زارني في مكتبي وفد يطلق على نفسه « لجنة الحريات الدينية الأمريكية » والتي أحدثت زيارته لمصر ردود فعل مختلفة، وتذكرت تلك الوفود التي كانت تأتي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعضها كان يأتي مؤمناً يبايع على الإيمان والخروج من ظلم الجاهلية إلى عدل الإسلام، وبعضها كان يأتي مناقشاً يستجلي حقيقة الأمر ويتدبر معانيه، وبعضها كان يأتي للفتنة ومحاولة التجسس كما جاء وفد الروم إلى كعب بن مالك وهو في العزل في قصة الثلاثة المخلفين في سورة التوبة، ولا أريد أن أصنف اللجنة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد قابل الجميع، وليس عندنا ما نخفيه أو نخافه والحمد لله رب العالمين، ولكن من حق الناس أن يعرفوا ما حدث، وأترك التحليل لغيري.
1- سألتني اللجنة أول ما سألت عن أوضاع الهندوس في مصر، ومدى إعطائهم حريتهم، وتعجبت من مدى معلومات اللجنة الأمريكية، وقلت لهم لا يوجد أي هندوس في مصر، وكتاب « الفيدا » المقدس لدى الهندوس لم يترجم إلى العربية، والمصطلح الهندوسي لا يعرف في العربية حتى اليوم مثل (الجورو، بيضة العالم ، .... الخ)، وفي الإحصاء الرسمي سنة 1960 الذي صدر ليبين عدد أتباع الأديان في مصر فنص على عدد المسلمين والمسيحيين واليهود وأديان أخرى (هكذا في ذلك الإحصاء) وعدد أتباع الأديان الأخرى حينئذ في مصر كان ثلاثة أشخاص فقط، ويظهر أنهم كانوا صينيين «كونفوشيوسيون» أخذوا الجنسية المصرية، وماتوا فلم يظهروا في أي إحصاء لاحق، وأتذكر أنه كان هناك محرقة لجثث الهندوس العاملين في السفارة الهندية بمدينة نصر، وأنها أغلقت بعد تطور نقل الجثمان بالطائرات؛ حيث إن تكلفة حرق الجثث في تلك المحرقة أصبح أكثر تكلفة من نقلها بعدما أصبحت المواد الحافظة للجثمان أكثر توفرا من ذي قبل، وكتاب « الحوار لكنفوشيوس » مترجم للعربية، أما « الفيدا » فلا، هذا كل ما نعرفه عن الهندوس في مصر.
2- قالوا : والبهائيون ؟ قلت : البهائيون كان لهم معبد بالعباسية، وكل كتبهم التي بالعربية طبعت في مصر، وظلوا يمارسون شعائرهم حتى سنة 1960 حيث منعوا لأسباب سياسية وقانونية تتعلق بالتعاون مع اليهود في فلسطين مما يندرج تحت طائلة القانون الذي يمنع التجسس مع العدو أو غيره، فهل التجسس يباح في أمريكا، أو أنه أصبح من حقوق الإنسان، وتم هذا بناء على القرار الجمهوري رقم 263 لسنة 1960. قالوا : لا، إن بعض الناس يسيء استخدام الحقوق ويقع في الجريمة، قلت لهم : إنني دعوتهم للنقاش منذ ربع قرن مضى فلم يستجيبوا. قالوا : فما هي مطالبهم. قلت : لا نعرف للبهائيين مطالب. وكان رسام الكاريكاتير « حسين بيكار » بهائيا، يكتب هذا في بطاقته الشخصية (مخالفاً للقانون)، وظل يمارس عمله في جريدة الأخبار إلى أن مات وهو يناهز التسعين.
قالوا : فلما لا تسمحون بتسجيل بيان « بهائي » في الأوراق. قلت : لأن البهائية منشقة من تحت عباءة الإسلام، وهم يعترفون بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبقداسة القرآن، وعلى ذلك يكون الأمر أمر مذهب، وليس عندنا كتابة المذهب في الأوراق الرسمية، أما اعتقادهم ما يوجب تكفيرهم، فهذا أمر ديني وليس مدنيا شأنهم شأن القاديانية والدروز وغيرهم من النحل التي انشقت عن الإسلام ولابد من أن نحترم قانون البلاد.
3- قالوا : وحقوق الإنسان ؟ قلت : حقوق الإنسان التي اتفق عليها البشر أتت مع الرسل الكرام، ومقاصد الشرع خمسة هي حفظ النفس، والعقل، والدين، وكرامة الإنسان، وملكه، وهي الأهداف العليا للشريعة، لكن لعلكم تتكلمون عن حقوق الشواذ، والتي ظهرت في وثائق الأمم المتحدة بعنوان (الجماعات المستهدفة) والتي تهتمون بها كثيراً في أمريكا، فهذا الشذوذ الجنسي لم يتفق عليه البشر، ولا يوجد في إعلان 1947 لحقوق الإنسان، ورفضته كل الأديان، حتى فرنسا العلمانية، ونحن نرفضه ولن نقبله، وأريد أن أسأل عن المستقبل الأسود لهذا الهراء، هل الانتحار من حقوق الإنسان ؟ هل المخدرات من حقوق الإنسان ؟ وقد أبيحت في هولندا، ووزعت في الشوارع على الراغبين في سيارات مخصصة لهذا الغرض، هل الاشتغال بالدعارة من حقوق الإنسان ؟ ولقد وصلت في تركيا إلى الحد الذي تدفع فيه المرأة المسئولة عنها أعلى نسبة ضرائب هناك حتى استحقت لسنوات متتالية جائزة الدولة لأعلى دافعٍ للضرائب، وعندما حجبتها الدولة عنها في سنة من السنين رفعت أمرها للقضاء (من المعلوم أن الانتحار والدعارة والمخدرات محرمة في الولايات المتحدة) ولم أتلق جواباً، بل انتقلت اللجنة إلى السؤال التالي، وأنا لا أدري حقا إلى أين نذهب كبشر في ظل هذا الإلحاد الأسود.
فمن المفزعات هذا الخبر الذي جاء من ألمانيا أن اثنين قد اتفقا على أن يقتل أحدهما الآخر ويأكل لحمه، ووثقا الاتفاق لدى السلطات المختصة، ونُفِذَت الجريمة. فهل يا ترى سنرى من يجعل هذا من حقوق الإنسان ؟ (ألا لعنة الله على الظالمين)
وتذكرت حينئذ قوله تعالى : (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاءَ مَطَرُ المُنذَرِينَ * قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) [سورة النمل 54 : 59].وفهمت الآية الأخيرة وكأنها قد نزلت الآن لتعبر عما نحن فيه وتسلي قلوب المؤمنين.
4- قالوا : والشيعة ؟! قلت لهم : وما الشيعة، الشيعة إخواننا، وليست هناك مشكلات، ولا طلبات. قالوا : مصادرة الكتب. قلت مجمع البحوث لا يصدر قراراً ضد كتاب إلا إذا كان فيه ازدراء للصحابة أو سب للأئمة، والشيعة أنفسهم قد راعوا هذا منذ زمن بعيد، فعندما طبعوا « بحار الأنوار » للمجلس وهو من أكبر الكتب التي جمعت مرويات الآثار عند الشيعة حيث يقع في 110 مجلداً حذفوا خمسة مجلدات من 29-33 حيث اشتملت على مثل هذا، فكانت لفتة كريمة تدعو إلى الوحدة لا إلى الفرقة.
5- لم يتطرق الحديث إلى المسيحيين، ولا اليهود الذين لم يزيدوا عن 63 شخصاً الآن في مصر، ولهم في القاهرة وحدها ثلاثة معابد،ولم يتحدثوا عن عباد الشيطان، وهم شباب لا يعرفون أصلاً من الشيطان، كما أنهم لا يعرفون الدين، وتابوا إلى الله بعد إرشادهم، ولم يسألوا عن الشنتو ولا التنياسكيو وهي أديان منتشرة في اليابان لا يسمع بها أحد عندنا والحمد لله رب العالمين، فهل يمكن أن نقرأ عمل اللجنة وعمل الفرحين بها في ظل هذا الحوار.
6- في مقابل هذه اللجنة اجتمعت مع اللورد «كيري» كبير أسقافة كانتربري السابق ـ الكنيسية الإنجليكانية ـ الذي زار مصر في الأسبوع الماضي مع السيدة حرمه، واستمعت إليه في محاضرة ماتعة ألقاها في قاعة الاحتفالات الملحقة بكتدرائية جميع القديسيين بالزمالك، والتي كان حريصا فيها أن يصحح ما فهم من كلمته التي ألقاها في روما؛ حيث أكد على إبعاد تهمة الإرهاب والعنف عن دين الإسلام، ورد على أولئك الذين يحاولون إلصاق الإرهاب بالإسلام في أوروبا، ودعا في محاضرته إلى التعاون بين المسلمين والمسيحيين وكل المؤمنين ضد العلمانية التي تنحي الله عن حياة البشر، وتهتم بالعالم دون أن تعرف أن رب العالم به تستقيم الأمور، ويتم السلام مع النفس ومع الآخرين، لقد كانت زيارته على النقيض من زيارة اللجنة. نعم كانت الوفود مختلفة لاختلاف النيات، فهناك نية صالحة وهناك نية طالحة، ويرشدنا ربنا فيقول تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)