من كنايات الطلاق، ولم ينص على هذه اللفظة أحد قبله، ولعل الفقهاء إنما سكتوا عن التعرض للفظة "تالق" لكونها لم تقع في زمنهم، وإنما حدث ذلك في ألسنة العامّة من المتأخرين". اهـ.
فلا وجه لانتقاد هذه دون غيرها من المسائل، وإذا اقتصر دور المفتي على المنصوص فقط فمَن يتصدى مِن الأمة للنوازل والمسائل المستجدة؟! يضاف إلى ذلك أن عدم ذكر الفقهاء لهذه الكلمة بخصوصها يعلَّل بكونها مرتبطة بعرف سائد الآن في كلام الناس لم يكن موجودًا في عصرهم، كما سبقت الإشارة إليه في كلام الحافظ السيوطي.
قال العلامة محمد أمين الشهير بابن عابدين الشامي في "شرح منظومة عقود رسم المفتي" (1/ 47 ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين، ط. دار إحياء التراث العربي): "جمود المفتي أو القاضي على ظاهر المنقول مع ترك العرف والقرائن الواضحة والجهل بأحوال الناس يلزم منه تضييع حقوق كثيرة وظلم خلق كثيرين". اهـ.
وكثير من الفروع الخلافية بين أبي حنيفة وأصحابه يصف أئمة الحنفية الخلاف فيها بأنه: "اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حكم وبيان" لهذا المعنى الذي ذكرناه. (انظر مثلا: المبسوط للسرخسي 8/ 178، ط. دار المعرفة، بدائع الصنائع 6/ 31، ط. دار الكتب العلمية، تبيين الحقائق 1/ 43، ط. دار الكتاب الإسلامي، البحر الرائق 4/ 351، ط. دار الكتاب الإسلامي).
أما دعوى أنه لا يوجد الآن أحد ممن يتلفظ بلفظ: "طالئ" إلا ويعلم أنها تفيد الطلاق، وأن هذا قرينة على أنه إذا تلفظ بها فإنما يقصد إيقاع الطلاق، فهي دعوى غير سديدة.
وجوابها: أن هناك فارقًا بين العلم بمعنى اللفظ وبين إرادة إيقاعه، ودعوى أن كل مَن يتلفظ بهذه الألفاظ المحرَّفة إنما يقصد بها إيقاع الطلاق هي محض مجازفة؛ بل من واقع الخبرة الطويلة لدار الإفتاء المصرية في فتاوى الطلاق فإن أغلبية مَن يتلفظ بهذا اللفظ المحرَّف على زوجته –أي: طالئ- إنما يقصد تهديدها أو تأديبها أو زجرها أو إسكاتها أو النكاية فيها، ولا يقصد الطلاق الذي هو بمعنى انفصام العلاقة الزوجية حالًا أو مآلًا.
فإن قيل: إن هؤلاء المذكورين إنما ادَّعَوا ذلك تَخَلُّصًا مِن تبعات فعلهم وتحايُلا لإبقاء العلاقة الزوجية. فالجواب: أن هذا سوءُ ظنٍّ بالمسلمين ورميٌ لهم بالباطل تخرصًا مِن غير بينة ولا برهان؛ وقد قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞ} [الحجرات: 12]، وفي هذا نهي للمؤمنين عن كثير مِن الظن، وهو التهمة والتخوُّن للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فيُجتنب كثيرٌ منه احتياطًا (تفسير ابن كثير 7/ 377، ط. دار طيبة). وقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ».
ولو سلَّمنا بعمومية إفادة الألفاظ المحرَّفة لمعنى الطلاق، فلا يلزم مِن هذا أن كل مَن يتلفظ بها تتوجه نيته وقصده لإيقاع الطلاق، بدليل الواقع الذي ذكرناه، والواقع لا يرتفع، ويُتصور أيضًا أن يفعل هذا فقيه يَعْلم الحكم مِن كون هذه الألفاظ المحرَّفة كناية، ويقولها لزوجته قاصدًا إرعابها وتقويمها إذا اعوجَّت ونشزت عليه، دون أن يقصد التطليق. فدعوى أن أغلب الناس يقصدون الطلاق عند التلفظ بهذه الألفاظ وأن مَن لا يقصد داخل في حد النادر الذي لا حُكمَ له دعوى مردودة لا اعتبار بها، وعلى التسليم الجدلي بها فإنها تُرَدُّ بقاعدة: "تعارض الأصل والغالب"، والضابط فيها: أن الغالب إنما يرجَّح على الأصل إذا كان مستندًا لسبب قوي منضبط، أما إذا كان ما يعارض الأصل مستنده احتمال مجرَّد أو يستند لسبب ضعيف، فحينئذ يترجَّح الأصل (انظر: المنثور للزركشي 1/ 311- 330، والأشباه والنظائر للسيوطي ص64- 68)؛ والأصل هنا في مسألتنا هو عدمُ القصد الموافق لبقاء النكاح، والغالب المدَّعى هو حصول القصد الناقل عن هذا الأصل، وهذا الغالب المدَّعى لا يخرج عن أن يكون مجرد احتمال لا يسنده واقع أو استقراء، أو هو احتمال مستَنِد لسبب ضعيف، فلا يقوى على تغيير استصحاب الأصل.
أما القول بأن اشتهار لفظٍ في الطلاق يجعله صريحًا، وقد اشتهر في أهل مصر هذا اللفظ في الطلاق، فيكون مِن باب الصَّريح لا من باب الكناية: فقد تقدم الجواب عنه، وأن جعل الاشتهار موجبًا للصريحية في الطلاق فيه خلاف بين الشافعية على ثلاثة أوجه حكاها النووي في الروضة ورجح أنه كناية مطلقًا، ونقل القطع به عن الشافعية العراقيين، وهو المفتى به في المذهب.
ومسألة الطلاق بغير العربية -المذكورة في السؤال- قد ورد فيها وجهان عند فقهاء الشافعية؛ الأول: أنه صريح إذا كان اللفظ موضوعًا للطلاق بخصوصه في لغة غير العرب، وبشرط أن يشتهر استعماله في تلك اللغة اشتهار الصريح عند أهل العربية. والثاني: أنه كناية قصرًا للصريح على العربي فحسب.
قال الإمام النووي في الروضة (8/ 25): "ترجمة لفظ الطلاق بالعجمية وسائر اللغات صريح على المذهب؛ لشهرة استعمالها في معناها عند أهل تلك اللغات، كشهرة العربية عند أهلها، وقيل: وجهان. ثانيهما: أنها كناية". اهـ.
وعلى كلا الوجهين، فإن "طالئ" ونحوها خارج عن باب الصريح إلى الكناية، لأنه ليس بوضع عربي ولا غير عربي، وإنما يبقى في دائرة الكناية؛ لاشتهار الاستعمال عند العامة، ولشبهه بالظواهر اللغوية العربية مِن إبدال بعض الحروف ببعضها.
أما الاعتراض بأن الأصل في الأبضاع هو الاحتياط، وهذا يقتضي أن يحتاط المفتي في مثل واقعة السؤال ويفتي بالطلاق، فهو ممنوع؛ بل مقتضى الاحتياط: هو الإفتاء بعدم الوقوع بشرطه؛ حيث إن الاحتياط في مسائل الفروج مقتضٍ للإبقاء على الزوجية لا إنهائها كما ورد بالسؤال؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان (الأشباه والنظائر ص51)، والنكاح المُتَيقَّن لا يزال إلا بيقين مثله.
وهذا هو ما عَلَّل به الإمام أحمد عدم وقوع طلاق السكران، فقال في رواية أبي طالب: "والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة, والذي يأمر بالطلاق قد أتى خصلتين: حرمها عليه, وأحلها لغيره, فهذا خير من هذا" اهـ من "إعلام الموقعين" (4/ 39، ط. دار الكتب العلمية). فكذلك هنا؛ فإن من يوقع الطلاق قد أتى بهاتين الخصلتين، ومن لم يوقعه لم يأت إلا بخصلة واحدة.
قال الشيخ جمال الدين القاسمي في كتابه: "الاستئناس لتصحيح أنكحة الناس" (ص 26، ط. دار عمار): "النكاح الـمُتَيقَّن لا يزال إلا بيقين مثله مِن كتاب أو سنة أو إجماع مُتَيقَّن، فإذا وجد واحد مِن هذه الثلاثة رفع حكم النكاح به، ولا سبيل إلى رفعه بغير ذلك؛ وذلك لأن الفروج يجب الاحتياط لها؛ أي أن الفرض هو أن يبقى الزوجان على يقين النكاح الذي سماه الله تعالى عقدة النكاح حتى ما يُزيله بيقين. وكيف يرتكب تحريم الفروج على مَن كانت حلالا له بيقين ولا تحل لغيره إلا بيقين؟!". اهـ.
وأما القول بأن الفتوى بذلك من التساهل الممقوت، وأنه أَخذٌ بالشاذ من الفتاوى فغير سديد؛ لأن التساهل في الفتوى معناه: أن يعجل المفتي فيفتي من غير نظر، أو بغير استجماع للمصادر، أو أن يبادر إلى الفتوى لِهوًى في نفسه، لكن الفتوى من المتأهل بعد استجماع الأدلة والنظر في المقاصد هي من باب الاجتهاد المأجور فاعله.
قال الإمام النووي في "المجموع" (1/ 79، 80): "يحرم التساهل في الفتوى, ومن عرف به حَرُم استفتاؤه, فمن التساهل: أن لا يتثبت, ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر, فإن تقدمت معرفته بالمسؤول عنه فلا بأس بالمبادرة, وعلى هذا يُحمَل ما نُقِل عن الماضين من مبادرة. ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة, والتمسك بالشُّبَه؛ طلبًا للترخيص لمن يروم نفعه, أو التغليظ على من يريد ضره, وأما من صَحَّ قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها, لتخليص من ورطة يمين ونحوها، فذلك حسن جميل، وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا". اهـ.
والفتوى بالأخف ليست بالضرورة من التساهل في الفتوى؛ لأن هذا الأخف قد يكون هو المترجِّح لدى المفتي، أو هو الأليق بحال المستفتي، كما قال سفيان الثوري: "إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيُحسِنه كلُّ أَحَد". (جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1/ 784، ط. دار ابن الجوزي).
والحكم على فتوى معينة بالشذوذ لا يكون بمجرد التذوق والتشهي، بل إن له ضوابط وأسبابًا؛ منها:
أن يكون القول مخالفًا للإجماع؛ قال الإمام الزركشي في "البحر المحيط" (6/ 434، ط. دار الكتبي): "الخلاف الثاني لا اعتبار له... وهكذا يقول الحنفية في الخلاف في الشاذ: إنه لا خلاف ولا اختلاف. يعنون بذلك أنه إنما يعتبر الخلاف المشهور القريب المأخذ بخلاف الشاذ البعيد, فهو خلاف لأهل الحق". اهـ.
ومنها: أن تكون المسألة مما لم يُعلَم فيها خلاف، ولكن لم يُدَّع فيها الإجماع، فيأتي القول ليقرر حُكمًا مغايرًا للسابق الذي لم يعلم فيه خلاف؛ قال شيخ الإسلام تقي الدين السبكي في فتاويه (2/ 19، ط. دار المعارف) -عند كلامه على قضاءٍ مخالفٍ لشرطِ الواقف-: "وهو مخالفٌ لما علمناه من المذاهب الأربعة، وما لم نعلم فيه خلافًا فهو كالمخالف للإجماع، وإن ثبت فيه خلافٌ فيكون شاذًّا، والخلاف الشاذ لا اعتبار به، كما أن الاحتمال البعيد لا يُخْرِجُ النصَّ عن كونه نصًّا". اهـ.
ومنها: أن يكون لا دليل عليه، والعمل بما لا دليل عليه تَحَكُّم؛ إذ إن فيه ترجيحًا لجانب الفعل على جانب الترك أو لجانب الترك على جانب الفعل بلا مرجِّح معتبر، والترجيح بلا مُرَجِّح باطل. (انظر: التوضيح لصدر الشريعة مع شرح التلويح 1/ 352، ط. مكتبة صبيح).
وقال العلامة القرافي في كتابه "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" (ص225، ط. مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب): "الفتيا بغير مستند باطلة إجماعًا، وحرام على قائلها ومعتقدها". اهـ.
ومنها: أن يكون القول مبنيًّا على مُدرَك ضعيف.
قال القرافي في "الفروق" (4/ 51): "الخلاف الشاذ المبني على المُدرَك الضعيف لا يرفع الخلاف، بل يُنقَض في نفسه إذا حُكِم بالفتوى المبنية على المُدرَك". اهـ.
وعليه فالفتوى بذلك -وهو ما عليه دار الإفتاء المصرية- لا يَصدُق عليه أبدًا أنه من شاذ الفتاوى؛ لأنه لا ينطبق عليه أيُّ شيء مما ذُكِر.
وأما القول بأنه ليس كل تيسير على الناس يكون صحيحًا؛ بل لا بد أن يكون للتيسير حظ من النظر السليم والفقه الصحيح، بدليل أن هناك من الأقوال في باب الطلاق ما لا يُؤخذ به مع كونه أيسر على الناس، فجوابه: أن هذا الكلام صحيح في نفسه، وقد بينا من الدلائل الفقهية والمستندات الشرعية ما يثبت صحة هذه الفتوى وقوة مأخذها، كما أن الرفق بالناس والتيسير عليهم والرحمة بهم لم تكن يومًا مدعاة للذم أو سببًا للوم، بل هي قِيَمٌ لا ينبغي أن تزيغ عن عين المفتي، ما دامت منضبطة مع قواعد الفتوى والفقه؛ فما كان أرفق بالناس فالفتوى به أولى; لأن الحرج مدفوع شرعًا، وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖ} [الحج: 78].
والفتوى بهذا القول الذي اخترناه لا شك أنها أرفق بحال أفراد الأسرة، خصوصًا المرأة والأولاد، وفيه مراعاة لتغير أحوال أهل الزمان في الاستهانة بالتلفظ بألفاظ الطلاق غير ملتفتين لما يترتب على ذلك شرعًا، والعرف والزمان معتبران في الفتوى قطعًا.
يقول ابن عابدين في رسالته "نشر العَرْف في بناء بعض الأحكام على العُرْف" (ضمن مجموع الرسائل 2/ 125): "قالوا في شروط الاجتهاد: إنه لا بد فيه من معرفة عادات الناس؛ فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان؛ بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد؛ لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن إحكام". اهـ.
وإرادة التيسير قد تتعارض مع ما هو أرجح منها من المصالح تارة ومن المفاسد تارة أخرى. ينضاف إليه أن تتبع الأهون في كل مذهب قد ذهب كثير من العلماء إلى ذمه والمنع منه؛ قال سليمان التيمي: "لو أخذت برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله". (انظر: حلية الأولياء 3/ 32، ط. السعادة)، وأطلق الإمام أحمد أنه لو عمل رجل بكل رخصة كان فاسقًا (انظر: البحر المحيط 8/ 382).
وما يختاره المفتي للفتوى يكون له أسباب متنوعة، منها:
أن يكون سبب اختياره أنه الراجح في رأيه واجتهاده إن كان من أهل الاجتهاد، والعمل بالراجح واجب. (جمع الجوامع مع شرح المحلي وحاشية العطار 2/ 404، ط. دار الكتب العلمية).
أو أن يكون هو الراجح في مذهبه إن كان المفتي لم يبلغ رتبة الاجتهاد. (شرح منظومة عقود رسم المفتي -ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين- 1/ 11- 13).
أو أن تتكافأ الأدلة فيجنح المفتي للأيسر، وقد روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر قط بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا».
قال الحافظ ابن عبد البر: "فيه أنه ينبغي ترك ما عَسُر من أمور الدنيا والآخرة, وترك الإلحاح فيه إذا لم يُضطر إليه, والميل إلى الأيسر أبدًا, وفي معناه الأخذ برُخَصِ الله عز وجل ورُخَصِ رسوله عليه الصلاة والسلام ورُخَصِ العلماء، ما لم يكن القول خطأ بَيِّنًا". اهـ. (بواسطة: طرح التثريب للعراقي 7/ 209، 210، ط. دار إحياء الكتب العربية).
وهذا المعنى قد أُثِر عن غير واحد من علماء السلف؛ فقال الإمام يحيى بن سلام: "ينبغي للعالم أن يحمل الناس على الرخصة والسعة ما لم يخف المأثَم". (التمهيد للحافظ ابن عبد البر 8/ 147، ط. وزارة الأوقاف المغربية).
وقال مَعمَر والثوري: "إنما العلم أن تسمع بالرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد". (التمهيد لابن عبد البر 8/ 147، وجامع بيان العلم وفضله 1/ 785).
ومن الأسباب أيضًا: أن يكون المفتى به هو الأليق بحال المستفتي بحساب المصالح والمفاسد؛ قال العلامة ابن نجيم الحنفي في "الأشباه والنظائر" (1/ 338، مع شرح الحموي، ط. دار الكتب العلمية): "المفتي إنما يفتي بما يقع عنده من المصلحة". اهـ.
ومن هذا الباب: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن توبة القاتل فقال: لا توبة له، ثم سأله آخر، فقال: له توبة، ثم قال: أما الأول فرأيت في عينيه إرادة القتل فمنعته, وأما الثاني فقد قتل وجاء يطلب المخرج فلم أقنطه. (أسنى المطالب 4/ 281).
ومن الأسباب: أن يكون سبب الإفتاء بقول معين هو عموم البلوى، بل قد أجاز العلماء للإنسان أن يقلد المذهب المخفِّف في حال الابتلاء والضرورة أو خوف الوقوع في المحرَّم، ولأَن يُقدمَ المرء على فعل ما له وجه جائز شرعًا خير له من أن تُغَلَّق أمامه كل الأبواب فلا يجد أمامه من سبيل إلا اقتحام المحرم، وقد كان له مندوحة بأن يقلد فيه من أجازه من العلماء.
جاء في متن أبي شجاع وشرحه لابن قاسم الغزي: "ولا يجوز" لغير ضرورة لرجل أو امرأة "استعمال" شيء مِن "أواني الذهب أو الفضة" لا في أكل ولا في شرب ولا غيرهما". اهـ.
قال شيخ الإسلام إبراهيم البيجوري في حاشيته عليه (1/ 40): "وعند الحنفية قول بجواز ظروف القهوة، وإن كان المعتمد عندهم الحرمة، فينبغي لمن ابتلي بشيء من ذلك -كما يقع كثيرًا- تقليد ما تقدم؛ ليتخلص من الحرمة". اهـ.
والخلاصة: أن تحريف لفظ الطلاق الصريح بأن يُنطَقَ "طالئ" بدلا من طالق كما هو جارٍ على لسان كثير من أهل مصر، يُخرِج اللفظ مِن الصَّراحة إلى الكناية التي تحتاج إلى نية مقارنة للفظ يقع به الطلاق، وأن الفتوى بهذا القول ليست مخترعة ولا مصادمة للنصوص، بل هي مبنية على مذهب السادة الشافعية تفريعًا وتنظيرًا، وأن الإفتاء بهذا الاختيار فيه مراعاة لأحوال الناس والزمان، وفيه تحقيق لمصلحة بقاء الزوجية قائمة، بما يستتبعها من الحفاظ على كيان الأسرة في زمن تَهَدَّد فيه بقاء الأسرة، واتجه بالإنسانية إلى الفردانية.
تحديد السن في الأضحية
السؤال
هل يشترط سن محدَّد للأضحية التي يجوز التضحية بها أم لا؟ وإذا لم يوجد السن المشروط فهل يجوز التضحية بما هو أقل سنًّا، لا سيما وأنه يوجد الآن بعض الأعلاف المركزة التي يتغذَّى بها الحيوان تجعل لحمه أسمن وإن كان صغيرًا؟
الجواب
الأضحية من السنن المؤكَّدة، وشرعت شكرًا لله تعالى، وإحياءً لسنة سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، كما أن فيها تعظيمًا لشعائر الله سبحانه، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، وقال: {لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى} [الحج: 37].
وقد اشترط الفقهاء شروطًا في الأضحية، بعضها يرجع إلى الأضحية ذاتها، وبعضها يرجع إلى الـمُضَحِّي، فمن شروط الأضحية ذاتها كونها من الأنعام، أي الإبل والبقر والجواميس والغنم، سواء كانت الغنم ضأنًا أو ماعزًا، فلا يجزئ غير ذلك من الدواب والطيور؛ لقوله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 34].
يقول القرطبي: «والأنعام هنا هي الإبل والبقر والغنم» [تفسير القرطبي 12/ 44، ط. دار الكتب المصرية].
وقال أيضًا: «والذي يضحى به بإجماع المسلمين الأزواج الثمانية وهي الضأن والمعز والإبل والبقر» [تفسير القرطبي 15/ 109].
ويقول البغوي: «وقال: {بهيمة الأنعام} وقيَّدها بالنعم؛ لأن من البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير، لا يجوز ذبحها في القرابين» [معالم التنزيل 3/ 340، ط. دار إحياء التراث العربي].
ومن شروطها أيضًا سلامتها من العيوب الفاحشة التي تنقص اللحم أو الشحم إلا ما استثني من ذلك. ومن شروطها: بلوغ الأضحية سن التضحية، فليس كل الأنعام يصح جعلها أضحية يتقرب بها إلى الله عز وجل، فقد اتفق جمهور الفقهاء على أنه لا يجزئ من الإبل والبقر والمعز إلا الثَّنِي فما فوقه، ويجزئ من الضأن الـجَذَع فما فوقه، وقد روى مسلم في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تذبحوا إلا مُسِنِّة إلا أن يَعسُر عليكم فتذبحوا جَذَعَة من الضأن)). أي: لا يجوز في الأضحية إلا الـمُسِنَّة أي الثَّنِي من الإبل والبقر والمعز، أما الضأن (الخروف) فلا يجوز فيه إلا الـجَذَعة، وقد اختلف الفقهاء في تفسير الثَّنِي والـجَذَعَة، ومذهب الشافعية أن الـجَذَعة ما بلغ سنة، والثَّنِي من الإبل ما بلغ خمس سنين، ومن المعز والبقر ما بلغ سنتين [راجع: تحفة المحتاج 9/ 348، ط. دار إحياء التراث العربي].
ووافق المالكيةُ الشافعيةَ في هذه الأسنان، عدا ثَنِي البقر، فيرى المالكية أن الثَّنِي من البقر ما له ثلاث سنوات ودخل في الرابعة [راجع: حاشية الدسوقي 2/ 119، ط. دار إحياء التراث العربي].
وجمهور الفقهاء أيضًا على أنه لا يجوز النقصان عن هذه السنين المقدَّرة، ونصوصهم دالة على ذلك، يقول الكاساني في «بدائع الصنائع»: «وتخصيص هذه القربة بسن دون سن أمر لا يعرف إلا بالتوقيف فيتبع ذلك» [5/ 70، ط. دار الكتب العلمية].
وفي «البناية على الهداية» لبدر الدين العيني: «ويجوز في الأضحية إذا كانت الشاة عظيمة الجثة وهي جَذَع، وإذا كانت صغيرة الجثة لا يجوز إلا أن يتم لها سنة وطعنت في السنة الثانية، وأما المعز لا يجوز إلا ما تمت له سنة وطعنت في الثانية، وأما البقر لا يجوز إلا ما تمت له سنتان وطعنت في السنة الثالثة سواء كانت عظيمة الجثة أو لا» [12/ 47، ط. دار الكتب العلمية].
وقال ابن عابدين: «وفي البدائع: تقدير هذه الأسنان بما ذكر لمنع النقصان لا الزيادة، فلو ضحى بسن أقل لا يجوز، وبأكبر يجوز وهو أفضل» [رد المحتار 6/ 322، ط. دار الفكر].
وقال الـخَرَشي بعد بيان أسنان الأنعام التي تجزئ في الأضحية: «وإنما اختلفت أسنان الثنايا من هذه الأصناف لاختلافها في قبول الحمل والنزوان، فإن ذلك لا يحصل غالبًا إلا في الأسنان المذكورة، ولما كان ما دون الحلم من الآدمي في حد الصغر ناقصًا كان ذلك في الأنعام كذلك لا يصلح للتقرب به» [3/ 34، ط. دار الفكر].
ويقول الماوردي في «الحاوي»: «إذا تقرر أن الضحايا بالإبل والبقر والغنم دون ما عداها من جميع الحيوان، فأسنان ما يجوز في الضحايا منها معتبرة، ولا يجزئ دونها، وقد أجمعنا على أنه لا يجزئ ما دون الجذاع من جميعها، ولا يلزم ما فوق الثنايا من جميعها» [15/ 76، ط. دار الكتب العلمية]
وفي أسنى المطالب: «(ولا) يجزئ (أقل من جَذَع الضأن وثني المعز والإبل والبقر والجذع ذو سنة) تامة» [1/ 535، ط. دار الكتاب الإسلامي].
وقال ابن قدامة في «المغني»: «ولا يجزئ إلا الـجَذَع من الضأن، والثَّنِي من غيره» [9/ 439، ط. مكتبة القاهرة].
وعلَّل الجمهور ما ذهبوا إليه بحديث البراء بن عازب، قال: ((خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: من صلَّى صلاتنا ونَسَك نُسكنا فقد أصاب النُّسُك، ومن نَسَك قبل الصلاة فإنه قبل الصلاة ولا نُسَك له، فقال أبو بردة بن نيار خال البراء: يا رسول الله فإني نَسكتُ شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي وتغديت قبل أن آتي الصلاة، قال: شاتك شاة لحم، قال: يا رسول الله، فإن عندنا عَنَاقًا لنا جَذَعة هي أحبُّ إلي من شاتين، أفتجزي عني؟ قال: نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك)) [متفق عليه].
فقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولن تجزي عن أحد بعدك)) دليل اختصاص أبي بردة بهذا النقصان عن السن المحدَّد في الأضحية، ودليل على أنه لا يجوز التضحية بالـجَذَع من الغنم لغير أبي بردة، والعَنَاق أنثى المعز، ومن باب أولى عدم إجزاء الإبل والبقر. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((شاتك شاة لحم))، أي ليس ما ذبحتَه أضحية، وليس لها ثواب الأضحية بل هي كغيرها مما يذبح عادة للأكل، وقد يستدل به على أنه ليس المقصود من الأضحية أصالة اللحم، فلو كان المقصود اللحم لصحَّح النبي صلى الله عليه وسلم شاة أبي بردة رغم التجوُّز في الوقت، ولَمَا سأله أبو بردة عن إجزاء العَنَاق.
وقد رخَّص النبي صلى الله عليه وسلم لعقبة بن عامر رضي الله عنه ما دون السن الشرعي للأضحية، ففي الصحيحين عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم أعطاه غَنَمًا يَقسِمُها على صحابته، فبَقيَ عَتُودٌ أو جَديٌ، فذكره للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: ((ضَحِّ به أنت))، وفي رواية للبيهقي: ((ولا رخصة فيها لأحد بعدك)). والعتود: هو الصغير من أولاد المعز إذا قوي ورعى وأتى عليه حول.
وكأن المعنى الذي ذهب إليه جمهور الفقهاء أن علة الاقتصار على أسنان الأنعام غير معقولة، فلا يجوز النقصان عنها، بينما خالف الجمهورَ بعضُ السلف كطاوس وعطاء والأوزاعي، حيث أجازوا النقصان عن هذه الأسنان، فأجازوا الـجَذَع من الإبل والبقر والغنم مطلقًا دون اختصاص بشخص دون آخر [راجع: المغني 9/ 348، والمجموع 8/ 366، ط. مكتبة الإرشاد]، يقول ابن حزم: «ومن طريق وكيع، نا عمر بن ذر الهمداني، قلت لطاوس: يا أبا عبد الرحمن إنا ندخل السوق فنجد الـجَذَع من البقر السمين العظيم فنختار الثَّنِي لسِنِّه. فقال طاوس: أحبهما إليَّ أسمنهما وأعظمهما» [المحلى 6/ 26، ط. دار الفكر]، والـجَذَع من البقر ما تم سنة.
ورأي الجمهور أقوى من حيث الدليل، لكن عند النظر يمكن أن يقال: إن اشتراط سن معينة للأضاحي مظنة أن تكون ناضجة كثيرة اللحم رعاية لمصلحة الفقراء والمساكين، وإذا كانت المستوفية للسن المبين في الشرع الشريف هزيلة قليلة اللحم، ويوجد ما هو أصغر منها سنًّا بمعنى أنها لم تستوف السن المحددة شرعًا إلا أنها كثيرة اللحم كما يحدث في هذا الزمان من القيام بعلف الحيوان الصغير بمركزات تزيد من لحمه، وإذا وصل إلى السن المحددة هزل وأخذ في التناقص، فإن الإسلام راعى مصالح العباد وهو مقصد من مقاصد الشريعة الغراء، فإذا لم يوجد حيوان مستوفٍ السن المحددة شرعًا كثير اللحم ووجد ما هو أقل سنًّا كثير اللحم، فإنه تجوز الأضحية به لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)) [رواه مسلم]، وقياسًا على ذلك فإنه يجوز للحاجة، والحاجة قد تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة. والله تعالى أعلم.