عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون :51]. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ﴾ [البقرة :172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب. يا رب. ومطعمة حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» [رواه مسلم].
وهذا حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يرسي قاعدة جليلة مفادها : «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» «فالله طيب» قضية عقائدية يؤكد عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وتعني أن الله سبحانه وتعالى منزه عن كل النقائص، متصف بكل الكمالات، قدوس، وأصل الطيب الزكاة والطهارة والخلاص من الخبائث.
ثم يشير الحديث إلى ضرورة المناسبة بين صفته سبحانه وبين ما يتقبله من الأعمال، فكما أن الله طيب، فهو لا يقبل إلا ما كان مناسبا لهذه الصفة؛ لذا فلا يقبل إلا طيبا، فحث المؤمنين أن يلتمسوا الطيب : من القول، ومن الطعام، ومن الكلام، ومن الأفعال، ومن الاعتقادات.
وغير المؤمن يصدق فيه قوله تعالى : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف :103]، فهم لا يقدمون إلى الله الطيب، بل يقدمون إليه الكذب، والبهتان، والطغيان، والإفساد في الأرض ،وظلم الناس، وقتل الأبرياء، ومع ذلك فهم يتهمون المؤمنين الذين يدافعون عن أرضهم وعرضهم بالإرهاب وبالعنف وبالتطرف وبغير ذلك، فيصدق فيهم المثل العربي : «رمتني بدائها وانسلت».
وهؤلاء الظالمون يسمون الأشياء بغير اسمها ليخدعوا الشعوب المسكينة وعلى رأسهم شعوبهم ليكسبوا بذلك شرعية عندهم لخوض حروبهم الظالمة، فيسمون الاحتلال والقتل تحرير، ويسمون الطغيان وكثرة الهرج ديمقراطية وعدل، ويسمون الفساد في الأرض صلاحا، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة :11 ، 12].
وقال تعالى : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ﴾ [البقرة :204].
والمؤمن ينبغي أن يكون طيبا؛ لأن غير المؤمن خبيث، والله يريد أن يميز الخبيث من الطيب ليصطفي الصالحين من عباده، قال تعالى : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران :179]، وأمر الله تعالى بعدم تسوية الخبيث بالطيب، فقال سبحانه : ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِى الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِى الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة :100]، وسمى الله الأرض التي تنتج زرعا بالطيبة، فقال تعالى : ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾[الأعراف :58].
وجعل الله الكلمة الطيبة منتجة ومثمرة ولها آثارها العظيمة على عكس الكلمة الخبيثة : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ * تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ [إبراهيم :24 : 26].
والطيبون هم أهل الجنة، يصفهم الله بذلك في بشرى الملائكة لهم عند وفاتهم، قال تعالى : ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل :32]. وكما أن الطيب هي وصفهم، فيهديهم الله في الجنة إلى الطيب من القول، قال تعالى : ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الحَمِيدِ﴾ [الحج :24].
وقد أشار الله إلى ضرورة المناسبة بين الأقوال الطيبة والناس الطيبين، فقال تعالى : ﴿الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور :26].
وسمى الله ذكره سبحانه بالكلم الطيب، فقال سبحانه وتعالى : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُور﴾ُ [فاطر :10].
فالمسلم مطالب بالتطيب والتطهر، وقد درج الفقهاء والمحدثون على افتتاح كتبهم بكتاب الطهارة، والطهارة : في اللغة هي النظافة. والله سبحانه وتعالى يحب النظافة، ويحب الجمال، ويحب التطهر وأمر عباده بالتطهر الدائم والمستمر من الأدران الظاهرة والباطنة، لأن المسلم دائما يراقب قلبه ويطهره لله، كما يراقب بدنه وثوبه ويطهره، والمسلم عن قلبه الطاهر المتطهر بمظهره، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة :222]
وطهارة البدن التي عالجها الفقهاء في كتب الفقه ليست هي كل الطهارة، بل وليست هي أهم أنواع الطهارة التي أرادها الله من عباده، ولذلك نرى الغزالي في الأحياء يتكلم عن تلك الأنواع فيقول: «الطهور أربعة أنواع، طهارة البدن من الحدث والخبث، وطهارة الجوارح من المعاصي والآثام، وطهارة النفس من الصفات المذمومة، وطهارة القلب مما سوى الله» .
فطهارة القلب وهي الأهم تعني أن يخلو القلب من السوى، وهو كل ما سوى الله، فالقلب بيت الرب، قال تعالى : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب :4] ، وطهارة النفس أن تخلو من الصفات المذمومة كالبخل والحسد والحقد والضغينة والكبر والأثرة.
أما طهارة الجوارح من المعاصي فكل جارحة بحسب طبيعتها وما يجب عليها، فالعين طهارتها ألا تنظر إلى ما حرم الله أن يُنظر إليه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : «عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ، عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . [رواه الترمذي]
والعلماء قالوا : ما حرُم فعله حرُم استماعه، وما حرُم استماعه حرُم النظر إليه! طهارة الأذن ألا تستمع بها ما حرم الله أن تستمع إليه من كذب وغيبة ونميمة وكفر وإلحاد، وطهارة اللسان ألا ينطق بالغيبة، ولا بالنميم ، ولا بالكذب ، ولا بالفحش، ولا باللعن ، ولا بالإيقاع بين الناس .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ ، عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ ، حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ، وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [رواه أحمد] .
فالله طلب من المؤمن التطيب والتطهر على كل المستويات، فعلى مستوى الظاهر قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر :4، 5]، وقال لنبيه إبراهيم عليه السلام : ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج :26].
وعلى مستوى طهارة القلب والنفس، قال تعالى : ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة :232] ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب :53]. وقال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المجادلة :12].
فالمتتبع لوصف الطيب في القرآن يجد المناسبة بين ما يأمر الله سبحانه وتعالى، وبين صفته عز وجل، وبين وصفه لما يحبه ويرغب فيه.
وعودة إلى الحديث وبيان شرحه، ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم «يطيل السفر» «ويمد يديه» إشارة إلى الأحوال التي يزداد فيها رجاء استجابة الدعاء، ولذا عدها ابن رجب الحنبلي من آداب الدعاء في تعرضه لشرح هذا الحديث حيث قال : « أشار فيه صلى الله عليه وسلم إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته، وإلى ما يمنع من إجابته، فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة أحدهما : إطالة السفر، والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد لولده» خرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وعنده : «دعوة الوالد على ولده» وروي مثله عن ابن مسعود رضي الله عنه، من قوله. ومتى طال السفر كان أقرب إلى إجابة الدعاء؛ لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان، وتحمل المشاق والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء.
والثاني حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والإغبار، وهو أيضا من المقتضيات لإجابة الدعاء، كما في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم : «رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء خرج متبذلا متواضعا متضرعا، وكان مطرف بن عبدالله قد حبس له ابن أخ فلبس خلقان ثيابه وأخذ عكازا بيده فقيل له ما هذا قال أستكين لربي لعله أن يشفعني في ابن أخي.
الثالث مد يديه إلى السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته، وفي حديث سلمان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى حي كريم، يستحيى إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين» خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. وروي نحوه من حديث أنس وجابر وغيرهما. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه، ورفع يديه يوم بدر يستنصر الله على المشركين حتى سقط رداؤه عن منكبيه. [جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي].
والحديث أشار لعلاقة وثيقة بين إجابة الدعاء وتحري الحلال في الرزق، فينبغي للمؤمن أن يتحرى الحلال في غذاءه، وثيابه، وطعامه حتى يكون أهلا لإجابة الدعاء، أما من لا يتحرى الحلال في هذه كل وفي كل شيء، فلا يتعجب من عدم استجابة الله له.
وكثرة الخبيث لا يجب أن نغتر بها، فإن الخبيث خبيث حتى وإن شاع وذاع في الأرض، إلا أن كثيرا من المسلمين اغتر بكثرة الخبيث من الأقوال والأفعال والاعتقاد والمأكل والمشرب والتصرفات، والتفت نظر كثير من شبابنا إلى هذه البهرجة، إلا أننا ينبغي أن نثبت على الحق، ونفخر بشرعنا وبأخلاقنا ولا نتبع من غضب الله عليهم.، فيا أيها المسلم حتى يستجيب الله دعائك فأطب مطعمك، والتفت إلى مشربك وملبسك وغذائك، أطب مطعمك في تحصيل الرزق الحلال، وأطب مطعمك في البعد عن المسكرات والمخدرات والخنزير والميتة والشبهات، وأطب مطعم في الإقلال منه فإن تكدس الطعام تقلل من قيمته والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبته نفسه فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث للنفس» [رواه الترمذي].
وأمر المسلم بهذا الطعام الطيب حتى لأعدائه إذا ما أوقعهم الله في الأسر، وهم أعداء الله إلا أن الله يطالب المؤمنين بأن يكونوا كرماء، فيقول سبحانه : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا) [الإِنسان :8، 9] فموقفنا من الإنسان الذي أسر أن نطعمه من الطعام الحسن الذي نحبه، ونحب أن نأكل منه، ومعنى هذا أننا مكلفون لا بالإطعام فقط، بل بتهيئة الأجواء حول الأسير ليتذوق الطعام حتى يكون حبيبا على نفسه. هذه التهيئة التي تشمل العلاج والراحة الجسدية والنظافة الخاصة وطريقة السكن والمأوى والنوم، والاتصال بذويه وأقربائه إلى آخر ما هنالك في معاملاته الإنسانية. (يتبع)
الحجاب في اللغة : الستر، يقال حجب الشيء يَحْجُبُه حَجْباً وحِجاباً وحَجَّبَه: سَتَرَه. وقد احْتَـجَبَ وتَـحَجَّبَ إِذا اكْتَنَّ من وراءِ حِجابٍ. وامرأَة مَـحْجُوبةٌ: قد سُتِرَتْ بِسِترٍ. وحِجابُ الـجَوْفِ: ما يَحْجُبُ بـين الفؤادِ وسائره.
وللحجاب استعمالان : أحدهما : استعماله في الحسيات, وهو الجسم الذي يحول بين شيئين. والثاني: استعماله في المعاني, وهو الأمر المعنوي الذي يحول دون الوصول إلى المطلوب.
والحجاب المقصود هو الثوب الذي يستر عورة المرأة بشرط ألا يكون قصيرا، فيظهر شيئا من عورتها، ولا يكون رقيقا، فيشف شيئا من لون جلدها، ولا يكون ضيقا، فيصف حجم عورتها تفصيلا.
وقد اتفقت الأمة الإسلامية على حرمة أن تظهر المرأة شيئا من جسدها عدا الوجه والكفين، واستدلوا بقوله تعالى : ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور :31]، فذهب العلماء أن ما ظهر من الزينة هو زينة الأعضاء الظاهرة، وهي زينة الوجه والكفين, كالكحل الذي هو زينة الوجه, والخاتم زينة الكف، وقد ذكر ابن كثير الآية وعقبها بقوله : «قال الأعمش : عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس «ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها» قال : وجهها، وكفيها، والخاتم وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك» [تفسير ابن كثير 3/284].
واستدلوا من السنة النبوية بما السيدة عائشة رضي الله عنها : «أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله r وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله r، وقال : يا أسماء، إن المرأة إذ بلغت المحيض لم تصلح أن يري منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه» [رواه أبو داود والبيهقي في الكبرى، وفي الشعب].
فأجمعت الأمة بعد هذه الأدلة على وجوب ستر العورة للرجل والمرأة، وهو في حق المرأة الحجاب الذي يستر بدنها، وصار ذلك من المعلوم من الدين بالضرورة، فكما يعلمون أن الظهر أربع ركعات، يعلمون أن المرأة التي لا تستر عورتها آثمة شرعا.
والإجماع بهذه الصفة السابقة ينفى ظنية ثبوت الدليل، ويصبح الدليل بعده قطعيا، لا يجوز النظر فيه نظرا يخالف ذلك الإجماع. ومثاله الإجماع على أن الوضوء سابق على الصلاة، مع إيهام النص فى قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة :6]. حيث أجمعت الأمة على أن الوضوء قبل الصلاة وأن المراد من الآية إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ...الخ .
وكذلك الإجماع على حرمة الخمر ، ولم يرد لفظ التحريم في القرآن ؛ بل ورد قوله تعالى في شأن الخمر ، ﴿فاجتنبوه﴾ [المائدة : 90] التي أجمعت الأمة على أنها للتحريم، فلا يجوز أن يحملها أحدهم على الإرشاد، أو الكراهة، لعدم استعمال لفظ التحريم مثلا.
يقول الإمام القرطبى : ﴿فاجتنبوه﴾ [المائدة : 90] يريد : أبعدوه، واجعلوه ناحية، فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور، واقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث، وإجماع الأمة فحصل الاجتناب في جهة التحريم، فبهذا حرمت الخمر.
إذن فالحجاب لستر العورة، والعورة : ما يحرم كشفه من الجسم سواء من الرجل أو المرأة, أو هي ما يجب ستره وعدم إظهاره من الجسم, وحدها يختلف باختلاف الجنس وباختلاف العمر, كما يختلف من المرأة بالنسبة للمحرم وغير المحرم.
فالعورة أمر شرعي حده الشارع لا سبيل للاجتهاد فيه بتغير الزمان والمكان، فإذا كان لا يجوز للرجل إظهار عورته في وقت ما، فلن يكون مباحا في وقت آخر ، وكذلك إذا كان يحرم على المرأة كشف شيء من عورتها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتغير هذا الحكم إلى الجواز لتغير الزمان.
فستر العورة ليس من مسائل الفقه التي تتغير بتغير الزمان، وهناك الكثير ممن يتكلمون فيما لا يعلمون يظنون أن تغير بعض الأحكام المرتبطة بالعرف، أو تغير بعض وسائل الحياة المرتبطة بالزمن، يقتضي تغير جميع أحكام الدين لمجرد أن الزمان قد اختلف، وربما يأتي اليوم الذي يخرج علينا من يقول إن الأمر أيام النبي صلى الله عليه وسلم بعبادة الله وحده، والزمن قد اختلف فينبغي علينا أن نشرك بالله مسايرة للعصر.
هذا لأنهم اعتبروا الدين مجال يتكلمون فيه بجهلهم، ولم يفطنوا أن الدين علم، والتدين العملي هو سلوك، وهناك فرق بين علم الدين وبين التدين العملي، وأن علم الدين هو علم كسائر العلوم، له مبادئ وقواعد ومصطلحات ومناهج وكتب وترتيب ومدارس وأسس وتاريخ و .... إلخ
وهو يحتاج أيضًا إلى أركان العملية التعليمية، التي لا يتم العلم إلا بها، وهي : الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي. وأن طريق التعلم له درجات مختلفة كدرجات التعليم العام ثم التعليم الجامعي ثم الدراسات العليا بدرجاتها المختلفة، وله أيضًا أساليبه المختلفة للتمكن منه، بعضها نظري، وبعضها تطبيقي، وبعضها حياتي وعملي، كما أن أداءه يختلف من رسالة علمية إلى كتاب مقرر، إلى بحث في مجلة محكمة، إلى بحث للمناقشة أو كمحور في مؤتمر للجماعة العلمية يخبر فيه صاحبه تلك الجماعة بنتائج.
وسيظل أمر الجماعة العلمية دائما مختلفًا تبعًا للمنح الربانية، والعطايا الصمدانية، والمواهب التي يمنحها الله لكل شخص يتميز بها على الآخرين، وسيظل أمر التخصص العام مُراعى والتخصص الدقيق مطلوب، وسيظل هناك فارق بين من ينجح في تحصيل الدروس ولا ينجح في الحياة، ومن ينجح فيها ومن وصل إلى مرتبة الحجة والمرجعية، ولا يحسن التعامل مع الحياة أو يحسن التعامل معها كما قال شوقي في أواخر قصيدة (كتابي).
وكم منجب في تلقي الدروس تلقي الحياة فلم ينجب
وكل هذه المعاني نراها في كل مجال، ولعل أقرب مجال ينطبق عليه ما ينطبق على علم الدين هو مجال الطب، وعلم الطب، أنظر إلى كل ما ذكرناه وكأننا نتكلم عن علم طب الأبدان، في حين أنني كنت أؤكد على علم حفظ الأديان، وكل ذلك يختلف عن حق الناس في رعاية صحتها والوقاية من الأمراض والعلاج منها، ومبادئ الحياة الصحية الصحيحة التي يتمناها كل إنسان، بل هي من حقه، كما يختلف علم الدين عن التدين الذي هو لازم لكل إنسان ويحتاجه كل أحد من الناس، بل يحتاجه الناس على مستوى الفرد والجماعة والأمة.
على الرغم من وضوح الفرق بين علم الدين والتدين، أو علم الطب ومراعة الصحة العامة، إلا أن هذا الفرق غير معترف به في غالب ثقافتنا، ونرى خلطًا ضارًا له صور منتشرة في جميع القطاعات لم ينج منه إلا من رحم الله -وهم قلة في ثقافتنا السائدة- وأرجو الله أن يفتح البصائر بهذه الدعوى لمراجعة جد مهمة لمواقف كثير من علمائنا ومفكرينا بشأن موقفهم من هذه البدهية.
إننا نرى ما يؤكد أنه ليس هناك اعتراف بالفرق بين علم الدين والتدين، من ذلك أن أستاذ العلوم أو الزراعة أو الصحافة أو الهندسة أو الطب صار يتكلم في شأن الفقه، ويناقش الفتوى التي صدرت ممن تخصص وأمضى حياته في المصادر وإدراك الواقع، وما هذا إلا لأنه مثقف ديني، أو لأنه لا يعرف، أو لم يقتنع بالفرق بين علم الدين وبين التدين، ويرى أن الأمر مباح ومتاح للجميع.
وكذلك نرى عدم إدراك لمعنى الفتوى؛ حيث يتم الخلط بينها وبين السؤال أو الرأي والذي يكون حظ السؤال الجواب، وحظ الرأي إبداؤه ثم مناقشته، فالتفوى مثل حكم القاضي لا يتتبعه القاضي بعد صدوره وليس قابلاً للنقاش، ولكن هو قابل للاستئناف عند محكمة أعلى أو للنقض أو الإبرام عند محكمة أكبر، وعلى ذلك فعدم الرضا بالفتوى يتطلب فتوى من جهة أعلى، ولا يتطلب اعتراضًا من هنا ومن هناك وعدم الرضا بأمر الطبيب، لا يعني إهمال الأمر، بل يستلزم الاستشارة ممن هم أكثر منه مرجعية أو علما أو خبرة ولا يحق لأحد من الناس أن يناقش الطبيب في رأيه ويكتفي بذلك لرفض الطب والجلوس بلا علاج.
إن كثيرا من الناس يفزع إذا ما نبهناه إلى هذا المثال ويبادر برفضه ويدعي أن ذلك حجرا على الرأي أو على حريته، والأمر لا يتعلق لا برأي ولا بحرية بقدر ما يتعلق بمنهج للفكر المستقيم يجب إتباعه بدلا من هذه المهزلة السخيفة بأن يهرف كل أحد بما لا يعرف.
وبخصوص قضية الحجاب نسمع من أدباءنا ومثقفينا، ومفكرينا من العلمانيين الذين لا اطلاع لهم على التشريع الإسلامي، ولا أحكامه، نسمع منهم أحكاما خاصة بالحجاب، كقولهم : انتشار الحجاب ردة حضارية، وأنه رجعية وتخلف، وأحيانا يتفلسفون ويهرفون بما لا يعرفون، فيقولون : الحجاب موروث لا علاقة له بالدين. عبارات تدل على محاولة منهم لإقحام أنفسهم كمتخصصين في مسائل لا علاقة لهم بها.
لذا إذا أردنا أن نعرف حكم الدين بشأن الحجاب فلنرجع إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وسنتوضح المعاني من علماء الدين الإسلامي، ولم يهمنا حكم الثقافة والمثقفون بشأن الحجاب لأن الشعب لا يريده.
وإذا أردنا أن نتكلم عن ثقافة الشعب المصري، بعيدا عمن يدعي الثقافة، نجد أن الدين الإسلامي أحد أهم المكونات الثقافية للشعب المصري، فانطبع عليهم كثقافة، فترى الجميع مثلا يقول ادخل بقدمك اليمنى للتبرك بها، وإذا أراد الحديث يقول صلى على النبي صلى الله عليه وسلم.
إن محاولة إخراج الدين الإسلامي من ثقافة الشعب المصري محاولة فاشلة، وإذا ما تمت -لا أتمها الله- ستحول الشعب المصري إلى مسخ مشوه بلا معالم، يذوب في القوى العالمية المختلفة ويبحث له عن انتماء يميزه فلا يجده.
ولكن والحمد لله فالشعب المصري يحب الدين، ويرفض أن يعيش من غيره، بل ويرفض أيضا أن يعيش مع الدين وهو في الهامش، بل يريد أن يعيش في الدين وبالدين، والإخوة العلمانيون يتعجبون من ذلك، حتى إن عجبهم قد أثار حفيظتهم، وغبش عليهم رؤية الواقع، فمعنى هذه الحقيقة أن مشروعهم قد فشل بالرغم من أنهم قد بذلوا كل ما في وسعهم. ومن هنا تراهم يبحثون عن أسباب وهمية تتعلق بسلطة رجال الدين، وبتأثير المؤسسة الدينية، وبأوهام الدولة الدينية إلى آخر ما هنالك مما نسمعه ليل نهار.
الروح تحتاج إلى الدين، ولن تقبل أن تهدأ إلا به، ولن ينفعها المزاولات المختلفة التي تعرض عليها حتى ترضى وتهدأ وتسكت. هذه هي أزمة العلمانيين في مصر أنهم لا يريدون أن يعترفوا بخطأهم المنهجي، وأنهم لا يعرفون أن صوتهم لن يصل إلى الناس. ومن هنا ولأنهم هم سبب المشكلة وفي نفس الوقت لا يدركونها يتهمون المؤسسة الدينية بما ليس فيها، فلا يزيدون من يطلع عليهم إلا حيرة، وقليل من هم. فإن أكثر الناس تقرأ عناوينهم، وإن قلة من المثقفين يشغلون بالهم بهم، وجماهير الشعب بعيدة عنهم تبحث عن غذاء الروح.
يريدون أن يبقى الدين في مساحة الضمير والإنسان، ولا يخرج ليؤثر على السلوك والمعتقدات، والثقافة، والقرارات، وهو ما يرفضه الشعب المصري في عمومه سوى طائفة تعرف نفسها أنها قلة، وتحاول أن تلف وأن تدور حول المعاني تتلجلج في صدورها أو في أذهانها فتختلف في ذلك عن دعاة التنوير في الغرب؛ حيث إنهم جاهروا بما في نفوسهم، وتحملوا المعارضين لهم، ولكن أصحابنا في جبنهم الفكري يغضبون من وصفهم بما يتمنون أن يجاهروا به، فكانوا مساكين حقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون. فهذا الصنف من الناص أسماه ربنا سبحانه وتعالى من قبل بالمنافقين وجعل لهم الدرك الأسفل من النار. فقال : (إِنَّ المُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء :145].
هم يقولون نريد أن نكون كالغرب، لا نعرف ماذا يريدون، فإن المفكرين الغربيين الذين أثروا وغيروا في مجتمعاتهم أعلنوا عن أنفسهم صراحة، فمن أراد منهم أن يكفر أعلن أنه كافر، ومن أراد منهم أن ألا يكون كذلك أعلن عن نفسه كما هو، ولكننا نرى الآن أن الكافر يكفر بما عليه الإلحاد الأسود في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ثم يريد أن يسمي نفسه مؤمنا، ولا يستطيع ولا يريد أن يسمي نفسه كما هو، فإذا ما وصفه أحدهم بأنه كافر عد هذا من باب الإرهاب الفكري والتحريض عليه، في حين أن الآخرين أعلنوها صراحة وتحملوا تبعتها، لكن هؤلاء يريدون المواربة والتدليس واللف والدوران، ولذلك لا يكون لهم أي أثر فيمن حولهم.
فالجهل العلمي، والجبن الفكري، والضجيج المستمر، وحب الظهور، يخالف تماما الصفات التي يمكن بها التغيير، أي تغيير للخير أو للشر.
ثارت كل هذه القضايا من قيمة الإجماع في ضبط ثوابت الدين، وأهمية الدين في ثقافة ووجدان الشعب، وفشل محاولات العلمانيين بسبب الحديث عن الحجاب، فالحديث عن الحجاب ليس حديثا فقهيا فحسب، بل له أبعاده الفكرية والاجتماعية والثقافية، ولذا وجب أن ننبه على كل تلك المسائل حتى ييأس من يفكر في هدم الدين، ومظاهره في المجتمع المصري.
الصدق في اللغة : هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه في الواقع عند الجمهور خلافا لمن قال بمطابقة الاعتقاد أو لمن قال بمطابقة الواقع والاعتقاد معا. والكذب : هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه ، عمدا كان أو سهوا.
والصدق : ضد الكذب. وقد صَدَقَ في الحديث، يصدق بالضم، صِدْقاً. ويقال: أيضا صَدَقَهُ الحديث وتَصادَقا في الحديث وفي المودة. والمُصَدِّقُ : الذي يُصدقك في حديثك والذي يأخذ صَدَقاتِ الغنم. و المُتَصَدِّقُ : الذي يُعطي الصدقة. والرجل : صَدِيقٌ. والأنثى : صَديقةٌ. والجمع : أصْدِقاءُ وقد يقال للجمع والمؤنث صَديْقٌ و الصِّدِّيقُ بوزن السكيت : الدائم التصديق، وهو أيضا الذي يُصدق قوله بالعمل. وهذا مِصداقُ هذا أي ما يُصدقه.
فهناك كذب يأثم عليه العبد، وهو ما تعمد به تزيف الواقع، والإخبار بما يخالفه، وهناك كذب لغة ولا يأثم عليه العبد بأن يتكلم بكلام يخالف الواقع ولكن دون تعمد، كقول النبي صلى الله عليه وسلم : «كذب سعد» عندما أخطأ وظن أن فتح مكة سيكون بإراقة الدماء.
ومن الكذب اللغوي الذي لا إثم فيه، وهو من باب قول الحسنى، أو مقتضيات حالات الحرب، أو غير ذلك، تلك الحالات من الإخبار بخلاف الواقع رخص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم واستثناها، ومن ذلك ما ورد عن أم كلثوم رضي الله عنها : «أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا» [رواه البخاري ومسلم], وعنها أيضا : «لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب, والإصلاح بين الناس, وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها» [رواه مسلم].
أما ما عدا ذلك فقد أجمع المسلمون على حرمة الكذب حتى أصبح من المعلوم من الدين بالضرورة، ولو سألنا أحد أطفال المسلمين يخبرنا بحكم الكذب، وقد أمرنا ربنا في كتابه الكريم بالصدق، ومدح الصادقين، ووعدهم بالخير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى : ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ [المائدة : 119]. وقوله تعالى : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ [التوبة : 43].
وأخبر سبحانه أن الصدق من علامات التقوى فقال : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ [البقرة : 177]. وقال سبحانه وتعالى : ﴿ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ ﴾ [آل عمران : 61].
وقد أخبر سبحانه أن الكذب فعل الكافرين فقال عز من قائل : ﴿ إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَاذِبُونَ ﴾ [النحل : 105].
لم يقتصر الأمر على طلب الصدق من المسلم فحسب، بل أمر الله تعالى أن يكون المسلم دائما مع الصادقين فقال سبحانه وتعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة : 119].
وليس الصدق هو قولك الحق وحسب، بل من الصدق أيضا أن تصدق بالله وكلامه وقد أمر الله بذلك النوع من الصدق في قوله تعالى : ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران : 95].
وأخبرنا ربنا أن أعلى درجات الصدق هي كلماته سبحانه :﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ [الأنعام : 115].
وقال ربنا لنبيه صلى الله عليه وسلم : ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ ﴾ [التوبة : 43].
وأمره رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يسأله الصدق في المدخل، والمخرج في هذا الحياة الدنيا : ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً [الإسراء : 80].
وقد أخبر الله تعالى أن الصدق منة يمتن الله بها على عباده الصالحين، وأنبيائه الكرام عليهم السلام فقال : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِياًّ ﴾ [مريم : 50].
وأخبر القرآن حكاية عن إبراهيم عليه السلام سؤال ربه الصدق دائما : ﴿ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ﴾ [الشعراء : 84].
وأخبر سبحانه حكاية عن موسى أنه يحتاج إلى من يصدقه، ويخشى من المكذبين له ولرسالته، فقال تعالى : ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴾ [القصص : 35].
وبين الله سبحانه وتعالى أن الفتن والابتلاءات لا تكون إلا لتمحيص الناس، ومعرفة الصادقين والكاذبين فقد قال جل وعلا : ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت : 3]. وقال سبحانه : ﴿ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ [الأحزاب : 8].
وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير من الأحاديث التي تدعو إلى الصدق، وتأمر به فعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ، وعليكم بالصدق فإن الصدق بر ، والبر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا» . [رواه البخاري ومسلم]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة. اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم». [صحيح ابن حبان]
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «يطوي المؤمن على الخلال كلها غير الخيانة والكذب». [مصنف ابن أبي شيبة].
وعن صفوان بن سليم قال : «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : أيكون المؤمن جبانا ؟ قال : نعم . قيل : أفيكون بخيلا ؟ قال : نعم . قيل : أفيكون كذابا ؟ قال : لا ». [موطأ مالك]
وعن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أول من يدخل الجنة التاجر الصدوق». [المصنف لابن أبي شيبة].
وقد امتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بلغوا في الصدق مبلغا من أصحابه فعن أبي ذر قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما تقل الغبراء ولا تظل الخضراء على ذي لهجة أصدق وأوفى من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم». [صحيح ابن حبان].
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة وأن الكذب ريبة». [المستدرك على الصحيحين].
وقال عليه الصلاة والسلام : «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب». [أبو داود والبيهقي]. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن شرار الروايا روايا الكذب، ولا يصلح من الكذب جداً ولا هزلاً، ولا يعد الرجل ابنه ثم لا ينجز له». [سنن الدارمي]
وعن ابن عجلان «أن رجلا من موالي عبد الله بن عامر حدثه عن عبد الله بن عامر أنه قال : دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا ، فقالت : ها تعال أعطيك ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما أردت أن تعطيه ؟ قالت : تمرا ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة» . [مصنف ابن أبي شيبة].
إذا تقرر ما سبق نعلم أن الصدق نجاة وقوة لأن الصادق لا يخشى من الإفصاح عما حدث بالفعل؛ لأنه متوكل على الله، والكذاب يخشى الناس، ويخشى نقص صورته أمام الناس، فهو بعيد عن الله، وقد قيل في منثور الحكم : الكذاب لص؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك .
وقال بعض الحكماء : الخرس خير من الكذب وصدق اللسان أول السعادة. وقيل : الصادق مصان خليل ، والكاذب مهان ذليل ، وقد قيل أيضا : لا سيف كالحق ، ولا عون كالصدق.
وإنما يكذب الكذاب لاجتلاب النفع واستدفاع الضر ، فيرى أن الكذب أسلم وأغنم فيرخص لنفسه فيه اغترارا بالخدع، واستشفافا للطمع. وربما كان الكذب أبعد لما يؤمل وأقرب لما يخاف؛ لأن القبيح لا يكون حسنا والشر لا يصير خيرا . وليس يجنى من الشوك العنب ولا من الكرم الحنظل.
ونحن نعيش في هذا الزمان الذي يموج بالفتن، وقد كثر الكذب علينا، ومن حولنا، ووقع كثير من المسلمين فيه وإنا لله وإنا إليه راجعون، وما يحدث حولنا من أحداث يبين أن الكذب الذي هو ضعف وذل، أصبح لغة من يملكون القوة، ومن يملكون تدمير من هو أضعف منهم.
وهذا الذي يحدث لعجيب، أن تكذب أقوى دول العالم على العالم بأسره، وتتدعي أن هذه الدولة تمتلك من أسلحة الدمار الشامل ما تمتلك، وتشن حربا ضروسا على الأبرياء الضعفاء الجوعى، وتحطم ديارهم وتحرق أرضهم، ثم بعد ذلك يكتشف العالم كله كذب هؤلاء.
نحن نعيش في زمان رهيب، وإن تخلينا عن أخلاقنا الفاضلة وعن الصدق سوف نذوب في هذا العالم الغريب، ولذلك ينبغي للمسلم أن يتذكر دائما ما طلبه الله منه في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، من التزام الصدق والنزاهة حتى يغنم بسعادة الدارين.
فالصدق يساعد على التفكير المستقيم، وأما غيره يؤدي بنا إلى التفكير المعوج، والتفكير المعوج يؤدي بنا إلى الغثائية، ويؤدي بنا إلى عقلية الخرافة وإلى منهج الكذب الذي يعني مخالفة الواقع أو مخالفة الواقع والاعتقاد.
والتفكير المعوج يجعل الناس تعيش في أوهام، وإذا شاع هذا التفكير اختلت الأمور وكان ذلك أكبر عائق أمام التنمية البشرية وأمام الإبداع الإنساني وأمام التقدم والأخذ بزمام الأمور، وأمام العلم وأمام تحصيل القوة، وإذا كان كذلك فشلت كل محاولات الإصلاح وشاعت الغوغائية والعشوائية.
وسبب الوقوع في الكذب وشيوعه أن يتكلم المرء بكل ما سمع، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم كذبا، حيث قال : «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» [رواه مسلم]. فنجد أقوام في عصرنا هذا يفترون على الناس، ويكذبون عليهم، وإذ بهؤلاء يشتدون في الكذب، حتى يحولون كل ما يتخيلون دون أي سماع لأي خبر موثق إلى وهم يعيشون فيه يظنونه الحقيقة، فصدق عليهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث يقول : (ولا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا) [رواه البخاري ومسلم وابن حبان واللفظ له].
وانظر إلى كلمة (يتحرى الكذب) أي أنه يعشقه ويسر به ويتتبعه وينشئه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، واللهم أأجرنا في مصيبتنا، ويقول صلى الله عليه وسلم : (وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه) [رواه البخاري والترمذي واللفظ له] وفي لفظ البخاري : [يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب] وذلك لما يترتب عليها من إساءة ومن ضرر على المستوى العام والخاص.
وتؤدي بنا هذه الحالة إلى شيوع الفوضى وضياع الحقائق، وضياع مكانة الناس، وهذا لا يصلح الناس أبدا، وصدق الشاعر إذ يقول :
لا يَصْلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُمْ ولا سَراةَ إذا جُهَّالُهُمْ سادُوا
إذا تَوَلَّى سَراةُ القومِ أَمْرَهُـــمُ نَما على ذاك أَمْرُ القومِ فازْدادُوا
والكذب فيه اعتراض على الله تعالى، فالكذاب يخالف الواقع بكلامه لعدم رضاه به، وهو يتمنى تلك الصورة التي يحكيها مخالفة له، وهذه نقطة مهمة ولذا فمن رضي بالله وأمره وقدره لا تراه يكذب، لأنه لا يسخط على الواقع فيحكيه كما هو، بل يرضى بفعل الله في كونه، ويعلم أنه الملك الحق المبين فيرضى به حاكما، ويعترف بنفسه محكوما في هذا الكون.
ومن هنا كانت قيمة الصدق بأنواعه قيمة إسلامية قيمة يأمر بها الإسلام في حضارته وليس في دينه فقط، يأمر بها العاملين، ونحن نرشد أولئك الذين تصدروا من قبل أن يتعلموا وأفسدوا في الأرض، وهم يريدون علوا فيها، فيهرفون بما لا يعرفون لأنهم ليسوا صادقين.
فالصدق منجاة، ولو ظن الإنسان أن فيه هلاكه، والصدق بركة، ولو ظن خسارته، والصدق قوة، ولو ظن أن فيه ضعفه، وهو ينشئ المسلم القادر على أن يجاهد في سبيل الله الجهاد الأكبر والأصغر.
تتوافق فطرة الإنسان مع الدين، وتصبوا إليه، وتسعد بالطاعة، وتشقى بالمعصية، وإن كانت لاهية ومشغولة بها وقت وقوعها فيها، لكنها تكتئب بعد ذلك وتعود إلى النفس اللوامة، وهذا ما يوضحه ربنا في مطلع سورة الحجر حيث يقرر تلك الحقيقة التي تبين نفس المسلم، والفرق بينها وبين نفس الكافر.
فتتفتح السورة بحروف مقطعة كما افتتحت غيرها من السور، وهذه الحروف تثبت أن القرآن أكبر من الناس، وأنه لا يزال غضا طريا وكأنه نزل اليوم، وأنه يحتاج إلى تدبر وتأمل ويحتاج إلى علم في قراءته، وأنه لا يغلق معانيه عمن استهدى بالله، وأنه هدى للمتقين، وعمى على الكافرين.
تلك الحروف التي لو جمعت لكونت جملة تصف معناه وتمدحه، وهي : نص حكيم قاطع له سر. فهو نص حكيم، وحكيم على وزن فعيل، وصيغة فعيل تأتي للدلالة على اسم الفاعل واسم المفعول، فهو حكيم في نفسه، ومحكم كذلك قال تعالى : ﴿لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت :42]. وهو قاطع في هدايته، وقاطع في ثبوته، وقاطع في كونه كتاب حياة. وهو له سر، ومن أسراره تلك الحروف التي ذهب المفسرون كل مذهب في تفسيرها، ولا يزال الإنسان وهو يقرؤها يشعر بصغاره من بعد تحصيله علوما شتى أمام كلام الله سبحانه وتعالى، والكلام واضح لا خفاء فيه، والعلو واضح والفخامة واضحة، والعظمة بادية على كتاب الله سبحانه وتعالى من أول حرف تقرأه.
تبدأ سورة الحجر بقوله تعالى : ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ * رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * مَا نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ * إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ المُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ * وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ [الحجر :1 : 15].
فقوله تعالى : ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فرب للتقليل كما أن «كم» للتكثير، وكأن المعنى أن قلة من الكافرين يتمنون بقلوبهم أن يكونوا مسلمين، وذلك يعني أن هناك حجابا كثيفا بين الكافرين وبين المؤمنين المسلمين يحول عن إسلامهم وعن تمنيهم الإسلام.
بعض المفسرين حمل هذه الآية على التكثير، وبعضهم حملها على تكثير ذلك يوم القيامة، وهم يرون عصاة المؤمنين يخرجون من النار، فيود الكافرون لو أنهم كانوا مسلمين في الدنيا فيخرجون كما خرجوا.
ولأن القرآن كتاب هداية نسق مفتوح نرى أن هذه الآية وكأنها تنطبق على واقعنا الذي نحياه، فبعض الناس ينكرون ما أنزل الله، ويدعون الإسلام، وفي نفس الوقت هم ينادون بالرذيلة والفاحشة والكفر، فهم يودون أن يكونوا مسلمين لا من أجل إيمان في القلوب، بل من أجل إفساد في الأرض، وتشويش على المسلمين وعلى عقائدهم الثابتة وأحكامهم المنقولة.
فهؤلاء يحلو لهم الدعوة إلى التغريب، ونحن لا نعرف ماذا يريدون ؟ فإن المفكرين الغربيين الذين أثروا وغيروا في مجتمعاتهم أعلنوا عن أنفسهم صراحة، فمن أراد منهم أن يكفر أعلن أنه كافر، ومن أراد منهم أن ألا يكون كذلك أعلن عن نفسه كما هو، ولكننا نرى الآن أن الكافر يكفر بما عليه الإلحاد الأسود في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ثم يريد أن يسمي نفسه مؤمنا، ولا يستطيع ولا يريد أن يسمي نفسه كما هو، فإذا ما وصفه أحدهم بأنه كافر عد هذا من باب الإرهاب الفكري والتحريض عليه، في حين أن الآخرين أعلنوها صراحة وتحملوا تبعتها، لكن هؤلاء يريدون المواربة والتدليس واللف والدوران، ولذلك لا يكون لهم أي أثر فيمن حولهم.
فالجهل العلمي، والجبن الفكري، والضجيج المستمر، وحب الظهور، يخالف تماما الصفات التي يمكن بها التغيير، أي تغيير للخير أو للشر.
وقد يفهم بعضهم مني الرضا بالعلمانيين وأنني أرسم لهم الطريق الصحيح لما أعده فسادا في ذاته، والأمر ليس كذلك، بل إنني أحاول أن أكشفهم أمام أنفسهم، وأمام الناس، وأن أضع النقاط فوق الحروف وتحتها، وأن ألفت النظر إلى التجربة المصرية التي وضعت أسس للتعايش بين سائر الأفكار المختلفة حتى التي في نهاية التطرف العلماني أو التغريبي ووضعت أسسا للحضارة التي تنتمي إليها وهي حضارة الإسلام وكيفية مشاركتها في الحضارة العالمية، وأن يكون لها موطئ قدم في الحضارة الإنسانية.
فنرى الشذوذ الجنسي يشيع بإلحاح غبي في أيامنا هذه، وهو أمر تأباه النفس ويرفضه العقلاء، نرى بعضهم ينشرون بلا حياء أن الشذوذ من الدين !! هل نرد عليهم ؟ هل هذا يحتاج إلى رد ؟ هل نتركهم يضلون الشباب ؟ إنه فتنة لا يزال الحليم فيها حيران إذا تكلمنا يقال يتكلمون فيما لا يعنينا ولا يخطر ببالنا من فساد قبيح تأباه الفطرة، وتعافه النفس، وإن سكتنا يقولوا أين علماء الدين من توضيح الأمور ؟ ذلك بالرغم من أنه من المعلوم من الدين بالضرورة، ولا يحتاج إلى مزيد بيان.
بل إنه لم يتفق على هذا الشذوذ في الأمم المتحدة ولم يقر كحق من حقوق الإنسان، فهو ليس كذلك، وأنا أتسائل : من أين سرت لحقوق الإنسان قضية الشذوذ الجنسي ؟ من الذي جعل الشذوذ المقرف المخالف لكل دين على وجه الأرض عرفته البشرية، ذلك الشذوذ المسبب لدخول الإنسان في حياته حجيما لا يستيطع الفكاك منه، ونارا لا يستطيع أن يخرج منها، فيصاب بالاكتئاب والأمراض ؟ من الذي دسه وسط حقوق الإنسان ؟ ما نظريته أو فلسفته ؟ إنها محض غوغائية وصوت عال متشنج يقول (اتركوا الإنسان في حياته الشخصية هو حر فيها) وهل هو حر في الانتحار ؟ وهل هو حر في ممارسة الخيانة العظمى ضد دولته ووطنه ومجتمعه ؟ وهل هو حر في تناول المخدرات وممارسة الدعارة والقتل للملل والقتل للمرض والقتل بالاتفاق ؟ إلى آخر هذه القائمة التي أباحها بعضهم في مجتمعاتهم. فهل إباحة بعض الناس لهذا الهراء يدخله في حقوق الإنسان التي يجب عليه أن يلتزم بها العالم كله ؟ إن أول شروط حقوق الإنسان أن يكون متفقًا عليها.
فماذا يريد هؤلاء المنافقين، لماذا يظهرون الإسلام ويحتمون به، ويبطنون الكفر ويفرحون به ؟ ويسلي قلوبنا قوله تعالى : ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر :3].
آية تحدد صفات ثلاث؛ أولها : الأكل، والأكل يحدث من المؤمن والكافر، إلا أنه يكون من الكافر مع اللهو وبغير التزام الآداب، وبغير شكر ولذا قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد :12].
والصفة الثانية : التمتع، والتمتع يحدث كذلك من المؤمن والكافر، ولكنه يكون من الكافر بانفتاح على شهوات دون الالتفات إلى أي ضوابط أو شرائع، ويكون للكافر مؤقتا بالحياة الدنيا، وفي الآخرة ينتظره الوعيد، كما قال تعالى للذين عقروا الناقة : ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود :65]. والمتعة في هذا متعددة بحسب الحال، فهي جامعة تشمل متع الجنس، ومتع الجاه، ومتع المال، إلا أنها متعلقة كلها بالدنيا وبالشهوات.
والصفة الثالثة : يليهم الأمل، فهم موهمون يأملون بأن تمتد بهم الحياة، ولا يسوء بهم الحال، فلا يتصورون لحظة أنهم قد يتغير حالهم، ولا يتخيلون أن الحياة تنقضي ويلاقوا يومهم الذي كانوا يوعدون. وطول الأمل يتسلل لقلوب الناس كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «يهرم ابن آدم ويشب فيه اثنتان الأمل وحب المال» [رواه البخاري ومسلم]. وطول الأمل من المهالك التي يهلك بها آخر هذه الأمة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل» [رواه أحمد في الزهد، والطبراني في الأوسط]. فهم يأملون في هذه الحياة الدنيا، ولا ترى واحدا منهم يذكر الموت، وتراه يأباه ويكرهه، ويكره لقاء الله، فكره الله لقاءهم.
ثم تختم الآية بوعيد يفتح لهم آفاق التخيل لما يمكن أن يخبأه الله لهم من العذاب، فيقول سبحانه ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ يقول ابن كثير في هذه الآية : «وقوله : ذرهم يأكلوا، ويتمتعوا، تهديد شديد لهم، ووعيد أكيد، كقوله تعالى : ﴿قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار﴾ وقوله : ﴿كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون﴾؛ ولهذا قال : ﴿ويلههم الأمل﴾ أي عن التوبة والإنابة ﴿فسوف يعلمون﴾ أي عاقبة أمرهم. [ابن كثير 2/548].
ثم يخاطب الله المؤمنين بأن لا يعجلوا على هؤلاء، ويدعوهم إلى معرفة سنته في مثلهم، فيعرفهم الحقيقة الثابتة والتي تتمثل في قوله تعالى : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف :34]. لذا قال تعالى : ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحجر : 4، 5]. وربنا يخبرنا بأن إهلاك القرى الظالمة كان في وقت قد وقته لهم لم يقدم هذا الوقت من أجل أحد، ولم يؤخر من أجل أحد كذلك.
فالأمر بيد الله، وما علينا إلا الإنكار على أمثال هؤلاء في عصرنا، والاجتهاد في تربية أولادنا على الصالحات، والتحذير من هذا البلاء، وعلينا أن نقوم بعبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس.
وهؤلاء جمعوا بين الكفر وقلة الحياء، فكان الحياء يمنع صاحبه من إظهار السوء وإن ظهر يمنعه من الاستمرار فيه وإن تكرر يمنعه من البقاء عليه أو الاستهانة بمن حوله بشأنه ولكن قلة الحياء مكنت هؤلاء من ذلك كله.
وقد جاء الدين وحث على الحياء باعتباره خلقًا محمودًا، على مستوى الفرد، وعلى مستوى المجتمع حتى شاع الذم بعبارة (قليل الحيا) في الاستعمال اليومي، وفي الحديث النبوي الشريف عندما عاتب أحدهم آخاه على كثرة حيائه قال له النبي صلى الله عليه وسلم : (الحياء خير كله) [رواه مسلم] وقال: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) [رواه البخاري].
فالحياء ينشئ ثقافة كانت سائدة، تمنع من الانحراف، وتضبط إيقاع العمل على المستوى الشخصي والمستوى الجماعي، وانعدام الحياء يوصلنا إلى فقد المعيار الذي به التقويم، والذي به القبول والرد والذي به التحسين والتقبيح، وفقد المعيار هذا يؤدي إلى ما يشبه الفوضى وهي الحالة التي إذا استمرت لا يصل الإنسان إلى غايته، ويضيع الاجتماع البشري وتسقط الحضارات في نهاية المطاف حيث لا ضابط ولا رابط.
ونحمد الله أن الشعب المصري في مجمله لا يقبل هذا الهراء، فهو يحب الدين، ويرفض أن يعيش من غيره، بل ويرفض أيضا أن يعيش مع الدين وهو في الهامش، بل يريد أن يعيش في الدين وبالدين، والإخوة العلمانيون يتعجبون من ذلك، حتى إن عجبهم قد أثار حفيظتهم، وغبش عليهم رؤية الواقع، فمعنى هذه الحقيقة أن مشروعهم قد فشل بالرغم من أنهم قد بذلوا كل ما في وسعهم. ومن هنا تراهم يبحثون عن أسباب وهمية تتعلق بسلطة رجال الدين، وبتأثير المؤسسة الدينية، وبأوهام الدولة الدينية إلى آخر ما هنالك مما نسمعه ليل نهار.
وعلى ذلك فمن العبارات الشائعة وهي خطأ قولهم (لا حياء في الدين) والعبارة الصحيحة التي حرفت من أصلها إلى هذه العبارة الجديدة الخاطئة هي (لا حرج في الدين) وهناك فارق كبير بينهما، فصحيح أنه لا حرج في الدين، فإن اليسر يغلب العسر، ومن طبق الدين لا يجد فيه ضيقًا ولا تضيقًا فقد قال الله تعالى : (فإن مع العسر يسراً * إن المعسر يسرا) [الشرح : 5،6] وفي الحديث الشريف : ( أنه صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما) [رواه مسلم]. والقاعدة الفقهية الأم (المشقة تجلب التيسير). أما الحياء فهو في الدين، بل الدين كله حياء، والحياء خلق أصيل فيه.
إن الرهان من قبل العلمانيين، هو أن تؤدي هذه الحالة -التي يثيرونها من التشكيك في الثوابت العقائدية والأخلاقية- إلى زعزعة حب الدين، وعدم القدرة على العيش معه وبه عند الشعب المصري، وإلى تنحية الدين، والمتوقع مع رسوخ حب الدين في قلوب المصريين مسلمين ومسيحيين هو عدم التأثر بمثل هذه الحالة، وأن الدين لن يتزعزع في قلوبهم، ولن يخرجوه إلى هامش الحياة، ولا إلى مرتبة مستوى الشخص، فالشعب المصري شعب في غاية الذكاء والشفافية ينظر إلى أولئك نظرة تصاحبها ابتسامة ساخرة لأنهم يريدون قيادة الشعب إلى أوهام سوداء وإلى انسلاخ من الهوية ومن الحياة الطيبة التي يعيشها المصري والتي تعود عليها وهو إنسان الحضارة وعمارة الأرض وتزكية النفس والتي علمها العالم عبر القرون ومن مئات السنين وآلافها، فشعب مصر يعرف من هو، وهو الذي قاوم كل محتل وقاوم كل مختل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تكلمنا في المقال السابق عن الفتنة وعلمنا أنه ضد الفرقان، إذ الفرقان القدرة على رؤية الحق والباطل بوضوح، والفتنة هي لبس وخلط في الرؤية، وتكلمنا كيف يواجه المسلم الفتنة للخروج منها بسلام، فذكرنا الفرار من الفتنة، وعدم المشاركة فيها.
وذكرنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم «أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء. قيل : ومن الغرباء ؟ قال : الفرارون بدينهم يبعثهم الله يوم القيامة مع عيسى بن مريم عليهما السلام» [رواه أبو نعيم في حلية الأولياء].
وقول الإمام علي ناصحا الناس في الفتن : «كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب» [نهج البلاغة].
وعلمنا أن ذلك لا يعني أن يعتزل المسلم المجتمع، وإنما معنى ذلك أن لا يعطي نفسه شيئا للفتنة ولا ينجر إليها ويستدرج فيها، فهذا أول ما يجب على المسلم تجاه الفتنة أن يفر منها ولا يشارك فيها. فثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن» [رواه أبو داود]
ثم عليه أن يتعوذ بالله منها حتى تنجلي ويعود الصفاء في الرؤية والنفس مرة أخرى، وقد ورد في الدعاء الذي عمله النبي أصحابه، فقال صلى الله عليه وسلم : « اللهم رب محمد النبي اغفر لي ذنبي واذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتنا» [رواه أحمد].
وبعد تجنب الفتن والفرار منها، والتعوذ بالله من شرها وصدق الالتجاء إليه في أن يجنبه الله شرها، على المسلم أن يراعي تقوى الله في كل أوقاته حتى يتبين له الأمر وذلك مصداقا لقوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الأنفال :29].
وحقيقة التقوى هي التباعد عن كل مضر في الآخرة، وقد ذُكر في معناها أيضا : أنها عبارة عن حجاب معنوي يتخذه العبد بينه وبين العقاب ، كما أن الحجاب المحسوس يتخذه العبد مانعا بينه وبين ما يكرهه.
وكثرت آيات القرآن الكريم التي تحث المسلمين على تقوى الله سبحانه وتعالى، وتنوعت أشكال الجزاء عليها، فتارة يعلمنا الله أنها سبب الفلاح، فيقول سبحانه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة : 189]. وتارة يأمرنا بربنا بملازمة المتقين فيقول تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة : 194]. وتارة يعلمنا ربنا أنها معيار تقويم الناس عنده سبحانه فيقول : ﴿ِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات : 13].
وكانت التقوى وصية الله لجميع الأمم، ووصيته للذين أوتوا الكتاب من قبلنا، كما أنها وصية الله لنا كذلك قال تعالى : ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِياًّ حَمِيداً ﴾ [النساء : 131].
وعلى المؤمن أن يكثر من أعمال الخير بشكل عام ليعينه الله بذلك على الخروج من الفتن، وأن يبادر بتلك الأعمال استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول : «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا» [رواه مسلم]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : «العبادة في الهرج وفي رواية في الفتنة كهجرة إلي». [رواه مسلم] يعني بذلك أن لها ميزة وفضل وأجر عظيم في أوقات الفتن.
يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله معلقاً على هذا الحديث : «وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهوائهم ولا يرجعون إلى دين فيكون حالهم شبيهاً بحال الجاهلية فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه ويتبع مراضيه ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ،متبعاً لأوامره مجتنباً لنواهيه»
ومن أهم ما يعين المسلم على الخروج من تلك الفتن كتاب الله عز وجل كما وصفه بذلك الصادق المصدوق فيما ورد عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : «إنها ستكون فتنة، قال : قلت فما المخرج ؟ قال : كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، من ابتغى الهدى (أو قال العلم) من غيره أضله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي تناهى الجن إذ سمعته حتى قالوا : (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد) من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعى إليه هدي إلى صرط مستقيم» [رواه البيهقي في الشعب].
ذلك فيما يخص الفتن التي تصيب الإنسان فتغبش على الرؤية، أما النوع الثاني من الفتن وهو اختلاط أهل الحق وأهل الباطل فيصعب التمييز بينهم فقد أشار القرآن إلى هؤلاء المندسين الذين يتسببون في فتنة المجتمع وأنهم لا يخفون عليه سبحانه فقال تعالى : ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البَأْسَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الأحزاب :18].
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الزمان الذي يختلط فيه أهل الحق بأهل الباطل، ويظن الناس أن الكاذب صادق، والصادق كاذب حيث قول صلى الله عليه وسلم : «يأتي على الناس سنوات جدعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيهم الرويبضة. قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما الرويبضة ؟ قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة» [أحمد وابن ماجة والحاكم].
وفي حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه وهو حديث طويل عبارة (ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورًا عظامًا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتساءلون بينكم هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا) [أخرجه ابن حبان في صحيحه]
ويبدو أننا نعيش في تلك الحالة الثقافية التي لم تستقر بعد، ولم تتحدد مفاهيم كثيرة منها، والتي خرج الرويبضة ليساهم فيها ويتكلم في الشأن العام، من التصدر للنصيحة حتى الطبية منها، إلى الإفتاء ولو بغير علم مع أنه لم يحفظ آية كاملة إلا في قصار السور، إلى تولي المناصب العامة، إلى الكلام في الشيوعية البائدة أو الفن الجديد، إلى من يريدنا أن ننسلخ عن أنفسنا وديننا وتاريخنا إلى من يريد إرهابًا فكريا، إما هو وإما الجحيم، ثم جحيمه هي الجنة، وأن جنته هي الجحيم؛ لأنه دجال من الدجاجلة.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن الدجال : (يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره) [أخرجه أحمد وأبو داود].
والمخرج من ذلك كله هو الصبر والتأكيد على الحرية الملتزمة وترك الرويبضة يكتشفه الناس في تفاهته وفي هشاشة تفكيره، والاستمرار في بناء الإعلام الجاد الملتزم الذي سوف يطرد الهش والغث والذي سيجعل التافه يتعلم أو يستحي أو يتوارى أو يسير مسار الجادين أو يحاول حتى لو لم يصل إلى مستواهم وأنا مستبشر خيرًا أن هذه الحالة من الكسل والتفاهة سوف تنتهي فقد ظهرت صحافة الإثارة في أمريكا سنة 1830 ثم استقر الأمر الآن، وأصبح من دواعي الاشمئزاز عند الطبقة المثقفة هناك أن يرى أحدهم صحيفة من هذه الصحف في يد قارئ مسكين وكأنه يقول له بنظرته العاتبة : (هل ما زلت هنا لم تتعلم ؟) إن هذه الثقافة لن تأخذ كثيرا من الوقت، وذلك بسبب التطور الهائل من الاتصالات والمواصلات والتكنولوجيا.
وحتى نصل إلى هذه الحالة علينا أن نصبر (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف :18] وأن نتصدق بعرضنا على الناس (عن أبي هريرة أن رجلا من المسلمين قال اللهم إنه ليس لي مال أتصدق به وإني جعلت عرضي صدقة قال فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد غفر له) [رواه الطبراني في الكبير] وأن نهجرهم هجرا جميلا قال تعالى : (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) [المزمل :10] وأن نتمسك بصفات عباد الرحمن قال تعالى : (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا) [الفرقان :63 : 65].
والشرع يأمر أن نرجع إلى الحقائق لا إلى الأوهام، وإلى الواقع لا إلى الخيال المريض قال تعالى وهو ينهانا عن الفتنة بكل أشكالها كلامًا وفعلاً وسلوكًا : (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوَهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) [لقمان :20، 21].
وقال تعالى : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [لقمان :6] وقال : ﴿أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم :59، 61]، وسامدون أي تغنون بالباطل من القول. وقال تعالى : ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام :116].
وبالنظر إلى الفتنة ومبعثها في النفس الإنسانية يمكن أن نقسم الفتنة إلى قسمين الأول : فتنة الشبهات. والثاني : فتنة الشهوات. وفتنة الشبهات : كالتشكيك في صحيح العقيدة، والدعوة إلى الغلو والتطرف، وهذا النوع من الفتن يزول بالعلم.
وأما فتنة الشهوات: وهي الغالبة على عامة البشر كالافتتان بالنساء أو بالمال الحرام أو بالمنصب أو بالجاه، وتزول هذه الفتن بالتقوى.فبالعلم والتقوى ينجو الإنسان من كل أشكال الفتن، وبغياب العلم والتقوى تظهر الفتن، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : :«يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّه يُرِيدُ الْقَتْلَ» [رواه البخاري].
وفي رواية أخرى : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ» [رواه البخاري].
والفتنة التي هي الابتلاء والامتحان تكون بالخير والشر، يقول تعالى : ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون﴾َ [الأنبياء :35].
والفتنة ليست شرا من كل الوجوه بل فيها أوجه للخير، ولا يعني ذلك أننا نسعى إليها أو أن نطلبها ولكننا لابد أن نستفيد منها إذا حدثت من هذا الخير التمييز بين الخبيث والطيب، قال تعالى : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ﴾ [آل عمران :179]. وقال تعالى : ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [الأنفال :37].
وقال عز وجل : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت :2 ، 3]
وفي الفتنة تقوية لإيمان المؤمنين وتدريب لهم على الصبر والجلد، وتمحيص لما في قلوبهم من الإيمان قال تعالى : ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ﴾ [آل عمران :140، 141]. وقال سبحانه : ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ِ [آل عمران :154].
كما أنها سنن الذي سبقوا وعلامة على اصطفاء الله لعباده، قال تعالى : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة :214].
هذا فيما يخص الفتن وكيفية الخروج منها بفرقان الله عز وجل، وكان الفرقان هو الخطوة الثالثة من خطوات الخروج من المحرمات والشهوات التي تناولنها في تلك المقالات الخمس، فذكرنا أن أولى تلك الخطوات أن يجعل المسلم النبي صلى الله عليه وسلم أبا له، والثانية أن يكثر ذكر الله عز وجل، والثالثة أن يهتدي ويفرق بين الحق والباطل بفرقان ربه.
رزقنا الله نجاة من الفتن ما ظهر منا وما بطن ورزقنا الهداية وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تكلمنا في المقالات السابقة عن الخطوة الأولى للخروج من المعاصي وهي أن تجعل النبي صلى الله عليه وسلم أبا لك، والخطوة الثاني أن تذكر الله كثيرا، وفصلنا في مسائل الذكر، وفي هذه المرة نتكلم عن الخطوة الثالثة وهي القدرة على التفريق ورؤية الحق من الباطل.
وهذه الخطوة مترتبة على الخطوتين السابقتين، فإن استحضار صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يجعله المسلم أبا له مع كثرة الذكر يولد في النفس والقلب البصيرة، ويتمكن من المفارقة، ولكن هذه المفارقة لا تتأتى إلا بالافتقار إلى الله وأن يطلب ذلك منه لأنه هو الحق سبحانه، وهو الهادي إليه، يقول تعالى : ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِى إِلَى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس :35]. وفي الدعاء المأثور اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.
وتحقيق تلك البصيرة والقدرة على التفريق بين الحق والباطل يرى المؤمن دائرة النور ودائرة الظلام، فيرى في النور طاقة، ويرى فيه بيان وحلاوة وكشف عن الحقائق، ويرى في الظلام برودة ورائحة خبيثة وأحوالا مردية، ويخرج المسلم من الظلمات إلى النور بذكر الله والاستعانة به، فالله سبحانه وتعالى يوالي الذين آمنوا به ويخرجهم من الظلمات إلى النور كما وعد سبحانه بذلك في كتابه العزيز فقال تعالى : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة :257].
ويتحصل الإنسان على هذه القدرة من التفريق بين الحق والباطل بتقوى الله عز وجل، قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الأنفال :29].
فالتفريق بين الحق والباطل نور، ويحققه الله لمن اتبع نوره الهادي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم واستجاب للكتاب العزيز القرآن الكريم، قال تعالى : ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة :15، 16].
والنور والظلمات من خلق الله، ومن فوائد خلق الأضداد في الكون تمييز الأشياء، فما كان لنا أن ندرك قيمة النور إن لم يكن هناك ظلمات، ولا قيمة الصحة إن لم يكن هناك مرض، ولكن الذين يستحبون الظلمات على النور هم الجائرين الذين انحرفوا عن مراد الله، ولذا يقول تعالى : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام :1].
وقديما قالوا : وبضدها تتميز الأشياء.
ولا تعني علاقة التضاد بين المخلوقات أن أحد الأطراف شر والآخر خير، فإن هذا قد يتحقق في الحق والباطل، في الظلمات والنور، والصدق والكذب، في الصحة والمرض -على تفصيل- إلا أنه لا يتحقق في الغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والأبيض والأسود، فهذه المتناقضات في خلق الله تقضي الكامل وخلقها الله متناقضة ليظهر كل ضد حسن الآخر، وذلك مصداقا لقول الشاعر :
الخد كالصبح مبيض ** والشَّعْر كالليل مسودُّ
ضدان لما استجمع حسنا ** والضد يظهر حسنه الضد
ولقد سمى الله التوراة وصحف موسى عليه السلام بالفرقان، قال تعالى : ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة :53]. وقال سبحانه : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء :48] وسمى ربنا القرآن بالفرقان، في سورة اسمها [الفرقان] قال تعالى : ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [ الفرقان :1]، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة :185]، وقال سبحانه : ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [آل عمران :3 ، 4]. وإطلاق الفرقان على كلام الله باعتبار أنه الأداة التي يفرق بها الإنسان بين الحق والباطل، ويهتدي به إلى الطريق المستقيم.
وسمي أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بالفاروق لشدة بصيرته ولعظمة قدرته على التفريق بين الحق والباطل مهما كان هناك لبس وخلط في الأمور.
والمسلم يحتاج إلى الفرقان من ربه في كل وقت وفي كل مكان، ويشتد احتياجه له في وقت الفتنة وزمانها، فما هي الفتنة وما هي حقيقتها، وكيف يخرج المسلم منها بفرقان ربه ؟
الفتنة في اللغة هي : الابتلاء والامتحان والاختبار, وأصلها مأخوذ من قولك : «فتنت الفضة والذهب» إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد. وعلى هذا المعنى قوله تعالى : ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة :102]. ومنها قوله تعالى : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال :28]. وقوله تعالى : ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء :35].
وتأتي الفتنة بمعنى الكفر كما في قوله تعالى : ﴿وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة :193]. ومنها قوله تعالى : ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب :14].
كما تأتي بمعنى الفضيحة كما في قوله تعالى : ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة :41].
وتأتي الفتنة بمعنى العذاب، والعقوبة قال تعالى : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ [الأنفال :25]. ومنها قوله تعالى : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور :63]. ومنها قوله تعالى : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِى اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت :10]. ومنها قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات : 62 ، 63].
وتأتي الفتنة بمعنى القتل والاقتتال بين الناس، منها قوله تعالى : ﴿ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِى الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال :73]. قال تعالى : ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة :126]
وتأتي بمعنى السوء والمكروه ومن ذلك قوله تعالى : وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ﴾ [الحج :11].
وتأتي بمعنى الضلال والغواية، ومن ذلك قوله تعالى : ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج :53]
وتأتي الفتنة بمعنى التلبيس والخلط بين الأمور لإخفاء الحقيقة، ومنها قوله تعالى : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ﴾ [آل عمران :7]. وقوله تعالى : ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة :48].
ولقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين كل هذه المعاني، فيما كان يتعوذ من الأدعية في الصلاة، فقد روت السيد عائشة رضي الله عنها : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر, وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال, وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات, اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» [رواه البخاري ومسلم].
والفتنة بمعنى الخلط والتلبيس هي التي نقصدها بالحديث في ذكر الفرقان والتفريق بين الحق والباطل، فزمان الحق هو الزمن الذي يغلب فيه الحق ويسود ويخبو فيه الباطل ويضمحل، وزمان الباطل هو عكس ذلك فيغلب فيه الباطل والظلم ويخبو فيه الحق ويقل، إلا أن الرؤية تكون واضحة في هذين الزمانين، أما زمن الفتنة وهو الزمن الذي تختلط فيه الأوراق وتلتبس فيه الأمور فتصعب رؤية الحق، ومعرفة الباطل.
وهذا اللبس أو الفتنة قد تحدث في النفس البشرية فتلتبس الأمور داخل الإنسان فتجعل الحليم حيران، فيفقد وضوح الرؤية وتختلط عليه الأمور كثيرا، ويكون ذلك التباس في الرؤية والنفس، ويحتاج فيه المسلم إلى فرقان ربه وتبينه الذي كان سائدا في أول الأمر في زمن غلبة الحق، قال تعالى : ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة :256].
وقد تشتد هذه الفتن كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم وتقلب حال الناس بين الكفر والإيمان مرات كثيرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا» [رواه مسلم]
وهناك نوع آخر من الخلط واللبس يكون في المجتمع، وينتج من تداخل أهل الحق وأهل الباطل فيختلط هؤلاء بأولئك فيصعب تميزهم، ويحتاج المؤمن في هذا النوع من الاختلاط بين أهل الحق وأهل الباطل لنوع آخر من التمييز، ولذا أمر الله الناس أن يطلبوا منه هداية طريق أهل الحق، والبعد عن طريق أهل الباطل، قال تعالى : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة :7].
إلا أن المقياس في معرفة الحق والباطل يعود إلى الأفكار والآراء لا إلى الأشخاص، فالرجال تعرف بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، والحق المطلق هو الله سبحانه وتعالى، ونعرفه بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهما مقياس معرفة الحق والباطل، فلا توجد عصمة لأحد غير الأنبياء لأنهم مبلغين عن ربهم، أما غير الأنبياء فأقوالهم وآراءهم واجتهادهم يخضع للتقييم بمعايير النص الشرعي.
فالفرقان هو البينة من الله للتفريق بين الحق والباطل، وبين أهل الحق والباطل، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم به يعرف الحق من الباطل أمره ربه سبحانه وتعالى أن يخبرنا بأنه على بينة منه سبحانه وتعالى، فقال تعالى : ﴿قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ [الأنعام :57]. كما أن كتاب ربنا هو مقياس لمعرفة الحق كذلك سماه ربنا بينة كذلك، فقال تعالى : ﴿فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام :157].
وقد يضل الناس ويرون الباطل حقا، وتأبى عقولهم الاستجابة لأمر الله، في هذه الحالة يأمر الله الأنبياء بأن يعلموا الناس أنهم على بينة ويتركوا لهم حرية الرأي والعقيدة، كما أخبر سبحانه عن نوح عليه السلام حيث قال تعالى : ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَآتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود :28].
وقد ذكر ربنا عن قوم هود ذلك فقال تعالى : ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود :53] إلى أن قال لهم هود عليه السلام ما حكاه القرآن، في قوله تعالى : ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود :57].
ومن خصائص الفتنة أنها في بداية أمرها يشتد اختلاطها وفي نهاية أمرها تعرف وينتبه الإنسان لها، والمؤمن مأمور في الفتنة بالبعد عنها وعدم تزكيتها وعدم الدخول فيها، فالنجاة في الفرار من الفتن، وهذا مسلك الغرباء الذين أحب الناس إلى الله تعالى كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : «أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء. قيل : ومن الغرباء ؟ قال : الفرارون بدينهم يبعثهم الله يوم القيامة مع عيسى بن مريم عليهما السلام» [رواه أبو نعيم في حلية الأولياء].
ويقول الإمام علي ناصحا الناس في الفتن : «كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب» [نهج البلاغة].
وليس معنى ذلك أن يعتزل المسلم المجتمع، وإنما معنى ذلك أن لا يعطي نفسه شيئا للفتنة ولا ينجر إليها ويستدرج فيها. (يتبع)
تكلمنا في المقال السابق عن مسائل تتعلق بذكر الله باعتباره الخطوة الثانية في الخروج من المعاصي وزاد من أراد أن يسلك طريق الله، وفي هذه المرة نتكلم عن الأذكار أو الكلمات التي أرشد إليها أهل الله الذاكرين أن يكثروا منها.
فالمستحب من الأذكار أو أفضل كلمات يذكر بها المسلم ربه هي ما أسموه أهل الله بالكلمات العشر المباركات وهي كلمات علمها لنا رسول الله صلى الله عليه وهي : [سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله] [وهذه الخمسة أسموها الباقيات الصالحات] وباقي الكلمات العشر هي : استغفر الله، ما شاء الله، حسبنا الله ونعم الوكيل، إنا لله وإنا إليه راجعون، توكلت على الله».
والكلمة الأولى وهي (سبحان الله) سبحان الله يواجه بها المسلم كل عجيب، فالدنيا مليئة بالعجائب منها عجائب ناجمة عن قدرة الله في الكون، أو في أفعال العباد، وهي كلمة نقولها ننزه الله بها عن كل نقص ونصفه بكل كمال مطلق كل هذا في كلمة واحدة قال تعالى : (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) [الروم :17] وكذلك بعد الانتهاء من أفضل العبادات وهي الصلاة فشرع لنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن ننزه الله سبحانه ونقول : (سبحان الله) ثلاثاً وثلاثين مرة، فسبحان الله أحد مكونات الذكر الجامع الذي استنبطه أهل الله من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما الحمد لله : وهي تعني الثناء على الله لكمال صفاته وعلو شأنه سبحانه وتعالى، فهي تعبر عن شكر الله على نعمته، وتعبر كذلك عن الثناء على الله لغير نعمة، بل لجميل صفاته، فيحمد الله على عظمته وجلاله كما يحمد على إحسانه وإكرامه قال تعالى : (وَلَهُ الحَمْدُ فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) [الروم :18]
فإذا لاحظ الإنسان إحدى نعم الله عليه أو أنشأ الله منة جديدة فسيقول الحمد لله، فإن ذلك الحمد إنما هو من توفيق الله وفضله، فكيف تسمي نفسك حامداً والله هو الذي جعلك تحمد، فينبغي عليك حينئذ أن تحمد الله أن وفقك لحمده، فإذا فعلت ذلك ولاحظت أن الحمد الثاني أيضا من توفيق الله، فتشعر أنك عاجز حتى أن تشكر ربك على نعمة بغير عونه وفضله، فيترتب على ذلك خضوعك وتواضعك لله، ويظهر هذا التواضع بين إخوانك المسلمين، فيحسن به الخلق وتزيد به العلاقات الإنسانية حميمية.
الكلمة الثالثة من الكلمات العشر هي (لا إله إلا الله) وهذه الكلمة تعد الميثاق بينك وبين الله، وبها دخلت دين الله عز وجل، وهي تعني أنه لا يستحق أن يعبد إلا الله سبحانه وتعالى، فلا حق لأحد في الخلق مهما عظم أن يُعبد، ويُتوجه إليه. وفي الحقيقة بقولك هذه الكلمة تدخل الإسلام، وبترديدها ينجلي قلب المؤمن ويزداد إيماناً.
وهذه الكلمة تعني أن نعبد الله لأنه ليس لنا إله غيره سبحانه، وبهذا أرسل الله جميع الرسل قال تعالى : (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) [المؤمنون :32]، وهي أفضل كلمة قالها أنبياء الله جميعهم عليهم السلام بما فيهم نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال : (أفضل ما قولته أنا والنبيون من قبيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له) [مالك في الموطأ والترمذي في سننه] وهي كلمة تشتمل على أمرين، الأمر الأول : أن لا نتوجه بالعبادة والقصد لغير الله. والأمر الثاني : أن نتوجه بالعبادة والقصد لله ولا نقف على المعنى السلبي فحسب، فإن تركك لعبادة غير الله لا يكفي، بل ينبغي أن تعبد الله فعلاً بإقامة الفروض والمحافظة عليها، وفعل المندوبات وهذا هو الجانب الإيجابي في التوحيد وهي عبادة الله عز وجل.
أما الكلمة الرابعة فهي (الله أكبر) ويستفاد من هذه الكلمة أنه ينبغي أن يكون الله هو أكبر شيء في حياة الإنسان، وأنه القضية الأولى لديه هي (رضا الله) فالله ورضاه أكبر من أي شيء، ولذلك يفتتح الإنسان بها صلاته مذكراً نفسه بأنه لا ينبغي أن يشغله شيء عن ذكر الله، فإن الله أكبر من أي شيء يشغله، ويجدد العهد في الصلاة كلما انتقل من ركن إلى ركن أو من ركن إلى سنة داخل الصلاة دائما يقول لنفسه : الله أكبر، من الدنيا وما فيها، فلا ينبغي أن ينشغل بالأصغر عن الأكبر.
فالله أكبر تعني أن قدر الله في قلب كل مؤمن ينبغي أن يكون أكبر من قدر أي شيء آخر، لأن الله هو الحقيقة الوحيدة في هذا الكون. بمعنى أنه الموجود بغير حاجة لأحد، فكل وجود غيره يحتاج إليه فهو مظهر من مظاهر وجوده سبحانه، فالله أكبر كبيراً.
والكلمة الخامسة فهي (لا حول ولا قوة إلا بالله) وتعني أنه لا يحول ولا يمنع بينك وبين كل ضر أو خير إلا الله، كما أنه لا تصلك ولا يصل أحد خيراً إلا بقوة الله، فبقوة الله وحده تحدث الأشياء، وبحول الله وحده تتمنع الأشياء عن الحدوث؛ لأنه في الحقيقة لا حول ولا قوة لأحد في هذا الكون إلا لله سبحانه وتعالى.
وهذه الكلمة لما فيها من حقائق عالية ومعان غالية كانت كنزاً من كنوز الجنة، فقد قال النبي صلى الله عليه لعبد الله بن قيس : (قال يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة هي من كنوز الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله) [أخرجه البخاري]، وينبغي لمن يذكر الله بهذه الكلمة أن تحدث له تسليماً وإخباتاً وخضوعاً لله وحده، ولا يخشى من غير الله حيث لا فعل له في الكون ولا قوة ولا حول.
وتلك الكلمات الخمس من الكلمات العشر هي التي قال عنها العلماء (الباقيات الصالحات) التي ذكرها الله في كتابه حيث قال : (المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف :46] وقال سبحانه : (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًا) [مريم :76] قال النبي صلى الله عليه وسلم : (استكثروا من الباقيات الصالحات. قيل : وما هن يا رسول الله ؟ قال : الملة. قيل : وما هي ؟ قال : التكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله) [أخرجه الحاكم في المستدرك].
والكلمة السادسة هي (استغفر الله) تعني أني أطلب العفو والصفح والستر من الله، سواء كان ذلك العفو، والصفح والستر، سبق طلبه معصية كبيرة أو صغيرة أو غفلة أو تقصير، أيا كان السبب، فمفهوم هذا الذكر الرجوع إلى الله متذللاً خاضعاً، وطلب المغفرة منه سبحانه وتعالى لما بدر من الذنوب، وطلب الستر في الدنيا والآخرة. والاستغفار أصله في اللغة من غفر بمعنى ستر، ومنها سمي المغفر وهو ساتر الرأس.
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يستغفر الله ويتوب مائة مرة، وقد حث المؤمنين على ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : (أيها الناس توبوا إلى الله؛ فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة) [رواه مسلم]، فنسأل الله كثرة الاستغفار والوقاية من النار.[
والكلمة السابعة هي (ما شاء الله) وهي كلمة وكأنها بحاجة إلى جواب، والجواب مضمر بمعنى (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن)، فهذه الكلمة التي يقولها الإنسان يذكر نفسه أن ما يراه من رزق حسن له أو لأحد إنما هو بمشيئة الله، ومن فوائد هذه الكلمة أنها تمنع الحسد من الشخص، فإن الحسد قوة شيطانية بداخل الإنسان؛ حيث يتمنى زوال ما يرى من نعمة على أخيه، وبهذه الكلمة يتذكر المسلم أن ما يراه هو مشيئة الله سبحانه وحده، وأن هذا التمني هو في الحقيقة اعتراض على قسمة الله عز وجل، فيترك هذا الخلق البغيض ويرضى بما قسم الله، ولا حرج أن يسأل الله أن يرزقه مثل رزق فلان دون أن يزول من رزقه شيء.
وهي كلمة قريبة المعنى من الكلمة الخامسة (لا حول ولا قوة إلا بالله) إلا أن هذه الكلمة تكثر في رؤية الخير على الآخرين، وقد أمر الله بها على لسان العبد الصالح الذي أمر صاحبه الذي كفر أن يقولها حتى لا تزول النعمة من عنده قال تعالى : (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ) [الكهف :39].
والكلمة الثامنة من الكلمات العشر لذكر الله هي (حسبنا الله ونعم الوكيل) وهي كلمة عظيمة، تعني الاكتفاء بالله وحده، والاستغناء عن الخلق، فالمسلم يكفيه الله في أخذ حقه، ويكفيه الله في رزقه، ويكفيه الله في صحته، ويكفيه الله في شأنه كله، وهو من يقوم بالدفاع عنه قال تعالى : (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) [الحج :38] وقد ذكر الله أن بهذه الكلمة يبدل الله خوف المؤمنين أمنًا، وينجيهم من السوء، وينجيهم من شر الأشرار قال تعالى : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران :173 ، 174]، ويكثر استعمالها في حال الضعف عن أخذ الحق، ويستحب الذكر بها دائماً.
أما الكلمة التاسعة فهي (إنا لله وإنا إليه راجعون) وهي ذكر عظيم، يعني أن الإنسان وما يملكه وما يوجد حوله هو في الحقيقة ملك لله، وأن هذا الملك سيعود إليه سبحانه لا محالة عندما يأتي الأجل، وهذا الذكر يسلي المؤمنين في المصائب وخاصة مصيبة الموت، فينبغي أن يتذكر المسلم وقتها أن هذا الإنسان الذي توفاه الله هو ملك له سبحانه، وأنه عاد إلى مالكه، فلماذا الحزن من الحق، وعودة الشيء لصاحبه، فكلنا ملك لله، وكلنا إليه راجعون إليه سبحانه قال تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة :155 ، 156]، وينبغي أن يذكر المسلم بها نفسه دائما،ً ويذكر بها ربه حتى لا يغفل عن حقيقة الدنيا.
أما الكلمة العاشرة والأخيرة فهي (توكلت على الله) وهي كلمة عظيمة المعنى، جليلة الأثر في قلب المؤمن الصادق، وهي تعني سأعتمد بقلبي على الله، فهو الملجأ والمعتمد، وهو القادر والفعال لما يريد، وهي كلمة قريبة المعنى من الكلمة الثامنة (حسبنا الله ونعم الوكيل) ولكن هذه الكلمة التي معنا تصرح بأني نويت وعزمت الاعتماد على الله في كل أموري، وقد أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران :159]. كذلك ينبغي أن تكون ذاكراً لهذه الكلمة التي تجمع القلب على الاعتماد على الله والثقة به وحده. ولا يتعارض التوكل على الله بالقلب مع الأخذ بالأسباب في الدنيا، فإن هذا هو حال سيد المتوكلين صلى الله عليه وسلم.
هذه هي العشر المنجيات التي ينبغي للمسلم أن يذكر الله بها دائما، وتخالط معانيها قلبه، ويواجه بها دنياه، ويتعامل به مع من حوله، كما ينبغي أن تظهر في سلوكه حتى تكون منهج حياة يظهر حقيقة الإسلام والمسلمين، ويعود للإسلام مجده الحضاري والأخلاقي.
ذكرنا في المقال السابق أن الخطوة الأولى للخروج من المعاصي أن يجعل المسلم النبي صلى الله عليه وسلم أبا له، ويستحضر صورته دائما، والخطوة الثانية أن يذكر الله كثيرا، وتكلمنا عن ذكر عز وجل وعن الأوراد، وفي هذه المرة نتكلم عن مسائل مهمة في قضية ذكر الله يثيروها بعض المشاغبين يعطلوا بها السالكين إلى الله، ومن هذه المسائل جواز الاجتماع لذكر الله وجواز أن يكون ذلك في حلق للذكر، وكذلك جواز أن يذكر المسلم ربه ويستخدم سبحة في عد الأذكار.
ومسألة جواز الاجتماع لذكر الله وأن يكون ذلك في حلق، فالاجتماع على الذكر في حلق سنة ثابتة بأدلة الشرع الشريف، أمر الله بها في كتابه العزيز، فقال تعالى : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف :28]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا : هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا....... إلى أن قال : فيقول الله عز وجل : أشهدكم أني غفرت لهم. فيقول ملك من الملائكة : فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال : هم الجلساء لا يشقى جليسهم» [رواه البخاري في صحيحه].
وعن معاوية رضي الله عنه : « أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال : ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا.... إلى أن قال : أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة» [رواه مسلم] .
وقد بوب النووي الحديث الأول في كتابه رياض الصالحين بعنوان، باب فضل : «حلق الذكر». وأورد الصنعاني حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده».
ثم قال : «دل الحديث على فضيلة مجالس الذكر والذاكرين، وفضيلة الاجتماع على الذكر. وأخرج البخاري : «أن ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا هلموا إلى حاجتكم. قال : فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا» الحديث. وهذا من فضائل مجالس الذكر تحضرها الملائكة بعد التماسهم لها. [سبل السلام 2/700]
والمراد بالذكر هو : التسبيح، والتحميد، وتلاوة القرآن، ونحو ذلك، وفي حديث البزار «إنه تعالى يسأل ملائكته : ما يصنع العباد ؟ وهو أعلم بهم، فيقولون : يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ويصلون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم».
فقصر معنى الذكر على مجالس العلم في هذه الأحاديث تحكم، ولا دليل يعضده، وعليه فإن ذكر الله في حلق أو في خلوة جاء به الشرع.
والمسألة الثانية هي جواز عد الأذكار بالمسبحة أو السبحة، فعلينا أولا نعلم أن السبحة : هي الخرزات التي يعد بها المسبح تسبيحه، وهي كلمة مولدة، وهي وسيلة تعين على الخير، والوسائل لها حكم المقاصد، فهي مستحبة باعتبارها تيسر الذكر.
فهي أداة يجوز للمسلم استخدامها في العد في الأوراد، وهي أولى من اليد إذا خشي الإنسان من الخطأ؛ لأنها أجمع للقلب على الذكر، حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة، وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: « أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل ؟ فقال : سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والحمد لله مثل ذلك، والله أكبر مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك» [رواه أبو داود في سننه، والترمذي، والحاكم في المستدرك]، فلم ينهها عن ذلك، وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل، ولو كان مكروها لبين لها ذلك.
وقد فهم الفقهاء الجواز من هذا الحديث، فأجازوا التسبيح باليد، والحصى، والمسابح خارج الصلاة، كعده بقلبه أو بغمزه أنامله. أما في الصلاة، فإنه يكره؛ لأنه ليس من أعمالها. وعن أبي يوسف ومحمد : أنه لا بأس بذلك في الفرائض والنوافل جميعا مراعاة لسنة القراءة والعمل بما جاءت به السنة، وقد وردت أثار كثيرة في هذا الباب منها : ما روي عن القاسم بن عبد الرحمن قال : «كانَ لأبي الدَّرْدَاءِ نَوًى مِنْ نَوَى الْعَجْوَةِ في كِيسٍ ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ أَخْرَجَهُنَّ وَاحِدةً يُسَبِّحُ بِهِنَّ حَتَّى يَنْفَدْنَ» [الزهد لابن أبي عاصم].
وعَنْ أَبِى نَضْرَةَ الغفاري قال : حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ طُفَاوَةَ قَالَ: «تَثَوَّيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمْ أَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ تَشْمِيرًا وَلاَ أَقْوَمَ عَلَى ضَيْفٍ مِنْهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ يَوْمًا وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ لَهُ وَمَعَهُ كِيسٌ فِيهِ حَصًى أَوْ نَوًى وَأَسْفَلُ مِنْهُ جَارِيَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ وَهُوَ يُسَبِّحُ بِهَا، حَتَّى إِذَا أَنْفَدَ مَا فِي الْكِيسِ أَلْقَاهُ إِلَيْهَا فَجَمَعَتْهُ فَأَعَادَتْهُ فِي الْكِيسِ فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ» [رواه أحمد وأبو داود]. وعن نعيم بن المحرر بن أبي هريرة عن جده أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان له خَيْطٌ فِيه أَلْفَا عُقْدَةٍ، فَلاَ يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ. [حلية الأولياء لأبي نعيم]
وروي مثل ذلك عن سيدنا سعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري ، وأبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم، والسيدة فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب وغيرهم من الصحابة والتابعين، رضي الله عنهم جميعا.
وقد صنف في مشروعية الذكر بالسبحة جماعة من العلماء منهم الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته «المنحة في السبحة»، والشيخ محمد بن علان الصديقي وسماها «إيقاد المصابيح لمشروعية اتخاذ المسابيح»، والعلامة أبو الحسنات اللكنوي في رسالة بعنوان «نزهة الفكر في سبحة الذكر».
وأجاب العلامة ابن حجر الهيتمي عن سؤال بشأنها حيث سئل رضي الله عنه : «هل للسبحة أصل في السنة أو لا ؟
(فأجاب) بقوله : نعم ، وقد ألف في ذلك الحافظ السيوطي؛ فمن ذلك ما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح بيده» وما صح عن صفية : رضي الله عنها : «دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن، فقال: ما هذا يا بنت حيي. قلت : أسبح بهن ، قال : قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا ، قلت : علمني يا رسول الله قال : قولي سبحان الله عدد ما خلق من شيء ».
وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي : «عليكن بالتسبيح، والتهليل، والتقديس ولا تغفلن فتنسين التوحيد، واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات ومستنطقات» وجاء التسبيح بالحصى والنوى والخيط المعقود فيه عقد عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم وأخرج الديلمي مرفوعا : نعم المذكر السُّبحة . وعن بعض العلماء : عقد التسبيح بالأنامل أفضل من السبحة لحديث ابن عمر. وفصل بعضهم فقال : إن أمن المسبح الغلط كان عقده بالأنامل أفضل وإلا فالسبحة أفضل.» [الفتاوى الفقهية الكبرى 1/152].
وقال ابن عابدين : « (قوله لا بأس باتخاذ المسبحة) بكسر الميم : آلة التسبيح، والذي في البحر والحلية والخزائن بدون ميم. قال في المصباح : السبحة خرزات منظومة، وهو يقتضى كونها عربية. وقال الأزهري : كلمة مولدة، وجمعها مثل غرفة وغرف. ا هـ . والمشهور شرعا إطلاق السبحة بالضم على النافلة . قال في المغرب : لأنه يسبح فيها.
ودليل الجواز ما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم وقال صحيح الإسناد عن سعد بن أبي وقاص.... وذكر الحديث ثم قال : «وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل ولو كان مكروها لبين لها ذلك، ولا يزيد السبحة على مضمون هذا الحديث إلا بضم النوى في خيط، ومثل ذلك لا يظهر تأثيره في المنع، فلا جرم أن نقل اتخاذها والعمل بها عن جماعة من الصوفية الأخيار وغيرهم؛ اللهم إلا إذا ترتب عليه رياء وسمعة فلا كلام لنا فيه ، وهذا الحديث أيضا يشهد لأفضلية هذا الذكر المخصوص على ذكر مجرد عن هذه الصيغة ولو تكرر يسيرا كذا في الحلية والبحر» [حاشية ابن عابدين 1/650، 651].
وقد قال الشوكاني بعد ذكره أحاديث في هذا الباب: « والحديثان الآخران يدلان على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى، وكذا بالسُّبحة لعدم الفارق لتقريره صلى الله عليه وسلم للمرأتين على ذلك. وعدم إنكاره والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز.
قد وردت بذلك آثار ففي جزء هلال الحفار من طريق معتمر بن سليمان عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع، ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع، فإذا صلى أتى به، فيسبح حتى يمسي، وأخرجه الإمام أحمد في الزهد قال : حدثنا عفان، حدثنا، عبد الواحد بن زياد، عن يونس بن عبيد، عن أمه قالت : رأيت أبا صفية رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان خازنا قالت : فكان يسبح بالحصى.
وأخرج ابن سعد، عن حكيم بن الديلم، أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى وقال ابن سعد في الطبقات : أخبرنا عبد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن جابر عن امرأة خدمته، عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تسبح بخيط معقود فيه. وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد، عن أبي هريرة أنه كان له خيط فيه ألف عقدة فلا ينام حتى يسبح.
وأخرج أحمد في الزهد عن القاسم بن عبد الرحمن قال : كان لأبي الدرداء نوى من العجوة في كيس فكان إذا صلى الغداة أخرجها واحدة واحدة يسبح بهن حتى ينفدهن. وأخرج ابن سعد، عن أبي هريرة أنه كان يسبح بالنوى المجموع. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس من طريق زينب بنت سليمان بن علي، عن أم الحسن بنت جعفر، عن أبيها، عن جدها، عن علي رضي الله عنه مرفوعا: «نعم المذكر السُّبحة»، وقد ساق السيوطي آثارًا في الجزء الذي سماه «المنحة في السبحة»، وهو من جملة كتابه المجموع في الفتاوى، وقال في آخره : ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عد الذكر بالسبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها، ولا يرون ذلك مكروها انتهى» [نيل الأوطار 2/366].
وقد ذكرنا ما سبق بشأن الإكثار من الذكر وأن يكون من خلال ورد منتظم، وجواز أن يكون في حلق وجماعة، وكذلك جواز أن يكون ذلك على السبحة حتى يقبل عباد الله على ذكر الله بكل وسيلة وبأي شكل راق لهم وحتى نعاونهم على السلوك في طريق الله سبحانه وتعالى. [يتبع]
يتساءل كثير من المسلمين ويقولون إن الشهوات تغلب علينا، فنستغفر الله ونترك المعاصي ثم ننسى العهد الذي بيننا وبين الله ونعود للشهوات والمعاصي فما المخرج من ذلك ؟ ومن كثرة تكرار هذا الحال كاد الإنسان أن ييأس من نفسه ومن هذا الحال، ولا أقول ييأس من روح الله، لأن الله تعالى قال : ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف :87]، وهم كذلك لا يقنطون من رحمة الله، قال تعالى : ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر :56]. وإنما هم في حالة تقارب اليأس من النفس وسوء الظن بالنفس يخرجنا منها حسن الظن بالله سبحانه وتعالى.
وعلى المسلم إذا وقع في الزلات أن يغلب جانب الرجاء بقسم الجمال من أسماء الله الحسنى، على جانب الخوف، فإن الله ربط بين الوقوع في الزلل والإسراف على النفس وبين جماله وعفوه وغفرانه فقال تعالى : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر :53]، وذلك لأن تغليب جانب الرجاء، فيساعده ذلك على التوازن، ولذا ترى أهل الله يحذروا السالكين في طريق من نقصان الرجاء عند الوقوع في الزلات مما له من أثر سيء في الإياس من الغفران، يقول سيدي ابن عطاء الله السكندري : «من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل».
وكذلك فعلى المسلم تغليب جانب الخوف عند فعل الطاعات، وقد بين لنا ربنا هذا المنهج في كتابه، فقال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون :60].وعليه يمكن أن نزيد على حكمة سيدي ابن عطاء الله السكندري عبارة «ونقصان الخوف عند وجود الطاعة».
والسؤال الآن ما هي الخطوات التي يجب على المسلم إتباعها للخروج من حالة سيطرة المعاصي والشهوات عليه ؟
للخروج من هذه الحالة هناك خطوات يجب أن تتبع عدة خطوات أولى هذه الخطوات أن يجعل المؤمن نفسه ابنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب :40]، فلم يجعله ربنا أبا لأحد من الرجال ليكون خالصا في أبوته لأمته ويبقى له بعض الإناث فتموت السيدة زينب الكبرى عليها السلام والسيدة رقية والسيد أم كلثوم عليهم السلام في حياته، وتبقى السيدة فاطمة عليها السلام بعده وتلحق به بعد انتقاله بستة أشهر.
ولم يتبقى من نسله بعد ذلك إلا الحسن والحسين عليهما السلام ومن نسلهما الشريف كانت العترة الطاهرة، والتي أوصانا صلى الله عليه وسلم بالتمسك بها حيث قال صلى الله عليه وسلم: « أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربى فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين؛ أولهما : كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ». فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال : «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي» [رواه مسلم]. وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم : « يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا؛ كتاب الله، وعترتي أهل بيتي » [رواه الترمذي].
وإذا جعل المسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا له فقد حقق ما أخبرنا به صلى الله عليه وسلم حيث قال : «إنما أنا لكم مثل الوالد للولد» [رواه الدرامي]. ويكون ذلك باعتزازك به كما تعتز بأبيك بل وأكثر، وتستحضر صورته أمامك دائما بالليل والنهار، فتعيش معه فإن ذلك سيعينك في طريقك إلى ربك، وتحبه من كل قلبك حتى تكون على استعداد أن تضحي بنفسك في سبيل كلمة تقال ويراد منها إنقاصه.
الخطوة الثانية للخروج من المعاصي والذنوب هي ذكر الله ذكرا كثيرا، وفي معنى الذكر المراد قال الصنعاني : «والذكر حقيقة في ذكر اللسان، ويؤجر عليه الناطق ولا يشترط استحضار معناه، وإنما يشترط ألا يقصد غيره فإن انضاف إلى الذكر باللسان الذكر بالقلب فهو أكمل، وإن انضاف إليهما استحضار معنى الذكر، وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى، ونفي النقائص عنه ازداد كمالا، فإن وقع ذلك في عمل صالح مما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما فكذلك، فإن صح التوجه وأخلص لله فهو أبلغ في الكمال» [سبل السلام 2/700].
ولقد قرن الله بين ذكر الله كثيرا والخطوة الأولى التي ذكرت وهي أبوة النبي والتأسي به في كل حال، فقال سبحانه : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب :21]. وقال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب :41، 42].
وقال عز وجل : ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء :227]. وكذلك قوله سبحانه : ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾ [الأحزاب : 35]، وحتى في أشد الأحوال وفي لحظات القتال أمر الله بالإكثار من ذكر الله، فقال سبحانه : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال : 45]، وقوله سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت : 45].
وأثنى سبحانه على المكثرين من ذكر رجالا ونساء، فقال تعالى : ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب :35]، وذكر ربنا أن ذكر الله قليلا كان من سمات المنافقين، فقال تعالى : ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [النساء :142]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله ؟ قال : الذاكرون الله كثيرا والذاكرات » [رواه مسلم]، وقال صلى الله عليه وسلم : « لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله » [رواه الترمذي في سننه والحاكم في المستدرك]. ومن الواقع المحسوس أن اللسان لا يكون رطبا مع كثرة الذكر بل يجف، ولكن هذا الجفاف المحسوس الملحوظ الذي هو عند الله هو الرطوبة المحمودة وهذا مثيل لقوله صلى الله عليه وسلم : « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ » . [متفق عليه] وقوله صلى الله عليه وسلم : « لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِى سَبِيلِهِ - إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَماً اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» . [أخرجه البخاري].
وقال صلى الله عليه وسلم : «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد , وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة, ومحيت عنه مائة سيئة... إلى أن قال صلى الله عليه وسلم : « ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه» [رواه البخاري ومسلم].
كان كل ما ذكر من آيات وأحاديث حتى لا يترك أحد كثرة الذكر، ويقول بأنه ليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل باب الذكر والدعاء مفتوحا للمسلم يستزيد كما يشاء، ففذكر الله مستحب والإكثار منه من باب الإكثار من المستحب، وبذكر الله تحيى القلوب، وبتركه تموت القلوب.
وذكر الله يحتاج أن يلتزم المسلم بورد وسلم لنواجه بها الحياة كلها وهي «سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا ينتظم حاله عليه ويتقرب به إلى ربه، وقد لا يعرف كثير منا ما هو الورد وهل يجوز ذكر الله بأوراد منتظم ؟
الورد أو الحزب هو مجموعة من الأذكار المأثورة أو غيرها يلتزمها الذاكر ويواظب عليها؛ رغبة منه في التقرب من الله، وهو تطوع يتطوع به المسلم لم يفرضه الله عليه، قال الشيخ زكريا الأنصاري رحمه الله: « وتطوع وهو : ما لم يرد فيه نقل بخصوصه بل ينشئه الإنسان باختياره من الأوراد » [الغرر البهية 1/387].
وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله : « محافظة الإنسان على أوراد له من الصلاة، أو القراءة، أو الذكر، أو الدعاء طرفي النهار وزلفا من الليل، وغير ذلك , فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصالحين من عباد الله قديمًا وحديثًا, فما سن عمله على وجه الاجتماع كالمكتوبات, فعل كذلك, وما سن المداومة عليه على وجه الانفراد من الأوراد عمل كذلك, كما كان الصحابة رضي الله عنهم يجتمعون أحيانًا يأمرون أحدهم يقرأ والباقون يستمعون, وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : يا أبا موسى، ذكرنا ربنا, فيقرأ وهم يستمعون » [الفتاوى الكبرى 2/385].
وكان حديث العلماء عن الأوراد على أنها أمر متفق عليه، فيذكرونها في أثناء كلامهم دون التنبيه على حكمها أو الاختلاف بشأنها، ومن ذلك قول ابن نجيم : « وذكر الحلواني أنه لا بأس بأن يقرأ بين الفريضة والسنة الأوراد » [البحر الرائق 2/52].
ولقد نبه العلماء على فائدة الالتزام بتلك الأوراد، وضرورة الحفاظ عليها. قال النووي: ينبغي لمن كان له وظيفة من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقب صلاة، أو حالة من الأحوال، ففاتته، أن يتداركها ويأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها.
قال الشوكاني : وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يقضون ما فاتهم من أذكارهم التي يفعلونها في أوقات مخصوصة. وقال ابن علان : المراد بالأحوال : الأحوال المتعلقة بالأوقات، لا المتعلقة بالأسباب كالذكر عند رؤية الهلال، وسماع الرعد، ونحو ذلك، فلا يندب تداركه عند فوات سببه . ومن ترك الأوراد، بعد اعتيادها يكره له ذلك.
قال ابن الحاج : «وينبغي للمريد أن تكون أوقاته مضبوطة لكل وقت منها عمل يخصه من الأوراد فلا يقتصر في الورد على ما سبق من الصلاة والصوم ، بل كل أفعال المريد ورد. قد كان السلف رضي الله عنهم يقولون جوابًا لمن طلب الاجتماع بأحد من إخوانه ويكون نائمًا : هو في ورد النوم. فالنوم وما شاكله هو من جملة الأوراد التي يتقرب بها إلى ربه عز وجل ، وإذا كان كذلك فيكون وقت النوم معلوما كما أن وقت ورده بالليل يكون معلوما وكذلك اجتماعه بإخوانه يكون معلومًا. وكذلك الحديث مع أهله وخاصته يكون معلومًا كل ذلك ورد من الأوراد؛ إذ إن أوقاته مستغرقة في طاعة ربه عز وجل فلا يأتي إلى شيء مما أبيح له فعله، أو ندب إليه إلا بنية التقرب إلى الله تعالى وهذا هو حقيقة الورد أعني التقرب إلى الله تعالى، وهذا على جادة الاجتهاد، والفراغ من الصحة والسلامة من العوائق، والعوارض، أو من حال يرد يكون سببًا لترك شيء من ذلك » [المدخل 3/179، 180].
هذا فيما يتعلق بالإكثار من الذكر وأن يكون ذلك من خلال ورد منتظم يذكر به المؤمن ربه في اليوم والليلة. [يتبع]
علمنا في المقال السابق أن الإسلام ينظر لغير المسلمين نظرة تكامل، وسلام، واندماج مع الاحتفاظ بالهوية، وذكرنا أن تاريخ انتشار الإسلام نظيف وأن نتائج المعارك التي شنها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتي كانت في مجملها رد فعل من المسلمين في إطار الدفاع المشروع النفس والعقيدة كانت نتائجها من شهداء وقتلى من المشركين لا يتجاوز ثلاثمائة شخصا.
وإذا نظرنا إلى واقع المسلمين اليوم فإننا لا نجد أي جيش من جيوش المسلمين في أرض غير بلادهم، في حين أننا نرى القوات الأمريكية والإنجليزية تحتل العراق وأفغانستان، ونرى القوات الإسرائيلية وهي تحتل الأراضي بعد سنة 1967 بالرغم من كل القرارات الدولية المتعلقة بذلك، والتي تدعو فيها إسرائيل إلى ترك الاحتلال.
إن هذه المشكلة وهذا الواقع غير منقول، إن المسلمين في كثير من بقاع العالم، وهم أكثر من مليار وثلاثمائة مليون أي ربع سكان الأرض في حالة سلام مع النفس ومع الجيران، وفي حالة سلام مع الله؛ إلا أن ضغوطا سياسية وأهواء اجتماعية وجهل ديني عميق حرك طائفة من الشباب ممن لم يدرسوا أبدا الشريعة ولم يتخرجوا في معاهدها من أجل تفريغ الإحباط الذي أصيبوا به من موقف المتشددين ضد الإسلام، ولم نعد هذه الحالة مبررا للجرائم التي يرتكبونها وإنما عندما بحثنا بحثا علميا هادئا عن سبب هذا التناقض بين تصرفات أولئك وبين ما يدعو إليه الإسلام توصلنا إلى هذه النتيجة من أن الجهل والإحباط والأهواء السياسية هي التي دفعت أولئك، وليس ذات الدين أو مقرراته وأحكامه.
ويقوم الإعلام بتكريس الإسلام فوبيا والتركيز على تصريحات هذه الفئة القليلة دون الاهتمام بما عليه كل المسلمين في الشرق والغرب.
ومن هذا كله يتضح أن الإسلام كعقيدة ودين لا يمنع المسلمين الذين يعيشون في أركان الأرض من أن يندمجوا في مجتمعاتهم التي اختاروا أن يعيشوا فيها، وأن يوالوا هذه المجتمعات، بل إن القرآن يقرر أن هذا هو الحال الذي خلق الله الخلق عليه قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات :13].
غير أن هذا الفهم لا ينفي حدوث الصراع أو إمكانية حدوثه ووقوعه، ولكن هناك فرق بين أن نجعله أصلا للخلقة لا يمكن الفرار منه، وبين أن نجعله حالة عارضة يجب أن نسعى لإنهائها حتى تستقر الأمور على الوضع الأول الذي خلقه الله.
والمسلمون يجدون في كل حالة بيان الشرع الجلي الذي يجعلهم على نور من ربهم في كل تصرفاتهم، فإذا ما اضطرهم غيرهم للدفاع عن أنفسهم وعن عقيدتهم وعن أرضهم فيجدون في كتاب ربهم وسنة نبيهم النصوص التي توضح لهم كيفية الجهاد في سبيل الله وتحدد معالم قتال النبلاء للدفاع وليس للعدوان.
فصحيح أن القرآن الكريم قال : ﴿ لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة : 8] إلا أن قال : ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة :9].
فالإسلام دعا إلى السلام بغير استسلام وبغير ذل وخنوع، وإذا ما واجهت الأمة الاعتداء عليها وجاءها عدوها يحتل الأرض وينتهك العرض ويدنس المقدسات، عندئذ تنشأ حالة الصراع المؤقت الذي يؤمن المؤمن أنه لا يستمر وأن الأمر لابد وأن يعود إلى الاستقرار والسلام، ولكنه رغم كل ذلك يتعامل مع هذا الواقع، ويجد في كتاب ربه من الآيات ما تعلمه كيف يتعامل في هذه المواقف.
يقول ربنا في بداية الإذن للمسلمين بالوقوف في وجه أعدائهم : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج :39 ، 40].
ثم ينقل ربنا عباده المؤمنين لمرحلة الإعداد للحفاظ على هذه الحرمات التي أراد المفسدون انتهاكها، فيقول سبحانه : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال :60] .
وينبه ربنا على أن القتال في سبيل لله لا يكون إلا للمعتدين الذين يقتلون الآمنين، وينهانا سبحانه عن الاعتداء في قوله سبحانه : ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوَهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوَهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوَهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوَهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ﴾ [البقرة :190 ، 191].
والنبي صلى الله عليه وسلم : يقول : (المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) [رواه ابن ماجه].
لذا يتبين لنا أن الجهاد في سبيله غايته الفلاح وإنهاء الفساد في الأرض والخروج عن مفهوم القتل الذي جعله الله علامة على خذلان ابن آدم وعقابه إلى مفهوم القتال؛ لرفع العدوان، ورفع الطغيان، وعدم السكوت على إنكار المنكر، وعدم السكوت على الإفساد الخسيس للأرض.
والإسلام يأمر بالعدل في كل حال، يقول تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة :8]، ويقول سبحانه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِى القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل :90].
فالإسلام لا يقبل بفتنة تعصف بالدين، ولا احتلال يعصف بالدنيا، ولا هذا الهراء الذي يمارسه الصهاينة في فلسطين، ولا الأمريكان في العراق، إننا نؤمن بالله واليوم الآخر ونعلي راية الجهاد على وجهها، ونؤمن الله متم نوره كما أخبر سبحانه : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ [الصف :8]
هكذا يجد المؤمن في كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أساس سنة التكامل وأنها الأصل الذي يدعو العالمين إليه، وإذا ما طرأ الصراع ووقع عليه الظلم يجد كذلك في نصوص الوحي الشريف المنهج القويم لدفع العدوان ورد الظلم وأخذ الحقوق.
إنها الوسطية التي أخبرنا بها ربنا في كتابه، وجعلها سمة هذه الأمة الوارثة لميراث الأنبياء، قال تعالى : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة :143]، هذه الوسطية هوية ذاتية لهذه الأمة ، إذ الجعل الإلهي هو الذي يمد الأشياء بحقائقها وهوياتها ولوازمها الذاتية، و مظاهر الوسطية في الإسلام لا تخطئها عين الباحث المنصف : فعقيدة الإســلام وسط بين إنكار الألوهية وتعدد الآلهة، والعبادة في الإسلام وسط بين الأديان التي تعول على التأمل والتفكر ، وتستبعد الشعائر والعبادات، والأديان التي تلغي كل شيء لحساب العبادة والانقطاع والرهبنة والهروب من الحياة، إن على المسلم أن يعبد الله وهو في قلب الحركة والصراع مع الحياة ، فهو مكلف بشعائر يومية أو سنوية أو مرة واحدة في العمر ، ليكون دائم الصلة بالله تعالى ، ثم هو مكلف بعمارة الأرض والمشي في مناكبها والأكــل مما رزقه الله.
والإسلام وسط في نظرته للإسلام المكون من روح ومن مادة، ومطلوب منه أن يتوازن بين مطالب هذين القطبين ، فلا يجور على أحدهما لحساب الآخر. والإسلام وسط في تشريعاته الضرورية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فحيثما وقعت عيناك على جانب من جوانب الإسلام: عقيدة وشريعة وأخلاقاً، فسوف تجده عدلاً وسطاً بين طرفي الإفراط والتفريط.
: الوسطية تمثل صمام الأمن والأمان في هذا الدين ، ومن ثم فإن الخروج عنها إلى أي من الطرفين المتقابلين يصيب هذا الدين في مقتل ، يستوي في ذلك الخروج إلى طرف التقصير والتفريط ، والخروج إلى طرف الغلو والإفراط ، وضابط الفرق بينهما : أن التفريط نقص عن المطلوب الشرعي ، والإفراط زيادة عنه ، بما يعني أن كل زيادة عن المطلوب الشرعي إفراط أو تشدد وغلو ، وكل نقص عنه تفريط أو تقصير .. والتشدد والتقصير كلاهما قبيح ومذموم ، لأنهما يمثلان خروجاً عن الوسط الذي هو العدل .. والذي يتشدد ويغالي ويحرم الحلال ليس أحسن حالاً ولا أفضل من الذي يتميع ويبتدع ويحل ما حرم الله . كلاهما معتد على حرمة الإسلام ، وكلاهما خارج عن حدوده ومعالمه ، وكلاهما كاذب يزعم لنفسه حق التشريع في الدين بما لم يأذن به الله ، وكل محاولة من هذا القبيل _ إفراطاً أو تفريطاً _ إنما هي في واقع الأمر محاولة لتفريغ حقيقة الإسلام من مضمونها كما أراده الله تعالى لهذه الأمة وكما طبقه النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته الشريفة.
والوسطية دعوة للاتحاد والقوة ، وهو مقصد أساسي في الدين الإسلامي ، والسبب في ذلك أن الوسطية أمر ميسور للجميع لأنه لا خلاف عليه ويمكن الالتفاف حوله في جميع الظروف والأحوال وأن التنوع في إطار الوسطية أمر مقبول ولا يقدح أبداً في وحدة المسلمين ، بخلاف التشدد فإنه يصعب على كثيرين ، ويفرز اختلافات وانقسامات تبدو معها الأمة الواحدة وكأنها أمتان أو أمم مختلفة ، وهو ما يرفضه الإسلام ويبغضه ويحذر منه أمة الإسلام، قال تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران :103]
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالجماعة ، لأن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار» [رواه أحمد والترمذي]. وقال صلى الله عليه وسلم : «إن الشيطان ذئب الإنسان ، وإنما يأكل الذب من الغنم القاصية» [رواه أحمد]، ويقول صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالجماعة فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين ابعد» [الطبراني في الأوسط]
وما أحسن ما قال ابن القيم في مدح الوسطية : «والأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناء مصالح الدنيا والآخرة، بل لا تقوم مصلحة البدن إلا به؛ فإنه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحته وقوته بحسب ذلك» [الفوائد لابن القيم].
وإذا كان عصرنا ينبذ التطرف في الفكر أو في السلوك فإن الإسلام الذي جاء يدعو إلى الوسطية يرفض كل شكل من أشكال السلوك المتطرف، ويدعو إلى هذه الوسطية في كل شيء بلا إفراط أو تفريط.