أسماء الله الحسنى التي وردت في القرآن والسنة تمثل الهيكل التربوي للمسلم قال سبحانه وتعالى : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف : 180]، والأسماء التي وصف الله بها نفسه في كتابه أكثر من 150 اسمًا وقد ورد في السنة أكثر من 160 اسمًا ومجموعهما 220 اسمًا بعد حذف المكرر، وهذه الأسماء والصفات يمكن تقسيمها إلى صفات جمال : كالرحمن والرحيم، والعفو الغفور، وصفات جلال : كالمنتقم الجبار، الشديد المحال، وصفات كمال : كالأول والآخر والظاهر والباطن.
والاسم الذي معنا هذه المرة هو [المؤمن] وقد ورد اسم الله المؤمن في القرآن الكريم ضمن مجموعة أسماء في قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر :23]. ولم يرد المؤمن باعتباره اسما من أسماء الله تعالى إلا في هذا الموضع
والله المُؤْمِنُ لأنه آمنَ عباده من أن يظلمهم، وأمنهم من الخوف، ولأنه سبحانه يصدق الصادقين المؤمنين على نحو قوله تعالى : ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ [التوبة :61]. وقوله تعالى : ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [المائدة :119].
وعليه فالمؤمن في حق الله من الأمن فهو أمان الخائفين، ومن الصدق فهو الذي يصدق الصادقين ويجزيهم على صدقهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا» [رواه مسلم].
وأيا كان الاشتقاق [الأمن أو الإيمان] فإن هذا الاسم يندرج تحت القسم الأول وهو قسم الجمال، وهو يمثل معادلة لقسم صفات الجلال إذ محصلة صفات الجلال إحداث الخوف من الله في قلب المسلم وبعد حدوث الخوف يحتاج المؤمن إلى أمان الله يؤمنه ويجيره من العذاب، كما ورد في الدعاء الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم من الخضر، فعن أنس بن مالك قال : خرجت مع رسول صلى الله عليه وسلم في بعض الليالي أحمل له الطهور : «إذ سمع مناديا. فقال يا أنس : صه. فقال : اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو قال أختها، فكأن الرجل لقن ما أراد رسول الله. فقال : وارزقني شوق الصادقين إلى ما شوقتهم إليه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حيا يا أنس، ضع الطهور، وائت هذا المنادي، فقل له أن يدعو لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعينه على ما ابتعثه به، وادع لأمته أن يأخذوا ما أتاهم به نبيهم بالحق...» [رواه الطبراني في الأوسط]. والشاهد قول الداعي : « اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني منه».
فالله سبحانه وتعالى هو الذي يخوف عباده، إذ الخوف منه من صفات عباده المؤمنين، والخوف من غيره من صفات أولياء الشيطان قال تعالى : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران :175]. وقال سبحانه : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر :36]. ويخوف ربنا بذكر جزاء المكذبين في الآخر من النار وأهوالها قال تعالى : ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر :16].
والله سبحانه وتعالى يؤمن عباده من ذلك الخوف إذا ما رجعوا إليه وكان رجاؤهم فيه سبحانه، فهو يذكرهم بصفاته جماله، قال تعالى : ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة :218]. وامتدح الله عباده المؤمنين بأن رجائهم فيه وأن غير المؤمنين لا رجاء لهم، فقال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء :104]، وذم الله الذين لا يرجون لقاءه سبحانه فقال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس :7]
والمتأمل في قضية الخوف والرجاء وقبلهما الحب يجد أن هناك علاقة متداخلة ومترابطة بين حب الله والرجاء فيه، والخوف منه من جهة وبين أقسام أسماء الله من حيث الكمال والجمال والكمال من جهة أخرى، فغاية الإيمان أن يمتلأ قلب المسلم بحب الله، ورجاءه، والخوف منه، ولذا فهناك من السلف من مثل الإيمان بطائر رأسه المحبة، وأحد حناحيه الرجاء، والآخر الخوف. وليطير العبد لربه لابد من صحة الرأس والجناحين.
فأسماء الله الحسنى بأقسامها الثلاثة تلتقي وتغذي الإيمان بجوانبه الثلاثة، فقسم الكمال من أسماء الله الحسنى يلتقي مع الحب فيغذيه وينميه وهو رأس الطائر، وقسم الجمال يلتقي مع الرجاء فيغذيه وينميه كذلك وهو أحد جناحي الطائر، وقسم الجلال يلتقي مع الخوف فيغذيه وينميه أيضا وهو الجناح الآخر للطائر.
وحتى يسير العبد لربه بشكل سليم لابد من المحافظة على الاتزان والتوازن فلا يغفل أحد هذه المكونات ولا يغلب أحدها على الآخر.
ويحسن به عند الوقوع في الزلات أن يعلي من جانب الرجاء بقسم الجمال من أسماء الله الحسنى، فإن الله ربط بين الوقوع في الزلل والإسراف على النفس وبين جماله وعفوه وغفرانه فقال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر :53]، فيساعده ذلك على التوازن، ولذا ترى أهل الله يحذرونا من نقصان الرجاء عند الوقوع في الزلات مما له من أثر سيء في الإياس من الغفران، يقول سيدي ابن عطاء الله السكندري : «من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل».
ويحسن بالسالك أن يغلب جانب الخوف عند فعل الطاعات، وقد بين لنا ربنا هذا المنهج في كتابه، فقال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون :60].
فاسم الله المؤمن من أقسام الجمال، ويلجأ إليه المسلم إذا خاف من عقاب الله أو من عذابه أو من بطش أحد من خلقه، فربنا سبحانه هو القادر على نجدة عبادة ولا مغيث غيره، كما أنه سبحانه وتعالى هو الذي يصدق الصادقين ويثبت بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وأمرنا سبحانه أن نكون منهم ومعهم، فقال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة :119].
فيحدث الإيمان بالله المؤمن سبحانه استقرارا في القلب بعد اضطراب الخوف، ويحدث توازنا وانشراحا في قلب المسلم، نسأل الله أن يرزقنا حسن الإيمان به، وصدق الإيمان به، إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.