تكلمنا في المقالة السابقة عن ثلاث صفات ينبغي أن يتحلى بها الفرسان النبلاء، وفي هذه المرة نكمل تلك الصفات، فمع الصفة الرابعة.
4- إحسان الظن بالله :
يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة : «أنا عن عند ظن عبدي بي» [رواه البخاري ومسلم]، وإن كان ينبغي لكل مسلم أن يحسن الظن بربه، فالفارس القائم بحماية أمن أوطان المسلمين واستقرارها أولى الناس بذلك؛ حيث إنه كما يقولون «يحمل روحه على كفه» أي أنه متوقع الاستشهاد في سبيل الله في أي وقت، ومن في هذه الحالة في حاجة دائمة لإحسان الظن بالله سبحانه وتعالى، فينبغي عليه أن يحسن الظن بالله إن قتل فسيكون شهيدا في سبيل الله مثواه الجنة، ويحسن الظن بالله في أنه سيحقق له هدفه النبيل المشروع في تحقيق النصر والأمن والاستقرار.
وضد إحسان الظن بالله القنوط من ثواب الله وموعوده، وقد قيل : قتل القنوط صاحبه, ففي حسن الظن بالله راحة القلوب. قال ابن حجر : «وإنما كان اليأس من رحمة الله من الكبائر لأنه يستلزم تكذيب النصوص القطعية . ثم هذا اليأس قد ينضم إليه حالة هي أشد منه , وهي التصميم على عدم وقوع الرحمة له , وهذا هو القنوط, بحسب ما دل عليه سياق الآية : {وإن مسه الشر فيئوس قنوط} وتارة ينضم إليه أنه مع اعتقاده عدم وقوع الرحمة له يرى أنه سيشدد عذابه كالكفار. وهذا هو المراد بسوء الظن بالله تعالى» [فتح الباري2/326].
فيجب على المؤمن أن يحسن الظن بالله تعالى, وأكثر ما يجب أن يكون إحسانا للظن بالله عند نزول المصائب وعند الموت, قال الحطاب : ندب للمحتضر تحسين الظن بالله تعالى, وتحسين الظن بالله وإن كان يتأكد عند الموت وفي المرض , إلا أنه ينبغي للمكلف أن يكون دائما حسن الظن بالله , ففي صحيح مسلم : «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله».
5- الصدق :
والصدق هو مطابقة الكلام للواقع، وهو لا يكون إلا في الإخبار، أما الإنشاء فلا يحكم عليه بصدق ولا بكذب، قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة :119] وقال تعالى : ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [محمد :21] والمؤمن لا يكون كذابًا أبدا، فالصدق أساس كل فضيلة.
والصدق فضيلة عظيمة، وضده الكذب وهو قبيح والمؤمن لا يتصف به أبدًا، فلا ينبغي للمسلم أن يتعمد أن يحكي كلامًا مخالفًا للواقع حتى وإن كان مازحًا.
ولقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من الكذب في كتابه المجيد، فقال تعالى : ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة :10].
وحذرنا منه كذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال : «إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يهدي إلى النار, وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا, وعليكم بالصدق فإن الصدق بر, والبر يهدي إلى الجنة, وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا» [أخرجه البخاري في صحيحه].
وحتى يبتعد المسلم عن هذا الخُلق القبيح عليه أن يستحضر دائما، مراقبة الله سبحانه وتعالى، ويعلم أن غضب الله أعظم من غضب الإنسان، فإن الإنسان قد يكذب خوفا من غضب الإنسان أو عقابه، فإذا استحضر عقاب الله وغضبه ويعلم أن الصواب أن يخشى الله أكثر من أي أحد، فلن يكذب أبدًا إن شاء الله.
فالفارس النبيل صادق مع ربه في الوفاء بعهوده، وفي الالتزام بشرعه، وصادق مع نفسه في مصارحتها ومراقبتها وعلاجها، وصادق مع إخوانه في النصح لهم وصادق مع الكون في التعامل معه، فالصدق خير، والكذب شر لا ينبغي للمؤمن فضلا عن الفارس النبيل.
6- العدل :
وهو في اللغة : القصد في الأمور, وهو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط, والعدل من الناس : هو المرضي قوله وحكمه, ورجل عدل : بين العدل, والعدالة وصف بالمصدر معناه : ذو عدل.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل : 90]. وفي قوله : ﴿فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات : 9].
وقد أمر سبحانه بالعدل لا سيما في القول والشهادة فقال تعالى : ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام : 152].
وأمر ربنا بالعدل في الحكم بين الناس، فقال تعالى : ﴿ِ إ نَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء : 58].
وحذر ربنا من غياب العدل خاصة في حالة العداء، فقال سبحانه :﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة : 8].
وحث على العدل في إبرام الاتفاقات وتوثيق العقود، فقال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة : 282].
وضرب ربنا مثلاً في القرآن لإبراز قيمة من يأمر بالعدل، فقال سبحانه : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل : 76].
وأمرنا ربنا بالتوازن، والوفاء بالكيل، ليس فقط في المحسوسات، وإنما في كل أمورنا : ﴿وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [الإسراء : 35].
ونهى تعالى عن الميل في الميزان، وتوعد لمن يطفف الكيل فقال سبحانه وتعالى : ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَو وَزَنُوَهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلاَ يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ [المطففين 1 : 6].
ونهانا ربنا عن الظلم، والظلم : هو وضع الشيء في غير موضعه، ومجاوزة الحد والميل عن العدل، والظلم في الشرع : عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل، فالتصرف في ملك الغير ظلم، ومطالبة الإنسان بأكثر مما عليه من واجبات ظلم، وإنقاص حق الإنسان ظلم، والاعتداء على أمن الناس بالضرب أو التخويف أو اللعن ظلم، والاعتداء على أموال الناس بالسرقة والغصب ظلم.
وأعظم ظلم في حق الإنسان هو القتل، قال تعالى : ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّى القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء :33]، وأعظم ظلم على الإطلاق الشرك بالله، لأنه أكبر مغالطة في وضع الشيء في غير موضعه، قال تعالى : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان :13]، ومن الظلم منع المؤمنين من عبادة الله في المساجد وتخريبها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة :114].
ويحذرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الظلم فيقول : «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» [رواه البخاري ومسلم].
والمسلم قد يقع في الظلم في حقه نفسه، وذلك إذا فعل المعاصي والذنوب فيعرضها لعذاب الله، وقد يقع في الظلم في حق والديه، أو أقاربه، أو أصدقائه، أو جيرانه، أو حتى أعدائه وذلك بأن يمنع أحدهم حقًا من حقوقه، أو يحمله فوق طاقته.
فالعدل قيمة عظيمة، وخلق يأمر به المسلم على كل حال، والظلم صفة خبيثة تؤدي بصاحبها إلى العذاب، والفارس النبيل ينبغي أن يتحلى بالعدل دائما، وخاصة في الغضب، رزقنا الله العدل في كل حال.
7- الأمانة وعدم الخيانة :
الأمانة : ضد الخيانة, والأمانة تطلق على : كل ما عهد به إلى الإنسان من التكاليف الشرعية وغيرها كالعبادة الوديعة، وهذه الصفة هي صفة لازمة في أنبياء الله، وقد أخبرتنا السيرة العطرة للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أن أعدائه قبل أصحابه كانوا يسمونه الصادق الأمين، وقال تعالى : ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير :21]، وقد قال كل من سيدنا نوح، وصالح، ولوط، وشعيب عليهم السلام لقومهم : ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء :107] [الشعراء :143] [الشعراء :162] [الشعراء :178].
وقد قال هود عليه السلام لقومه : ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّى وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف :68]. وقد وصفت بنت نبي الله شعيب موسى عليه السلام بالأمانة فقالت : ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص :26]، وقال كذلك موسى عليه السلام لقومه : ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الدخان :18]، وشهد الملك ليوسف عليه السلام السلام بتلك الصفة كذلك، قال تعالى حكاية عنه : ﴿وَقَالَ المَلِكُ ائْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف :54]، بل كان ملك الوحي جبريل عليه السلام اسمه الأمين، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء :193].
والفارس النبي يجب عليه أن يكون أمينًا، متخليا عن الخيانة بكل أشكالها، ومن الخيانة أن لا يفي الإنسان بما عهد إليه من أشياء، ومن الخيانة ألا يحافظ على الودائع ويهملها أو يسرقها، ومن الخيانة ألا يلتزم بما اتفق عليه من العقود.
فالخيانة تتعدد بتعدد الحالات، قد يخون العامل صاحب العمل، وقد يخون الشريك شريكه، ويخون الإنسان جاره، وأعظم الخيانة أن يخون الإنسان وطنه، وسبب عظم خيانة الأوطان أن مفاسده تتعدى إلى كثير من الناس.
والغدر خيانة، والغدر هو نقض العهد، وترك الوفاء به، وهو من صفات المنافقين الكذابين، الذين يبدون ما لا يخفون، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان, وإذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر» [رواه البخاري ومسلم]
والله سبحانه وتعالى لا يحب الخيانة ولا الخائن، قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال :58]. وقال سبحانه : ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء :107]. وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم واعتبر خداع الإنسان بالكلام من أشنع أشكال الخيانة، حيث قال صلى الله عليه وسلم : «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب» [رواه أحمد وأبو داود].
وعليه فإن الفارس النبيل ينبغي عليه أن يتحلى بالأمانة، ويتخلى عن الخيانة، ليتأهل لحمل أعباء الأمة في أمنها واستقرارها وشتى مجالات الحياة.
هذه جملة أساسية من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها جند الله (الفرسان النبلاء) وإن لم تكن هذه كل الصفات فإن شعب الإيمان كثيرة، ولكننا ذكرنا أهمها.
فجند الله (الفرسان النبلاء) يؤمنون بالله فيحولون الإيمان إلى برنامج عمل، ترى أحدهم يعمر الدنيا من خلال عبادة الله، ويقف المواقف التي تدل على إنسانيته من خلال عبادة الله، يحولون شرع الله إلى برنامج عمل يومي في يقظتهم ومنامهم، في سكونهم وحركتهم، وصلت به التربية المحمدية إلى أن أصبح الإيمان عملا.
فهم ليسوا كمن غرهم بالله الغرور ممن يقولون نحن نحسن الظن بالله، ولو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل. فهم قد وصولا إلى مرحلة الإحسان التي أمر الله بها : قال تعالى : ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص :77] وقال تعالى : ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة :195]. وهي مرحلة يعبد فيها المؤمن ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فهو يراه سبحانه وتعالى، وبهذا الإحسان يشعرون بمعية الله سبحانه وتعالى، قال تعالى : ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت :69].
وهم يفرحون بنصر الله وفضله، قال تعالى : ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم :4 ،5]، فهم لا يفرحون بنعيم الدنيا وزينتها، ولا يفرحون غرورا بأنفسهم، فقد نهى الله عن ذلك فيما حكاه عن قارون وقومه، قال تعالى : ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِى القُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص :76].
إذن فهم يفرحون بفضل الله، قال تعالى : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس :58].
تحتاج كل أمة إلى قوة بشرية تقوم عليها في مختلف مجالات الحياة، فتحتاج إلى الكفاءات من الأطباء، والمهندسين، وعلماء الدين، والإعلاميين، والقائمين على الأمن في كل المجالات لابد من توافر تلك القوة وإعدادها الإعداد الصحيح.
ونحن في هذه المرة نتكلم عن كيفية إعداد الفرسان النبلاء الذين يقومون على حفظ الأمن، وحماية الضعفاء، وحماية الحق والعدل.
ينبغي أن يتربى من أراد أن يقوم بهذا العمل النبيل على مجموعة من الأخلاقيات الحميدة وهي فيما يلي :
1- الرحمة والبعد عن القسوة : أول خلق ينبغي أن يتخلق به الفارس النبيل الرحمة، وأن يبتعد عن القسوة، والرحمة عند الخلق هي رقة في القلب ولين تجاه المرحوم تعطفا عليه، وهي علامة من علامات حياة القلب. والفارس النبيل لابد أن يكون قلبه حيًا دائمًا، والأمة الإسلامية هي أمة الرحمة؛ ولأنها أمة الرحمة دأب المحدثون في تبليغ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لطلبة العلم، على أن يستفتحوا بحديث الرحمة المسلسل بالأولية، هذا الحديث الذي انقطعت أوليته عند سفيان بن عيينه الذي يرويه عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي قَابُوسَ مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم : (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) [أحمد وأبوداود].
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تحث المسلمين على التخلق بالرحمة فيما بينهم ومع جميع الخلق، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بأن ترك هذه الصفة الحميدة قد تستوجب غضب الله يوم القيام حيث قال صلى الله عليه وسلم : (لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ) [الديلمي وابن أبي شيبة]. وسبب ورود هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قَبل الحسين، وقال الأقرع لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له الحديث.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ أَبَا الْقَاسِمِ صَاحِبَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ : (لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ) [أحمد وابن أبي شيبة]،
وعن علي –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (اطلبوا المعروف من رحماء أمتي تعيشوا في أكنافهم، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم فإن اللعنة تنزل عليهم، يا علي، إن الله خلق المعروف وخلق له أهلا، فحببه إليهم وحبب إليهم فعاله، ووجه إليهم طلابه، كما وجه الماء إلى الأرض الجدبة ليحيي به أهلها، وإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة) [الحاكم في المستدرك والديلمي]
فالرحمة لا تنزع إلا من شقي؛ لأن الرحمة في الخلق رقة القلب، ورقته علامة الإيمان، ومن لا رقة له لا إيمان له، ومن لا إيمان له شقي، فمن لا يرزق الرحمة فشقي، فعلم أن غلظة القلب من علامة الشقاوة.
والمسلم رحيم مع كون الله كله، يتعامل مع برقة وبلين وبانسجام، لأنه يراه قائم بنفس الوظيفة التي أمره الله بها وهي العبادة فيشعر أنه يشترك مع الكون في إخوة العبودية لله وحده، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الريح، فقال : «لا تسبوا الريح فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا : اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به» [رواه الترمذي].
والمسلم يخاطب مخلوقات الله بهذا المشترك وهو يتأسى في ذلك بنبيه صلى الله عليه وسلم، إذ يخاطب الهلال فيقول : « اللهم أهله علينا باليمن والسلامة والإسلام ربي وربك الله» [رواه الترمذي].
وتجلت تلك الرحمة في التعامل مع الحيوان، فنهى صلى الله عليه وسلم عن قتل العصفور، فقال : «ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حق إلا سأله الله عز وجل عنها» [رواه النسائي]. ويبين أن الإساءة للحيوان وتعذيبه والقسوة معه تدخل الإنسان في عذاب الله، ونار جهنم والعياذ بالله، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : «دخلت امرأة النار في هرة حبستها ولا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» [رواه البخاري ومسلم]
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في المقابل أن الله قد يتجاوز عن السيئات وإن كانت من الكبائر بسبب رحمة الإنسان بحيوان لا حول له ولا قوة، فقال : « دخلت امرأة بغي من بني إسرائيل الجنة في كلب وجدته عطشان فسقته ، قالوا ألنا في البهائم أجر يا رسول الله ، قال : ألا في كل ذات كبد رطب صدقة» [رواه البخاري ومسلم].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تفرش فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها» [رواه أبو داود]
وقد طبق المسلمون الرحمة في حضارتهم بصورة عملية في كثير من مؤسسات الخير، ليس فقط في المستشفيات ودور الإيواء للإنسان، بل امتدت رحمتهم إلى الحيوان كما أمرهم بذلك شرعهم الحنيف، حيث أنشأوا مساقي الكلاب؛ رأفة بهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم في كل ذات كبد رطبة أجر، ولما علموا أنه قد دخلت امرأة النار في هرة حبستها، ودخلت أخرى الجنة في كلب سقته.
وفي العصر المملوكي، وبالتحديد في تكية محمد بك أبو الذهب بنيت صوامع للغلال لتأكل منها الطير، وهكذا كان المسلمون يحولون إرشادات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى واقع عملي يعيشون فيه، فحازوا الشرف والعز وخير الدنيا والآخرة، رزقنا الله الأخلاق الفاضلة، وجعلنا من الرحماء.
الابتعاد عن القسوة :
ذلك كله بخلاف القسوة، فبقدر ما يجب على الفارس النبيل أن يتحلى بالرحمة، ينبغي عليه قبل ذلك الابتعاد والنفور من القسوة، فالقسوة من الأخلاق السيئة، وهي تعني خلو القلب من أي رقة ولين، وامتلائه بالفظاظة والغلظة، ولقد بين ربنا سبحانه وتعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فظا ولا غليظ القلب، قال تعالى : ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران :159].
وقسوة القلب قد تكون مع الله سبحانه وتعالى، فيبتعد الإنسان عن ذكر الله بسبب قسوة قلبه، وقد حذر ربنا سبحانه وتعالى من تلك القسوة، فقال تعالى : ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر :22]، وذم ربنا سبحانه وتعالى بني إسرائيل لقسوة قلوبهم، فقال تعالى : ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة :74].
وتكون القسوة كذلك مع خلق الله، فقاسي القلب يرى المحتاج المتألم ولا يلين قلبه، ولا يتعاطف معه، ولا يمد له يد المساعدة، وقاسي القلب يعذب الناس، بل ويعذب مخلوقات الله سبحانه وتعالى، فعدم رعاية الحيوان الذي يحتاج للرعاية والطعام من القسوة المذمومة، وتعذيب الحيوان من أسباب دخول النار كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال : «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلا» [رواه البخاري ومسلم].
ويبتعد الإنسان عن القسوة بأمور، منها ذكر الله سبحانه وتعالى، وتذكر الموت والحساب، ومنها أن يضع نفسه مكان المتألم ويرى كيف يحب أن يصنع الناس به، ويتأكد له أن تركه للرحمة سببًا في أن يترك الله رحمته قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من لا يَرحم لا يُرحم» [رواه البخاري ومسلم].
2- عدم التعلق بالدنيا : وغاية عدم التعلق بالدنيا ألا يجعل الدنيا أكبر همه، ولا مبلغ علمه، وهو لا يعاديها ولا يفر منها، وإنما لا يتأثر بإقبالها ولا بإدبارها، فإن أقبلت عليه حمد الله وعرف أن الفضل لله، وإن أدبرت عنه صبر، وهو على يقين أن الله لا يريد به إلا الخير، فإن أمر المؤمن كله له خير كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) [رواه مسلم].
وينتج عن عدم التعلق بالدنيا آثار حميدة منها البعد عن الإسراف بكل أشكاله، الإسراف في الأكل والشرب وهما عنوان الترف والانشغال بالدنيا بجميع شهواتها (فذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون) [الحجر : 4]. والإسراف في القتل (فلا يسرف في القتل) [الإسراء : 33]. والإسراف في الإنفاق (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً) [الفرقان : 67]. والإسراف في الذنوب من غير توبة (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر : 53].
3- التوبة إلى الله : من الأخلاق التي ينبغي أن يتخلق بها الفارس النبيل التوبة، التوبة في اللغة العود والرجوع, يقال : تاب إذا رجع عن ذنبه وأقلع عنه. وإذا أسند فعلها إلى العبد يراد به رجوعه من الزلة إلى الندم, يقال : تاب إلى الله توبة ومتابًا : أناب ورجع عن المعصية, وإذا أسند فعلها إلى الله تعالى يستعمل مع صلة (على) يراد به رجوع لطفه ونعمته على العبد والمغفرة له, يقال : تاب الله عليه : غفر له وأنقذه من المعاصي. قال الله تعالى : (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة :118].
وفي الاصطلاح التوبة هي : الندم والإقلاع عن المعصية من حيث هي معصية، لا لأن فيها ضررًا لبدنه وماله, والعزم على عدم العود إليها إذا قدر. وعرفها بعضهم بأنها : الرجوع عن الطريق المعوج إلى الطريق المستقيم. وعرفها الغزالي بأنها : العلم بعظمة الذنوب, والندم، والعزم على الترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي.
وهذه التعريفات وإن اختلفت لفظًا هي متحدة معنى. وقد تطلق التوبة على الندم وحده إذ لا يخلو عن علم أوجبه وأثمره وعن عزم يتبعه, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم :«الندم توبة» [رواه أحمد، وابن ماجة، وابن حبان، والبيهقي في الكبرى، والحاكم في المستدرك]، والندم توجع القلب وتحزنه لما فعل وتمني كونه لم يفعل.
التوبة من المعصية واجبة شرعًا على الفور باتفاق العلماء; لأنها من أصول الإسلام المهمة وقواعد الدين, وأول منازل السالكين, قال الله تعالى : (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور :31]. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) [رواه أحمد والترمذي وصححه الحاكم في المستدرك].
والتوبة حالة نقد ذاتي، وحالة من مراجعة النفس، وحالة من الرقابة الداخلية، فإذا ما سمعنا هذه الألفاظ النقد الذاتي ومراجعة النفس ومحاولة الرقابة ظننا أنه هذه الألفاظ لا علاقة لها بالتوبة؛ لأن مفهوم التوبة قاصر عند أغلب الناس على الإقلاع عن معاص بعينها، وليس الأمر كذلك، بل التوبة سمة روحية وقلبية تنشئ المسلم الحريص على أمر دينه ودنياه.
والتوبة إلى الله عقد بين العبد وربه يلزمه بعدم العودة إلى الذنب مرة أخرى، وحيث أن العصمة من الذنب ليست في مقدور أحد، وإنما هي محض تفضل من الله إن أرادها لك، لذلك تقدم الاستغفار، فالاستغفار فيه طلب المعونة، فتطلب من الله أن يغفر لك ثم ترجع إليه في سلوك قويم وتراقب سلوكك حتى لا تنقض العهد، وتلمس منه سبحانه أن يعينك على الالتزام بذلك العهد.
والإنسان يحتاج للتوبة دائمًا لأن الله قد أمر بتوبة مخصوصة وهي التوبة النصوح فقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم :8].
والتوبة فلسفة كبيرة في عدم اليأس، وفي وجوب أن نجدد حياتنا وننظر إلى المستقبل، وأن لا نستثقل حمل الماضي، وإن كان ولابد أن نتعلم منه دروسًا لمستقبلنا، لكن لا نقف عنده في إحباط ويأس، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. التوبة فيها رقابة ذاتية تعلمنا التصحيح وتعلمنا التوخي والحذر في قابل الأيام، وهي من الصفات المحبوبة فلنجلعها ركنًا من أركان الحب. (يتبع)
تكلمنا في المقال السابق عن عدم إدراك الواقع كأحد معوقات وحدة الأمة الإسلامية، وتكلمنا عن كيفية إدراك عالم الأشياء، ونكمل الحديث عن إدراك باقي العوالم التي تكون الواقع.
والعالم الثاني هو عالم الأشخاص، وقد برزت فيه الشخصية الاعتبارية التي يجب أن نهتم بدراستها دراسة أخرى غير ما ورد عن الشخصية الطبيعية في الفقه الإسلامي، فإن ما ورد في ذلك الفقه عن الشخصية الطبيعية صحيح، ولكن الشخصية الاعتبارية ينبغي أن يكون لها أحكام أخرى تتوافق مع مصالح الناس، وتحقيق المقاصد الشرعية. إن سحب أحكام الشخصية الطبيعية على الشخصية الاعتبارية أمر لم يعد مناسبا وفيه تغبيش على الواقع الذي نريد أن ندركه.
والثالث الزمان، فقد استقر في الفقه الإسلامي أن الأحكام تتغير بتغير الزمان إذا كانت مبنية على الأعراف الزائدة، والتقاليد المستقرة أو المتغيرة، فباختلاف تلك الأعراف والتقاليد من زمان لزمان، أو من مكان لمكان تتغير الأحكام، كما تقرر أن الأحكام تتغير بين ديار المسلمين، وغير المسلمين في مجال العقود؛ لأن المسلم الذي يقيم في بلاد غير المسلمين ينبغي عليه أن يمارس حياته بصورة طبيعية، ولا ينعزل في حارات من غير اندماج في مجتمعه، بل يجب عليه هذا الاندماج؛ لأنه أولاً وأخيراً مأمور بالدعوة إلى الإسلام بمقاله أو بأفعاله أو بحاله.
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كل ميسر لما خلق له) [متفق عليه]، ولا يتحقق له ذلك إلا إذا اختلفت أحكام العقود التي بينه وبين غير المسلمين في ديار غير المسلمين عن أحكام ذات العقود نفسها في ديار المسلمين، وهو مذهب أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، قال ما دام ذلك برضى أنفسهم، وقال : لأن هذه الديار ليست محلا لإقامة الإسلام، وهي نظرة واقعية للحياة من ناحية، ولطبيعة الدين الإسلامي في دعوته بالأسوة الحسنة من ناحية أخرى قال تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة : 143] والرسول في حقيقته إنما بعث كما قال عنه نفسه رحمة مهداة قال تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [الأنبياء : 107] فلابد أن يكون أتباعه كذلك.
والرابع عالم الأحداث والخطاب الديني يجب أن يتعلم تحليل المضمون وكيفية استعمال هذا التحليل، وقد ورد في الحديث النبوي عن حكمة آل داود (على العاقل أن يكون عالما بزمانه ممسكا للسانه مقبلا على شأنه) [أخرجه البيهقي في الشُعب].
وعالم الأحداث مركب في الحقيقة من الأشياء والأشخاص والوقائع والعلاقات البينية، وهو أكثر العوالم تداخلا وتسارعا؛ حتى نرى أن وكالات الأنباء الستة الكبرى تبث كل يوم 120 مليون معلومة أغلبها أحداث مما يبين أهمية هذا الجانب ونحن هنا ننبه إليه فقط فنتكلم بشيء (عنه) ولا نتكلم بشيء (فيه).
إن إدراك هذه العوالم لا يكفي وحده دون إقامة علم ديني لإدراك العلاقات البينية والاستعداد لتداخلها ووضع الطرق المناسبة التي تحقق مقاصد الشرع الشريف من حفظ النفس والعقل والدين وكرامة الإنسان وحفظ الملك على الناس، وهي المقاصد العليا التي أشار إليها الأصوليون والتي أفردها الشاطبي في كتابه الموافقات، وهي التي أيضا تمثل فكرة تقارب فكرة النظام العام في النظم القانونية المعاصرة.
وبعد تحليلنا للمعوق الثالث الذي يعوق وحدة الأمة الإسلامية وهو عدم إدراك الواقع، نتكلم عن المعوق الرابع.
4- الأزمة الثقافية التي تمر بها الأمة : ومن عوائق تحقيق وحدة الأمة وتنميتها الثقافة السائدة في مجتمعاتنا، فأرى أنها بعد هذه المرحلة الطويلة خلال القرنين الماضيين قد وصلت إلى حالة من الأزمة، وأن التنمية المبتغاة التي ندعو إليها تحتاج إلى الخروج من تلك الأزمة، وإلا فإن التنمية أيضًا في أزمة وأشبه هذه الثقافة المأزومة بسيارة قد غرزت في رمل أو وحل وأن إخراج هذه السيارة من الوحل ليس هو كل شيء فإننا عندما أردنا أن نخرجها وجدناها مكبلة بالكوابح، وعند فك هذه الكوابح وجدناها قد صدأت في أجزائها وعندما جلونا الصدأ عنها وجدناها معطلة تحتاج إلى إصلاح فني وعندما أصلحناها وجدناها من غير وقود، فلما اجتهدنا فوجدنا الوقود اكتشفنا أنه لا يوجد سائق لها، وعندما أوجدنا السائق بالتي واللتيا لم يكن يعرف الطريق فسار بنا في متاهة، وكلما رأى شيئًا ظنه هو الطريق الصحيح فسار فيه ثم رجع فضاع الوقت، وأظلم الليل فازدادت المتاهة وازداد الإجهاد به وبنا... فهل من مخرج معقول ؟ هذه الأزمات نمارسها سويًا الآن، فهناك منا من هو في مرحلة الغرز، ومنا من هو في مرحلة الكوابح، ومنا من هو في مرحلة الصدأ، ومنا من هو في مرحلة العطل، ومنا من هو في مرحلة فقد السائق أو فقد الطريق أو الإجهاد المزري.
هذه محاولة للوصف وليست تشاؤمًا محبطًا، بل دعوة إلى أن نلملم شعثنا ونفكر بأصالة، خارجين عن التقليد لغيرنا أو بسحب الماضي في حياتنا، وألا نخرج عن هويتنا، وهذا ممكن حتى الآن، ونخاف إن استمرت الأزمة ولم تؤخذ بجدية أكبر أن نصل إلى مرحلة لا نجد فيها السائق ولا حتى السيارة من أساسه، وحينئذ فإن الأزمة ستصير كارثة بكل المقاييس، وحتى ننبه إلى نقاط واضحة فإنه لابد من مراجعة مناهج التعليم الأساسي والعالي ومراجعة قومية لا تقتصر على اتجاه ولا تتبع مناهج الغير، بل تنطلق من رؤيتنا التي لابد أن تصاغ في صورة واضحة أيضا.
5- التخلف في مجال البحث العلمي : ويتضح هذا التخلف من خلال مظهرين، الأول: عدم قدرة مراكز البحث العلمي على مسايرة آخر التطورات، ويشهد لذلك ما يظهر من نبوغ أبنائنا في مراكز البحث العلمي الأمريكية والأوروبية مقارنة بعدم نبوغ أمثالهم من أبنائنا في مراكزنا، كدكتور أحمد زويل مثلاً. والثاني : عدم الاستفادة من الأبحاث التي تم التوصل إليها في حل المشكلات الواقعية، مما يجعل لناظر يلحظ ازدواجية غير مفهومة بين طريق معالجة مشكلات الواقع، وبين طريق البحث العلمي ونتائجه، فلماذا نقوم بالبحث طالما أنه لن يحقق فائدة، ولن تستفيد الجهات التنفيذية منه، هل لوضعه في الأرشيف واستفادة الباحثين في المستقبل ثم وضع أبحاثهم في الأرشيف وهكذا حتى تأكلها الأتربة.
إن الدين الإسلامي يدعو إلى البحث العلمي ولا يرى حرجًا ولا قيدًا على البحث العلمي، فليبحث من شاء فيما شاء وليحاول أن يدرك حقيقة العالم كما شاء، ويكشف عن خلق الله في كونه كما يريد، وأن ذلك ضمانة للإبداع وهذا مؤسس على أن الله قد أنزل أول ما أنزل : (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) [العلق : 1 ـ 4]، وذكر أن القراءة الأولى في الوجود والثانية في الوحي، وأنهما قد صدرا عن الله، الأولى من عالم الخلق، والثانية من عالم الأمر (أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ) [الأعراف : 54] وعلى هذا فلا نهاية لإدراك الكون؛ حيث إنه يمثل الحقيقة، لأنه من عند الله، ولا نهاية لإدراك الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تنتهي عجائبه، ولا يَخلق من كثرة الرد) [رواه الترمذي والدارمي] ، وأيضا لا تعارض بينهما حيث إن كلا من عند الله، وهذا التأسيس يتأكد في قوله تعالى على صفة الإطلاق : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) [الزمر: 9].
إلا أن استعمال المعلومات يجب أن يكون تحت السقف الأخلاقي للتطبيق المأخوذ من مهمة الإنسان في الدنيا : العبادة، والعمارة، والتزكية، هذا السقف الذي يمنع من استعمال ما يوصلنا إليه فيما يخالف الأوامر والنواهي الربانية أو يكر على المقاصد الكلية بالبطلان فنكون بذلك من أهل التعمير؛ لا من أهل التدمير، وهذا السقف للاستعمال من الأهمية القصوى حيث هو الضمان الوحيد لتلك العمارة.
إن الفصل بين حرية البحث للوصول إلى صحيح المعرفة، وبين تقييد الاستعمال للوصول إلى العمارة أمر قد اختلط على كثير من الناس مع وضوحه وتأكده.
وهناك عوائق أخرى كثيرة : كالتخلف في مجال البحث العلمي، وعدم القدرة على ربط ما توصل إليه العلم بالواقع المعيش وعدم إمكانية تفعيل الأبحاث العلمية في حل المشكلات، وكقلة الأدب وشيوع سوء الأخلاق وقلة الضمير، وما أصاب الأمة من ضعف عسكري وضعف في المواقف السياسية، وتنازع المصالح وسيادة روح الأنانية.
كل هذه الأشياء وغيرها من العوائق التي تكبل الأمة وتلزمها على الوقوف مكانها، وأرى أن إدراك العوائق خطوة على طريق إزالتها، وكان للمذاهب الفقيهة كمنهج علمي عملي الدور الكبير في وحدة الأمة الإسلامية، فنوضحه كنموذج أو أحد مقومات الوحدة المنشودة.
دور المذاهب الفقهية في وحدة الأمة الإسلامية :
تمتعت الأمة الإسلامية عبر قرون مجدها الطويلة باستقرار ديني وتفاهم بين شعوبها وعلماءها على مساحة جغرافية كبيرة تمتد من طنجة غربًا إلى جاكرتا شرقًا؛ وكان لهذا الاستقرار الديني أكبر الأثر في وحدة الأمة الإسلامية، وكان من أهم عوامل ذلك الاستقرار الديني اعتماد المذاهب الفقهية في معالجة القضايا الدينية والحياتية لشعوب الأمة.
فكانت الأمة كلها علماء وعامة تجل المذاهب الفقهية المعتمدة، وتتبعها في كل تفاصيل حياتها، لما في الأخذ بهذه المذاهب من مصلحة عظيمة، وما في الإعراض عنها كلها مفسدة كبيرة، ونحن نبين ذلك من وجهين :
أحدها : أن الأمة اجتمعت على أن يعتمدوا على السلف في معرفة الشريعة، فالتابعون اعتمدوا في ذلك على الصحابة، وتبع التابعين اعتمدوا على التابعين، وهكذا في كل طبقة اعتمد العلماء على من قبلهم، والعقل يدل على حسن ذلك، لأن الشريعة لا تعرف إلا بالنقل والاستنباط، والنقل لا يستقيم إلا بأن تأخذ كل طبقة عمن قبلها بالاتصال، ولابد في الاستنباط أن تعرف مذاهب المتقدمين لئلا يخرج عن أقوالهم فيخرق الإجماع، ويبني عليها، ويستعين في ذلك كل بمن سبقه.
فإن جميع العلوم كالصرف والنحو والطب والشعر وكذلك الصناعات كالحدادة والنجارة والصياغة لم تتيسر لأحد إلا بملازمة أهلها، وغير ذلك نادر بعيد لم يقع، وإن كان جائزًا في العقل.
فإذا تعين الاعتماد على أقوال السلف فلابد أن تكون أقوالهم التي يعتمد عليها مروية بالإسناد الصحيح، أو مدونة في كتب مشهورة، وأن تكون مخدومة بأن يبين الراجح من محتملاتها، ويخصص عمومها في بعض المواضع، ويقيد مطلقها في بعض المواضع، وإلا لم يصح الاعتماد عليها، وليس مذهب في هذه الأزمنة المتأخرة بهذه الصفة إلا هذه المذاهب الفقهية المشهورة.
ثانيها : أن أتباع تلك المذاهب الفقهية هم السواد الأعظم للأمة، وقد قال رسول الله r للصحابي الذي سأله ماذا تأمرني في الفتن فقال :«عليك بالسواد الأعظم»([1]).
ولذلك اعتنت الأمة الإسلامية بمذاهب هؤلاء الأئمة فاتبعتها ودرستها وأُفتي بها العامة، كما كانت تتخذها منهجًا في التدريس والتدريب، وسبيلا لإقامة عبادات الناس ومعاملاتهم وأحكام الدين والدنيا مما يجعلهم أمة واحدة.
وفي ختام حديثي عن وحدة الأمة يمكن أن نضع برنامجًا عمليًا منبثقا منا يشتمل على :
أولا : التقريب والتحالف بين دول المنطقة، ولنبدأ باقتراح الطريق السريع الذي يربط بين طنجة وعمان، وشبكة الطرق السريعة هذه هي أول خطوة في ربط البلدان بعضها مع بعض، وفي إذابة الفوارق، بل والعوائق، وهي لا تتدخل في استقلال الدول، ولا في أنظمتها السياسية، ولا في شئونها الداخلية، وهي لا تحتاج إلا إلى قرار ومال وتنفيذ، بل جزء كبير من ذلك الطريق موجود بالفعل ويحتاج إلى تفعيل وأن يقوم بدوره في ربط الدول بعضها مع بعض.
ثانيا : رفع تأشيرات الدخول والإقامة بين العالم العربي، وهو أمر مأخوذ به في كثير من البلدان العربية، ولا يحتاج إلا إلى انتشار، ويمكن استثناء الأراضي المقدسة لتنظيم الحج والعمرة إليها بصورة تمنع من عدم الانضباط.
ثالثا : السعي إلى تفعيل السوق المشتركة والتجارة البينية والاكتفاء الذاتي، عن طريق المشروعات العملاقة كالتي بين مصر والسودان خاصة لزراعة القمح، فإذا كان طعامك من فأسك كان رأيك من رأسك، وأيضا التخصص وتقسيم العمل بين الدول العربية للوصول إلى التكامل الاقتصادي.
رابعا : هل نأمل في السعي الحثيث لتوحيد العملة بين الأقطار العربية، ثم الإسلامية ؟! ولتأخذ وقتها من التنفيذ، وهو مطلب قديم كنا نسمع عنه من التيار القومي حتى حققته أوربا في صورة اليورو.
خامسا : وبعد ذلك هناك أساليب للوحدة مع الاحتفاظ بالهوية والخصوصية كالاتحاد الفيدرالي، وهو أمر يحتاج أيضا إلى رأي عام، وتوجه صادق، وخطوط كثيرة للوصول إلى التوائم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين الدول العربية، وهو أمر ليس بالمستحيل حتى لو اكتنفته بعض العقبات، أو احتاج إلى كثير من الجهد والترتيب والإجراءات.
سادسا : إصلاح التعليم بالاهتمام بمراكز البحث العلمي، وتشجيع الابتكار وحمايته والاهتمام بقضايا التدريب، وبالجانب التطبيقي.
عسى الله أن يمن علينا وأن يمكنا في الأرض كما مكن الذين من قبلنا (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) [الحج : 41].
أمرنا الله سبحانه وتعالى بالوحدة وحثنا عليها فقال سبحانه : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا) [آل عمران :103]، ونهانا عن الفرقة فقال تعالى : (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران :105]، وبين لنا -سبحانه- أن أمر إقامة الدين وعدم الفرقة فيه، هو وصايا الأنبياء السابقين، وهو شرع الأمة الإسلامية الخاتمة التي تؤمن بجميع الأنبياء، فقال سبحانه : (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) [الشورى :13].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة» [رواه أحمد والترمذي]، ونهى صلى الله عليه وسلم عن الفرقة فقال : «فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» [رواه الحاكم في المستدرك].
وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لوحدة المسلمين فقال : «ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو، تداعى لها سائر الجسد بالسهر والحمى» [رواه البخاري ومسلم].
وإذا نظرنا لواقع المسلمين وخاصة العرب منهم سنجد كل مقومات الوحدة والتكامل، فهم يشتركون في وحدة الدين، ووحدة الجنس البشري، ووحدة اللغة، ووحدة المصير، والوحدة الجغرافية، ووحدة التاريخ.
ولكننا في المقابل إذا نظرنا لمعوقات الوحدة بينهم فسنجدها كثيرة منها :
1- الكسل والسلبية : الكسل هو الميل إلى العجز عن أداء المهام، والرغبة في ترك الواجبات، وهو أحد عوائق الإنجاز والنجاح والتقدم، وهو ضد النشاط، وينبغي للمسلم أن ينفض الكسل عنه، ويحرص أن يكون نشيطًا، فالكسل خلق قبيح، ومرض شديد، وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعين بالله عليه، ونستعيذ بالله منه، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل» [رواه البخاري ومسلم].
ويتخلص الإنسان من هذا المرض المعطل، بذكر الله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك بأن يضع أمام عينه دائمًا ثمار النجاح، فمن كسل عن أداء واجباته عليه أن يتذكر فرحة النجاح والتفوق وتحقيق المستقبل الباهر، فإن ذلك ينشطه على إنجاز الأحلام مهما كانت صعبة.
والسلبية مرض خطير يصيب الإرادة البشرية، وينبع من عدم إدراك الإنسان لقيمته، ولاستخفافه بأثر كلمته، وخوفه من المواجهة، فالسلبي لا يظهر اتجاهه وينتظر التوجيه من غيره، والسلبي جبان لا يقوى على مواجهة الأمور، والسلبي غير متفاعل مع الأحداث فلا ينكر المنكر، ولا يشيد بالمعروف ويأمر به، ولا يؤيد الصلاح، ولا يعارض الفساد، فهو خامل لا أثر له.
وعندما تصاب أمة في أغلب شعوبها بالسلبية والكسل، فلا نستبعد ما وصلنا إليه من ضعف وفرقة، ولا نتساءل كثيرًا لماذا نحن هكذا ؟ فإن لم يكن غير الكسل والسلبية من معوقات لكفى، فما بالك وهناك أسباب أخرى كثيرة.
وتعالج السلبية، بالتوعية وإعلام الناس بقيمتهم، وإعلامهم أن كل الأجهزة والأنظمة وكل الكون ينتظر مشاركتهم، لأنهم أساس وجود هذه الأنظمة والأجهزة، وبزيادة الثقافة والتعليم، نسأل الله أن يعافي الأمة من هذين المرضين العضال.
2- سيادة عقلية الانطباع وعدم التوثيق : وهي ظاهرة تغذيها وسائل الإعلام في عصرنا الحديث، إلا من رحم ربك، مما يكون تلك العقلية المرفوضة مع ما نراه ونعرفه من أن أغلب الناس لا يتوثقون التوثق الذي تعلمناه حين نقل القرآن ونقلت السنة ونقل الفقه والعلم إلى من بعدنا، والتوثيق ثقافة يجب أن تشيع حتى نصل إلى العقلية العلمية ونخرج من عقلية الخرافة والانطباعات الهشة.
وقد علمنا الإسلام التوثيق في النقل فأكد الكتاب الكريم ذلك وأرشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتباعه إليه ورباهم عليه، ثم أخذ المسلمون قضية التوثيق كجزء مهم من منهجهم العلمي في التعامل مع النصوص والتعامل مع الواقع والتعامل مع الحياة، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات :6] وفي قراءة حمزة والكسائي وخلف -المتواترة- فتثبتوا.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) [رواه البخاري ومسلم]، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم : (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) [البخاري ومسلم] ويقول أيضا في شأن الشهادة : (أرأيت الشمس فعلى مثلها فاشهد) [رواه البيهقي في الشعب] وينبه أصحابه إلى خطورة الكلمة التي تخرج عن هوى أو عن رأي شخصي يسيطر عليه الانطباع ومدى تأثير مثل هذه الكلمة على الناس، وعلى قلوبهم، وهو صلى الله عليه وآله وسلم الإنسان الكامل، والمثل الأعلى للبشرية كلها : (لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أخرج إليكم وأنا سليم الصدر) [رواه أحمد والبيهقي في الكبرى].
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم لبيان أمانة الكلمة : (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق) [أخرجه البخاري] وفي ذات السياق يأمرنا الإسلام كتابًا وسنة، بإحسان الظن بالناس، فيقول تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات :12]. وقد وبخ الله قومًا بسبب سوء الظن، فقال تعالى : (وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا) [الفتح :12].
3- عدم إدراك الواقع : وعدم إدراك الواقع شاع ليس فقط بين شعوب الأمة، بل بين نخبتها ومثقفيها، مما جعلهم يتخبطون في الآراء والأقوال تجاه أي ظاهرة أو معالجة مشكلة، أو بصدد التعامل مع أمر جديد، فهم لا يرون أن تغير الزمان والمكان يؤثر في الحال ويغير الأوضاع، وينسون أن المؤمن ينبغي أن يكون مدركا لشانه عالما بزمانه، فإن غياب إدراك تأثير أحد هذه المكونات الأساسية عن الذهن تسبب خللا، فما بلك لو غاب إدراك تأثير كل تلك المكونات
ولذا أرى أن واجب وقتنا هو بناء أداة لإدراك الواقع، وبتأمل الواقع نجد سمات أساسية واضحة تصل إلى ثلاثين سمة منها : التجاوز، والجوار، والنسبية، والتغير، والترقب، والتقاطع، والتطور، .... إلخ، وهذه السمات منها السلبي، ومنها الإيجابي، فينبغي أن ندرك أن المساحة السلبية في تلك السمات حتى نتمكن من تنحيتها بقدر الإمكان، أو تفاديها، وكذلك ندرك المساحة الإيجابية التي يمكن أن استعملها لتمكين ديني ومنهجي الذي أمرني الله به.
إدراك الواقع بعوالمه المختلفة جزء من أجزاء تجديد الخطاب الديني، ولابد علينا من تحديد معنى الواقع المعيش الذي نحياه ونتعامل معه، والواقع له عوالم أربعة : عالم الأشياء، عالم الأشخاص، عالم الأحداث، عالم الأفكار، ويمكن أن نضيف إليها كل يوم ما يتناسب مع استقراء الواقع، وتحليل مكوناته.
كما أنه لابد علينا أن ندرك أن هذه العوالم الأربعة في غاية التركب والتداخل، وليست منفصلة بأي صورة من الصور، مما يجعل من إدراك العلاقات البينية بين كل عالم فيها مع العوالم الأخرى جزء لا يتجزأ من فهم الواقع الفهم الدقيق الواضح، وأيضا لابد علينا أن ندرك أن هذه العوالم ليست ثابتة، ولذلك فلابد من تفهمها في تغيرها الدائم المستمر باعتبار أن هذا من سنن الله في كونه (كل يوم هو في شأن) [الرحمن : 29].
2- إن عالم الأشياء يحتاج إلى منهج في التعامل معه مرده إلى العلم التجريبي الذي حقق عند المسلمين وغير المسلمين نجاحا باهرا في تسخير الكون والاستفادة منه وتحصيل القوة في مجال الصحة والحياة اليومية والعلم … إلخ. نحو حياة أفضل، والعلم التجريبي يجب أن نتخذه في ظل مفاهيم واضحة وهي :
(أ) أنه ليس هناك حد للبحث العلمي من أي جهة كانت، فإن الأمر عام ومطلق في شأن تحصيل العلم، وذلك في آيتين حاسمتين الأولى تفيد العموم والأخرى تفيد الإطلاق قال تعالى : (قل سيروا في الأرض فانظروا) [النمل : 69]، فأمر بالسير على عمومه، وبالنظر على عمومه وقال تعالى : (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) [الزمر : 9]، فأطلق العلم ولم يحدد : يعلم ماذا ؟ هل يعلم الكونيات أو الشرعيات أو المفيد أو غير المفيد ؟
(ب) ومن المناسب أن ننبه أن العلم في لغة القرآن هو ذلك الذي يوصل إلى الله تعالى : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر : 28]، والعلماء جمع عليم، وليس جمع عالم، فجمع عالم عالمون وجمع عليم علماء، مثل حكيم وحكماء، وخبير وخبراء، وفقيه وفقهاء، قال تعالى : (وفوق كل ذي علم عليم) [يوسف : 76].
(ج) لابد أن يلتزم التطبيق العلمي واستعمال العلم في الحياة بالأخلاق والأوامر والنواهي الربانية التي تريد للإنسان حياة سعيدة قوية تؤدي إلى التعمير ولا تؤدي إلى التدمير، تؤدي إلى حرية الإنسان والاختيار ولا تؤدي إلى سلب إرادته والإجبار، تؤدي إلى المساواة بين البشر ولا تؤدي إلى عبادة بعض البشر للبشر، وهيمنة الشمال على الجنوب، والقوي على الضعيف، فلا نتوصل بالاستنساخ أو الجينوم أو الهندسة الوراثية أو التدخل البيولوجي أو علوم الفضاء إلى الفساد الاجتماعي، أو الهيمنة التي تحصل المصالح لبعضهم على حساب الآخرين، أو تؤدي الخريطة الجينية إلى التسلط على الإرادة والتلاعب بالاختيار.
(د) لابد من التخلص من عقلية الخرافة، وهي العقلية التي لا تفرق بين المجالات المختلفة، ولا تقيم الدليل المناسب لإثبات القضية محل النظر، ولا تتبع منهجًا واضحًا محددًا من قبل في التعامل مع الحقائق، ولا تعتمد مصادر للمعرفة، وهذه العقلية الخرافية التي نريد أن نتخلص منها لابد أن يكون ذلك في مجال الحس، ومجال العقل، ومجال الشرع، فهذه المناهج المختلفة التي تدعو إلى الانتحار أو الانبهار أو الاجترار أو الانحسار أو الاغترار منهاج مرفوضة، فمنهج الانتحار الذي يؤدي إلى التكفير المؤدي في نهاية الطريق إلى التدمير والتفجير مرفوض، ومنهج الانبهار بالآخر والتعدي على مصادر الشرع من كل غير متخصص بين الإفراط والتفريط حتى يخرج علينا من ينكر الإجماع، أو يخرج عن مقتضيات اللغة، أو عن هوية الإسلام أو يحول الإسلام إلى لاهوت التحرر أو لاهوت العولمة.
ومنهج الانحسار الانعزالي الذي يؤدي إلى الفرار من الواقع الذي يشبه الفرار يوم الزحف منهج مرفوض أيضا، باعتبار أن مخالطة الناس والصبر عليهم خير عند الله من العزلة قال تعالى : (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) [يوسف : 18] وقال رسول الله صلى الله عليه سلم : (المسلم إذا كان مخالطا للناس ويصبر على آذاهم، خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على آذاهم) [رواه الترمذي، وابن ماجة].
أما منهج الاجترار فإنه يتمثل في التمسك بمسائل التراث تمسكا يحكي صورتها دون الوقوف عند مناهج التراث والتجريد أمامها حتى يمكن تطويرها إن احتاجت إلى تطوير أو الاستفادة بها حتى على حالها إن كانت تصلح لذلك.
فهو منهج (ماضوي) إن صح التعبير يريد بإصرار أن نتغاضى عن واقعنا، وأن نستمر في واقع قد تغيرت عليه الحياة، حتى رأينا كثيرًا من الناس يخرجون من دين الله أفواجا لظنهم أن هذا هو دين الله، وأن دين الله بذلك من طبيعته ألا يصلح لزماننا هذا، وهو وهم خاطئ ومخطئ، خاطئ لأنه مخالف للحق، ومخطئ لأنه مخالف للواقع.
أما منهج الاغترار فنراه عند كثير من خارج الدراسات الدينية الأكاديمية، الذين أقحموا أنفسهم في مجال الكلام في الشرع الشريف تشهيًا لإصلاح الدين بزعمهم، تارة أو للإدلاء بآرائهم التي يرونها مهمة تارة أخرى، وقد نراه أيضا عند الدراسين الدراسات الشرعية في مراحلها الأولى، مع ظن لا يتناسب مع ظن العلماء الراسخين في العلم؛ حيث يعتقدون أن لهم الحق في تجديد الدين غافلين عن قلة بضاعتهم الشرعية من ناحية، والمسافات الشاسعة بينهم وبين إدراك الواقع من ناحية أخرى، وهنا يجدر بنا أن ننبه على فارق مهم بين البحث (في) علم ما وبين الكلام (عن) ذات العلم، والفرق بين (في) و (عن) أن (في) تستلزم استكمال العملية التعليمية بعناصرها الخمسة : الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي، وهي عملية تهتم بالمعرفة وبالقيم وبتربية الملكات، وتحتاج لكي يبرز نتاجها في الواقع إلى التفرغ والتخصص والأدوات وطول الزمان، بالإضافة إلى الاستعدادات الفطرية من الذكاء باعتباره قوة ربط المعلومات والحرص على تلقي العلم الذي يمكن أن نسميه بالهمة، وبذل الجهد المستمر.
ولقد أشار الشافعي منذ القدم إلى هذا مما يبين أن المنهج العلمي لا يختلف في ذاته وإنما قد يتطور في صياغاته حيث قال :
أخي لن تنال العلم إلا بستة ** سأنبيك عن تأويلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ** وإرشاد أستاذ وطول زمان
والبلغة تعني التفرغ لطلب العلم، وأن عنده ما يكفيه من الأرزاق، وهو المعني الذي قامت به الأوقاف الإسلامية عبر القرون، فكان من أهم جهاتها الصرف على التعليم، وعلى الصحة وعلى الأمن الداخلي.
وهذا النمط من الاغترار هو أخطر الأنماط؛ لأنه قد حصل شيئا من العلم الشرعي، إلا أنه لم تكتمل أدواته حتى يصل إلى مرتبة المجددين. (يتبع)
التوحيد هو السمة العظمى للأمة الإسلامية، فالمسلم يؤمن بالتوحيد ليس فقط توحيد الإله، بل توحيد شمل كل شيء في بنائه العقائدي، فنبيه صلى الله عليه وسلم واحد؛ لأنه خاتم قال تعالى : ﴿رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب : 40]، وكتابه واحد؛ ولذلك حفظه من التحريف والتخريف وجعله واحدًا لا تعدد له، قال سبحانه : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر : 9]، والقبلة واحدة، قال عز وجل : ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة : 144]، والرسالة واحدة عبر الزمان قال سبحانه : ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج : 78].
والأمة واحدة قال تعالى : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء : 92]، (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) [المؤمنون : 52].
والتوحيد بهذا المعنى الذي اشتمل على الأشياء والأشخاص وتعدى الزمان والمكان، لابد أن يؤثر في عقل المسلم المعاصر وأن يكون أساسًا لفهمه للحياة ولتعامله مع الأكوان خاصة الإنسان.
فالأمة واحدة، ولعل حدث الإسراء والمعراج توج هذا المعنى، إذ التقى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بإخوانه الأنبياء، وصلوا صلاة واحدة، إشارة إلى أن هذه الأمة تتبع جميع الأنبياء وتؤمن بهم، وذلك باتباعهم لنبيهم الخاتم.
كان لتلك الزيارة التي أكرم الله بها نبيه المصطفى إلى بيت المقدس دلائل كثيرة منها : ختم الرسالات، ووحدة الأمة التي أرادها الله، ولكنها على أية حال كانت زيارة مفاجئة للناس، فوجئ بها مشركو مكة فكذبوا، وتحدث العهد القديم عنها وذكر أنها ستكون مفاجئة ففي سفر (ملاخي) : «سوف أرسل رسولي فيمهد الطريق أمامي، وفجأة سوف يأتي إلى هيكله السيد الذي تطلبونه، رسول العهد الذي تسرون به، إنه سوف يأتي، هكذا قال رب الجموع » [ملاخي 3/1].
إن الله سبحانه وتعالى كما أرسل الرسل بالعهد القديم، والعهد الجديد، فقد ختمهم برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنزل معه العهد الأخير، وجعل الله سبحانه وتعالى الأمة واحدة من لدن آدم إلى يومنا هذا : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران : 81].
فالإسلام أوسع دائرة من نتاج عقول المجتهدين، فإنه يصلح لكل زمان ومكان، ولكل العالمين، فأمة الإسلام تخاطب كل الناس في جميع الأحوال، فمن صدق بالنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو من أمة الإجابة، ومن لم يصدق فهو من أمة الدعوة.
ومن مقتضيات مفهوم الأمة في الإسلام ترتيب الأولويات، ومنهج التعامل مع الحياة الدنيا، وتحديد العلاقة مع الآخرين، ووضع برنامج عملي لعمارة الأرض، وعلى ذلك فإن إدراك مفهوم الأمة أمر أساسي إذا كان يمثل المنطلق لهذه القضايا وغيرها، وتفعيل ذلك الإدراك أمر أكثر أهمية من الإدراك المشار إليه.
فلابد علينا أن نتكلم بتوسع -وتحديد أيضا- عن مفهوم الأمة، ففي نظر المسلمين، الأمة ممتدة عبر الزمان فيما يمكن أن نسميه بالدين الإلهي، فالأمة تبدأ من آدم، وتشمل كل الرسل والأنبياء في موكبهم المقدس عبر التاريخ، والأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ممتدة عبر الزمان والمكان، وفي جميع الأحوال ولدى جميع الأشخاص، وهذا أمر غاية في الأهمية إذا اعتبرناه تأسيسًا لما ندعو إليه من معاصرة وإصلاح وتجديد، فالمسلمون لا يعرفون الرابطة القومية أساسًا للاجتماع البشري، وإن كانوا لا ينكرونها في سياقها، ولا يعترفون بالرابطة الوطنية إذا أدت إلى الشوفونية المتعصبة، وإن كانوا يعتبرون حب الوطن من الإيمان.
وبدء الأمة من آدم يجعل لقصة الخلق الواردة في القرآن الكريم معنا جليلا، ولا تكون إقرارا لحقيقة أو لواقع فحسب، بقدر ما تكون تأسيسا لمفهوم يبني عليه الاجتماع البشري، فماذا قالت القصة ؟ قالت الحقائق الآتية :
1- إن آدم من الأرض، فالأرض أذن أمه وأبوه، ليس شعارا لدعاة الحفاظ على البيئة، بل جزء من تصديق كلمة الله سبحانه وتعالى، وكون آدم من الأرض معناه أنه لابد عليه وعلى أبنائه أن يعاملوها معاملة الابن للوالدين، وأن العلاقة بينهما هي علاقة البر، وكون آدم من الأرض معناه المساواة التي ستكون بين بنيه فهم كلهم لآدم وآدم من تراب كما ورد في الحديث النبوي فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن) [رواه أحمد وأبو داود والترمذي] (والجعلان هي الخنافس).
وكون آدم من الأرض معناه أنه سيعود إليها، وأن حياته هنا محدودة بالموت، ولذلك فهي دار ابتلاء واختبار وتكليف، وليست دار خلود وتشريف قال سبحانه : (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) [طه : 55]، وكون آدم من الأرض يقتضي أنه محتاج إلى غيره وليس قائما بنفسه، وهو معنى قولهم (لا حول ولا قوة إلا بالله) التي ورد في الحديث أنها كنز من كنوز الجنة فعن أبى موسى - رضي الله عنه – قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا عبد الله بن قيس قل لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها . كنز من كنوز الجنة) . أو قال: (ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة، لا حول ولا قوة إلا بالله) [متفق عليه]؛ حيث تدل هذه الكلمة على حقيقة وجود الإنسان في الأرض، وحقيقة سعيه فيها.
2- إن آدم قد نُفخ فيه من روح الله سبحانه وتعالى، وروح الله مخلوق راق من مخلوقاته، فروح الله، مضاف ومضاف إليه، والإضافة فيها للقداسة مثل قولنا : (بيت الله) و(رسل الله) قال تعالى : (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) [الحجر : 29].
3- إن آدم قد سجدت له ملائكة الرحمن مما يدل على تكريمه. قال تعالى : (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) [الإسراء : 70].
4- إن آدم يمثل الخير في أصله، في مقابلة الشر الذي عند إبليس، ولذلك من تشبه بآدم فهو خير، ومن انحرف وخالفه وتشبه بإبليس فهو شر. قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) [النور : 31] وقال سبحانه : (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) [البقرة : 168].
5- فآدم إذن هُدي النجدين قال الله تعالى : (وهديناه النجدين) [البلد : 10]. أي طريق الخير وطريق الشر.
6- آدم إذن شرف وكلف قال الله سبحانه : (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) [الأحزاب : 72]
هذه الرؤية للإنسانية ستحدد مفهوم الأمة التي بدأت مع آدم هذا البدء، ويمكن أن نقرر صفات لتلك الأمة الواحدة، أن هناك مساواة بين البشر، فأصلهم واحد، ومصيرهم واحد، وهو الموت، والخطاب الإلهي إليهم واحد. قال تعالى : (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) [الأعراف : 158].
فإذا تحدد مفهوم الأمة بهذا المعنى فإن لدينا أمة الدعوة وهي الإنسانية كلها، وأمة الإجابة وهم من صدقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ودينه ومنهجه في الحياة، وهو مفهوم للأمة يشمل البشرية كلها، ويرى المسلمين مع غير المسلمين أمة دعوة يتوجه لهم جميعا الخطاب بـ (يا أيها الناس) , وإن اختص المسلمون بخطاب (يا أيها الذين آمنوا) حتى إنه في العقائد الإسلامية نرى شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة لجميع الخلائق حتى يصدق عليه قوله تعالى : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [الأنبياء : 70] أي السابقين واللاحقين.
وهو ما يسمى بمبدأ عالمية الدعوة الذي يعني أن الإسلام دين جاء بنسق مفتوح يخاطب الناس في كل زمان ومكان، وهذا لا يوجد في كثير من الأديان، بل في جلها، وقد تتفرد المسيحية بعد بولس الرسول بهذه الخاصية، فلقد كان النبي يرسل إلى قومه خاصة، حتى إذا ما جاء النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم أرسل للناس أجمعين، قال تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [سبأ :28]، وقال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء :107]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (فضلت على الأنبياء بست : (أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) [رواه مسلم]
وبناء على مفهوم الأمة يشعر المسلم بالأخوة للإنسانية لمن لم يوافقه على دينه، هذا علي رضي الله عنه، يقول لمالك بن الأشتر وهو يوليه على مصر : (ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزّلل وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه).
ويرى المسلم أيضًا في مفهوم الأمة أنه من أول الخلق إلى سيد الخلق أمة واحدة، (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [المؤمنون :52]. ومن أجل ذلك فهو يقبل التعدد على الرغم من أنه يرى غير المسلم على خطأ، لكن هذا الخطأ حسابه عند ربه يوم القيامة، والمسلم في الحياة الدنيا يتعاون ويتعايش مع من حوله من الناس، ولقد ترجم التاريخ الإسلامي هذه الحقيقة، فلم يبد المسلمون شعوبًا، ولم يقهروا الناس على الدخول في الإسلام قهرًا، وبقيت الأديان كلها في المحور الإسلامي، من هندوس ومجوس ونصارى ويهود وغيرهم، وهذه الحقيقة الملموسة يكابر فيها كثير من الناس، محاولين إنكارها، وهي حقيقة كالشمس لا تحتاج إلى إثبات فبرهانها ناطق معها.
ومبدأ عالمية الدعوة هذا اقتضى حفظ الكتاب كما تقدم، واقتضى خاتمية الرسالة، فسيدنا محمد هو رسول الله الخاتم الذي لا نبي بعده، وهذا من أجل وحدة الأمة، فأمة المسلمين لها هوية تتحد عليها، وتصلي إلى قبلة واحدة، وتعبد ربًا واحدًا، ولها نبيًا واحدًا، ولها كتابًا واحدًا لم تختلف عليه، وتصوم شهرًا وحدًا، إلى آخر تلك المظاهر للوحدة لتحقيق الهوية، مع الاختلاف في التطبيق في الفروع.
ويقتضي مبدأ عالمية الدعوة أيضا أن المسلم يحتاج إلى شرح إسلامه للناس، وبيان حقيقته، وهذا ليس نوعا من التبشير، حيث لا يستعمل خطط المبشرين النصارى مثلا، ولذلك فهناك فارق كبير بين الدعوة التي هي (بيان)، وبين التبشير المبني على خطط تتعلق بالتعليم والصحة ونحو ذلك، ويخلط كثير من الناس بين هذه المفاهيم، فيسيئون تعامل المسلمين بناء على سوء فهمهم.
وإذا تقرر هذا وأردنا أن نبني على مفهوم الأمة برنامجا عمليا يتعلق بالسياسة والاقتصاد والاجتماع، ويتواءم مع واقعنا ومشكلاتنا الآتية، فإنه يمكن تطبيق ذلك وترتيب أولوياتنا بأجندة تنبثق من واقعنا وحاجتنا دون النظر إلى ما يحاولونه من فرض الهيمنة من الخارج لمصالحهم ومنافعهم
فإنه إذا كانت الأمة واحدة عبر التاريخ الماضي، وواحدة بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وواحدة في يومنا هذا في أساس عقائدها، فلماذا لا نكون أمة واحدة أيضا في واقع معاشنا، مع اختراع ما يلزم من نظم وإجراءات تحقق هذا النظر وتؤيد هذا التوجه فإن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) [رواه ابن ماجه].