هاجم أحد المختلين عقلياً خلال أحد ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب الدولة المصرية مؤكدا أن الدستور المصري يطعن في ألوهية الله تعالى ووحدانيته. جاء ذلك خلال ندوة الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء لمناقشة كتاب الشيخ الجليل علي عبد الرازق "الإجماع"، والذي أصدرته الهيئة المصرية للكتاب مؤخرا. وبالقرب من نهاية الندوة وقف أحد المختلين عقلياً مدعيا أن القانون المصري به مواد تخالف وحدانية الله تعالى، محدثا جلبة مرتفعة ، فصرخ فيه فضيلة الدكتور علي جمعة واصفا إياه بالفساد، كما تتدافع الحضور عليه واقتادوه خارج القاعة حتي تسلمته شرطة المعرض. وبالتحري عن هذا المختل والذي أدعى أنه الدكتور مصطفى رجب الباحث الإسلامي – ولعله يكون كاذباً - ، أكدت الشرطة أنه من الزبائن المعروفين لدى القائمين على ندوات المعرض, وأنه كثيرا ما يفعل مثل هذه الأمور المختلة نتيجة خلل نفسي في شخصيته ناتج عن تقدم عمره، وقامت شرطة المعرض بالاتصال بفضيلة الدكتور علي جمعة لعرض حالة هذا المختل، فطلب فضيلته من الشرطة إخلاء سبيله مراعاة لظروفه المرضية.
لم تكن مدينة القدس قبل الفتح الإسلامي سنة16 هـ/637 م إلا مدينة صغيرة تعرضت لاجتياح الفرس، ومنذ أن زار الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه المدينة ليستلمها ابتدأ الإعمار الإسلامي فيها; إذ أمر عمر أن يبني مسجد في مكان صلاته.
وكان يطلق عليه اسم مسجد عمر، كما أمر بإنشاء مظلة من الخشب على الصخرة المشرفة في قمة جبل موريا،واستمرت حتى عهد عبد الملك بن مروان.
وعندما كان معاوية بن أبي سفيان واليا على القدس والشام في عهد عمر رمم الأسوار واعتنى بالبساتين والأشجار، وبنى في عكا دارا لصناعة المراكب والسفن، وفي مدينة القدس نودي خليفة على المسلمين، وهو مؤسس الدولة الأموية، واختار قبل دمشق القدس عاصمة لمكانتها عند العرب.
وفي عهد عبد الملك بن مروان أمر بإنشاء قبة الصخرة سنة 72 هـ/691 م، وابتدأ بإنشاء المسجد الأقصى الذي أتمه فيما بعد ابنه الوليد سنة 97 هـ/715 م، ولقد أنفق عبد الملك مالا وفيرا في القدس لإنشاء هذين الصرحين للدلالة على قوة الإسلام وانتصاره، وأمر بتعبيد الطرق بين الشام والقدس لتسهيل سبل الزيارة الدينية المقدسة للحرم القدسي.
وفي قبة الصخرة وبعد إنجازها تقبل الوليد بن عبد الملك بيعة المؤمنين، خليفة على المسلمين، في حين كان أخوه سليمان ينشئ مدينة الرملة وما فيها من مسجد وقصر ودار للصناعيين، ثم جاء أخوه هشام ليبني قصر المفجر في أريحا، وهو أضخم قصور الأمويين.
ورغم ما أشيع عن إهمال العباسيين لبلاد الشام فلقد زار القدس عدد من الخلفاء مثل المنصور والمهدي والمأمون، وترك كل منهم أثره في إجراء إصلاحات مهمة في المسجد الأقصى وفي قبة الصخرة، ويعود إلى الخليفة المهدي فضل إعادة بناء المسجد الأقصى سنة 158 هـ/744م بعد زلزال أتى عليه.
ثم رزئت بلاد الشام بالاحتلال الصليبي الغربي، وكانت القدس الهدف الأكثر أهمية، تم ذلك سنة 492 هـ/1099 م، وكان أول ما سعى إليه هؤلاء الغزاة أن جعلوا قبة الصخرة كنيسة رفعوا عليها الصليب وهدموا أطراف الأقصى وجعلوه مقرا لفرسانهم.
وعندما حررها صلاح الدين الأيوبي سنة 583 هـ/1187 م قام بإعادة ترميم مسجد قبة الصخرة، وسجل ذلك في محيط القبة من الداخل، وكما كان الأيوبيون أبطالا في التحرير وكانوا قدوة في الإعمار والإنشاء; ففي مدينة القدس وحدها قام صلاح الدين بإعادة بناء سور القدس سنة 587 هـ/1191 م وتابع أولاده ذلك، كما قام بحفر الخندق حول الأسوار، وأنشأ الملك العادل أخو صلاح الدين الجامع العمري سنة 589 هـ/1193 م، وبنى سقاية لحفظ الماء وتموين القدس، وأنشأ ابنه الأفضل المدرسة الأفضلية والمسجد، وأنشأ قبة المعراج سنة 598 هـ/1201 م وقبة سليمان والزاوية الجراحية والمدرسة الناصرية وزاوية الدركاه وزاوية الهنود.
وتابع المماليك البناء وأصبحت القدس أكثر ازدهارا في عهدهم، وخلال حكم الملك الناصر محمد بن قلاوون المملوكي، الذي امتد ثلاثة وأربعين عاما، حفلت القدس بالعمائر المملوكية التي كانت نموذجا رائعا لتطور العمارة الإسلامية.
إن المباني الإسلامية التي أنشئت خلال العهود المختلفة تؤكد الشخصية الإسلامية التي تتمتع بها القدس القديمة التي ما زالت محافظة على طابعها العربي رغم انتهاكات اليهود وتغييراتهم الواسعة فيها، كما أن أهم ما يميز مدينة القدس ويؤكد طابعها الإسلامي الأصيل هو الحرم الشريف الذي تظهر فيه روائع العمارة الإسلامية وبخاصة قبة الصخرة; فإن المسجد الأقصى الحالي يعتبر في نظر المختصين عملا معماريا يجمع بين البساطة والجلال، في صورة تندر في غيره من المساجد، فعلى الرغم من أن بناء جدرانه ليس من السماكة بمكان، خاصة تلك الحاملة للقبة الكبرى، فإن جزءا كبيرا من فخامة المسجد يرجع إلى سعة بيت الصلاة; بحيث تمتلئ النفس مهابة وإجلالا عند الحلول فيه، وهذه السعة هي التي جعلت المعماري يسقفه بالخشب القوي فقط.
ويرجع الجزء الآخر من الجمال إلى طبيعة الزخرفة المنتشرة في المسجد بكثرة وشمول، فالفسيفساء -وهي في الأصل فن بيزنطي شهير- تنتشر على الحوائط والقبة من الداخل، ويغطي القاشاني المزخرف جدران المسجد إلى ارتفاع المحراب فيضيف ذلك جمالا بديعا، في الوقت الذي تحتل فيه التفريعات النباتية الخارجة من المزهريات -ثم بعد خروجها تنثني وتلتوي حتى تأخذ أحيانا شكلا حلزونيا- تحتل جانبا مهما من الزخرفة [منارات الهدى في الأرض لعبد الله نجيب، ص50].
من كل ما سبق، وبالتاريخ والمعاينة، يظهر لكل منصف وذي عينين أن القدس بمسجدها الأقصى وطرقها وأزقتها وتاريخها وحضارتها جزء من تاريخ الإسلام والمسلمين وحضارتهم المنتشرة في العالم العربي والإسلامي، نسأل الله عز وجل أن يردها إلينا من يد المغتصبين، ولا يضيع حق وراءه مطالب مهما طال الزمان.
احتل البريطانيون القدس في 9 ديسمبر 1917م، وخطب قائد الجيش البريطاني اللنبي في القدس محتفلا بانتصاره قائلا: "والآن انتهت الحروب الصليبية "، وكأن حملتهم على فلسطين كانت آخر حملة صليبية، ومنذ ذلك الوقت فتحت بريطانيا بالقوة مشروع التهويد المنظم لأرض فلسطين، واستطاعت بريطانيا بعد ذلك إقناع فرنسا بالتخلي عن مشروع تدويل فلسطين كما في نصوص سايكس بيكو مقابل رفع بريطانيا لدعمها للحكومة العربية التي نشأت في دمشق، ثم وفرت بريطانيا لنفسها غطاءً دوليًّا باستصدار قرار من عصبة الأمم في 24 يوليو 1922م بانتدابها على فلسطين، غير أن فكرة الانتداب التي ابتدعتها عصبة الأمم كانت قائمة على أساس مساعدة الشعوب المنتدبة وإعدادها لنيل استقلالها.
وقد تضمن صك الانتداب نفسه على فلسطين مسئولية الدولة المنتدبة (بريطانيا) في الارتقاء بمؤسسات الحكم المحلي، وصيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين، وهذا يعني ألا يقف وعد بلفور في نهاية الأمر عائقًا في وجه أبناء فلسطين ضد الارتقاء بمؤسساتهم وإقامة دولتهم.
وفي العام نفسه الذي صدر فيه وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود نجحت الثورة البلشفية الشيوعية في الاتحاد السوفيتي، ومعظم قياداتها من اليهود- وعلى رأسهم مؤسسها الفكري كارل ماركس هو يهودي أيضًا - نجحت هذه الثورة في السيطرة على روسيا، وتم إصدار قوانين تحرم اضطهاد اليهود، وقوانين أخرى أهم وهي إلزامية على عاتق دولة الاتحاد السوفيتي بإقامة دولة إسرائيل ذات السيادة في فلسطين، ولأن أرض فلسطين كانت ستئول إلى الاحتلال البريطاني وليس الروسي، فقد اقتضى الأمر أن يتوجه اليهود بكافة الوسائل الدبلوماسية للحصول على قانون أو مجرد وعد من بريطانيا بإقامة دولة إسرائيل ولو مجرد وطن قومي على جزء من فلسطين.
وكان تنفيذ وعد بلفور يعني عمليًّا الإضرار بمصالح أهل فلسطين وحقوقهم، وتعطيل بناء مؤسساتهم الدستورية باتجاه إقامة دولتهم، وقد فضلت بريطانيا دائمًا التزام الشق المتعلق بوعد بلفور، وأصمت آذانها ولم تحترم الشق المتعلق بحقوق أبناء فلسطين العرب، وعاشت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني مؤامرة كبيرة؛ فحرم أهل فلسطين من بناء مؤسساتهم الدستورية وحكم أنفسهم، ووضعوا تحت الحكم البريطاني المباشر، وأُعْطِيَ المندوبون السامون صلاحيات مطلقة، وضيقت بريطانيا على الفلسطينيين سبل العيش وكسب الرزق، وشجعت الفساد، وسعت لتعميق الانقسامات العائلية والطائفية وإشغال أبناء فلسطين ببعضهم، وفي المقابل شجعت الهجرة اليهودية، فزاد عدد اليهود من 55 ألفًا (8% من السكان) سنة 1918م إلى 650 ألفًا (31% من السكان) سنة 1948م.
ويعتبر بن جوريون وحده صاحب مخطط فرض الأمر الواقع على القدس منذ صدور قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947م إلى مدينتين، والتهويد المبكر للجزء الغربي منها، حيث تعامل بن جوريون مع قرار تقسيم فلسطين بأسلوب يعتمد على الخداع والمكر لم يفهمه العرب، حيث عمل على أن يكون للقدس كيانًا منفصلا خاضعًا لنظام دولي خاص، تتولى الأمم المتحدة إدارته، وتعين مجلس وصاية ليقوم بأعمال السلطة الإدارية نيابة عن الأمم المتحدة، ولقد أكد القرار حدود المدينة والتي تضمنت بلدية القدس الحالية إضافة إلى القرى والبلدان المجاورة لها.
ورفض العرب قرار التقسيم؛ انطلاقًا من أن التدويل يسلبهم حقهم التاريخي والشرعي في السيادة على المدينة، إلا أن اليهود قبلوا مشروع التدويل حتى يمكنهم إعلان قيام دولة إسرائيل؛ على أن تعمل بعد ذلك على فرض أمر واقع جديد؛ ولذلك احتلت القوات الصهيونية مزيدًا من الأراضي العربية، ثم أقامت طريقًا يربط بين تل أبيب والقدس، كما بادرت باحتلال حي القطمون الذي له أهمية إستراتيجية في القدس قبل إعلان قيام دولة إسرائيل.
ولتحقيق الإستراتيجية التي تبناها بن جوريون لم يحترم قرارات مجلس الأمن، حيث لم يلتزم بقرار تجريد القدس من السلاح لحمايتها من الدمار.
وتكريسًا للأمر الواقع بادر بن جوريون بنقل العديد من الوزارات إلى القدس، وكان منها وزارة الخارجية؛ حتى تضطر الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلى نقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس، ومن ثم تعترف بالأمر الواقع الذي عمد بن جوريون إلى تثبيته؛ كما بدئ في إقامة مبنى الكنيست الجديد في 14 أكتوبر 1958م، والذي افتتح في 30 أغسطس 1966م، وبذلك يكون بن جوريون قد نجح في تنفيذ إستراتيجيته الهادفة إلى خلق أمر واقع جديد.
كانت هذه هي الخطة الماكرة الكبرى التي سعت إلى تهويد القدس الشريف، وكان اليهود ومن ساعدهم من الدول الغربية هم أطراف هذه النكبة التي يئن العالم العربي والإسلامي تحت وطأتها حتى اليوم، وهو ما يدعو إلى الاهتمام بأمر القدس إلى أن يرجع الحق لذويه {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [إبراهيم:20].
وقف العثمانيون طوال مدة حكمهم أمام أطماع اليهود ومحاولاتهم المتكررة للهجرة إلى القدس، وبالرغم من تعاطف العثمانيين مع اليهود الناجين من المذابح الإسبانية.
حيث فتحوا لهم البلاد كلها على الرحب والسعة ما عدا مكة والمدينة المنورة والقدس الشريف، فإن ذلك لم يرق لهم فبدأت أحلامهم وأطماعهم نحو القدس الشريف وفلسطين، وظهرت أول دعوة لذلك عام 1665م على يد يهودي تركي اسمه شبتاي تاسفي الذي بدأ بجمع اليهود وتنظيمهم وتنبيههم إلى الهجرة نحو فلسطين، وظلت هذه الحركة سرية ثم أعلنت; فخرج المئات من أتباعه في مظاهرات صاخبة، عندها أمر السلطان بالقضاء على هذه الحركة فما كان من شبتاي إلا أن أمر أتباعه بالتظاهر بالإسلام والعمل بسرية لتحقيق أهدافهم الخبيثة، وعرفوا باسم يهود الدونمه، ومع مرور الزمن وصلت أعداد منهم إلى مناصب رفيعة في الدولة والجيش هيأت لهم ما كانوا يطمحون إليه،خاصة في عهد الضعف الذي مر على الدولة العثمانية مع تكالب الطامعين في أراضيها.
وفي عهد محمد علي باشا والي مصر- الذي أعلن انفصاله عن الحكم العثماني واستيلاءه على مدينة القدس وبلاد الشام في عام 1831 م- تحسنت أوضاع الطوائف اليهودية في فلسطين; فقد أعفاهم من الضرائب والمغارم التي كان الباشا العثماني يفرضها على زعمائهم، وأصبح لهم تمثيل في المجالس المحلية الجديدة، كما سمح لليهود بترميم معبدهم في بيت المقدس بشرط ألا يزيدوا شيئا على المباني القديمة وعدم تبليط ما حول حائط البراق، وإن كان قد سمح لهم بزيارته والصلاة فيه والبكاء على سقوط الهيكل وخرابه دون أن يترتب على ذلك أي حق قانوني، وفي مقابل مبلغ من المال يدفع سنويا لوكيل الأوقاف، نظرا لأن الرصيف القائم أمام الحائط تعود ملكيته للأوقاف منذ عهد صلاح الدين الأيوبي، [تاريخ مدينة القدس لرفيق النتشه وآخرين، ص68-69].وما لبثت أن اصطدمت المطالب اليهودية بالموقف الحاسم للسلطة العثمانية بعد أن آل إليها حكم بلاد الشام، وهو ما دعا اليهود حول العالم إلى العمل ضد الدولة العثمانية.
ثم قامت الدولة العثمانية بعد ذلك بفصل شئون القدس عن ولاية الشام وارتباطها مباشرة بوزارة الداخلية في إسطنبول، وظهرت في هذه الأوقات المستعمرات، وإزاء هذه المشكلة وخوف الدولة العثمانية من وقوع مدينة القدس تحت سيطرة اليهود قاموا بوضع حد للهجرة اليهودية، صدرت قوانين خاصة بالقدس والهجرة اليهودية من قبل الباب العالي عام 1882م، وكان مضمونها ألا يسمح لليهودي بالدخول إلى فلسطين إلا في حالة واحدة هي الحج والزيارة المقدسة ولمدة أقصاها ثلاثة أشهر، على أن يحجز جواز سفر الزائر، ويودع في مراكز الشرطة حيث يتم استبدال الجواز الأحمر به مؤقتا، ولكن اليهود اخترقوا هذه القوانين بمساعدة قناصل الدول الأوروبية وصار عدد اليهود يزداد يوما بعد يوم، مما أحدث صدامات بين الفلسطينيين واليهود عام 1886م، ودفعت هذه الصدامات الدولة إلى اتخاذ إجراءات جديدة; إذ طلبت من متصرف القدس إجراء اتصالات مع قناصل الدول الأجنبية لإبلاغهم استياء السلطان والسلطات العثمانية لعدم قيام القنصليات الأجنبية في القدس بخطوات من جانبها لتسهيل إخراج رعاياها من اليهود الذين انتهت مدة إقامتهم [مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولي لأمين عبد الله محمود ص14-15].
وضغط اليهود بشتى الطرق، حيث قام هرتزل- رئيس الجمعية الصهيونية- بلقاء السلطان عبد الحميد بهدف إقناعه بالسماح بالهجرة اليهودية إلى القدس نظير مبالغ طائلة يدفعها اليهود للسلطان وللدولة; إلا أن محاولات هرتزل لم تنجح، وهو ما دفع اليهود بعد هذا الموقف إلى العمل على إسقاط دولة الخلافة حتى يتسنى لهم التدفق على فلسطين،وانتقلت المعركة بعد ذلك بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية التي تبنت مواقف اليهود [الأطماع الصهيونية في القدس لعبد العزيز محمد عوض، ص840].
وبسبب هيمنة اليهود على معظم الدول الأجنبية التي وقفت معهم وشجعتهم على الهجرة حاول العرب حث الحكومة العثمانية على تطبيق القوانين بشكل فعال، إلا أن هذه المطالب لم تر النور; وذلك بسبب خلع السلطان عبد الحميد 1908م، الرجل الذي وقف سدا منيعا في وجه الأطماع اليهودية، وهو الحدث الذي أدخل السرور والفرح على اليهود في ذلك الوقت، وصارت الهجرات اليهودية تتدفق على القدس وغيرها من فلسطين، وهو ما احتاط له عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهدته قدر الله تعالى أن يبتلي به المسلمون.
وإنا على يقين بأنه تعالى سيعيد إلى المسلمين نهضتهم ويبعث من جديد هذه العهدة العمرية لتكون نبراسا لنا حينما يعود لنا قدسنا الشريف بما يحمل من حب ووئام وأمن وسلام للعالم كله.
ربما لم يعرف التاريخ الإنساني ظاهرة تاريخية حملت مصطلحا مناقضا لحقيقتها مثل الحروب الصليبية -وهو ما يطلق عليه عند المسلمين: حروب الفرنجة: لتمييز مسيحيي الشرق شريكي الوطن عن غيرهم- استخدم الغرب هذا المصطلح على اعتبار أنه يعني النبل والخير والعدل.
ولكن هذا المصطلح المضلل المربك كان نتاجه عددا من التطورات التاريخية السيئة في التاريخ الأوروبي وفي التاريخ العربي على حد سواء.
كانت البداية الفعلية لتلك الحروب في السابع والعشرين من شهر نوفمبر سنة 1095م بالخطبة التي ألقاها البابا أربان الثاني في حشود المستمعين الذين اجتمعوا في جنوب فرنسا، ووجه خلال هذا اللقاء دعوة بشن حملة تحت راية الصليب ضد المسلمين في فلسطين.
ونتج عن ذلك أن خرج البطارقة يحثون على الذهاب إلى البيت المقدس خشية أن يضيع من بين أيديهم، وأخذ البطرك الذي كان بالقدس يطوف بالبطارقة بلاد الغرب يستنجدون أهلها ويستجيرون بهم ويحثونهم على الأخذ بثأر البيت المقدس، وكان عند الغربيين في هذا الوقت من الباعث الديني والنفساني ما كان سببا لاقتناعهم بذلك وخروجهم في حربهم.
وعندما وصلت جيوش الغرب إلى القدس لم يراعوا لساكنيها عهدا، وقد رصد التاريخ الإسلامي حدث دخولهم القدس بكثير من التفصيل والدقة سردها الإمام ابن الأثير رحمه الله في كتابه الكامل; فذكر أن المذبحة استمرت طوال يوم الدخول وليلته واقتحم الفرنجة المسجد الأقصى في صباح اليوم التالي وأجهزوا على من احتموا فيه، وصبغت ساحات المسجد بدماء العباد والزهاد الركع السجود، وتوجه قائد الحملة في الضحى لدخول ساحة المسجد متلمسا طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبته، وكان النظر لا يقع إلا على أكوام من الرءوس والأيدي والأقدام المقطعة في الطرقات والساحات، ونهب الفرنجة جميع الأمتعة وخربوا أثاث المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ونهبوا القناديل التي بلغت نيفا وأربعين قنديلا; كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا نيفا وعشرين قنديلا من ذهب.
وأبادوا أهل أنطاكية وخربوا حمص وبعلبك وحماة وعسقلان وقنسرين وطبرية وغيرها من البلاد وهجروا أهلها منها وفعلوا الأفاعيل العظيمة التي استحى حكماؤهم ومؤرخوهم منها.
وخلال الفترة من عام 1096م إلى عام 1291م قامت عدة مستوطنات صليبية على التراب العربي في فلسطين وأعالي بلاد الشام والجزيرة، وتعين على سكان هذه المنطقة العربية أن يدفعوا ثمنا فادحا لكي يقضوا على الكيان الصليبي من جهة، ويتصدوا للمشروعات والغارات الصليبية المتأخرة من جهة أخرى.
ولم يدم الأمر لهؤلاء كثيرا; فقد دارت بينهم وبين المسلمين المعارك العنيفة; حتى قاد صلاح الدين الأيوبي ضدهم معركة حطين في 4 يوليو1187 م قرب قرية المجاودة، بين الناصرة وطبرية; حيث كان النصر حليف المسلمين فيها، وأبلى القائد صلاح الدين الأيوبي فيها بلاء حسنا، ووضع فيها الفرنجة أنفسهم في وضع غير مريح استراتيجيا في داخل طوق من قوات صلاح الدين أسفرت عن سقوط مملكة القدس وتحرير معظم الأراضي التي احتلها الصليبيون [النوادر السلطانية لابن شداد 1/131].
ولما فتح صلاح الدين البيت المقدس أقام بظاهره إلى الخامس والعشرين من شعبان يرتب أمور البلد وأحواله، وتقدم بعمل الربط والمدارس، وأمر بإعادة الأبنية إلى حالها القديم، فإن من كان فيها من الفرنجة قد بنوا غربي الأقصى أبنية ليسكنوها، وعملوا فيها ما يحتاجون إليه من بناء ومستراح وغير ذلك، وأدخلوا بعض الأقصى في أبنيتهم فأعيد إلى الأول، وأمر بتطهير المسجد والصخرة من الأقذار والأنجاس، ففعل ذلك أجمع.
وعمر صلاح الدين المسجد الأقصى واستنفد الوسع في تحسينه وترصيفه وتدقيق نقوشه، وأحضر له من الرخام الذي لا يوجد مثله، ومن الفص المذهب القسطنطيني وغير ذلك مما يحتاج إليه، ومحا ما كان في تلك الأبنية من الصور، وكان الفرنجة قد فرشوا الرخام فوق الصخرة وغيبوها; فأمر بكشفها، ونقل إليها صلاح الدين المصاحف الحسنة، والربعات الجيدة، ورتب القراءة، وأدر عليهم الوظائف الكثيرة; فعاد الإسلام هناك غضا طريا، وهذه المكرمة من فتح البيت المقدس لم يفعلها بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه غير صلاح الدين رحمه الله وكفاه ذلك فخرا وشرفا [انظر: الكامل لابن الأثير 5/178].
لقد كانت ما يسمى بالحروب الصليبية من أهم الأسباب التي عطلت قوى الإبداع والنمو في الحضارة الإسلامية، وبعد نهاية النضال ضد الفرنجة دخلت المنطقة العربية في منحنى التدهور والأفول.
كانت الحملات الصليبية ضد الشرق العربي أول المشروعات الاستعمارية الأوروبية، وأيضا كانت المرحلة التي سبقت مرحلة الاستعمار الحديث، وكانت من ناحية ثالثة إلهاما للتجربة الصهيونية ذات الأهداف الاستيطانية.
لم يتوان المسلمون يوما عن الحفاظ على ما أقامه سلفهم في القدس الشريف من عمران يشهد على عظم هذه الحضارة وبقائها، خاصة العناية بالمسجد الأقصى وترميمه، وليس صحيحا ما أشيع أن العباسيين لم يهتموا بالحرم الشريف وعمارته.
فقد تم ترميم المسجد الأقصى أكثر من مرة في عصرهم; فأعاد الخليفة المنصور عام 140 هـ بناء المسجد الأقصى وأنفق عليه نفقة كبيرة: بعضها منه وباقيها من ألواح الذهب التي كانت على الأبواب من قبل، ولما انتهى سار إلى بيت المقدس فصلى في المسجد، وشكر الله على إتمامه وكان ذلك عام 141هـ.
ولما تعرضت القدس لهزة أرضية عنيفة في عام 158هـ/ 774م أدت إلى تدمير معظم بناء المسجد الأقصى، أمر الخليفة المهدي بإعادة بنائه بعد أن تهدم وهجره الناس; فأعيد بناؤه على نحو أقوى وأضخم، وترك الجزء القديم فيه كجانب جمالي وأثري، وصار للمسجد ستة وعشرون بابا; سمي الباب الأوسط المواجه للمحراب -وهو الرئيس- بالباب النحاسي الكبير، وكان على يمينه سبعة أبواب وعلى يساره سبعة; أي أن الحائط الشمالي كان يحوي خمسة عشر بابا، وكانت الأبواب الباقية في الحائط الشرقي منه.
هذا وقد انتصبت فوق المحراب قبة من الخشب جلدت من الخارج بأفرخ من الرصاص، وكانت أعمدة المسجد كلها من البناء لا من الحجر الرخام، وبذلك أمكن التفريق بينها وبين الأعمدة القديمة، وبلغ طول المسجد حينذاك 103 أمتار وعرضه 69 مترا [منارات الهدي في الأرض ص 48].وفي عصر الخليفة هارون الرشيد اهتمت الدولة بمدينة القدس; حيث عامل النصارى أحسن المعاملة فسمح للإمبراطور شارلمان بترميم الكنائس وبناء كنيسة العذراء; في دلالة على تسامح الإسلام مع الآخر.
وفي مطلع القرن الثالث الهجري تعرض المسجد الأقصى لزلزال كبير; فأمر الخليفة المأمون أمراء الأطراف أن يتولى كل منهم بناء رواق من المسجد على نفقته، وجعل المشرف على ذلك عبد الله بن طاهر، فتم للمأمون ما أراد عام 210 هـ [تاريخ القدس ص55].
وفي سنة 216هـ/831م زار الخليفة العباسي المأمون بيت المقدس، وكان قد أصاب قبة الصخرة شيء من الخراب فأمر بترميمه وإصلاحه، والأمر تطور على ما يبدو ليصبح مشروع ترميم ضخم اشتمل على قبة الصخرة المشرفة مما حدا بالمأمون أن يضرب فلسا يحمل اسم القدس لأول مرة في تاريخ مدينة القدس وذلك في سنة 217 هـ كذكرى لإنجاز ترميماته تلك.
وفي عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله سنة 301 هـ/913م تمت أعمال ترميمات خشبية في قبة الصخرة اشتملت على إصلاح قسم من السقف وكذلك عمل أربعة أبواب خشبية مذهبة بأمر من أم الخليفة المقتدر.
وفي الفترة الفاطمية تعرضت فلسطين لهزات أرضية عنيفة سنة 407 هـ/1016م، وأدت إلى إصابة قبة الصخرة وإتلاف بعض أجزاء القبة الكبيرة; فبدئ بترميمها في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، واستكمل الترميم في عهد ولده الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله، وقد اشتملت الترميمات على القبة وزخارفها وتمت على يدي علي بن أحمد في سنة 413 هـ/1022م [تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي ص372].
وقد تعرض المسجد الأقصى لهزة أرضية أخرى حدثت سنة 425 هـ/1033م أدت إلى تدمير معظم ما عمر في عهد المهدي، حتى قام الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله بترميمه في سنة 426 هـ/1034م: فقام باختصاره على شكله الحالي، وذلك عن طريق حذف أربعة أروقة من جهتيه الغربية والشرقية، كما قام بترميم القبة وزخارفها من الداخل.
وقد أشير لترميماته هذه من خلال نقشه التذكاري الموجود والذي جاء فيه ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم. نصر من الله لعبد الله ووليه أبي الحسن علي الإمام الظاهر لإعزاز دين الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين. أمر بعمل هذه القبة وإذهابها سيدنا الوزير الأجل صفي أمير المؤمنين وخاصته أبو القاسم علي بن أحمد بن أحمد أيده الله ونصره وكمل جميع ذلك إلى سلخ ذي القعدة سنة ست وعشرين وأربعمائة. صنعة عبد الله بن الحسن المصري المزوق (انظر: الإشارات إلى معرفة الزيارات، للهروي ص25).
وقد أشاد الرحالة ناصر خسرو في كتابه سفر نامه بازدهار المدينة وكثرة النشاط فيها وأن فيها سوقا كبيرة وجميلة بها كثير من الصناع وأن أرضها مبلطة بالحجارة، كما ذكر أن بها مستشفى عظيما عليه أوقاف طائلة [سفر نامه، ص56].
وبذلك بقيت القدس عامة والمسجد الأقصى وقبة الصخرة خاصة محط اهتمام الخلفاء والحكام والولاة طوال عهود الدولة الإسلامية، نسأل الله أن يهدي له من يكمل مهمتهم بتعميره والعناية المعمارية به وقبله بالصلاة فيه إلى أن يقضي الله بتحريره من أيدي غاصبيه.
ظل الاهتمام بالقدس وأهلها طوال عهد الخلافة الراشدة المهدية, فكما بدأه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه طبقا لعهده لهم, أولاها الصحابيان الجليلان عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما عناية فائقة.
ومع بداية خلافة الأمويين كانت الشام مركز المؤيدين لسياستهم; فقد توثقت الصلة بين أهل الشام وبين الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه, ورأوا فيه سياسيا وقائدا ماهرا, واختار الأمويون عاصمتهم في قلب الشام (دمشق)، وأولوا الشام ومدنها وأهلها اهتماما خاصا, وبالنسبة لمدينة القدس فقد تحكم عاملان كبيران في سياسة بني أمية نحوها, وهما: مكانة المدينة ومسجدها المبارك, ثم قربها من دمشق مركز الدولة الأموية وعاصمتها.
وكان معاوية قد بدأ يأخذ البيعة من الناس على الخلافة في بيت المقدس، ولعله أراد بأخذها هناك أن يؤكد شرعية هذه البيعة; حيث يأخذها في مكان طاهر مبارك, وسار على هذه الخطوة خليفتان آخران من بني أمية هما: الوليد بن عبد الملك وأخوه سليمان بن عبد الملك.
وإذا كان عبد الملك بن مروان وابنه الوليد قد منحا الحرم القدسي اهتماما خاصا, وشيدا المسجدين المباركين: مسجد قبة الصخرة, والمسجد الأقصى الذي بناه عمر بن الخطاب قبلهما; حيث كان الإنشاء الحديث الأول للمسجد سنة 97هـ, وهو إنشاء يتناسب بلا شك مع المسجد ومكانته في الإسلام من جهة, ومع ما عرف عن الوليد بن عبد الملك من اهتمام بالمساجد والعناية الفائقة بها, ولم يبق الآن من عمارة الوليد شاهدا على ذلك إلا العقود القائمة على أعمدة من الرخام على يمين القبة الصغيرة عند المدخل ويسارها, وارتفاع تلك الأعمدة مع تيجانها خمسة أمتار, أما ارتفاع قمة العقد فيبلغ أكثر من ستة أمتار, وفوق كل ثلاثة عقود خمس فتحات, وكان طول الجدار من الشمال إلى الجنوب قرابة 51 مترا, فإذا افترضنا أن عرضه كان مثله -وليس بين أيدينا مصدر يحدد ذلك- فإن مساحة المسجد آنذاك كانت لا تقل عن 2500 متر مربع, وكان على جانب من الفخامة بحيث إن أبوابه صفحت بالذهب, [منارات الهدى في الأرض لعبد الله نجيب, ص48].
وأما سليمان بن عبد الملك فقد مكث زمنا أميرا على فلسطين, وكان يحب الجلوس تحت قبة السلسلة بأرض الحرم القدسي الشريف, ولم يكتف بأخذ البيعة من الناس على سطح صخرة بيت المقدس والناس من حوله, والمال الوفير وكتاب الدواوين إلى جانبه, بل كاد يتخذ مدينة القدس أو الرملة عاصمة لملكه -ولعله استحضر في ذلك صورة النبي الكريم سليمان بن داود عليهما السلام- ولكن يبدو أن سرعة موته (سنة 98هـ) قد حالت دون ذلك.
إن وصف مدينة القدس في زمان بني أمية يكشف عن اهتمامهم بها وبأسوارها وبناياتها; فقد كان للقدس يومئذ سور, وكان على ذلك السور أربعة وثمانون برجا, وله ستة أبواب, ثلاثة منها فقط يدخل الناس منها ويخرجون: واحد غربي المدينة, والثاني شرقيها, والثالث في الشمال, وكان يؤم المدينة في اليوم الخامس عشر من شهر سبتمبر من كل سنة جماهير غفيرة من مختلف الأجناس والأديان بقصد التجارة, ويقضي هؤلاء فيها بضعة أيام, وكان فيها مسجد مربع الأضلاع, بني من حجارة وأعمدة ضخمة نقلت من الأطلال المجاورة, وهو يتسع لثلاثة آلاف من المصلين, وهو المسجد الذي بناه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وكان جبل الزيتون مغطى بأشجار العنب والزيتون, وكان سكان بيت المقدس يومئذ يأتون بالأخشاب التي يحتاجون إليها من أجل البناء والوقود؛ تنقل على الجمال من غابة كثيفة واقعة على بعد ثلاثة أميال من الخليل إلى الشمال.
وقد استعمل الأمويون بعض ساكني القدس من غير المسلمين لخدمة المسجد (الحرم), فكان منهم من جعل لكنس ما يصيب المسجد في المواسم والشتاء والصيف ولكنس المطاهر التي حول الجامع, كما كان منهم من يصنع الحصر للمسجد, وكذلك لكنس تلك الحصر, وكنس القناة التي يجري فيها الماء إلى الصهاريج, وكنس الصهاريج أيضا, ويروى أن بعض اليهود كانوا يتولون إضاءة مسجد بيت المقدس، فلما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة (سنة 99هـ) أخرجهم; ويبدو أن الخليفة العادل فعل ذلك مراعاة للعهد الذي أبرمه جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أهل القدس ألا يسمح لليهود بالإقامة فيها, [تاريخ القدس لعارف العارف, ص51 بتصرف].
هكذا كان الاهتمام بالقدس وبداية البناء المعماري بالمسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة وغيرهما في عصر الخلافة الراشدة وامتد ذلك إلى الدولة الأموية التي اعتنت بالقدس عناية كبيرة, ما زال جدران المسجد يشهد بجمالها وعبقها وأصالتها.
عندما فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس أمن أهلها وقرر لهم عهدا يكفل لهم العدل والحياة الكريمة والأمان علي أنفسهم, وجاء في هذا العهد: بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم, وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم, ولا تهدم, ولا ينتقص منها, ولا من خيرها, ولا من صلبهم, ولا من شيء من أموالهم, ولا يكرهون علي دينهم, ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء (القدس) معهم أحد من اليهود.
وعلي أهل إيلياء أن يعطوا الجزية- وهو القانون الذي ارتضته الأمم جميعا وقتها- كما يعطي أهل المدائن, وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص; فمن خرج منهم فهو آمن علي نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم, ومن أقام منهم فهو آمن, وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية, ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وعلى صلبهم حتى يبلغوا مأمنهم, ومن كان فيها من أهل الأرض; فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية, ومن شاء سار مع الروم، ومن رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصدوا حصادهم.
شهد على ذلك: خالد بن الوليد, عمرو بن العاص, عبد الرحمن بن عوف, معاوية بن أبي سفيان, كتب وحضر سنة خمس عشرة, الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل لمجير الدين العليمي [253/1]
وهكذا نرى في فتح الإسلام للقدس والعهدة العمرية التي أعطاها لنصارى القدس علو مكانة القدس وأهميتها, وتجلى ذلك عندما لم يدخلها المسلمون إلا بعد الصلح وارتضوا شروط أهل القدس ورهبانها في ضرورة حضور أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بنفسه ليتولى أمرها. [البداية والنهاية 65/7].
وبهذا الخلق يظهر تسامح الإسلام ليؤكد قداسة المدينة في الإسلام وتعلق قلوب المسلمين بها, على عكس الأمم السابقة التي احتلت مدينة القدس المباركة; فمنذ نشأة المدينة تم تدميرها وسفك دم أهلها كلما دخلها غاز أو محتل, وذكر سفر يشوع أن: يشوع بن نون احتل أريحا فدكها دكا وقتل من وجده فيها لا فرق بين رجل وامرأة, شيخ أو طفل,سفر يشوع, [الإصحاح6, عدد21-35].
كذلك عامل الغزاة المدينة على مر العصور بنفس الطريقة من القتل والحرق والتدمير والتنكيل, كما قال تعالى علي لسان ملكة سبأ: (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) [النمل:34], فكان الفتح العمري بيانا لإسلامية المدينة المقدسة وترسيخا لطابعها الإسلامي العميق.
وعندما دخل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه المدينة نقب عن صخرة بيت المقدس وقام بتنظيف مكانها من القمامة التي كانت عليها منذ أيام هيلانة, وقد روي عنه أنه قال لكعب الأحبار: أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني, صليت خلف الصخرة, وكانت القدس كلها بين يديك, فقال عمر: ضاهيت اليهودية.. لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلي الله عليه وسلم, فتقدم إلى القبلة فصلى ثم جاء فبسط رداءه, فكنس الكناسة في ردائه, وكنس الناس, [مسند أحمد 268/1].
وعندما تجول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة, وكانت لا تزال تئن من الخراب الذي أحدثه الغزو الفارسي, رأى بعينه الثاقبة أن يبدأ بالتنظيم الإداري والقضائي; ففرض للمسلمين الفروض, وأعطى العطايا, ثم وضع التاريخ الهجري ودون الدواوين, وعين لكل منطقة أميرا وعين قاضيا, وأسس الحسبة في المدينة, كما هدم البناء المحدث في وسط السوق وحظر علي الناس الازدحام في الطرق وحضهم علي التجارة قائلا: لا تلهكم الرياسة وحبها, ولا يغلبنكم الغرباء علي التجارة, فإنها ثلث الإمارة.
وبينما كان عمر يتفقد المدينة ويبحث شئونها وما أصاب سكانها من حيف وضيم في أثناء الفتح, أتاه رجل من النصارى له ذمة مع المسلمين في كرم عنب, فشكا إليه همه, فركب معه, ولما رأى أن فريقا من المسلمين أكلوا ما في الكرم لشدة ما أصابهم من جوع أعطاه ثمن ما أكلوه, كما أمر رجاله بالعدل, قائلا لهم: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا» [تاريخ القدس لعارف العارف ص49-50]
لقد كان فتح المسلمين بيت المقدس رجوعا به إلى أصله الأول, حيث نزلت القبائل العربية فيه, واستقرت به, فانتشرت اللغة العربية سريعا, وشعر الناس بالأمان والاستقرار والتعايش السلمي في ظل راية الإسلام وسماحة المسلمين، وكان ذلك عوضا لبيت المقدس عما عاش فيه من آلام من لدن نشأته.
تجلت أهمية بيت المقدس في الإسلام عندما أسري بالرسول صلي الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي, فكان ذلك إيذانا بانتقال الأرض المقدسة والمسجد الأقصي إلي ظل الدين الخاتم والرسالة الأخيرة, وظهر اهتمامه بها مع أولي مراحل الدعوة; يوم أن كان المسلمون قلة قليلة مستضعفة في مكة, لترسخ مكانتها في القلوب رسوخ عقيدة التوحيد, ولتؤكد مكانة القدس في الإسلام كواحد من أهم المعالم الإسلامية.
ففي هذه الرحلة المباركة تجلت وحدة الرسالات السماوية وأصل التوحيد, فكل الرسل جاءوا بدعوة الإسلام, قال تعالي:(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسي وعيسي وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) [البقرة:136], وقد التقي رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم في هذه الرحلة بإخوانه من الأنبياء, وصلوا صلاة واحدة يؤمهم فيها صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, للدلالة علي أن آخر الرسل موصول بأولهم.
ومما عزز مكانة القدس في الإسلام أن الصلاة التي هي عماد الدين فرضت خلال رحلة المعراج منها إلي السماء وكانت القدس هي القبلة الأولي حتى جاء الأمر بتحويلها إلي البيت الحرام بعد ذلك.لقد أصبحت هذه الرحلة رمزا أبعد وأوسع من حدود الزمان والمكان لتأكيد أن الإسلام هو دين الله الخاتم وهو الدين الذي أرسل بأصله الأنبياء والمرسلون لهداية العالمين.
فكما أرسل الله سبحانه الرسل بالعهد القديم والعهد الجديد, قد ختمهم برسول الله محمد صلي الله عليه وسلم الذي أنزل معه الرسالة الخاتمة:(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم علي ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) [آل عمران:81], وفي الحديث أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا فأحسنه وأجمله, إلا موضع لبنة من زاوية, فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة, وأنا خاتم النبيين» [صحيح البخاري3/1300]
وقد كانت عودة المسلمين للقدس في عهد عمر بن الخطاب مثالا لعظمة هذا الدين الخاتم; فبعد أن فرغ أبو عبيدة بن الجراح من دمشق توجه إلي القدس, حيث طلب أهلها الأمان والصلح, علي أن يكون الخليفة عمر هو الذي يتولي بنفسه تسلم بيت المقدس وعقد الصلح, فكتب أبو عبيدة إلي عمر بذلك فقدم عمر فنزل الجابية من دمشق ثم سار إلي القدس, فأنفذ صلح أهلها, وتسلم بيت المقدس بنفسه من صفر ونيوس بطريرك القدس عام15 هـ.وصدرت العهدة العمرية ونص فيها علي ألا يسكن إيلياء أحد من اليهود, ودخل سيدنا عمر رضي الله عنه القدس عن طريق جبل المكبر ثم أتي موضع المسجد الأقصى فصلى فيه تحية المسجد, ويروي أنه صلى في محراب داود, وصلي بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد وجعل المسجد قبلي بيت المقدس.
[البداية والنهاية7/55].
وبعد أن وصل الخليفة عمر وخادمه إلي مشارف القدس علا التكبير والتهليل من المسلمين وصعد صفرونيوس وبطارقته إلي أسوار القدس ونظروا إلي الرجلين القادمين فأخبرهم المسلمون بأنهما ليسا سوي عمر وخادمه. فسألهم صفرونيوس أيهما عمر؟ فأخبره المسلمون أن عمر هو هذا الذي يمسك بزمام الناقة ويخوض في الماء والوحل, وخادمه هو الذي يركب الناقة, فذهل صفرونيوس والبطارقة, وهذا مذكور في كتبهم. ونصه: ابتهجي جدا يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت أورشليم هو ذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب علي حمار وعلي جحش ابن أتان وأقطع المركبة من إفرايم والفرس من أورشليم وتقطع قوس الحرب ويتكلم بالسلام للأمم وسلطانه من البحر إلي البحر ومن النهر إلي أقاصي الأرض, سفر زكريا [الإصحاح التاسع, رقم9-11].
وخرجوا إلي عمر بن الخطاب يسألونه العهد والميثاق والذمة, فلما نظر إليهم عمر علي تلك الحالة تواضع لله وخر ساجدا علي قتب بعيره ثم نزل إليهم وقال: ارجعوا إلي بلادكم ولكم الذمة والعهد; فرجع القوم إلي بلدهم ولم يغلقوا الأبواب ورجع عمر إلي عسكره فبات فيه ليلة, فلما كان الغد قام فدخل إليها وكان دخوله يوم الاثنين وأقام بها إلي يوم الجمعة وخط بها محرابا من جهة الشرق وهو موضع مسجده فتقدم وصلي هو وأصحابه صلاة الجمعة. [فتوح الشام للواقدي1/242]. وهكذا كانت القدس في صدر الإسلام تنعم وتستظل بوارف الحضارة الإسلامية.