شرف الله كثيرا من الأنبياء بأن ذكرهم بأسماء من أسمائه سبحانه وتعالى، كنوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحق، وموسى، وعيسى، ويحيى، فقال تعالى في شأن نوح : (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) [الإسراء : 3] وعن إبراهيم : (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) [هود : 57]، وقال عن إسماعيل : (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) [الصافات : 101]، وفي إسحاق قال تعالى : (قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) [الحجر : 53]، وقال تعالى في شأن موسى : (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ) [الدخان : 17]، وقال عنه كذلك : (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ) [القصص : 26]، وقال : (قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى) [طه : 68]. وذكر يحيى فقال سبحانه: (وَبَراًّ بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِياًّ) [مريم : 14]، وفي شأن عيسى عليه السلام قال ربنا : (وَبَراًّ بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِياًّ) [مريم : 32].
ولكنه سبحانه فضل نبيه صلى الله عليه وسلم على كل الأنبياء حتى في هذه الفضيلة، فقد جمع له في آية واحدة بين اسمين من أسمائه سبحانه، ولم يحدث ذلك لأحد في كتاب ربنا إلا له صلى الله عليه وسلم، قال تعالى : (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ).
كما أكثر الله من ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم بأسمائه سبحانه وتعالى، فمن ذلك قوله: (وَرَسُولٌ مُّبِينٌ) [الزخرف :29]، وقوله : (جَاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ) [يونس :108] قيل هو : سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى : (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة :15]، وقوله سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً) [الأحزاب :45]، وقوله تعالى ( وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة :143]، وقوله عز وجل : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) [الحاقة :40]، ومن ذلك قوله تعالى : (الرَّحْمَنُ فَاسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) [الفرقان :59] قال القاضي بكربن العلاء : المأمور بالسؤال غير النبي صلى الله عليه وسلم والمسئول الخبير هو النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال غيره : بل السائل هو النبي صلى الله عليه وسلم والمسئول هو الله سبحانه وتعالى فيكون خبيرا بالوجهين إما لأنه عليم على غاية الأمور بما أعلمه ربه، وإما أنه مخبرا لأمته عن ربه.
وأثنى الله سبحانه وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم، فامتدح كل مواطن المدح والشرف المتعلقة به، فأثنى على نسبه، وأعظم قدر نسائه رضي الله عنهن، وحفظ المكان الذي يقيم فيه وأعلى شأنه وأقسم به، ومن مدحه لنسبه الشريف قال تعالى : (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) [الشعراء :219] قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسير تلك الآية : (أي في أصلاب الآباء آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبياً). [تفسير القرطبي، وأخرجه البزار والطبراني].
فالنبي أنسب الناس على الإطلاق، كما أخبر صلى الله عليه وسلم بنفسه عن ذلك، فعن هذا فعن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم). [مسند أحمد، ورواه الترمذي والبيهقي]. وعن عمه العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثمّ تخيَّر القبائل فجعلني من خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً) [رواه الترمذي].
وأثنى ربنا سبحانه وتعالى على نساءه رضي الله عنهن، وما بلغن هذا المبلغ إلا لتعلقهن بجنابه صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه وتعالى : (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ) [الأحزاب : 32]، وقال سبحانه في نفس هذا المعنى : (وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب : 6].
ولما تعلق الزمان بالنبي صلى الله عليه وسلم مدحه بل عظمه، إذ أقسم بعمره صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى : (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الحجر : 72]، ولم يقسم الله بعمر أحد من خلقه قط إلا بعمر نبيه المصطفى وحبيبه المجتبى صلى الله عليه وسلم .
وجعل ربنا خير الأزمان زمن بعثته، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (خير القرون قرني) [متفق عليه]، وكما مر قوله صلى الله عليه وسلم (إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم) [رواه الترمذي]. فشرف الزمان الذي بعثه فيه، وعظم الزمان الذي أبقاه فيه في هذه الدنيا، ولولا تعلق هذين الزمنين بجنانه العظيم صلى الله عليه وسلم ما حظيا بهذا التكريم.
وشرف الله المكان الذي تعلق بجانبه العظيم صلى الله عليه وسلم؛ حيث أقسم بمكة ما دام النبي صلى الله عليه وسلم يقيم فيها فقال تعالى : (لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ) [البلد : 1 ، 2].
وشرف الله المدينة وجعلها حرم آخر لا لشيء إلا لتعلقها بجنابه الأعظم صلى الله عليه وسلم، وجعل الله ثواب الصلاة في المسجد الذي نسبه النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه مضاعفة ألف مرة من أي مكان آخر عدا المسجد الحرام.
فهذا جانب من ثناء الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى كل ما تعلقه بجنابه الشريف من الأشخاص والأماكن والأزمان، رزقنا الله إتباعه في الدنيا ورفقته في الآخرة. (يتبع)