طباعة

ميلاد النبي محمد صلى الله وعليه وسلم -المكان والأشخاص‏ (3)

كان عبد الله بن عبد المطلب من أحب ولد أبيه إليه‏,‏ ولما نجا من الذبح وفداه عبد المطلب بمائة من الإبل‏,‏ زوجه من أشرف نساء مكة نسبا‏. مشي عبد المطلب بن هاشم بابنه عبد الله فخطب له آمنة فزوجها إياه.

وخطب إلى نفسه في مجلسه ذلك هالة بنت وهيب بن عبد مناف ابنة عم آمنة وتزوجها‏,‏ فقال الناس‏:‏ فلج عبد الله على أبيه‏.‏ لأن وهبا كان أشرف قريش‏. ‏وحملت السيدة آمنة بنت وهب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى أو الكبرى‏.

وولد رسول الله في دار أبيه عبد الله‏,‏ والتي وهبها رسول الله فيما بعد لعقيل بن أبي طالب‏,‏ فلم تزل في يده حتى توفي‏,‏ فباعها ولده إلى محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف‏,‏ فضمها إلى داره التي يقال لها‏:‏ دار ابن يوسف‏,‏ حتى أخرجتها الخيزران أم الخليفتين الهادي والرشيد فجعلتها مسجدا يصلي فيه‏. (‏تاريخ الطبري ‏158/2)‏ وهي الدار التي في الزقاق المعروف بزقاق المولد‏,‏ وهي الآن محل مكتبة مكة المكرمة‏.‏

لحظة الميلاد‏:

حضر ميلاد النبي قابلته الشفاء بنت عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة‏,‏ وهي أم عبد الرحمن بن عوف وابنة عم أبيه عوف‏,‏ قالت‏:‏ لما ولدت آمنة محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وقع على يدي‏,‏ فاستهل‏,‏ فسمعت قائلا يقول‏:‏ رحمك ربك‏.‏ فأضاء لي ما بين المشرق والمغرب‏,‏ حتى نظرت إلى بعض قصور الشام‏. (أبو نعيم في دلائل النبوة‏).‏

وحضرت أم عثمان بن أبي العاص فاطمة بنت عبد الله‏,‏ قالت‏:‏ شهدت آمنة لما ولدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نورا‏,‏ وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول‏:‏ ليقعن علي‏.‏ فلما وضعته خرج منها نور أضاء له الدار والبيت حتى جعلت لا أرى إلا نورا‏. (‏الطبراني في المعجم الكبير‏).

وحضرت حاضنته ودايته أم أيمن بركة الحبشية‏,‏ تقول عن رعايته‏:‏ ما رأيت رسول الله شكا جوعا قط ولا عطشا‏,‏ وكان يغدو إذا أصح فيشرب من ماء زمزم شربة‏,‏ فربما عرضت عليه الغذاء فيقول‏:‏ أنا شبعان‏.‏

ولما بعث رسول الله آمنت به‏,‏ ثم أعتقها وأنكحها زيد بن حارثة فأنجبت له أسامة‏,‏ ولم يطل بها الأجل بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم إلا خمسة أشهر‏.‏

وحضرت ثويبة ميلاد النبي‏,‏ فأسرعت تبشر عمه أبا لهب وكان مولاها‏, فأعتقها فرحا بمولده‏,‏ فكان ذلك سببا في تخفيف العذاب عنه‏.‏

وأما السيدة آمنة فقالت‏:‏ رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من أرض الشام‏,‏ ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف ولا أيسر منه‏,‏ ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء‏.‏

وبصرى كانت أول موضع من بلاد الشام دخله نور الإسلام‏.‏

قال ابن رجب‏:‏ وخروج هذا النور عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدي به أهل الأرض‏,‏ وزالت به ظلمة الشرك منها‏,‏ كما قال تعالى‏: (يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة‏:15-16].‏

وفي سجوده صلى الله عليه وآله وسلم عند وضعه إشارة إلى أن مبدأ أمره على القرب‏,‏ قال الله تعالى‏: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [العلق:19] وقال صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.‏‏ فحال محمد صلى الله عليه وآله وسلم يشير إلى مقام القرب من الحضرة الإلهية.‏‏

فما أكرم مولده الشريف عند من عرف قدره وبركته‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فلما وضعته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب‏:‏ أنه قد ولد لك غلام فاته فانظر إليه‏.‏ فأتاه فنظر إليه وأخذه فدخل به الكعبة‏;‏ فقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها‏.‏

وسماه محمدا‏,‏ وهذا الاسم لم يكن العرب يألفونه‏,‏ فسألوه‏:‏ لم رغب عن أسماء آبائه؟ فأجاب‏:‏ أردت أن يحمده الله في السماء‏,‏ وأن يحمده الخلق في الأرض‏.‏

وولد صلى الله عليه وآله وسلم مختونا مسرورا مقبوضة أصابع يديه‏,‏ مشيرا بالسبابة كالمسبح بها‏.

وروي أن عبد المطلب ختنه يوم سابعه وجعل له مأدبة‏.‏ وروي أن جبريل عليه السلام ختنه حين شق صدره‏.‏

وعن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏ من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا ولم ير أحد سوأتي ‏(رواه الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر من طرق‏).‏

وقال الحاكم في المستدرك‏:‏ تواترت الأخبار بأنه صلى الله عليه وآله وسلم ولد مختونا‏.‏

وعن العباس عم النبي قال‏:‏ ولد رسول الله مختونا مسرورا‏. فأعجب جده عبد المطلب وحظي عنده وقال‏:‏ ليكونن لابني هذا شأن‏.‏ ومختونا‏:‏ أي مقطوع الختان‏,‏ ومسرورا‏:‏ أي مقطوع السرة من بطن أمه‏.‏

وروي أبو نعيم عن ابن عباس قال‏:‏ كان في عهد الجاهلية إذا ولد لهم مولود من تحت الليل وضعوه تحت الإناء لا ينظرون إليه حتى يصبحوا‏,‏ فلما ولد رسول الله طرحوه تحت برمة‏,‏ فلما أصبحوا أتوا البرمة فإذا هي قد انفلقت اثنتين وعيناه صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء فعجبوا من ذلك.‏‏

وفي انفلاق البرمة عنه صلى الله عليه وآله وسلم إشارة إلى ظهور أمره وانتشاره‏,‏ وأنه يفلق ظلمة الجهل ويزيلها.‏‏

عدد الزيارات 12860 مرة
قيم الموضوع
(2 أصوات)