﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ﴾ [الأعراف :180] حقيقة قرآنية تفتح للعبد أبواب الإقبال على الله سبحانه وتعالى، فإذا أراد البسط دعاه باسمه الباسط، وإذا أراد الرزق دعاه باسمه الرزاق، وإذا أراد الرحمة دعاه باسمه الرحمن والرحيم. ويمكننا أن نقسم أسماء الله تعالى إلى ثلاثة أقسام أساسية، وهي : الجمال، والجلال، والكمال.
وعلاقة الإنسان بكل قسم من هذه الأقسام تختلف، فبالنسبة لقسم الجمال العلاقة هي التخلق، على حد قول الصالحين وهم يفسرون قوله تعالى : ﴿كونوا ربانيين ﴾ [آل عمران :79] أي تخلقوا بأخلاق الله، أما التعامل مع القسم الثاني، وهو قسم الجلال فيكون بالتعلق حيث نهانا الله عن التكبر، والتعظم، وقال في الحديث القدسي العظمة : «العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار» [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه]. أما التعامل مع القسم الثالث : وهو الكمال فذلك يكون بالإيمان والتصديق.
والاسم الذي معنى في هذا العدد هو «المتكبر» وهذا الاسم يندرج أساسًا في القسم الثاني وهو قسم الجلال والذي يتوجه العبد إلى ربه متعلقا به، كما أنه يمكن أن يندرج في القسم الثالث الجلال كذلك على اعتبار أنه المتكبر عن كل النقائص وما لا يليق بالذات الإلهية العالية، فيكون التكبر حينئذ بمعنى التنزه.
والمتكبر في اللغة من التكبر يقول ابن منظور : «الكَبـير فـي صفة الله تعالـى : العظيم الـجلـيل، والـمُتَكَبِّر : الذي تَكَبَّرَ عن ظلـم عباده، و الكِبْرِياء عَظَمَة، جاءتْ علـى فِعْلـياء؛ قال ابن الأَثـير: فـي أَسماء الله تعالـى الـمتكبر والكبـير أَي العظيم ذو الكبرياءِ، وقـيل: الـمتعالـي عن صفات الـخـلق، وقـيل: الـمتكبر علـى عُتاةِ خَـلْقه، والتاء فـيه للتفرّد والتَّـخصُّص لا تاء التَّعاطِي والتَّكَلُّف. والكِبْرياء: العَظَمَة والـملك، وقـيل: هي عبارة عن كمال الذات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها إِلاَّ الله تعالـى. [لسان العرب لابن منظور 5/125].
وقد ورد المتكبر في القرآن سبع مرات في ست منها في معنى الذم إذ نسبت للمخلوق، وفي واحدة جاءت للدلالة عن اسم الله، وهي قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر :23].
أما المرات الست التي وردت مورد الذم فهي قوله تعالى : ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [النحل :29]. وقوله تعالى : ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر :60]. وقوله تعالى : ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر :72 ، غافر 76]. وقوله سبحانه : ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ﴾ [غافر :27]. وقوله سبحانه وتعالى : ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر :35].
أما الكبرياء فقد ورد مرتين في القرآن، مرة في حق الله تعالى بمعنى العظمة والكمال، ومرة في اتهام من قوم موسى لموسى وأخيه، فالمرة التي هي بمعنى العظمة والكمال له قوله تعالى : ﴿وَلَهُ الكِبْرِيَاءُ فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الجاثية :37]. أما المرة الأخرى فهي قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِى الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس :78].
ولأن التكبر والكبرياء في حق المخلوق كذب، إذ هما صفتان لا تناسب ذاته الصغيرة الضعيفة المحتاجة لله في كل شيء، فإذا توهم العبد اتصاف نفسه بهما يكون قد نسب لنفسه صفة من صفات الخالق زورا وكذبا؛ ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني في واحدة منهما قذفته في النار» [رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك].
فلا سبيل لنا مع اسم الله المتكبر إلا التعلق به، واستمداد الفضائل، والتخلق بنقيض ذلك مما يناسب صفات العبد من تواضع وتذلل لله سبحانه وتعالى. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


