مازلنا في تلك السلسلة المباركة من شرح أسماء الله الحسنى، والتي علما أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول : هو قسم الجمال مثل الرحمن الرحيم العفو الغفور الرءوف. والقسم الثاني: هو قسم الجلال مثل الجبار المنتقم المتكبر شديد المحال العظيم. والقسم الثالث :هو قسم الكمال مثل لفظ الجلالة ومثل الأول الآخر، الظاهر الباطن، الضار النافع، المعطي المانع.
والمؤمن يتخلق بصفات الجمال، ولا يتخلق بصفات الجلال بل يتعلق بها، فيعفو ويصفح، ويمسك نفسه عند الغضب.
والاسم الذي معنا في هذا العدد هو اسمه سبحانه «البارئ»، ويعني هذا الاسم في اللغة: الذي خَـلَقَ الـخَـلْقَ لا عن مِثالٍ. ولهذِهِ اللفْظَةِ من الاخْتِصاصِ بخَـلْقِ الـحَيوانِ ما لـيس لها بغَيرهِ من الـمخْـلوقات، وقَلَّـما تُسْتَعْمَلُ فـي غير الـحيوانِ، فـيُقال: بَرأَ اللَّهُ النَّسَمَة وخَـلَقَ السَّموات والأَرضَ. قال ابنُ سِيده: برَأَ اللَّهُ الـخـلق يَبْرُؤُهمَ بَرءاً وبُرُوءاً: خَـلَقَهُم، يكونُ ذلكَ فـي الـجَواهِرِ والأَعْراضِ. [راجع لسان العرب 1/31].
وقد بين ابن كثير رحمه الله الفرق بين الأسماء الثلاثة [الخالق-البارئ-المصور] فقال : « الخلق: التقدير، والبرء: هو الفري وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئاً ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل، قال الشاعر يمدح آخر:
ولأنت تفري ما خلقت وبعــ **تز ــض القوم يخلق ثم لا يفري
قدر الجلاد ثم فرى، أي قطع على ما قدره بحسب ما يريده، وقوله تعالى: (الخالق البارئ المصور) أي الذي إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار كقوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (الانفطار:8) ولهذا قال: المصور، أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها» [تفسير ابن كثير 4/344، 345].
وقد ورد هذا الاسم صريحا في قوله تعالى : ﴿هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحشر :24]
كما ورد مضافا إلى بني إسرائيل حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام في قوله تعالى :﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة :54]
وورد مادته في صيغة الفعل في قوله تعالى : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحديد :22].
والبارئ من صفات الكمال، التي ينبغي على المؤمن أن يؤمن بها، وتورثه حبا لله، لأن النفس جبلت على حب الكمالات، كما يمكن رؤيته على أنه من صفات الجلال؛ حيث شعر العبد بقهر الله وعظمته في كونه أوجد هذا الكون على غير مثال سابق، فيعلم أن كل ما حوله قد برأه الله سبحانه وتعالى، فيصل إلى حقيقة أنه ليس له من الأمر شيء.
ويمكن أن يراه العبد كذلك على أنه صفة جمال، فيلاحظ باسمه البارئ نعم الله عليه، ويعلم أن الله يتودد له بالنعم التي تبدأ بخلقه وإيجاده، وخلق الحياة فيه، وخلقه دائما خلقا بعد خلق، في منظومة تعرف بالإمداد الإلهي الذي إذا انقطع ينعدم المخلوق تماما.
ينبغي علينا أن نجعل اسم الله البارئ منهج حياة، يحيا به بين الناس، يرشده إلى طريق الله، ويقبل به على ربه، عسى الله أن ينفعنا بما فيه الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


