أكد فيه فضيلته على أنه رغم بلوغ الإنسان المعاصر ذروة كبرى في التقدم العلمي، لم يصل إلى السعادة المنشودة والاطمئنان والسكون، فأصبحت حاجته ماسة إلى التربية الروحية ليتحقق له التوفيق بين متطلبات الأمن الحضاري والأمن الروحي ، فالحضارة البشرية لا تقوم إلا على التوافق بين الجسد والروح، وبين العقل والقلب، وأن الإنسان يحتاج إلى وثبة وهذه الوثبة الروحية لا تتم إلا في إطار تربوي أخلاقي، ولا يتأسس إلا على بنية تحتية أخلاقية تصلح كأساس للبناء الاجتماعي المتماسك، فتكتمل بذلك أهم شروط الأمن الروحي الذي لا مناص منه لتحقيق الأمن الحضاري، وهذا ما يقوم عليه المنظور الصوفي الذي يجمع بينهما في ترابط وتكامل.
وتابع فضيلته لقد تبين للإنسان أخيرا حاجته للدين والأخلاق من أجل تحقيق الأمن الروحي ومنه تحقيق الأمن الحضاري، فالأخلاق الحميدة هي ركن أصيل في كل الديانات السماوية، والقوانين الوضعية وحدها لا يمكنها أن تربى الناس وتأطرهم على الأخلاق الفاضلة، بل الدين وحده هو القادر على ذلك، فلا يمكن للدولة المدنية الحديثة أن تهجر الأديان أو تجور عليها وإلا عاودت الكرة وعاشت عهودا من الضلال الفكري والصراع النفسي والحضاري بين الإنسان وذاته وبين الإنسان وما حوله من كائنات ومخلوقات .
ذكر فيه فضيلته أن الفقهاء عالجوا قضايا المساواة وحقوق الإنسان تحت عناوين مختلفة مثل المقاصد الشرعية والمصالح العامة وعلل الأحكام وحِكَمِها ، وذكر فضيلته أن أهم الأسس التي بنيت عليها مقاصد الشريعة هي العدالة والمساواة بين البشر ، وأن الإنسان بصفته الإنسانية خليفة الله في الأرض وهو مخلوق مكرم ، وأن تحقيق العدل وتطبيق المساواة بين الناس يَرْقَى بالإنسان في التحضر والتمدن ويحقق له قدرا من الحرية والكرامة والسعادة والمصلحة .
وقد ذكر فضيلته في كتابه هذا أن الشريعة الإسلامية جعلت الحقوق الإنسانية ضرورات واجبة ، فالمأكل والملبس والمسكن والأمن والحرية في الفكر والاعتقاد والتعبير عن الرأي والعلم والتعليم والمشاركة في صياغة النظام العام للمجتمع والمراقبة والمحاسبة لأولياء الأمر والثورة لتغيير نظم الضعف أو الجور والفسق والفساد ضرورات في المجتمع يجب على الدولة أن توفرها لمطلق رعاياها ويجب على الأفراد أن يطالبوا بها ويأثمون إن تنازلوا عنها أو تغاضوا عن تحقيقها والمحافظة عليها سواء لكل إنسان .
وقد تناول الكتاب عدة محاور أخرى منها ، المساواة بين الناس في أصل الخلقة ، والمساواة في الإنسانية بين الأحرار والعبيد ، والمساواة بين الرجل والمرأة في الإسلام ، ومفهوم الأخوة في الإسلام ، والمساواة في حق المشاركة في الانتفاع بما سخر الله في الكون ، والمساواة في حق الحياة ، والمساواة في حق التعبير عن الرأي والمجادلة عنه ، والمساواة في الحرية الدينية ، والمساواة في حق الاستقلال القضائي وفي مدنية الحكم ، وأخيراً المساواة في حرية الانتقال والإقامة في الأرض .
شاع في عصرنا ظاهرة العنف الأسري، والمقصود بها ذلك العنف الذي يكتنف سلوك الزوج مع زوجته، وسلوك الزوجة مع زوجها، وسلوك كل من الوالدين مع الأبناء، وسلوك الأبناء مع كل من الوالدين، ومع إخوتهم فيما بينهم، ثم سلوك أفراد الأسرة مع الجيران، ومع الأقارب، وفي الحياة العامة، فهذه عشرة صور اكتنف العنف جلها أو اكتنفها كلها، ويسأل كثير من الناس عن حكم الإسلام في هذا العنف من ناحية، وعن أسباب هذه الظاهرة وكيفية علاجها من ناحية ثانية، وعن آثارها المدمرة من ناحية أخرى.
1- أما حكم هذه الظاهرة فهي تعد مخالفة بكل المقاييس للدين الإسلامي، سواء أكانت على المستوى الفردي، أو المستوى الجماعي، أما على المستوى الفردي فقد أمرنا بالرفق، ففي الحديث الشريف (إن الله يحب الرفق في الأمر كله) [رواه البخاري ومسلم] وقال صلى الله عليه وسلم : (ما يكون الرفق في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) [رواه مسلم] (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) [أحمد والبيهقي في الشعب].
وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلة الأرحام، فالزوج وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (خيركم خيركم لنسائه وبناته) [رواه البيهقي في الشعب] ووصفته السيدة عائشة رضي الله عنها : (أنه كان في مهنة أهله) [رواه البخاري] أي أنه كان صلى الله عليه وسلم يشتغل بمساعدة الزوجة في مهامها؛ تعليمًا لأمته كيف يتعاملون داخل الأسرة، ويقول أنس بن مالك (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي أفًا قط، ولا قال لي لشيء لم فعلت كذا ؟ وهلا فعلت كذا ؟) [رواه البخاري ومسلم] وأمر الزوجة بأن تجعل علاقتها مع زوجها علاقة ربانية، تطلب بها ثواب الله قبل كل شيء، وترجو منه سبحانه وتعالى أن يأجرها في الدنيا والآخرة، على ما قد تكون تصبر عليه، قال تعالى : (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) [النساء :34].
ويوجه الآباء فيقول (ليس منا من لم يرحم صغيرنا) [رواه الترمذي والحاكم في المستدرك] ، ويوجه الأبناء بر الوالدين مكافئ التوحيد (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [النساء :36]، ويأمر الجميع بحسن الجوار، فيقول : (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل : ومن يا رسول الله ؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه) [رواه البخاري] ويأمر بصلة الرحم، وبفعل الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) [أخرجه الحاكم في المستدرك]، وقال ربنا سبحانه وتعالى : (وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج :77].
وحتى نقيم تلك النصوص الشرعية يجب أن نعمق في وجداننا قيمة العفو، فإن العفو وسيلة ناجحة في تحقيق الرفق والود والتعاون، الذي بهم نقضي على العنف في الأسرة وفي حياتنا كلها، ولقد كثرت نصوص الكتاب والسنة في ترسيخ تلك الفضيلة في دعوة حثيثة للمؤمنين للتخلق بها، ومن أمثلة تلك النصوص ما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصفح؛ حيث قال: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) [سورة الحجر : 85]، وأمر الله بالعفو في قتل النفس فقال سبحانه : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) [سورة البقرة : 178]. وأمر بالعفو عن غير المسلمين، وفي أشد مواقف العداء منهم للإسلام، فقال تعالى : )وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداًّ مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) [سورة البقرة : 109].
وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالعفو عن المؤمنين فقال : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) [سورة آل عمران : 159]. وأمره بالعفو عن اليهود رغم خسة صفاتهم، فقال تعالى : (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) [سورة المائدة : 13]، وبين ربنا أن العفو وسيلة لتحصيل عفو الله عن الإنسان فقال سبحانه : )وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبـُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [سورة النور : 22]. وأثنى الله على العفو ومن يتخلق به فقال تعالى : (وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ) [سورة آل عمران : 134]. وقال : (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [سورة الشورى : 43].
2- هذه هي المنظومة الشرعية التي تقي من العنف الأسري على مستواه الفردي أو شيوعه الجماعي، وعدم الاهتمام بتربية النشء على هذه المعاني، وتكريس الأنانية حتى في الإعلان عن الطعام والحلوى للأطفال، مضاف إلى توتر الحياة من ضجيج وضوضاء وسرعة حراك البرنامج اليومي للإنسان، وضيق الملابس الذي انعكس سلبًا على أعصابه، ومجموع المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، كانت من الأسباب التي أدت إلى تفكك الأسرة، وإلى سوء الخلق، وإلى العنف الأسري.
3- ومن هنا يتضح العلاج والذي يبدأ بعملية التربية، والتربية عملية مرتبة لها أبعادها، ولها أركانها، لا تقتصر فقط على التعليم ولا على التدريب، ولا تقتصر فقط على المدرسة، بل لابد من اشتراك الإعلام، وتكوين ثقافة سائدة للمجتمع تقيه هذه الظاهرة السلبية، وتدفع به إلى الأمن والاستقرار، وهذا يحتاج إلى مزيد الاهتمام، وهناك ظواهر كانت موجودة منذ أربع عقود حوربت وحصرت بكل الوسائل حتى لم نعد نسمع عنها بصورة فجة كما كانت، وتراجعت كثيرًا بسبب المجهودات التي بذلت فيها منها : ظاهرة الغش الجماعي، وظاهرة العنف الطلابي خاصة بين البنات، وظاهرة الاعتداء الجماعي على المباني الدراسية أو على الأساتذة، وهي أمور لم تعد بهذه الحدة التي كانت عليها، وفي سبيلها للانتهاء التام إن لم تكن قد انتهت بالفعل.
عسى الله أن ينهي هذه الظاهرة من مجتمعنا، وجميع المجتمعات الإسلامية، ومن الأرض كلها إنه رءوف بعباده.
عندما نريد أن نغير هل يكفي أن يكفي الاعتماد على منهج واحد ؟ أو أنها مناهج متعددة؛ لأن التغيير يجب أن يكون في جهات مختلفة وكثيرة، فنحن نحتاج إلى تغيير على كل المستويات، على مستوى الفرد، وعلى مستوى الجماعات : الأسرة، وجماعة العمل، والجماعة العلمية، وغيرها بل على مستوى المجتمع كله، والتغيير له اتجاهان اتجاه التطور إلى الأحسن واتجاه التدهور إلى الأسوأ، وسنة الله في كونه أنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ولقد وردت الإشارة إلى هذه السنة الكونية مرتين في القرآن إحداهما في التطور والثانية في التدهور.
قال تعالى في سورة الرعد : (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) [الرعد :11]. أما في سورة الأنفال فيقول : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال :53].
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح منهجًا واضحًا في التغيير فيقول : (ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول) [رواه مسلم وابن حبان] وهو أمر غاية في البساطة غاية في العمق، والبساطة والعمق سمتان تميزان أوامر الإسلام، فتخاطب العقل البشري على جميع المستويات يبهر العالم ويعين الجاهل ويتمكن الجميع من الفعل والعمل.
فماذا نغير ؟ لابد أن نغير نمط حياتنا.. برنامج يومنا، ونجعله أكثر جدية مما هو عليه، ونجعله أكثر حكمة، فنرتب الأولويات ونعلم أن ارتكاب أخف الضررين واجب، ودفع أشد المفسدتين واجب، فلابد أن نحافظ على أوقاتنا ونتقن أعمالنا ونستديم على ما بدأناه ولا نحقر صغائر الأمور فنقع في كبارها، ونحاول أن نكون حكماء، فمن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، قال تعالى : (يُؤْتِى الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة :269].
هذا قبل الفوت وقبل الموت، فمع المحبرة إلى المقبرة، ومعناها أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، وأن تحصيله منهج حياة مستمر لا يقال : أن أحدًا قد أحاط به وكلمة قالها الإمام أحمد أو هي منسوبة إليه (العلم من المهد إلى اللحد) لها قيمتها اليوم وغدا، ومعناها ومبناها جميل، أما المعنى فإن الإنسان يطلب العلم، وينبغي له أن يطلبه من المهد إلى اللحد لا يكل ولا يمل، يتخذ كل الوسائل المشروعة سعيا وراء تحصيل العلم، كل علم العلم اليقيني والعلم الظني العلم في نسيجه المتكامل، والعمل في صورة معلومات وفي هذا الشعار وضع الإنسان في مكانه الصحيح حيث أنه محتاج إلى غيره، وأن حياته قاصرة عن استيعاب المعلومات وأن الواجبات أكبر من الأوقات وأن فوق كل ذي علم عليم.
إن الوكالات الست الكبرى تبث عددا هائلا من المعلومات يوميا، تبث 120 مليون معلومة يوميًا بين خبر وتحقيق وحديث صحفي وتقرير ..الخ فثورة المعلومات والمعلوماتية فاقت كل تصور وبنوك المعلومات في العالم تحاول المتابعة، لا سيما ما ظهر من آثارها في السنوات الماضية بما يسمى مشكلة تفجر المعلومات (Information Explosion) حيث يتراوح معدل النمو السنوي للإنتاج الفكري ما بين 4% : 8%, ولمحاولة تصور كمية المعلومات التي تنتج في العالم، نأخذ مثالاً لدورية واحدة في فروع الكيمياء مثلا وهى (Chemical Abstracts) التي تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية, وتغطى هذه الدورية معظم ما ينشر من الدوريات العلمية المهمة فدى مجال الكيمياء فقط.
صدرت هذه الدورية عام 1907, واستكملت المليون بحث الأولى بعد واحد وثلاثين سنة. ثم رصدت المليون بحث الثانية في ثماني عشرة سنة, ورصدت المليون بحث الثالثة في سبع سنوات, أما المليون الرابعة فقد رصدتها خلال أربع سنوات فقط. وبصورة عامة فإن كمية المعلومات تتضاعف كل اثنتي عشرة سنة, وقد تطور حجم الإنتاج الفكري المنشور في الدوريات وهى واحدة فقط من أشكال عديدة للنشر من مائة دورية في عام 1800 إلى أكثر من 70 ألف دورية في عقد الثمانينيات.
وكان من أسباب تفجر المعلومات زيادة حجم التخصص المعرفين، واتجه الباحثون إلى ما يعرف بالتخصصات الدقيقة، فتخصص الطب مثلاً، ينقسم إلى طب القلب، والمخ والأعصاب، ... وفي تخصص قسم الطب، هناك تخصص الشرايين، وجراحات القلب المفتوح، وداخل كل تخصص يتم بحث مسائل في غاية التدقيق، مما يشعب ويضخم حجم الإنتاج العلمي في كافة المجالات، مما يجعل عملية متابعة التطورات والإنجازات العلمية وما انتهى إليه العلم البشري عملية مستحيلة في العادة.
وتشير الإحصاءات إلى أن الإنتاج السنوي من المعلومات في مجال البحوث العلمية مقدر بعدد الوثائق المنشورة يصل ما بين 12، 14 مليون وثيقة, وأن عدد الأشخاص الذين يساهمون في هذا الإنتاج بشكل أو بآخر يتراوح ما بين 30 : 35 مليون شخص, وقد بلغ رصيد الدوريات على المستوى الدولي ما يقرب من مليون دورية, يضاف إليها كل عام ما يقرب من 15 ألف دورية جديدة, أما الكتب فقد بلغ الإنتاج الدولي منها حوالي 600 ألف عنوان, أي بمعدل 1650 كتابا في اليوم, أو 70 كتابا في الساعة.
لذلك كله يجب أن يدرب الإنسان نفسه على استخلاص النافع من هذا الخضم الهائل من المعلومات، وكيفية التعامل معها. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له طريقًا إلى الجنة) [رواه البخاري ومسلم]، وما ينبغي أن يكون عليه المؤمن يتجلى فيما روي عن وهب بن منبه من حكمة آل داود : (على العاقل أن يكون عالمًا بزمانه، ممسكا للسانه، مقبلا على شأنه) [البيهقي في شعب الإيمان]
فهذا التوجيه السامي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلك العبارة البليغة من السلف الصالح، وهذه الحالة التي نعيشها فتفرض علينا التحدي تؤدي بنا جميعا إلى الجد في تحصيل العلم ومعايشة العصر.
صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري المتوفى سنة 256هـ، أصح كتاب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى في نقله، وفي اهتمام المسلمين به، لا سيما وأنه ينقل إلينا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرق فيها غاية توثيق المصدر وغاية النقد العلمي، ولقد سماه الإمام البخاري (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه) غير أنه اشتهر بين الناس (بصحيح البخاري).
وقد سمع ذلك الكتاب من البخاري خلق كثير في كل مدينة وقرية كان ينزل بها البخاري، وقد روى الفربري أنه سمعه منه 90 ألف نفس، ورواه لمن بعده رواة كثيرون منهم حماد بن شاكر المتوفى سنة 290هـ، وإبراهيم بن معقل النسفي المتوفى سنة 240 هـ، ومنهم محمد بن يوسف بن مطر الفربري المتوفى سنة 320 هـ.
ورواية الفربري هذه هي التي وصلت إلينا، فقد سمعها منه عدة منهم أبو محمد الحموي المتوفى 381 هـ، وأبو الهيثم محمد الكشميهني المتوفى سنة 389، ورواه عن الحموي الداودي المتوفى سنة 467، وعنه أبو الوقت المتوفى سنة 553، وعنه الإمام النووي المتوفى سنة 676 هـ.
واهتم أولئك الرواة بصحيح البخاري أشد الاهتمام، فكانوا يقرأونه كلمة كلمة، حتى رأينا اثنين من كبار علماء العربية والحديث يجلسان مع جماعة من الفضلاء لتحرير كل الروايات على مستوى الحركة في صحيح البخاري، وهما جمال الدين محمد بن مالك صاحب الألفية المشهورة في النحو المتوفى سنة 672، وشرف الدين علي بن محمد اليونيني (نسبة إلى يونين إحدى قرى بعلبك) المتوفى سنة 701، وتمت هذه الجلسات في دمشق، وبلغ عددها 71 جلسة، وذلك من سنة 667 هـ، فخرجت هذه النسخة في غاية التحقيق والتدقيق، وأصبحت من أوثق النسخ المعتمدة لصحيح البخاري، بل لو أطلقنا القول بأنها أوثقها وأعظم أصل يوثق به لما كان بعيدا، وقد جعلها الإمام القسطلاني المتوفى سنة 923 هـ عمدته في شرح صحيح البخاري، فحقق المتن حرفا حرفا على تلك النسخة.
1- هذا الفريق العلمي الذي يتعاون لإخراج العمل منهج افتقدناه، وهذا التدقيق الذي يصل بنا إلى معرفة الأسس والأصول والمنطلقات منهج افتقدناه، وهذا السعي الدؤوب عبر العصور والتواصل العلمي الدائم والبناء على ما انتهى إليه السابق منهج افتقدناه، والغريب أنه ذات المنهج الذي وصل به الآخرون في علوم الطبيعة إلى ما وصلوا إليه.
2- انتقلت هذه النسخة الفريدة في خزائن كتب السلاطين والخلفاء حتى استقرت لدى السلطان عبد الحميد الخليفة العثماني، فأرسل بها إلى شيخ الأزهر ليقوم بطباعة البخاري، ويقص الشيخ حسونة النواوي القصة في مقدمته لما سمي بعد ذلك بالمطبعة السلطانية للبخاري نسبة إلى السلطان عبد الحميد خان الثاني التي تمت طباعتها سنة 1311 هـ : 1313 هـ في تسعة أجزاء تجلد عادة في 3 مجلدات كل مجلد يحتوي على ثلاثة أجزاء.
يقول الشيخ حسونة : (ففكر أيده الله في أجل خدمة يسديها للسنة النبوية الحنيفية، فلم ير وفقه الله أكمل من نشر أحاديثها الشريفة على وجه يصح معه النقل، ويرضاه العقل، وقد اختار أجله الله من بين كتب الحديث المنيفة، كتاب (صحيح البخاري) الذي اشتهر بضبط الرواية، عند أهل الدراية، فأمر، وأمره الموفق بأن يطبع في مطبعة مصر الأميرية، لما اشتهرت به من دقة التصحيح، وجودة الحروف بين كل المطابع العربية، وبأن يكون طبع هذا الكتاب في هذه المطبعة على النسخة اليونينية (المذكورة آنفا) المحفوظة بالآستانة العليا، لما هي معروفة به من الصحة القليلة المثال في هذا الجيل وما مضى من الأجيال...)
3- وقد قام جماعة من مصححي المطبعة الأميرية معدودين من العلماء بتصحيح النسخة على قدر طاقتهم، إلا أن لجنة الأزهر لاحظت عليهم ملاحظات أثبتوها في آخر كل جزء، وكان من هؤلاء المصححين بالأميرية محمد بك بن علي المكاوي، ومحمد الحسيني، ومحمود مصطفى وآخرون، وكان محمد بك مكاوي من المهتمين بتصحيح البخاري فقد قام بطبعه قبل ذلك في سنة 1286 هـ، فكتب تصحيحا على لجنة الأزهر في تسع ورقات ذكر فيه 289 خطأ أغلبها مما له وجهان كمنع المصروف، أو صرف الممنوع، أو ضبطان لعلم معين، أو كلمة فيها الوجهان.
فتم طباعة تلك الطبعة السلطانية، وقد انتهت، وبعدما انتهت تلك الطبعة أعادت المطبعة الأميرية طباعة البخاري مع مراعاة ما وقع في السلطانية من ملاحظات وكان ذلك على نفقة السيد محمد حسين عيد الفكهاني سنة 1317 هـ - 1315 هـ، فسميت هذه الطبعة بالطبعة الفكهانية تمييزا لها عن السلطانية، فعقب عليها أيضا محمد بك بن علي المكاوي في ست صفحات لا تخرج ملاحظاته عما سبق ذكره، وهذه التعقيبات موجودة في دار الكتب المصرية حتى اليوم.
4- فانظر إلى المنهج الذي فقدناه، فعلى رغم أن الفكهانية على منوال السلطانية الحرف بالحرف، والكلمة إلا أن الأمانة اقتضت التفريق بينهما (لمجرد اختلاف من تكلف طباعتها) حتى رأينا بعد ذلك الناس طبعوا على الفكهانية ويقوولن أنهم طبعوا على السلطانية، فخرجت طبعاتهم لا على هذه ولا تلك من تحريف وتصحيف وتغيير في الصفحات، ثم شاع عند كثير من طلبة العلم أن هذه هي السلطانية يقصدون ما طبع لدى مطابع الشعب، أو مصطفى الحلبي أو غيرها على الرغم البون الشاسع بينهما.
وانظر إلى اهتمام المكاوي الزائد في تحرير النص إلى درجة لا يتهاون فيها بالخطأ إذا تكرر، ولا بالوجه من الإعراب أو الضبط إن كان معتبرًا، إن الذي ينظر إلى منهج الأطباء والمهندسين وأهل العلم بعامة يعرف أن تلك الملكة لا تربى في النفس إلا بذلك المنهج، وأن الاتجاه العام من الاستهتار وعدم المبالاة أصبنا به عندما لم نقرأ البخاري في طبعته السلطانية كرمز من رموز ثقافتنا يجسد الرجوع إلى مضمونه والعمل به وتربية باحثينا في كل المجالات عليه، فليس لدينا من الأوقات ما يسمح بهذا التسيب الفظيع الذي أصاب مؤسساتنا العلمية وأصاب معها جل العلماء والباحثين.
رحل عن عالمنا يوم الجمعة الماضي 16 شوال 1426 الموافق 18 نوفمبر سنة 2005، إلى رحمة الله تعالى السيد/ حسين الشافعي، وهو من جيل الآباء الذين ضربوا مثلاً صالحاً لخدمة وطنهم، فكان أسوة لشبابنا يجب عليهم دراستها والاستفادة بها واستخلاص الصفات التي يمكن للشاب لهم أن يتخلق بها ليكون معمرًا لكونه نافعًا لنفسه، مفيدًا لمجتمعه ووطنه؛ حيث أدى السيد/ حسين الشافعي -رحمه الله تعالى- عملا وطنيا في مجال السياسة توخى فيه مصلحة البلاد والعباد، وفي نفس الوقت شارك في العطاء الديني ولم يقتصر على الجانب السياسي.
1- تمثل عطاءه السياسي في مكافحة الاستعمار، فاشترك في تنظيم الضباط الأحرار الذي كان يهدف أول ما يهدف إلى تحرير البلاد من المحتل، وكنا –في هذه الأيام- نظن أن عهد الاستعمار قد مضى، وأننا قد دخلنا في عصر تركت القوى العسكرية الكبرى فكرة احتلال أرض الآخرين بواسطة الجيوش، وأنهم استبدلوا بذلك الاستعمار الثقافي والسياسي والفكري والاجتماعي في محاولة منهم لفرض الحضارة ذات الجانب الواحد على خلق الله أجمعين، وفي محاولة للهيمنة والسيطرة على موارد البلاد المستغلة الطبيعية كالبترول، والقطن، وكنا نقاوم هذه الأنواع من الاستغلال الذي هو بديل عن الاستعمار العسكري، وكانت هذه المقاومة تدل -ولا تزال- على حياة الأمة وعلى رفضها لذوبان الهوية ولعدم مشاركتها في بناء الحضارة الإنسانية، ولرفضها قهر هيمنة حضارة على حضارة.
حتى عاد مرة أخرى الاستعمار في صورته العسكرية مما يحتاج معه إلى تنظيم الضباط الأحرار مرة أخرى، ذلك التنظيم الذي نجح في مصر، وكان مثالا يحتذى لحركة التحرير في العالم كله، ولم تشغل مصر حينئذ نفسها بالآخرين، بقدر ما شغلت نفسها بالبناء الداخلي، فكانت مثالاً مؤثرا في العالم كله، وكان السيد / حسين الشافعي أحد أولئك الرواد الأوائل البناة لهذا المثال المؤثر في كل من إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.
فعلى الرغم من أن تنظيم الضباط الأحرار مر عليه أكثر من ستين عامًا إلا أنه ما زال صالحًا للدرس والاستفادة منه في حالتنا المعاصرة التي رأينا فيها جيوش الدول وقد حدث لها شيء من الهستريا تحتل العراق هذا الاحتلال الذي حولها إلى بحر من الدماء وإلى نزيف مستمر نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوقفه.
2- والسؤال في هذا الجانب ما العناصر التي اتصف بها السيد / حسين الشافعي، ذلك الرجل الذي كان يحب الله ورسوله، بحيث نجح مع إخوانه في تحقيق مرادهم من التحرير والتغيير، دون اشتراك في قتل الوطنيين، وفي ثورة تكر على المسلمين بالدم ؟ وكيف جمع بين نشاطه هذا، وبين تدينه فكرًا وعملاً ؟ فقد كان محافظا على الصلوات الخمس، وعلى صيام رمضان، وعلى حج البيت، وكان فكره ناضجًا في تعامله مع النصوص الشرعية، ومع المفاهيم الإسلامية، ونراه في مقالته الأسبوعية بجريدة الأسبوع، يتكلم عن عناصر ذهنه الديني، وكيف يفهم النصوص ويتعامل مع المفاهيم بصورة هادئة تريد أن تخرج من دائرة النظر إلى دائرة العمل من غير إفراط ولا تفريط، فجمع هذه المقالات وتحليلها والاستفادة منها عاد أمرًا واجبًا لذكراه، فإذا وضع ذلك مع نشاطه السياسي، ومع نتاجه الفكري الذي ظهر في عدة كتب لكان درسًا متكاملا لنموذج رجل نحتاج أن يتكرر حتى نخرج من هذا الضجيج الذي نعيش فيه.
3- وقد حضرت يوم الثلاثاء الماضي 12 شوال 1426 الموافق 15 نوفمبر 2005 مؤتمرًا في جامعة آل البيت بالأردن تحت عنوان (المذاهب الإسلامية) يسعى فيه المؤتمرون إلى السير في طريق اعتماد المذاهب المعمول بها بين المسلمين، وإزالة الحساسيات العصبية التي تكون بين أتباع تلك المذاهب، والقضاء على فكرة تكفير أهل القبلة (أي المسلمين الذين يتوجهون جميعا إلى قبلة واحدة وهي الكعبة المشرفة) على أن تفجيرات (عمان) قد ألقت بظلالها على المؤتمر باعتبارها تصرفات حمقاء، تلك التي يمارسها المكفرون بدعوى أنهم لابد أن ينالوا من أعداء الله؛ فإذا بهم يقتلون أكثر من 50 مسلمًا لم يكن فيهم أحد من غير المسلمين وكأنهم يأملون بذلك أنه من خلال قتل 50 مسلمًا سوف يتوصلون إلى قتل واحد أو اثنين من غير المسلمين.
وذكرني رحيل السيد / حسين الشافعي بالمقارنة بين المقاومة الحمقاء، والمقاومة الشريفة، وتذكرت قول الشاعر :
لكل داء دواء يستطب به ** إلا الحماقة أعيت من يداويها
ومن هنا بدأت المقارنة الذهنية بين البيئة التي تربى فيها السيد حسين الشافعي، فأنتجت هذا الفارس النجيب، والتي كانت خالية من فكرة التكفير، وبين البيئة التي تربى فيها هؤلاء والتي كان أساسها التكفير، ويتبين من ذلك مدى أهمية هذه المسألة، وأنها قد تكون هي المرتكز الأهم في القضاء على هذه الفوضى التي نراها هنا وهناك.
وتذكرت حينئذ كيف أن بناء الإنسان وتربيته السابقة قبل حدوث الحوادث ونزول النوازل هو الذي يحدد مصير الأمم، وأننا لابد علينا من الاهتمام بالتربية التي تنشئ الوعي في أذهان شبابنا، فيحسن التعامل مع الواقع، ويحسن التصرف في المهمات والأزمات، فيفكر الشاب قبل أن ينشط، ويتدبر قبل أن يفعل، فإذا نشط وفعل فإنه يكون على الصراط المستقيم، فيحقق النتائج بلا خسائر أو بأقلها إذا اقتضى الأمر.4- وفي يوم السبت الماضي 19/11/2005 حضرت الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الوفاق الوطني العراقي التي نظمته جامعة الدول العربية بدعوة كريمة من السيد / عمرو موسى أمين الجامعة، وهو المؤتمر الذي يدلنا ويذكرنا على الحالة التي نعيشها في العالم العربي والإسلامي، والتي تعيشها كرة الأرض، يذكرنا بوضعية الشرعية الدولية، ويذكرنا باختلال المصطلحات والمفاهيم، ويذكرنا بالظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكيف أن الطغيان يولد التطرف، وأن العدوان يولد الإفراط ويختل الميزان حتى في أيدي المعتدلين، فما بالك بغير المعتدلين.
ويدعو القرآن الكريم من خلال أسماء الله الحسنى المسلمين إلى أن يتخلقوا بأسماء جماله، وأن يتعلقوا بأسماء جلاله سبحانه وتعالى، فيجب عليهم أن يتأملوا وأن يتدبروا معنى الحمد الذي بدأ الله به فاتحة الكتاب، ومعنى الصبر الذي ذكره الله في كتابه، وأمر به أن يكون صبرًا جميلاً، من أجل أن نتخلق به نحن، ومعنى العفو والصفح، ومعنى القوة والعبادة والعمارة والتزكية، حتى يخرج من هذا التدبر والتأمل بمنهج تربوي كان شائعًا تربى عليه ذلك الفارس النبيل السيد / حسين الشافعي رحمه الله تعالى. يارب.
حضرت في الشهر الماضي بدء مشروع بنك الطعام بمصر، وهو مشروع خيري لسد فجوة الجوع كما أمرنا الله سبحانه وتعالى، ووصف المتقين بهذه الصفة فقال : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإِنسان :8]، وذم ربنا صنفًا من الناس يحتجون بالقدر كي لا ينفقوا في سبيل الله ويطعموا الفقراء، فقال في شأنهم : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ) [يس :47]، وأمر سبحانه أهل مكة بعبادته؛ وامتن عليهم بأنه أطعمهم بعد جوع، فقال تعالى : (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ * الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) [قريش :3، 4].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا أيها الناس، افشوا السلام، واطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) [أخرجه الحاكم وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه]، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطعام الجائع على رأس خصال الخير، فقال صلى الله عليه وسلم : (اطعموا الجائع، وفكوا العاني، وعودوا المريض) [رواه أحمد].
والطعام من الضرورات الإنسانية الأساسية، والضرورة يعرفها الفقهاء المسلمون بأنها : ما لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك، وأدون منها الحاجة، وهي إذا لم يتناولها الإنسان أصابته مشقة، ثم يذكرون بعد ذلك ثلاث مرات وهي المنفعة والزينة والفضول، فالمنفعة تجري بها عادة الناس، وليس لها علاقة بضرورة الإنسان في بقائه حيًا أو مشقته أثناء الحياة، والزينة أعلى من ذلك، أما الفضول فهو بوابة الإسراف المنهي عنه، فهو في ذاته مباح، ولكن يمكن أن ينهى عنه إذا دخل في حد الإسراف.
وهذا التقسيم التفصيلي الذي نراه عند الفقهاء المسلمين لم أره عند علماء العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ حيث يسمون الضرورة (بالحاجة الحرجة)، ويسمون الحاجة بكلمة الحاجة أيضًا، ويقصدون بالحاجة الحرجة الطعام، وترى هذا في علوم الغذاء والتغذية، ويقصدون بالحاجة كل ما يحتاجه الإنسان من مسكن وكساء وغيرها، ولعل تقسيم الفقهاء يزيد من دراسة المشكلة الاقتصادية عند الاقتصاديين؛ حيث يعرفونها بأنها : كثرة الحاجات مع قلة وسائل الإشباع نسبيًا، وعدم التفصيل بين الضرورة والحاجة بهذا الشأن ولد خلطًا في تصنيف الغرائز حيث سموها بالحاجة، وعاملوها وكأنها ضرورة مرة، وأنها غير ضرورية مرة أخرى.
ومفهوم الطعام عند المسلمين في تراثهم يتمثل في القوت، والفاكهة، والإصلاح، والدواء. ويقصد بالقوت : ما يحتاج إليه الإنسان ليقوم جسمه من غير مرض، ومثلوا له بالبلح والعنب والحبوب كالقمح، والشعير، والفول، والذرة. ويقصد بالفاكهة : الخضروات والفواكه بمفهومها الزراعي في عصرنا هذا، والإصلاح هو : الملح والبهارات ونحوها، وهي تصلح الطعام وتجعله أكثر استساغه حتى يقبل عليه الإنسان. والدواء : ما يؤخذ للعلاج، والماء والسوائل تدخل في مفهوم الطعام أيضًا؛ لأنها تؤخذ عن طريق الفم الذي يقوم بالطعم، ولذلك فإنني أرى أن بنك الدواء ينبغي أن يكون جزء من المشروع، ولكن بعد استيفاء شروط التعامل مع الدواء حيث إن التعامل معه له شروط تفوق التعامل مع سائر الطعام.
والطعام وهو أحد الأساسيات الثلاثة للإنسان، وفتح بنك له هو أول خطوة في المشروع الأكبر الذي يشمل الكساء، ثم السكنى، والذي يقضي حينئذ على ظاهرة أولاد الشوارع التي ملأت العالم وبدأت تسري عندنا، والتي هي سبة في جبين البشرية؛ خاصة من دان بالإسلام «دين الرحمة والتكافل».
والطعام هو أساس حساب احتياجات الإنسان؛ حيث إنه يمثل 40% من الدخل غالبًا في أي مستوى من المستويات الثلاث، وهي مستوى الكفاف، ومستوى الكفاية، ومستوى الكفاءة، وهذه مستويات المعيشة الثلاث لها علاقة بتجديد مستحق الزكاة، فالزكاة تعطى لمن هو دون مستوى الكفاف حتى يصل إلى مستوى الكفاية، ويمكن تحويل هذا النظر في أرقام تختلف قطعًا باختلاف البلد، وباختلاف الأزمان، وباختلاف الأعراف السائرة بين الناس.
فمستوى الكفاف هو ذلك القدر الذي يقوم به الإنسان بحاجاته الأساسية، والطعام هو البداية؛ لأنه على مستوى الضرورة، ويحسب ذلك طبقًا لعلم التغذية بحاجة الإنسان بالسعرات الحرارية، وبشكل يتكون فيه الطعام اليومي في صورة وجبات ثلاث أو أربعة، ومن المجموعات الغذائية المختلفة من نشويات وبروتينيات وسكريات وفيتامينات وأملاح ومعادن ونحوها من المجموعات التي تراعى عند تكوين الطعام حتى لا يصاب الإنسان بالأمراض.
فالبالغ من الرجال يحتاج نحو 3 آلاف سعر حراري يوميًا، ومن النساء نحو ألفي سعر، والطفل يحتاج 1500 سعر في تفاصيل وجداول في علم التغذية، والسعر الحراري هو مقدار الطاقة اللازمة لرفع 1جم ماء مقطر من درجة حرارة 13.5ْ (درجة مئوية) إلى 14.5ْ (درجة مئوية)، ولكل نوع من أنواع الطعام قدر من السعرات الحرارية تحسب بواع وحدة 100جم، تمد الجسم بهذه الاحتياجات.
ويمكن للوجبة الرخيصة أو المتوسطة أو الغالية أن تحدد تكلفة الطعام اليومي للفرد، وللأسرة النووية (وهي الأسرة التي تتكون من زوج وزوجة وطفل) فإذا زادت الأسرة في عددها فبحسابه
وفي بعض البلدان تكون تكلفة السكن مرتفعة؛ بحيث إنها تحسب سنويًا لحالها دون أن تدخل في هذه المعادلة أما حد الكفاية، فيضاف إلى ما سبق مسألة التعليم، ومسألة العلاج، ومسألة الأمن الاجتماعي، ومسألة الأنشطة من رياضة، وفنون وآداب.
أما حد الكفاءة فيضاف إلى ما سبق بناء ملكات والتدريب عليها؛ كإتقان اللغات والرياضة الترفيهية والمشاركة الاجتماعية والسياسية، وذلك ونحن نعطيمن الزكاة من كان في حد الكفاف حتى نصل به إلى حد الكفاية، ونعطي أعلى حد الكفاية حتى يصل إلى حد الكفاءة من الصدقة؛ حيث (إن الزكاة لا تجوز لغني ، ولا لذي مرة سوي) [رواه الترمذي، وابن خزيمة]، أما الصدقة فتجوز للغني.
ولقد وضعت الأمم المتحدة وهيئات الغذاء والأدوية العالمية دراسات حول كل ذلك، أرجو أن تدخل في تدريس مناهج الزكاة عند المسلمين؛ لفهم كلام التراث الإسلامي بعمق، وحتى نرى كيف أن هذه الحضارة التي بنيت على ذلك الدين كانت حضارة إنسانية راقية، ونأمل أن تستمر على ذلك، وما ذلك على الله ببعيد.