في خطوة مهمة وضرورية نحو مواجهة جماعات العنف وتيارات الفكر التكفيري في العالم الإسلامي, عقد مؤتمر ببلدة ماردين التركية لمناقشة فتوى الفقيه الحنبلي ابن تيمية الحراني الشهيرة بفتوى ماردين.
والتي استخدمتها كثير من الحركات المتطرفة في تبرير ما يقومون به من أعمال تخريب وتدمير وقتل للنفس الإنسانية الآمنة باسم الإسلام. وقد كنت مدعوا لحضور هذا المؤتمر ولكني شغلت ساعتها بتأبين فضيلة الإمام الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي, ومع ذلك حرصت على الوقوف على ما انتهى إليه ذلك المؤتمر نظرا لأهمية موضوعه, خاصة وقد حضره نخبة من علماء الأمة الإسلامية من بلدان شتى, من بينها المملكة العربية السعودية وتركيا والهند والسنغال والكويت وإيران والمغرب وإندونيسيا.
وقد تناول المؤتمر أربعة محاور أربعة, اهتم المحور الأول بفتوى ماردين: الزمان والمكان والظروف والملابسات. والمحور الثاني: مفهوم الموطن والمقر في الفقه التقليدي وفي ضوء العولمة والاتصالات الحديثة.
والمحور الثالث: أهمية الفتوى في سياق التاريخ الإسلامي. أما المحور الرابع فتناول: فهم الجهاد: ظروف القتال المسلح وقواعد الاشتباك, كما تم تعريفها من قبل ابن تيمية وميثاق الأمم المتحدة.
ويرجع تاريخ فتوى ابن تيمية إلى ما قبل700 عام عندما سئل الفقيه ابن تيمية -رحمه الله- عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أو بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر, وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله, هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟ فأجاب: أحمد لله. دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في [ماردين] أو غيرها. وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة, سواء كانوا أهل [ماردين] أو غيرهم. والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه. وإلا استحبت ولم تجب.
ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم, ويجب عليهم الامتناع عن ذلك, بأي طريق أمكنهم, من تغيب, أو تعريض, أو مصانعة. فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت, ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق, بل السلب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة, فيدخل فيها بعض أهل مايدين وغيرهم.
وأما كونها دار حرب أو سلم, فهي مركبة فيها المعنيان, ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام, لكون جندها مسلمين, ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار, بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه, ويقاتل (الصحيح: ويعامل) الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه (مجموع فتاوى ابن تيمية 28/241240).
ويعد مؤتمر ماردين تحولا نوعيا في التعامل مع الجماعات المتطرفة وأسانيدها, فالمؤتمر لم يهدف إلى مصادرة الفتوى أو نفيها وإثبات عدم صحتها, كما أنه لم يسع إلى التشكيك في روافدها الشرعية, بل على العكس من ذلك خلص المؤتمر إلى الإشادة بها والتأكيد أن ابن تيمية موافق ومتبع لعلماء المسلمين في فتاواهم في هذا الشأن, ولم يخرج عنهم, وسعى المؤتمر إلى تجريد الفتوى من التوظيف السلبي لها من قبل الجماعات المتشددة, على غرار آيات قرآنية وأحاديث نبوية أولها أولئك المتشددون بغير المقصود منها, إضافة إلى تأكيد المؤتمر على أنه لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون فتوى ماردين متمسكا ومستندا لتكفير المسلمين, والخروج على حكامهم, واستباحة الدماء والأموال, والغدر بمن يعيشون مع المسلمين أو يعيش المسلمون معهم بموجب علاقة مواطنة وأمان, بل هي فتوى تحرم ذلك كله, فضلا عن كونها نصرة لدولة مسلمة على دولة غير مسلمة.
ولمواجهة التوظيف السلبي لفتاوى علماء المسلمين القدامى واستخدامها لتبرير عمليات تخريبية, فقد دعا العلماء المشاركون في المؤتمر إلى التجديد الديني, والانطلاق من فتاوى العلماء المسلمين القدامى باعتبارها ثروة كبيرة, راعت الظروف الزمانية والمكانية المعاصرة لهم, على أن يجدد العلماء المعاصرون مثلما فعل العلماء السابقون, من خلال إيجاد أحكام شرعية تتوافق مع مستجدات العصر.
ونبه المشاركون أيضا إلى خطورة إسقاط الفتاوى القديمة على الواقع الجديد, منوهين بوجود جدل دائم وصحي ما بين التراث والواقع, إذ بات من الأهمية بمكان مراعاة المصالح والمفاسد والأحوال والمآلات.
وخلص المؤتمر إلى اعتبار دول العالم جميعها -باستثناء الدول التي تخوض حربا ضد المسلمين- (فضاء سلام), إذ قلما يوجد بلد لا يعيش فيه مسلمون, ويتمتعون فيه بحقوق المواطنة, كما أكد المشاركون في المؤتمر أهمية اجتماع العلماء المسلمين للنوازل المستجدة ووضع الحلول لها, ومراجعة آراء العلماء السابقين وفتاواهم, ومنها فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية, والوقوف على زمانها ومكانها, والظروف التي أدت إلى إصدارها.
وإننا في هذا الوقت الذي نعيشه في عالم أضحى الإسلام فيه المتهم الأول بالإرهاب ودعم العنف والتطرف لفي أشد الحاجة إلى نقض وتمحيص ومراجعة تلك الشوائب والتهم التي لحقت بالإسلام والمسلمين, سواء من الجماعات المتطرفة في الداخل, أو من الإعلام الخارجي الموجه, والمدفوع في أحيان كثيرة, وقد ترك لنا الأوائل الأدوات والمعايير التي من خلالها نُزيل غبش تلك الشوائب, ونعرف الصواب من الخطأ, والصحيح من الباطل, سواء مما ورد في تاريخنا وتراثنا أم مما يفد إلينا من غيرنا, وبتلك المعايير وذلك المنهج لنا وقفة مع فتوى ابن تيمية من حيث التوثيق والفهم.


