طباعة

المؤسسة الدينية في مصر 4-5

1- ونستمر في رؤية واقعية لحال المؤسسة الدينية في مصر، وأداء دورها حتى نخلص إلى المأمول منها وفيها، فنرى بعثات الأزهر في كل مكان تشارك في نقل هذا الدين لمن بعدنا عن طريق التدريس وعن طريق الدعوة في المراكز الإسلامية المختلفة من واشنطن إلى لندن إلى روما غرباً، وإلى الفلبين وبروناي وباكستان شرقا. فللأزهر بعثاته في كل مكان في آسيا وأفريقيا وأوروبا تقوم بدورها، ولديه وافدين من أكثر من ستين دولة يدرسون في مصر وهم يرجعون إلى بلادهم فيتصدرون أعلى المراكز الدينية والعلمية حتى إن بعضهم  رئيس للدولة أو رئيس للوزراء، وتصدر كثير منهم القضاء والإفتاء والوزارة في بلادهم وهم في غاية التمكن والنجاح.

وكلما وجد الأزهر كلما وجد أهل السنة والجماعة، ووجد الإسلام بمفهومه الوسطي الرائق، ووجد الفهم الصحيح المبني على المنهج العلمي الرصين لنصوص الدين والفهم الواقعي للحياة وكيفية العيش فيها. هذا واقع يصرخ بهذه الحقائق البسيطة التي يعد إنكارها مكابرة رديئة، ويمكن أن نفكر في تطوير ما هو حادث أو تفعيله حتى يقوم بدور أكبر أو تمويله حتى ينتشر في مواجهة الانحرافات المتعددة، أما انتقاده ووصفه بالفشل أو القصور أو التقصير فهو منهج غير سديد، ولكن :

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد            **         وينكر الفم طعم الماء من سقم

2- وإذا أضفنا إلى ذلك مجهود المعاهد الأزهرية التي زادت عن سبعة آلاف معهد كلها بنيت بالجهود الذاتية، نقلت الناس من الظلمات إلى النور ومن الجهل إلى العلم، وحاول المنهج الأزهري أن يحافظ على هويته مع تطور رهيب حوله، وحاول أن يكون على قدم المساواة مع التعليم العام بعد صراع استمر أكثر من ثلاثين سنة في أوائل القرن العشرين، وبعد أن كانت المعاهد خمسة معاهد وعدد طلابها لا زيد عن ثلاثة آلاف أصبحت سبعة آلاف معهداً بها مليون ونصف مليون طالب، فإذا كان عدد السكان قد زاد من أول القرن العشرين إلى آخره خمسة أضعاف، فإن المعاهد زادت ألف وأربعمائة ضعف، والطلاب زادوا خمسمائة ضعف، وقد وصل المنتمون للأزهر من الأحياء إلى عشرة ملايين نسمة حول العالم ما بين 6 سنوات إلى 96 سنة، فهذا يبين مدى قيام المؤسسة الدينية بدورها، ومدى التحام الناس بها.

3- وإذا رجعنا مرة أخرى إلى فكر المؤسسة الدينية في مقابلة فكر الصدام وجدنا أن الفكر الصدامي يفترض أمورا ثلاثة وهي :

أولا : أن العالم كله يكره المسلمين وأنهم في حالة حرب دائمة للقضاء عليهم وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة وفي العلن مرات، وأن هناك استنفار للقضاء علينا مللنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب.

ثانيا : وجوب الصدام مع ذلك العالم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجود الصدام يأخذ صورتين الأولى : قتل الكفار الملاعين، والثانية : قتل المرتدين الفاسقين، أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين، وأما المرتدون الفاسدون فهم من شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله وخالف فكرهم، وهذه الصياغات كما نرى فيها شيء كثير من التلبيس والتدليس والجهالة ولكنها سوف تجذب كثيرا من الشباب.

ثالثا : أن فكرهم يراد له أن يكون من نمط الفكر الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن تتبع خيوطها بقدر ما يعمل باعتباره فكراً طليقاً من كل قيد يقتنع به المتلقي له في أي مكان ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد.

وعليه فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى وتنتشر بصورة أعمق وهذه النظرية لها ارتباط عضوي بنظرية الفوضى الخلاقة التي لعلنا أن نفرد لها كلاماً مستقلا فيما بعد، وهي المصطلح الذي شاع في الاستعمالات السياسية والأدبية في الآونة الأخيرة وإن كان الكثيرون لا يدركون أصوله ومعانيه وآثاره والنموذج المعرفي المنتمي إليه.

4- هذه الأركان لذلك الفكر تخالف منهج المؤسسة الدينية، وإذا أردنا أن نقاوم هذا الانحراف فيجب علينا أن نؤكد على مرجعية المؤسسة الدينية ليس لدى الدولة فقط، بل باعتبار ذلك مشروعاً حضارياً إنسانياً، ودستوراً يلتزم به الإعلام والأقلام والمفكرون. ويجب علينا أن لا نبخل على هذه المؤسسة عند أداء دورها بالمال الذي هو عصب الحياة، ولقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في مكة فآمن به ما لا يزيد عن مائتي شخص عبر ثلاث عشرة سنة، ثم لما هاجر إلى المدينة وجاء المال دخل الناس في دين الله أفواجاً، فإذا أكدنا على المرجعية ومولنا دور المؤسسة الدينية في مقاومة الانحراف تغير الحال واستقر، وللمؤسسة الدينية فكر واضح بإزاء هذه الأركان الثلاثة نفصله في وقت لاحق.

5- أما خصائص هذا الفكر فإنه يرى من حيث يدري أو لا يدري، قصد أو لم يقصد أن الإسلام دين إقليمي وكأنه نزل للعرب فقط أو لابد أن يبقى في بلاد المسلمين فقط، وفكر أهل السنة أن الإسلام دعوة وما دام دعوة فهو عالمي قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء :107]. وقال : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [سبأ :28] وما دام كذلك فإن الصدام لا يصلح أساساً له ومن هنا كان مفهوم الجهاد قاصراً ومشوشاً عند هؤلاء حيث اقتصر على الاستدلال بالقتال ثم تمادوا في الاختزال حتى خلطوا بين القتل والقتال، والجهاد مفهوم شامل يشمل الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس، والجهاد الأصغر وهو جهاد القتال لصد العدوان ورفع الطغيان يقول ربنا : (وَجَاهِدُوا فِى اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الحج: 78 ]. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (قدمتم خير مقدم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، مجاهدة العبد هواه) وفي رواية : (جهاد القلب) [أخرجه البيهقي في الزهد الكبير]. ويقول ربنا في شأن دستور القتال في سورة البقرة : (وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ) [البقرة :190].

وهذا الاختزال من المفهوم الروحي للجهاد والشامل للممارسة إلى الأصغر فقط، ثم من القتال إلى القتل، هو خصيصة ذلك الفكر، ويضاف صفات أخرى وهي، أولا : عدم إدراك الواقع. ثانيا : المشرب المتشدد في فهم ما عرفوه من معلومات، أما أهل السنة فقد فهموا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق) [أخرجه أحمد والبيهقي في الكبرى والشُعب]، وفهموا ما وصفت به عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قالت : (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وكان أبعد الناس عن الإثم) [أخرجه البخاري ومسلم]. ثالثا : الإحباط واليأس والشعور بالظلم. رابعا : التفكير السطحي سواء في فهم النص أو إدراك الواقع أو الجسر الواصل بينهما وهو ما يتم تعليمه والتدريب عليه والتربية به في المؤسسة الدينية اعتمادا على قوله تعالى : (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة :122].

وبذلك نرى آراءهم واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة، وهي الخمسة التي يجب على الدارسين عند تحليلهم للظاهرة أن يقفوا عندها.

6- فالمؤسسة الدين إذن لا تلقى القول على عواهنه وهي تؤكد جلالها ولا تذكر غير الواقع ولا تغالي أو تخفي شيئاً، وتتخذ من سورة العصر دستوراً جامعاً لها قال تعالى : (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)  [وَالعصر : 1 : 3].

عدد الزيارات 9847 مرة
قيم الموضوع
(0 أصوات)