الجهاد في السنة الشريفة هو الجانب التطبيقي لهذه الفريضة ، نظم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر وبينه أحسن بيان:
ويتضح لنا أيضا أن من شروط وضوابط الحرب :
الحرب دائماً تخلف الخسائر في الأرواح والجرحى ومشوهي الحرب إضافة إلى تراجع القيم الإنسانية وفساد المعتقدات وانحراف الإنسان عن مراد الله من خلقه وقد كانت الحروب والصراعات منذ القدم، والفساد وسفك الدماء، أسباب إرسال الله للرسل، وإنزال الله للكتب، وكانت هذه هي الوظيفة الأساسية لكل الديانات السماوية، وعملت تلك الأديان على إنقاذ البشرية من ظلمات الجهالة، وأدخلت في قلوبهم الإيمان والطمأنينة من خلال تعاليمها السماوية وسلوك المؤمنين بها، لما للدين من تأثير كبير على السلوك والفكر والشعور، ولقد تجلى هذا التأثير واضحاً في التراث الإسلامي كما يمكن ملاحظته من خلال التأثر الهائل في الحياة اليومية للمسلمين، فالإسلام منهج حياتي وميثاق شرف ونظام قانوني يتخلل حياة المسلم بكافة وجوهها.
فالإسلام الحنيف جاء إلى البشرية ليخرجها من الاستبداد والجور ويأخذ بيدها نحو العدالة والأمان، لا أن يرمي بها في متاهات البطش والعنف التي لا يجنى منها سوى الويلات والآهات.
ودعوة الدين الإسلامي للسلم والسلام العالمي صريحة وواضحة وليس هناك أبلغ من قوله تعالى : ﴿ وَما أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء:21/107]. في هذا البيان القرآني البليغ، الذي ساقه الله سياق الخبر، هذا الخبر الذي تحلى بأقوى أساليب الحصر والقصر، فالله ينفي كل الأغراض التي قد يتوهم المشككون أنه صلى الله عليه وسلم أرسل من أجلها، فمن توهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله الله لقتل الناس، أو لسرقة أرضهم وممتلكاتهم، أو لسفك الدماء ـ حاشاه الله ـ يفسد ظنه، ويخيب رجاؤه الخبيث عندما يقرأ هذه الآية.
بل إن الله أمر بالسلام والدخول فيه صراحة في كتابه العزيز فقال سبحانه : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 208].
وقال جل شأنه : ﴿ إِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا َتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ [الأنفال: 61]. وفي السنة كانت كذلك دعوة الإسلام للسلام صريحة فعن عمار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاثة من جمعهن فقد جمع الإيمان الإنفاق من الإقتار والإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم » [رواه الطبراني في الكبير، وذكره البخاري تعليقا].
ومقارنة بما ذكر من وحشية في الحروب، وسفك الدماء وخراب ودمار للبلاد والعباد من حروب المعتدين، نجد أن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم نظيفة من هذه التهم بل إن تحركاته العسكرية التي بلغت نحو ثمانين غزوة وسارية فكانت كلها بسبب دفع الظلم ورد العدوان ولم يحدث القتال الفعلي في كل هذه التحركات سوى في سبع مواقع فقط في سيرته صلى الله عليه وسلم أثناء نشره للدعوة الإسلامية.
كما أنك ستلاحظ أن هذا الانتشار الإسلامي تميز أيضا بخصائص منها : عدم إبادة الشعوب، ومعاملة العبيد معاملة راقية بعد تعليمهم وتدريبهم وتوليتهم الحكم في فترة اشتهرت في التاريخ الإسلامي بعصر المماليك، والإبقاء على التعددية الدينية من يهود ونصارى ومجوس حيث نجد الهندوكية على ما هي عليه وأديان جنوب شرق آسيا كذلك، وإقرار الحرية الفكرية فلم يعهد أنهم نصبوا محاكم تفتيش لأي من أصحاب الآراء المخالفة، كما اتسمت بالعدل في توزيع ثروات الدول التي دخلها الإسلام فقد ظل إقليم الحجاز مصدر الدعوة الإسلامية فقيرا حتى اكتشاف البترول في العصر الحديث.
وقد شهد بهذه الحقيقة كثير من غير المسلمين في العصر الحديث، فالمفكر(لورد هدلي) يقف مندهشا عند معاملة النبي صلى الله عليه وسلم للأسرى من المشركين في معركة بدر الكبرى، ملاحظا فيها ذروة الأخلاق السمحة والمعاملة الطيبة الكريمة، ثم يتساءل: "أفلا يدل هذا على أن محمدا لم يكن متصفا بالقسوة ولا متعطشا للدماء؟، كما يقول خصومه، بل كان دائما يعمل على حقن الدماء جهد المستطاع، وقد خضعت له جزيرة العرب من أقصاها، وجاءه وفد نجران اليمنيون بقيادة البطريق، ولم يحاول قط أن يكرههم على اعتناق الإسلام، فلا إكراه في الدين، بل أمنهم على أموالهم وأرواحهم، وأمر بألا يتعرض لهم أحد في معتقداتهم وطقوسهم الدينية".
ويقول الفيلسوف الفرنسي(وولتر): "إن السنن التي أتي بها النبي محمد كانت كلها قاهرة للنفس ومهذبة لها، وجمالها جلب للدين المحمدي غاية الإعجاب ومنتهى الإجلال، ولهذا أسلمت شعوب عديدة من أمم الأرض، حتى زنوج أواسط إفريقيا، وسكان جزر المحيط الهندي".
وهذا توماس كارليل ، يقول : [الأبطال وعبادة البطولة] : « إن اتهامه ـ أي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ـ بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم ؛ إذ ليس مما يجوز في الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس ، أو يستجيبوا له ، فإذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم ، فقد آمنوا به طائعين مصدقين ، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها»
وفي الختام نؤكد على ضرورة السلم والأمن كأساس مهم من أسس التقدم في المجتمعات الإسلامية، والله نسأل أن يجعل أيامنا كلها سلاماً وآماناً، وأن يتقدم المسلمون في كل مجالات الحياة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وإستمراراً لتأمل تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتأمل فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنه كان جائعا يسقط من طوله من الجوع ينتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل له شيئا- وأهلُ الصفة أضيافُ الإسلام، لايأوُون على أهلٍ ولا مال ولاعلى أحدٍ، إذا أتَتْهُ صدَقة بعثَ بها إليهم ولم يَتناوَلْ منها شيئًا، وإذا أتَتْه هديةٌ أرسلَ إليهم وأصابَ منها وأشركهم فيها- تعرَّض لرسول الله، فرأى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر الجوع فقال: ألْحِقْ أبا هر – يعني اتبعني- وذهب إلى البيت، فوجد لبنا قد أهدي له فقال: (الحَقْ إلى أَهلِ الصُّفة فادعُهم لي)، وفي الطريق تُحدث نفس أبي هريرة أبا هريرة فيقول لنفسه: كنت أولى بأن أشرب هذه الشربة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تسد جوعتي..! ماذا تفعل هذه الشربة في أهل الصفة؟! لو أنني قد أتيت بهم لشربوها قبلي ولكن -وهكذا يقول- ولكن ليس هناك بد من طاعة الله ورسوله..
إذًا فقد كان يحدث نفسه وقد كان جائعا قليل الإمكانيات، ولم يستطع أن يتغلب على الحاجة البشرية من جوع أو عطش، ولكن لم يكن من طاعة الله ورسوله بد..؛
فذهب فأحضر أهل الصفة وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي القدح لكل واحد منهم فيشرب حتى يرتوي ويشعر بالري في نفسه وبالشبع في بطنه، حتى انتهى كل من حضر من الشرب فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي هريرة وقال له: (بَقيتُ أنا وأنت) قال: لم يبق إلا أنا وأنت يا رسول الله، قال: (اقعد فاشرَب) فقال: (اشرَبْ)، فشربت، فما زال يقول: (اشرب)، حتى قلتُ: لا والذي بَعثك بالحق، ماأجدُ له مَسلكًا. قال: (فأرني)، فأعطيتُه القدح، فحمدَ الله وسمَّى وشربَ الفَضْلة (رواه البخاري)
مَن هؤلاء الذين خرجوا إلى العالم بنور الهداية؟ أيُّ إنسان رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم...!!! التربية صُحبة وهم صحبوا خير الخلق صلى الله عليه وسلم فكانوا خير الناس، جعل الدنيا في أيديهم وأخرجها من قلوبهم ..ورتب لهم الأولويات.. بنى فيهم الهمة. فهل يمكن أن نستخلص من ذلك مجموعة من الصفات التي يجب علينا أن نربي أبناءنا عليها حتى نجعل الدنيا في أيديهم ولا نجعلها في قلوبهم.. حتى نعود مرة أخرى إلى الهمة العالية.. إلى ترتيب الأولويات التي رتبها ربنا لنا.. إلى أن نأمر أنفسنا بالمعروف وأن ننهاها عن المنكر، وأن نعمل بلا ملل أو كلل، من غير كسل ولا طلب لأجر سوى من الله، كل هؤلاء كانوا يعملون من غير أجر، يعملون لقضية وغاية وهدف، يلتفون حول المثل الأعلى والإنسان الكامل صلى الله عليه وسلم، وهو أمرنا أن تكون لنا قضية وأن يكون لنا هدف وأن نلتف حول الأسوة الحسنة، نهانا عن أن نخرج عن ذلك على مر العصور، فخالفنا وقدمنا الدنيا على الآخرة، والمعصية على الطاعة، والفرقة على السداد والوحدة، فماذا حدث؟ تسلط علينا شرار الناس من الشرق والغرب، وأخذوا يضربون في جسد الأمة الإسلامية كما كانت تضرب في كل وقت وحين، وبدأت الأمة الإسلامية تشكو وتئن من كثرة الضرب..!
وملخص ذلك كله أن الإنسان لابد أن يكون له هدف في هذه الحياة الدنيا وهو: عبادة الله، وأن تكون عنده همة؛ فإن الأمور ليست بالأماني وإنما بالعمل والاستمرار عليه، وأن يكون عنده ترتيب للأولويات فيعرف حكمة الخالق سبحانه وتعالى ومراده، ويقدمه على ما سواه، وأن تكون هناك ثقافة شائعة.. جو عام.. أن تكون هناك أصول معتبرة نسير عليها جميعا؛ فننكر المنكر ونأمر بالمعروف وننهى عن كل ما يؤدي إلى الفساد في الأرض.. نتكاتف ونتعاون ونعمل فريقا واحدا من أجل الله ورسوله.. أن نهتم بتعليم أبنائنا بعد أن فشا فينا هذا التفرق وذهبت الأصول وأصبحت الثقافة العامة هي ثقافة الكذب وعقلية الخرافة بدلا من هذا الإنسان الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم..!
ليس السبب في تخلفنا أن لدينا شهوات فقد كانت الصحابة لديها شهوات، أو لأننا نحتاج إلى الأكل والشرب ولا نستطيع أن نتزاوج فقد كانت الصحابة كذلك رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وقد رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم وقدَّمهم..؛
إنما المسألة أنهم كانوا يعملون لوجه الله لا يريدون من أحد جزاءً ولا شكورا.. إنما المسألة في أنهم كانوا يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم وينزلونه المنزلة الأجلّ في أنفسهم وحياتهم وسكونهم..
إنما المسألة أنهم كانوا أصحاب قضية وكانوا أصحاب أصول، فعملوا للقضية ونصروا الغاية فخرجوا للعالم بنور الهداية، وكانت لهم ثقافة شائعة لا ينكرها أحد إلا المنافقون في الخفاء..
لابد علينا أن نرجع بإعلامنا وبتربيتنا وبقرارنا السياسي إلى هذا، وإلا فأنتم كما ترون تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعة الطعام ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُعْتَدُونَ﴾ [التوبة :10].. لا بد علينا أن نبلغ دين الله للعالمين، فاللهم يا ربنا يا كريم بلغ بنا دينك. وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، وعلمنا مرادك، وأعنا على أنفسنا، ووحد قلوبنا يا كريم.
ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فكانت خير تربية لخير جيل على وجه هذه الأرض.. خرجوا حفاة عراة فغزوا العالم وأخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، وبلَّغوا بإذن ربهم دعوة ربهم سبحانه وتعالى.. نشروا الخير والسلام وكانوا مثالا يحتذى، حتى قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (رواه البخاري ومسلم)، وقال فيهم ما رواه رزين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( أصحَابِي كالنُّجوم بأيِّهم اقتدَيتُم اهتَديتُم) (مشكاة المصابيح) ، وقال: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشدينَ الْمَهْدِيّين فَتَمَسَّكُوا بِها وَعَضُّوا عَلَيْها بالنَّواجِذِ) (أورده الترمذي في سننه)، وقال وهو ينهانا عن أن نخوض فيهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم: (لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي. لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي. فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَـدَكُمْ أَنْفَـقَ مِثْـلَ أُحُـدٍ ذَهَبـاً، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَهُ) (رواه البخاري ومسلم)،(والمد مكيال معروف عند أهل المدينة يعادل ربع الصاع)، ويعني لو تصدق الصحابي بمُدٍّ من قمح فإن أحدنا لو تصدق بمثل أُحد ذهبا لا يبلغ ثواب هذا المُدّ.
فلابد علينا أن نبحث في هذا الجيل، وعلام كان كذلك، ولِمَ نجح؟ ولمَ ﴿zرَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة :119] ؟ ولِمَ أعز الله بهم الإسلام ونصرهم نصرا مؤيدًا؟ ألأن كل الإمكانات كانت متوفرة عندهم؟ أو أنهم كانوا يعملون في عالم ملؤه الخير والسعادة فاستجاب لهم؟ أو أنهم كانوا قد وصلوا إلى مصاف الملائكة الكرام وخلوا أنفسهم من كل حاجة بشرية أو من كل شهوة ولم يقعوا أبدا في معصية؟ أو أنهم ماذا كانوا..!
هؤلاء الصحابة الكرام وهم يسكنون المدينة يحيط بهم العدو من كل مكان يريد أن يفتك بهم.. هؤلاء الصحابة الكرام كانوا في عدد قليل وفي عدة بدائية.. هؤلاء الصحابة الكرام يروي لنا أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج نهارا في وقت القيلولة، في وقت لا يخرج فيه الناس بل ينامون قبل الظهر- وهكذا كانت عادتهم يبدءون يومهم بعد الفجر وينامون قبل الظهر- خرج فوجد أبا بكر وعمر فقال: (مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَـٰذِهِ السَّاعَةَ؟) قَالاَ: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: (وَأَنَا. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرَجَنِي الَّذَي أَخْرَجَكُمَا. قُومُوا) -خاطبهم بالجمع، فذهبوا إلى ابن التيهان وهو رجل من الأنصار كان يسكن أطراف المدينة، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ. فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلاً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ: (أَيْنَ فُلاَنٌ؟) قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ- فإن الماء الذي في البئر عندهم غير صالح للشرب، فذهب يستجلب ويستعذب لهم ماءً من المدينة من الآبار التي كانوا يشربون منها- إذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَنَظَرَ إلَىٰ رَسُولِ اللّهِ وَصَاحِبَيْهِ- عرف ما بهم جوع- ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للّهِ. مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافاً مِنِّي. قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ. فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَـٰذِهِ- يسدون رمقهم ويذهبون جوعتهم به، وذهب يذبح لهم شاة- وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ-أي السكين- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ)- يعني لا تأخذ الشاة الحلوب، حتى نستفيد من لبنها، وحتى لا نقضي على مورد من موارد رزق تلك الأسرة، وهو في أطراف المدينة يعني وكأنه من الأغنياء، وعنده بستان فيه عرق من البلح وعنده شياه يستطيع أن يذبح للأضياف منها، وهو لما رآهم يقول نزل بي خير ضيف في العالم صلى الله عليه وسلم- فَذَبَحَ لَهُمْ. فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذٰلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا. فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللّهِ لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَـٰذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ. ثُمَّ لَـمْ تَرْجِعُـوا حَتَّـىٰ أَصَابَكُـمْ هَـذَا النَّعِيـمُ) (رواه مسلم)، ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر :8]...؛ هل هذا هو النعيم يا رسول الله!
أي قائد هذا؟! أي قائد هذا وأي زعيم يشعر بأتباعه ويقف معهم ويقول: ( إنما أنا لكم مثل الوالد للولد) (سنن الدرامي)، كان يَخِيطُ ثَوْبَهُ، ويَخْصِفُ نَعْلَهُ، ويَعْمَلُ ما يَعْمَلُ الرِّجالُ في بُيوتِهِمْ (مسند الإمام أحمد)، ويَكُونُ في مَهْنَةِ أَهْلِهِ (صحيح الإمام مسلم) وصدق ربه حيث وصفه ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم :4]..
لا بد من طاعة الله ورسوله، لكنَّ ماعزًا قد زنا، ولكنَّ نعيمان قد شرب الخمر، ولكن المخلفين قد كذبوا في فعلهم وصدقت أقوالهم، ولكن المنافقين في المدينة يصلون مع المسلمين ولا يؤمنون....؛ لم تكن الأمور على سعة في المدينة بل كانت الأمور في ضيق في الخارج والداخل.. وفازوا.
إذا اردتم نصر الله فأنصروه في أنفسكم أولاً، فإذا فعلتم فسترون خيرا إن شاء الله تعالى في الدنيا والآخرة، وإذا تركتم فإنه سيسلط عليكم الذل كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعاقـل خصيـم نفسـه وليتخيـر كـل منـا مـا أراد ﴿ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف :29].
العاقل خصيم نفسه.. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.
كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول:
نعيب زماننا والعيب فينا ** وما لزماننا عيب سوانـا
(يتبع)
قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المَوَدَّةَ فِى القُرْبَى﴾ [الشورى :23]، وهكذا أمرنا سبحانه أن نصل رحمه صلى الله عليه وسلم ولذلك قام أهل السنة والجماعة من لدن الصحابة وإلى يومنا هذا بحب آل البيت وإكرامهم، وآل البيت من الصحابة ومن بعدهم من الأئمة الكبار أحبوا الأمة وعملوا على إظهار ما في قلوبهم من الود لهم، فكانت أمة واحدة نفخر بوحدتها إلى يومنا هذا وكل ذلك كان ولا زال بعيداً عن الألاعيب السياسية والمصالح الإقليمية والرؤى الساذجة حيث إن ترابط الأمة هو الذي يبقى بعد كل المتغيرات وتياراتها.
من حين لآخر يخرج علينا من يريد أن يفرض فكره ورأيه في مسألة شرعية خطرت في باله فعاش معها واستغرق فيها حتى رأى أنها الحق وحدها وأن ما سواها باطل وأن الأمة خفي عليها الأمر حتى خطر ببال هذا أو ذاك ذلك الرأي أو تلك الفكرة، والمصيبة ليست في التفكير ولا في الدفاع عن رأي يقتنع به صاحبه ويرى أن الأدلة تؤيده في ظنه، وإنما المصبية الكبرى والبلية العظمى هو أنه يرى فكرته ورأيه هي الحق وأن ما سواها هو الباطل ويبدأ في التعالي ورفض كل الآراء من سواه، ويفتقد في شعوره الداخلي إلى ما كان يذكره العلماء دائما من قولهم: "والله أعلم"، والجانب السلبي في هذا التكبر العلمي يتمثل في إشغال بال الناس بقضايا تشكك عوامهم في كل الثوابت وتحول أمر الدين عندهم إلى محض ظن من ناحية، وإلى بلبلة الأفكار وانشغال القلب والعقل من ناحية أخرى، وإذا لم يكن من سلبية سوى هذا لكفى، وتزيد المعالجة الإعلامية التي تميل إلى الإثارة دون الإنارة الأمر تعقيدًا.
أرسل الله سبحانه وتعالى عباده المرسلين وأنزل عليهم الوحي ليخرج الناس من الأوهام إلى الحقائق وينهاهم عن أن يتبعوا أهوائهم ويأمرهم أن يتفكروا، ووضع لهم نظاما إلهيا يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحدد لهم معالم الطريق إليه سبحانه وتعالى. وسـمّى الله سبحانه دينه بدين القيمة والدين القيم، فقال تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة :5]، وقال: ﴿ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [يوسف :40]، ويتميز الدين القيم بالعقل والأخلاق ومراعاة المصالح وتهذيب الشهوات ونفي الضرر والغرر وسوء الأخلاق، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ [آل عمران :14]، وقال سبحانه: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص :26]، وعندما نترك الدين القيم نكون في مهب الريح، ولقد حاول كثير من البشر عبر العصور أن يتركوا الدين القيم فكانت الكارثة على مستوى الفرد في نفسه وعلى مستوى المجتمع وعلى مستوى الاجتماع البشري. ولا يزال البشر حتى الآن يخترعون أديانًا وضعية بعضها لعبادة الشيطان وبعضها لديانة الفوضى.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ " [آل عمران :102]، وهي تعد أعظم آية في القرآن من حيث العمل، فكيف نموت إلا ونحن على الإسلام ونحن لا ندري متى نموت؟ فهذا معناه أن الإنسان يظل في ذكر الله سبحانه وتعالى على الدوام حتى إذا ما جاه الموت وجده على الإسلام، وكأن الآية تطالبنا ألا نغفل عنه سبحانه وتعالى طرفة عين ولا أقل من ذلك، فتكون بذلك أعظم آية من حيث العمل، نسأل الله أن يخفف عنا لقصورنا وتقصيرنا وما جُبلنا عليه من نسيان وغفلة.
وإذا ما تأملنا في هذه الآية الكريمة، وجدناها وكأنها تأمرنا بأن نحول العادات إلى عبادات، والحاصل في حياتنا أن الإنسان إذا ما أكثر من عمل ما يألف هذا العمل فيتطرق هذا إلى أمور العبادة فتتحول عنده إلى عادة، فتراه يُصلي وينسى في صلاته، وتراه يذكر بلسانه وذهنه شارد في أمور أخرى، لأن العبادة تحولت عنده إلى عادة. وهذا التحول أول الفساد في الأمم، لأن العبادة حينئذ لا تؤدي وظيفتها التي أرادها الله سبحانه وتعالى لها، فيقول الله تعالي: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت :45]، فنرى المصلي لا تنهاه صلاه لا عن فحشاء ولا عن منكر، لهذا السبب.
وفي هذه الآية العظيمة يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بمقاومة أنفسنا، لا في أن نؤدي العبادة على وجهها وحسب بل أيضاً أن نحول العادات إلى عبادات، وقد تميز السلف الصالح والصحابة الكرم بأنهم استطاعوا أن يحولوا العادات إلى عبادات، وذلك لما قدموا في أنفسهم قول الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (متفق عليه)، فجلوا نياتهم جميعاً لله سبحانه وتعالى في حلهم وترحالهم، في قولهم وسكوتهم، في تركهم وفعلهم حتى صاروا عباداً ربانيين إذا ما مدوا أيديهم إلى السماء ودعوا الله عز وجل، استجاب لهم، فهل يمكن أن نهيئ أنفسنا للربانية، وأن نتقي الله حق تقاته ، وأن ننقل أنفسنا بإذنه من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه، وأن نحول عباداتنا إلى إخلاص لرب العالمين وأن ننقل عاداتنا إلى دائرة العبادة له سبحانه وحده؟
إن ذلك يحتاج على قرار من أنفسنا نبيع به هذه النفس لله سبحانه وتعالى، فنجعل الدنيا في أيدينا ونخرجها من قلوبنا، ونبدأ صفحة جديدة معه سبحانه فنتوب ونندم على ذنوبنا ونعزم على عدم تكرارها، ونقلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ونجعله القدوة والأسوة الحسنة في حياتنا. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلقاً وأكرمهم وأتقاهم. فعن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا ( رواه الشيخان وأبو داود والترمذي)، وعن أم المؤمنين عائشة لما سئلت رضي الله عنها عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام ، قالت : ( كان خلقه القرآن) صحيح مسلم ، قال ابن كثير في تفسيره: ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجيةً له وخلقاً .... فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه، هذا ما جبله الله عليه من الخُلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خُلقٍ جميل.أ.هـ ، فلنجعل لأنفسنا حصة من القرآن كل يوم قلت أو كثرت ولا تقطع نفسك عن كلام الله.
برنامج واضح ويسير على من يسره الله عليه، والله سبحانه وتعالى لا يريد ظلماً للعالمين، كما كتب ذلك على نفسه وجعل رحمته تسبق غضبه، فأمرنا وأرشدنا ووجهنا لما فيه الخير لأنفسنا، يقول تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون﴾ [المؤمنون :1- 3]، واللغو منه مباح ومنه مكروه ومنه حرام، ولكن المؤمن قد أعرض عن اللغو كله ونقل ما يفعله من أكل وشرب ولبس وسعي وذهاب ومجيء – بالنية الصالحة – لله رب العالمين وحده.
هلا دربنا أنفسنا فيما تبقى لنا من زمن حتى نستقبل نفحات الله في أيام دهرنا والله عنا راض، هلا فعلنا ذلك فنجد في أنفسنا حلاوة الإيمان وحلاوة العبادة وحلاوة الذكر، ومن جرب حلاوة الإيمان لا يتركها أبداً، وهكذا شأن الإيمان إذا دخل القلب وداعبت حلاوته القلوب فإنه يزداد ولا ينقص، فهلا فعلنا ذلك حتى نغير من عقائدنا وأحوالنا مع أنفسنا لله وأن نفعل ذلك ابتغاء وجه الله، ولنتأمل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ وحبل الله هو القرآن ﴿وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وَجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وَجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وَجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وَجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران :103- 108]
من أعلامنا المعاصرين الذين يعدون الأسوة الحسنة والمثال الذي نريده لشبابنا وأبنائنا ونريده لتجديد خطابنا وتعليمنا وعرض ديننا وثقافتنا مع الحفاظ على هويتنا الشيخ محمد عبد الله دراز، والذي كان واحدًا من العلماء الأجلاء المتبحرين في علوم الشريعة والعقيدة والفلسفة، ويظهر ذلك في ميراثه العلمي الذي إن دل عن شيء فإنه يدل على عقلية فلسفية متينة راسخة.
ولد الشيخ رحمة الله عليه في قرية صغيرة في وسط الدلتا وهي قرية محلة دياي في الثامن من نوفمبر عام 1894م، وعرف بنبوغه العلمي منذ طفولته، فأتم حفظ كتاب الله ودرس قراءاته المختلفة وهو دون العاشرة، ثم أكمل تعليمه في المعهد الديني الأزهري الجديد بمدينة الإسكندرية والذي أشرف والده الشيخ عبد الله دراز في إعادة هيكلته وتنظيمه بأمر من مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده. وبعد تخرجه من المعهد عمل به مدرسًا عام 1916م وهو في سن الثانية والعشرين. كما بدأ في هذا الفترة في الانتظام في دروس مسائية لتعلم اللغة الفرنسية. ثم عمل في وظيفة مدرس بالأزهر عام 1928م ولم يمض عام من تاريخ تعيينه إلا وكلف بالتدريس لقسم الدراسات المتخصصة، وفي عام 1936م، اختاره الملك فؤاد بناء على ترشيح جامعة الأزهر في بعثة دراسية في فرنسا امتدت إلى عام 1948م بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، حيث عاين الشيخ ويلات الحرب إلا أنه رفض العودة حتى يتم رسالته وبحثه العلمي.
وعقب عودته من الخارج أصبح عضوًا بارزًا في هيئة كبار العلماء بالأزهر، كما اشتعل في نفس السنة كمدرس في جامعة فؤاد الأول، فقام بتدريس علم تاريخ الأديان في كلية الآداب، وعلم التفسير في كلية دار العلوم، بالإضافة إلى تدريسه الفلسفة في كلية اللغة العربية.
ولقد كان ثريا في نتاجه العلمي فألف كتابه (الدين) والذي كان مجموعة من المحاضرات التي ألقاها الشيخ الجليل على طلاب كلية الآداب بوصفها أبحاثًا تمهيدية لعلم تاريخ الأديان، وهناك أيضًا بحثه لنيل درجة الدكتوراه من جامعة السوربون بعنوان (دستور الأخلاق في القرآن الكريم)، والتي ترجمت بعد ذلك، وهناك أيضا كتابه (مدخل لدراسة القرآن الكريم) والذي كتبه بالفرنسية والتي كان يجيدها كما يجيد العربية بسبب دراسته ومُكثه في فرنسا أكثر من اثنتي عشرة سنة مما كان له تأثير عميق على اتساع مداركه وفكره وعلمه ونجاحه في ربط التراث الشرعي بثقافة العصر، وهذا من أهم الصفات التي تميز بها الشيخ محمد عبد الله دراز، رغم عدم تأثير ذلك على شخصيته الأزهرية فظل يحتفظ بزيه الأزهري حتى يوم وفاته، وقد ترجم هذا الكتاب إلى العربية أيضًا.
وهناك كذلك رسالته التي سماها (كلمات في مبادئ علم الأخلاق) وهي رسالة وجيزة قليلة الصفحات عظيمة الأثر والمحتوى. ورغم انشغال الشيخ بالفلسفة والعقيدة والمنظومة الأخلاقية في الإسلام كما هو واضح من عناوين مؤلفاته هذه، إلا انه كان له باع في التفسير وعلوم القرآن، فمن ميراثه العلمي في هذا المجال، كتابه الماتع (النبأ العظيم)، وهو كتاب متفرد لم يسبقه إليه أحد سواء في المضمون أو في الأسلوب، فقد تبحر فيه في فلك الإعجاز البياني والأدبي لكتاب الله مظهرا لفتات ونظرات جديدة مذهلة تدل على مدي فهمه العميق والراسخ للقرآن المجيد ومقدار نجاحه في الاغتراف والارتشاف من حلاوة الآيات القرآنية وجمالها البلاغي والبديعي، هذا وقد ترك لنا أيضًا تفسير الفاتحة ومقدمة التلاوة لعدد من سور القرآن الكريم.
أما عن علوم السنة، فلم تخل من إبداعات الشيخ مثل كتابه (المختار من كنوز السنة) الذي تناول فيه مختارات من الأحاديث النبوية الجليلة مع شرحها شرحًا وافيا يدل عن مدي تعمقه واهتمامه بعلم الحديث والسنة.
وقد بدأ الشيخ في عدد من المشاريع العلمية التي لم يكتب لها التمام والكمال بسبب وفاته المفاجئة مثل كتابه (الميزان بين السنة والبدعة) وقد كانت محاولة من قبل الشيخ لتحديث كتاب (الاعتصام) للشاطبي وإعادة صياغته بلغة عصرية جديدة لا تخل بمضمون الكتاب الأصلي وتفيد القراء المعاصرين وطلاب العلم من كنوز هذا الكتاب التي لا تنفد، وهو مطبوع.
هذا وقد مثل الشيخ مشيخة الأزهر في العديد من المؤتمرات الدولية فقد كان عضوا بارزا مؤثرا في هيئة كبار العلماء، فمثل المشيخة في مؤتمر الحقوق الدولية والذي انعقد في باريس في عام 1951م وقدم فيه الشيخ بحثًا ممتعًا في قوة الأسلوب وسهولة اللفظ عن (الربا) وقد طبع أيضًا، كما مثل المشيخة في مؤتمر العلاقات الدولية، وقدم من خلاله بحثًا رفيع المستوى عن (الإسلام والعلاقات الدولية)، وآخر المؤتمرات التي مثل فيها الأزهر كان مؤتمر الأديان العالمي في لاهور والذي وافته فيه المنية في يناير سنة 1958م بعد الانتهاء من إلقاء كلمته الأخيرة.
وبعد أن عاد جثمانه الشريف من لاهور ليدفن في وطنه مصر كان يوم وداعه مهيبًا أمطرت فيه السماء حتى إن المشيعين الذين رفعوا المظلات البيضاء فوق رؤوسهم حولوا شارع الأزهر إلى قطعة بيضاء من تلاصق مظلات المشايخ وكثرة المشيعين من عند الجامع الأزهر وإلى طريق صلاح سالم الآن حيث كانت مدافن العلماء المجاورين، فكان نزول الغوث وبياض المشهد بشرى لاستقبال هذه الروح الطاهرة.