أسماء الله الحسنى التي وردت في القرآن والسنة تمثل الهيكل التربوي للمسلم قال سبحانه وتعالى : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف : 180]، والأسماء التي وصف الله بها نفسه في كتابه أكثر من 150 اسمًا وقد ورد في السنة أكثر من 160 اسمًا ومجموعهما 220 اسمًا بعد حذف المكرر، وهذه الأسماء والصفات يمكن تقسيمها إلى صفات جمال : كالرحمن والرحيم، والعفو الغفور، وصفات جلال : كالمنتقم الجبار، الشديد المحال، وصفات كمال : كالأول والآخر والظاهر والباطن.
والمؤمن يتخلق بصفات الجمال، ولا يتخلق بصفات الجلال بل يتعلق بها، فيعفو ويصفح، ويمسك نفسه عند الغضب.
والاسم الذي معنا في هذا العدد هو اسمه سبحانه «الغفار» على وزن فعال، من غفر وهو يعني كثير المغفرة، فيغفر مغفرة بعد مغفرة في كل مرة يأتي العبد فيها تائبا مقبلا على الله فالله يغفر الله بكرمه. قال ابن منظور : «الغَفُورُ الغَفَّارُ، جلّ ثناؤه، وهما من أَبنـية الـمبالغة ومعناهما الساتر لذنوب عباده الـمتـجاوز عن خطاياهم وذنوبهم. يقال: اللهمَّ اغفر لنا مَغْفرة و غَفْراً و غُفْراناً، وإِنك أَنت الغَفُور الغَفَّار يا أَهل الـمَغْفِرة. وأَصل الغَفْرِ التغطية والستر: غَفَرَ الله ذنوبه، أَي سترها؛ والغَفْر: الغُفْرانُ. .....وقد غَفَرَه يَغْفِرُه غَفْراً: ستره. وكل شيء سترته، فقد غَفَرْته؛ ومنه قـيل للذي يكون تـحت بـيضة الـحديد علـى الرأْس: مِغْفَرٌ. وتقول العرب: اصْبُغْ ثوبَك بالسَّوادِ فهو أَغْفَرُ لوَسَخِهِ، أَي أَحْمَلُ له وأَغطى له. ومنه: غَفَرَ الله ذنوبه، أَي سترها» [لسان العرب لابن منظور].
ويندرج اسم الله «الغفار» تحت قسم الجمال، التي ينبغي للمسلم أن يتخلق به إذا أراد أن يعامله الله به سبحانه وتعالى، قال تعالى : ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور :22]، فقرن سبحانه بين عفو المؤمنين وصفحهم عن إخوانهم، وبين رغبتهم في عفو الله ومغفرة، وقد امتدح الله المؤمنين بهذه الصفة حيث قال تعالى : ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى :37].بل إن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين بالتخلق بالعفو والمغفرة حتى مع أعداءهم الذين يريدون أن يردوهم عن دينهم، قال تعالى : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة :109].
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ المؤمنين بأن يغفروا للكافرين، فقال تعالى : ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية :14].
فكانت المغفرة من الصفات التي أمر الله المؤمنين بها، ودعاهم إليها، وهي من صفاته سبحانه وتعالى التي تندرج تحت قسم الجمال الإلهي، فعلى المؤمن التخلق بها. رزقنا الله الفهم عنه سبحانه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وقد ورد اسم الله الغفار في القرآن خمس مرات على النحو التالي، قوله تعالى : ﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه :82]. وقوله سبحانه : ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا العَزِيزُ الغَفَّارُ﴾ [ص :66]. وقوله سبحانه وتعالى : ﴿أَلاَ هُوَ العَزِيزُ الغَفَّارُ﴾ [الزمر :5]. وقوله :﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِى لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى العَزِيزِ الغَفَّارِ﴾ [غافر :41، 42]. وقوله تعالى : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح :10].


