أنعم الله على مصر بالنيل, وهو من أعذب الأنهار طعما, وأجملها منظرا, حتى عده رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنهار الجنة, فقال: "سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة" (أخرجه مسلم 4/2183), وفي رواية أنه لما رفع صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى كان من وصفه: "وإذا أربعة أنهار نهران باطنان, ونهران ظاهران. فقلت ما هذان يا جبريل قال أما الباطنان, فنهران في الجنة, وأما الظاهران فالنيل والفرات" (أخرجه البخاري 3/1411).
واعتاد المصريون من قديم الزمان أن يحتفلوا بفيضان النيل ووفائه, وكان لهذا الاحتفال أغراض متعددة:
1- شكر النعمة قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم:7], وقال سبحانه: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [النحل:18]. والماء من أعظم النعم التي منَّ الله بها على الإنسان, قال عز وجل: (وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) [البقرة:164],وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ) [السجدة:27], وقديما بين الفقهاء درجات أفضلية المياه إظهارا لهذه النعمة وامتثالا لعلو شأن الماء في حياة المسلم, بل وفي حياة الإنسان عامة, فقال ابن السبكي في تفضيل النيل:
|
أفضل المياه ماء قد نبع |
* |
من بين أصابع النبي المتبع |
|
يليه ماء زمزم فالكوثر |
* |
فنيل مصر ثم باقي الأنهر |
ولذلك قال أهل التجارب والخبرة: "من أقام بمصر سنة وجد في طباعه وأخلاقه رقة وحسنا" (كوكب الروضة, للسيوطي ص 208).
2- أن الله سبحانه قد جعل الماء أصل المخلوقات فقال: (وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30], وقال تعالى: (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) [النور:45], ثم أكثر الحاجة إليه, وجعله عنوانا للطهارة الحسية والتهيؤ للصلاة بالوضوء أو الاغتسال, وأداة من أدوات إزالة النجاسة, وأمرنا باحترامه وبعدم إفساده وتلويثه,إذ نهى النبي صلى الله عليه وسلم "أن يبال في الراكد" (مسلم 1/235), والتبول في الماء الراكد لا يفسده فقط, بل يجعله مستنقعا وموطنا لانتشار الأوبئة والأمراض, ونهى كذلك عن الإسراف في استعمال الماء, ولو تعلق الأمر بالعبادة كالوضوء, فقد مر صلى الله عليه وسلم بسعد رضي الله عنه وهو يتوضأ فقال: "ما هذا السرف؟" فقال سعد: أفي الوضوء إسراف؟ قال: "نعم, وإن كنت على نهر جار" (ابن ماجة 1/147).
3- استمر المصريون في ترصد وتخصيص يوم يحتفلون فيه بالنيل عند وفائه, واشتهر ذلك اليوم باسم (وفاء النيل), وكانت هذه الحفاوة تبدأ في يوم 26 بؤونة من الشهور القبطية, وهو الوقت الذي اعتاد النيل أن يفيض من جانبيه, ويستمر في الزيادة لمدة 48 يوما, فيحتفلون في يوم 14 مسري وهو يوافق عادة يوم 20 أو 21 أغسطس باختلاف السنين الكبيسة والبسيطة.
وفي هذا اليوم ينعقد المجلس الشرعي الإداري لرصد زيادة النيل, فإن وصل المقياس إلى 16 ذراعا فأكثر وجبت الضرائب على المزارعين, وإن كانت أقل من 16 ذراعا عفي عنهم.
وكان أهل العلم هم الذين يحكمون بين الحاكم والمحكومين في هذا الشأن, وظل هذا التقليد في مصر, وتولى رئيس المحكمة الشرعية العليا حضور ذلك المجلس إلى أن ألغيت تلك المحاكم ابتداء من أول يناير سنة 1956 م, وآلت تلك الوظيفة إلى مفتي الديار المصرية.
4- ظل مفتي الديار المصرية يحضر هذا المجلس بمقر محافظة القاهرة حتى سنة 1972م, حيث تم بناء السد العالي ولم يعد النيل يوفي بفيضانه, فتوقف الاحتفال الذي كان يذكرنا بوجوب احترام النيل, وشكر النعمة عليه, والعمل على طهارته والاستفادة الرشيدة منه, وعدم السرف في مائه, وعدم التعدي على جماله, وإزالة كل ما يضر به من نبات وجزر, وكان الناس يتذكرون في مثل هذا اليوم أيضا وحدة دول حوض النيل من منابعه إلى مصبه, إلى غير ذلك من المعاني الجليلة التي كادت تنسى, ونحن في حاجة إلى إعادتها ونشر ثقافتها بين أبنائنا.
5- أما خرافة إلقاء عروس في النيل فقد جاءت عن طريق المؤرخ ابن عبد الحكم في القرن الثالث الهجري, حيث سمع بعض الإشاعات فسجلها دون سند من الحقيقة أو الواقع.
6- ولدينا حجة ذلك المجلس المشار إليه سنة 1958م, والتي وقعها فضيلة الشيخ/ حسن مأمون مفتي الديار المصرية, وجاء في مطلعها "انعقد المجلس الشرعي في تمام الساعة السابعة من مساء يوم الأربعاء الخامس من شهر صفر سنة 1378 هجرية, الموافق 20 من شهر أغسطس سنة 1958 ميلادية, والرابع عشر من شهر مسري سنة 1674 قبطية, بسراي محافظة القاهرة بميدان الجمهورية برياسة السيد اللواء/ عبد العزيز صفوت. محافظ القاهرة نائبا عن السيد الرئيس جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة, وبحضور حكمدار القاهرة وسكرتير عام المحافظة ووكلاء الحكمدارية وكبار الضباط والعلماء ورجال الصحافة والإذاعة والتجار والأعيان".
ولا يسعنا في الختام إلا أن نردد ونتأمل ونعلم هذا الجيل والأجيال بعده قول سيدنا عمرو بن العاص في خطابه إلى سيدنا عمر بن الخطاب يصف له مصر ونيلها: (اعلم يا أمير المؤمنين أن مصر تربة غبراء, وشجرة خضراء, طولها شهر وعرضها عشر, يكتنفها جبل أغبر ورمل أعفر, يخط وسطها نهر مبارك الغدوات ميمون الروحات, محمود الذهاب والإياب, يجري بالزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر له أوان, تعظم أمواجه فتفيض على الجانبين).
يظن كثير من المتصدرين للإفتاء أنه بمجرد قراءتهم للقرآن أو حتى حفظهم له مع بعض الإلمام بالأحاديث النبوية الشريفة, أنهم قد تأهلوا بذلك للإفتاء في دين الله تعالى, فضلا عن إرشاد الناس وتعليمهم أمور دينهم, ونسوا أو تناسوا أن العلماء قاطبة, ومعهم علماؤهم المولعون بهم, قد وضعوا للاجتهاد والإفتاء شروطا, لا تتوافر إلا في القليل من الأمة في كل عصر, مصداقا لقول الله سبحانه: (وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة:122].
وأمر الفتوى ليس بالشيء الهين; إذ هي تمر بأربع مراحل أساسية, تخرج بعدها في صورتها التي يسمعها أو يراها المستفتي, وهذه المراحل الأربع هي: مرحلة التصوير, ومرحلة التكييف, ومرحلة بيان الحكم, ومرحلة الإفتاء.
المرحلة الأولى: مرحلة التصوير: وفيها يتم تصوير المسألة التي أثيرت من قبل السائل, والتصوير الصحيح المطابق للواقع شرط أساسي لصدور الفتوى صحيحة منسجمة مع الواقع المعيش, وعبء التصوير أساسا يقع على السائل, لكن المفتي ينبغي عليه أن يتحرى بواسطة السؤال عن الجهات الأربع التي تختلف الأحكام باختلافها, وكثيرا ما يتم الخلط والاختلاط من قبل السائل بشأنها, وهي الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
وقد نقل الحافظ السيوطي عن الإمام الغزالي أن وضع الصور للمسائل ليس بأمر هين في نفسه, بل الذكي ربما يقدر على الفتوى في كل مسألة إذا ذكرت له صورتها, ولو كلف وضع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات والحوادث في كل واقعة عجز عنه, ولم تخطر بقلبه تلك الصور أصلا, وإنما ذلك شأن المجتهد (كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض.. للسيوطي ص 181).
المرحلة الثانية: مرحلة التكييف: والتكييف هو إلحاق الصورة المسئول عنها بما يناسبها من أبواب الفقه ومسائله, فتكيف المسألة مثلا على أنها من باب المعاملات لا العبادات, وهذه مرحلة تهيئ لبيان حكم المسألة الشرعي, والتكييف من عمل المفتي, ويحتاج إلى نظر دقيق.
المرحلة الثالثة: مرحلة بيان الحكم, ويؤخذ هذا من الكتاب والسنة والإجماع, ويتم إظهاره أيضا بواسطة القياس والاستدلال, ويجب على المفتي أن يكون مدركا لهذه الأدلة وترتيبها, ولدلالات الألفاظ العربية وطرق الاستنباط, وإدراك الواقع إدراكا صحيحا, ويتأتى هذا بتحصيله لعلوم الوسائل والمقاصد, كالأصول والفقه واللغة والحديث ونحوها, وبتدريبه على الإفتاء الذي ينشئ لديه ملكة راسخة في النفس يكون قادرا بها على ذلك, وكذلك تحليه بالتقوى والورع والعمل على ما ينفع الناس.
المرحلة الرابعة: الإفتاء, أو مرحلة تنزيل الحكم الذي توصل إليه على الواقع الذي أدركه, وحينئذ فلابد عليه من التأكد أن هذا الذي سيفتي به لا يكر على المقاصد الشرعية بالبطلان, ولا يخالف نصا مقطوعا به, ولا إجماعا متفقا عليه ولا قاعدة فقهية مستقرة.
ومن الأمثلة الواضحة لكيفية تطبيق تلك المراحل وتغيب عن أذهان غير المتخصصين, مسألة طلاق الغضبان, التي يفتي فيها البعض بغير علم لما سقناه, فيهلك نفسه ويدمر غيره بتشتيت شمل الأسرة وضياع أطرافها, فالغضب على ثلاثة أقسام: أولها: يصاحبه فقد الإدراك والإملاك, وفقد الإدراك أن يبلغ الغضب نهايته, بحيث ينغلق على صاحبه باب العلم والإرادة, فلا يعلم شيئا من أربعة أشياء حوله هي: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال, ويعرف هذا الفقد بالتحقيق معه, وفقد الإملاك هو أنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من أن يتفوه بكلمات الطلاق وغيرها, وهذا القسم لا خلاف بين العلماء في عدم وقوع طلاقه, لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طلاق في إغلاق (سنن ابن ماجة: 660/1). والإغلاق هو الغضب الشديد.
والقسم الثاني من الغضب هو من كان مدركا إلا أنه فقد الإملاك, فيخرج منه الكلام ولا يستطيع منعه, بحيث صار كالمجنون, وفي هذه الحالة لا يقع الطلاق أيضا على الراجح, إذ الأدلة الشرعية تدل على عدم نفوذ طلاقه وعقوده, التي يعتبر فيها الاختيار والرضا, وهو فرع من الإغلاق, كما فسره به الأئمة.
والقسم الثالث: أن يكون للإنسان إدراك وإملاك, حيث لا يتغير عليه عقله ولا ذهنه, ويعلم ما يقوله ويقصده, لهذا لا خلاف في وقوع طلاقه, خاصة إذا وقع منه ذلك عن قصد ونية, حتى ولو كان غاضبا, إذ أغلب حالات الطلاق لا تتم إلا في الغضب.
لذا كان تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الغضب شديدا, فقد روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني, قال: لا تغضب, فردد مرارا قال: لا تغضب (البخاري: 5567/5). وقال صلى الله عليه وسلم: لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان (ابن ماجة 2/776). والطلاق حكم من الرجل يصدره على المرأة, فلا يصح أن يصدر منه وهو غضبان, وإذا صدر ينبغي ألا يقع, حماية للأسرة, وأسوتنا في ذلك أن الله تعالى لم يلق باللوم على سيدنا موسى عليه السلام حين ألقى الألواح بعد أن تملكه الغضب, قال تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ) [الأعراف:154]. فالغضب غول يغتال العقل ويغيبه, ويجعل الإنسان لا يعلم ما يقول, ومن هنا ندرك حكمة الشارع في عدم الاعتداد بطلاق الغضبان على ما ذكرنا.
ونستطيع أن نقرر بعد هذا البيان أن: الحكم على الشيء فرع عن تصوره, وتكييفه, وكيفية تنزيل النصوص عليه. ولا يكون ذلك إلا لمن داوم على الأخذ عن العلماء الموثوق بهم, والمشهود لهم, وثابر على الجلوس بين أيديهم, وشرب من كأسهم المترعة بالعلم والحكمة والرحمة, ومارس الفتيا أمامهم حتى أذنوا له بتعليم الناس وإفتائهم.
الفتوى منصب شريف لا يجوز أن يتولاه أو يتصدى له إلا من كان فاهما لنصوص الشريعة من القرآن والسنة كما فهمها الأئمة المجتهدون كأصحاب مذاهب أهل السنة الأربعة فضلا عن الإلمام بالواقع ومتغيراته.
وأحد هؤلاء الأئمة العظام وأولهم ميلادا هو الإمام أبو حنيفة النعمان وهو مجتهد عظيم من المجتهدين الكبار ولد سنة 80 هجرية ومات سنة 150هـ, وقد رجح بعض أهل العلم أنه رأى الصحابيين أنس بن مالك والطفيل بن عامر رضي الله عنهما إذ هما آخر الصحابة وفاة ولذلك عدوه من التابعين يعني من الطبقة التي رأت صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد وصل الإمام أبو حنيفة شأوا عاليا في الفقه حتى قال عنه الإمام الشافعي: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة ومعنى هذا أنه مدرسة كبيرة ولذلك أسموه بالإمام الأعظم وهو مدفون في بغداد الآن في منطقة تسمى بالأعظمية وهي نسبة إليه.
وقد أخذت مصر بمذهب الإمام أبي حنيفة منذ أن كانت مرتبطة بالدولة العثمانية التي كان مذهبها الرسمي هو المذهب الحنفي, ولما خرجت مصر عن الدولة العثمانية كان كل القضاة يحكمون في المحاكم بالمذهب الحنفي ولم توجد حاجة لتغيير المذهب الحنفي إلى سنة 1925م عندما وضعت مجموعة قوانين للأحوال الشخصية للطلاق والزواج والنسب والحضانة والرضاع والنفقة وغيرها. وقد صيغت هذه القوانين وفقا للشريعة الإسلامية وكان الأساس فيها مذهب الإمام أبي حنيفة وغيره من المذاهب الأخرى ثم تطورت هذه المجموعة القانونية عبر السنين إلى أن صدر القانون الأخير الذي جمع بين هذه القوانين كلها في سياق واحد وقد قرر في غضون هذا القانون أنه إذا وردت أو جدت مسألة ليس فيها نص واضح في القانون أن يكون المرجع فيها إلى الراجح من مذهب الإمام أبي حنيفة وما زالت المحاكم المصرية إلى الآن تحكم وترجح -إذا فقدت النص في القانون- مذهب الحنفية في الميراث وفي الوصية وفي ما يتعلق بالأحوال الشخصية كلها.
ومن المسائل التي أثار حولها بعض المتشددين الجدل وذلك في محاولة للطعن في الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان قول المأذون المعتمد من قبل الدولة عند عقد الزواج: على مذهب أبي حنيفة النعمان حيث قالوا: ألم يكن هناك زواج قبل أبي حنيفة؟ وهل أصبح أبو حنيفة النعمان أعلى مرتبة من الرسول صلى الله عليه وسلم فأصبح يلقب بالإمام الأعظم دون غيره؟ وأصبحوا يرفضون ذكر هذه الجملة عند عقد الزواج.
وهذه الشبهة التي يروجها المتعصبون وغير المتخصصين في الفتوى -فضلا عن الفقه- مردود عليها بأن القانون المصري للأحوال الشخصية يستند كما قلنا إلى المذهب الحنفي فعندما يأتي المأذون ويقيم العقد وتقول المرأة لمن تريد الزواج منه زوجتك نفسي ويقول الرجل قبلت على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان إنما يفعلون هذا ويلتزمون به تحسبا لأي خلاف يقع بين الرجل والمرأة, إذ إنهما سوف يترافعان إلى القاضي يحكم بالقانون المأخوذ من المذاهب الإسلامية وعلى رأسها مذهب أبي حنيفة, بل سيرجع في بعض المسائل التي لم ينص عليها القانون إلى فقه أبي حنيفة واجتهادات السادة الأحناف فيها للحكم بالراجح منها في كل مسألة, هذا هو معنى قول القائل: زوجتك نفسي على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان هذا هو الشائع عند إتمام عقود الزواج, ولكن لنفرض أن شخصا لم يلتزم بهذه الجملة عند عقد النكاح فهل يبطل ذلك العقد أو يكون قد أصابه ما يشين؟ نقول: لا بطلان ولا ضرر في ذلك وليقل كما يلتزم البعض: زوجتك نفسي على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأبو حنيفة لم يخرج عن الكتاب والسنة, بل هو كغيره من الأئمة المجتهدين أشد الناس تمسكا بهما:
|
وكلهم من رسول الله ملتمس |
* |
غرفا من البحر أو رشفا من الديم |
وهناك علة أخرى لهذه المقولة يذكرها العلماء على سبيل الطرفة والملحة وهي أن مذهب أبي حنيفة النعمان في الزواج لا يشترط عدالة الشهود وفي هذا يقول الإمام الكاساني الحنفي: وأما عدالة الشاهد فليست بشرط لانعقاد النكاح عندنا فينعقد بحضور الفاسقين (بدائع الصنائع 2/255) وشرح ذلك السرخسي فقال: الأصل عندنا أن كل من يصلح أن يكون قابلا للعقد بنفسه ينعقد النكاح بشهادته, وكل من يصلح أن يكون وليا في نكاح يصلح أن يكون شاهدا في ذلك النكاح وعلى هذا الأصل قلنا: ينعقد النكاح بشهادة الفاسقين (المبسوط: 5/31).
أما عدالة الشهود عند المذاهب الأخرى فشرط في صحة عقد النكاح فعند الشافعي شرط ولا ينعقد إلا بحضور من ظاهره العدالة واحتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل (السنن الكبرى للبيهقي 7/111).
ولذلك كان غرض الآخذين بمذهب أبي حنيفة هو الخروج من هذه المشكلة ورفع العنت والحرج عن الناس في أمر لا غنى لهم عنه وهو الزواج, واضعين في الاعتبار أن الأصل في المسلم العدالة دون التفتيش في أفعال المسلمين ونياتهم, خاصة في عصرنا الحاضر الذي كثر فيه أعداد المسلمين وتناءت الديار بينهم ولم يعودوا أسرا وقبائل كما كان الحال في العصور السابقة.
هذه إحدى العبارات التي تجري على الألسنة ولا يعرف كثير من الناس أصلها أو الحكمة منها وبالرغم من أن لها أصلا في الشرع والقانون فإن المتشددين ومدعي العلم كعادتهم يحاولون إثارة الفتن والتنازع والفرقة حولها وتغليب آرائهم ومعتقداتهم فيها ناسين ما تمثله تلك العبارة وغيرها من عمق تاريخي في النفس المصرية.
عمل الإفتاء منصب شريف, تولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما تولى من مناصب كثيرة, كالقضاء, والحكم الأعلى, بالإضافة إلى الدعوة, والإمامة وغيرها.
مما ذكره الإمام القرافي في كتابه الماتع (الفروق), وفرق في كتابه, في فصل جعله لذلك, بين النبي مفتيا, والنبي قاضيا, والنبي داعية, والنبي رئيسا للدولة, والنبي قائدا للجيوش, والنبي إماما للصلاة, فقد اجتمعت فيه صلى الله عليه وسلم كل هذه المقامات, فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل الأتم, الذي نفعنا الله به في الدنيا والآخرة, ثم جاء من بعده الصحابة الكرام رضي الله عنهم, وقد ورثوا علمه وحملوا شريعته, وأدوا تلك الأمانة, كل على قدر طاقته. واشتهر في الفتوى من الصحابة أناس, منهم من إذا ما جمعت فتاواه كانت في مجلد, ومنهم من إذا ما جمعت فتاواه كانت في جزء صغير, ومنهم من له الفتوى والفتويان فقط. وعدد الذين تصدروا للفتوى من الصحابة الكرام كانوا نحو مائة وخمسين على قول, مع أن الذين رأوه صلى الله عليه وسلم بأعينهم, وشاهدوه, وغزوا معه الغزوة والغزوتين, وعاشوا معه السنة والسنتين, قد وصلوا إلى نحو مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا, وعلى ذلك, فهذا المقام الرفيع الذي كان يتولاه الصحابة الكرام لا يزيد عدد من تولاه منهم على واحد بالمائة, وكل واحد منهم صحابي جليل, وفيهم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (رواه البخاري في صحيحه 3/1343) ومسلم 4/1967 يعني أن الصحابي لو أنفق مثلا مقدار كيلوين أرزا أو قمحا, وأنت أنفقت في مقابله وزن أحد ذهبا, فإنك لا تبلغ نصف ما أنفقه الواحد منهم رضي الله عنهم, ومع هذه الجلالة فقد كان منصب الإفتاء فيهم أيضا منصبا محددا, لا يقوم به الجميع, بل الواحد بعد الواحد ممن توفرت فيهم ملكات وعلوم زائدة على مجرد الصحبة النبوية الكريمة. وظل هذا المنصب موجودا في الأمة, وألَّف فيه كثير من العلماء في آداب المفتي والمستفتي وكيفية الفتوى, منهم الإمام الحافظ ابن الصلاح, والإمام النووي, وابن حمدان, وابن تيمية, وابن القيم, وكثير من العلماء, وفصلوا هذا القول تفصيلا. وبقي هذا المنصب في بلادنا هذه, ينهض به الأئمة والعلماء الأكابر, حتى تولى الإفتاء فيها العلامة الشيخ المهدي العباسي وله ما يسمى بالفتاوى المهدية, وهو كتاب مطبوع في نحو ثمانية مجلدات كبار, وقد تولى الإفتاء وهو في العشرين من عمره, إلا أنه كان محاطا بأمناء, يحررون له السؤال, وبعد الإجابة يضبطون له الفتوى, وكان عالما كبيرا, ثم صار بعد ذلك شيخا للأزهر. والناس عندما يسألون يريدون من المفتي أن يخبرهم ما الحكم في كتاب الله تعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وما الحكم في شريعة الإسلام كما يفهمه الأئمة العظام؟ والأئمة العظام من المجتهدين شاع منهم أربعة هم: أبو حنيفة, ومالك, والشافعي, وابن حنبل, ومذاهبهم هي مذاهب أهل السنة الأربعة, وبقيت أربعة أخرى وهي: الإباضية, والجعفرية, والزيدية, والظاهرية, وكتبهم ما زالت موجودة, وأتباعهم ما زالوا موجودين -قلوا أو كثروا- إلى الآن, فالجعفرية أكثرهم, ثم الإباضية, ثم الزيدية, أما الظاهرية فهم أفراد في العالم, لكن كتاب (المحلى) لابن حزم -وهو أصل في مذهبهم موجود- وإليه يرجع في هذا المجال. ولكن هناك أكثر من هؤلاء المجتهدين, حيث وصل المجتهدون إلى أكثر من تسعين مجتهدا لهم مذاهب, منهم: الليث بن سعد, ومنهم حماد بن سلمة, وحماد بن أبي سليمان, وابن جرير الطبري, والأوزاعي, وسفيان الثوري, وغيرهم كثير ونجدهم مسطورين في كثير من الكتب: من أشهرها وأقربها كتاب: (ضحى الإسلام) لأحمد أمين. ثم وسعت دائرة بحث المفتي إلى نطاق المذاهب الثمانية عند الحاجة إلى شيء من خارج المذاهب الأربعة تقتضيه مصلحة العصر وفق نظر الفقيه المؤهل, ثم الخروج إلى الفقه الوسيع في الأمة عن المجتهدين التسعين, ثم يأخذ من المصادر الكبرى من الكتاب والسنة, مسترشدا بما عليه المجامع الفقهية الكبيرة العظيمة, كمجمع البحوث الإسلامية في الأزهر, ومجمع الفقه الإسلامي في جدة, وأمثال هذه المجامع المعتبرة, التي فيها علماء الشرع الشريف, وقليل جدا من المسائل هو الذي يجتهد فيه المفتي مباشرة, فيأخذ من صريح الكتاب والسنة, ويستخدم الأدلة والأدوات الأصولية, وهي مسائل قليلة جدا, ولكن ذلك وارد إذا ما كانت المسألة جديدة أو حديثة, وليس هناك رأي معتمد فيها استقرت عليه المجامع والجماعة العلمية في العالم. فعندما يريد المفتي أنيقول شيئا فهو إنما يريد أن يحكي كلام أئمة الأمة, وفق قواعدهم, ثم بعد ذلك (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف:29]، ثم بعد ذلك فمن شاء فليقبل, ومن شاء فليرفض, لأننا نعيش ونحيا في حرية, حيث علمنا الشرع الشريف أن ندع الخلق للخالق, فقال لنا: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا البَلَاغُ) [الشُّورى:48]، وقال لنا: (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) [الأنعام:107]، وهو سبحانه لم يرسلنا لنقهر الناس, بل إنه قال لرسوله ومصطفاه صلى الله عليه وسلم: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) [الغاشية:22] فالمبدأ هو: أن نقول كلمة الحق, وأن ننقل الشرع الشريف كما هو. والسؤال الآن: أين هذا كله فيمن يتصدرون للإفتاء في عصرنا, ويحرصون على الظهور في الإعلام بكل صوره, لا لشيء إلا حبا في الظهور ورغبة في التصدر, ولا يملكون إلا تدينا شكليا, أو فهما قاصرا وبضاعة مزجاة, لا تصلح فردا, ولا تقيم مجتمعا.
جاء شهر رمضان المبارك, حاملا معه الرحمات الإلهية والنفحات القدسية, ومصحوبا بألطاف الله عز وجل العظيمة, وفاتحا أبواب الخير, وهو مزاد التقوى وسوق الآخرة حيث امتن الله تعالى فيه على الصائمين بالأجر العظيم والفضل الجزيل, فقال عز وجل في الحديث القدسي: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم, فإنه لي وأنا أجزي به (أخرجه البخاري 5/2215 ومسلم 2/806), ولذلك وجب على المسلمين, بل حري بهم أن يقبلوا على الله تعالى في هذا الشهر, يؤدون واجباته ويتحلون بآدابه, ويعظمون شعائر الله فيه, وينأون عن المحرمات والمكروهات, لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب, وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم (أخرجه البخاري 2/673 ومسلم 2/807). وبمقدار ما يتضاعف أجر المقبلين على الله في هذا الشهر والراعين لحدوده, والمصطبغين بآدابه, فإن الغافلين عنه والمعرضين عن واجباته وآدابه يحرمون رحماته ويفتقدون بركاته.
وقد جعل الصيام لتكفير الذنوب, وتنقية النفوس, وللقرب من الله سبحانه وتعالى, فشهر رمضان الكريم هو شهر العبادة والقرآن, وإحياء كل نوازع الخير في بني البشر.
ولذلك لم يكن الصوم -كما يقول ابن الجوزي: صوم جماعة عن الطعام, وإنما الصوم صوم الجوارح عن الآثام, وصمت اللسان عن فضول الكلام, وغض العين عن النظر إلى الحرام, وكف الكف عن أخذ الخطام, ومنع الأقدام عن قبيح الإقدام.
وقبيل قدوم الشهر الكريم استعد المسلمون لاستقباله وشمروا عن ساعد الجد والاجتهاد في الطاعات وفعل الخيرات, لئلا ينصرم وقت هذا الشهر المبارك دون الفوز بوعد الله الوارد في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (أخرجه البخاري 1/22 ومسلم 523).
وفي ضوء هذا الجو الإيماني الجميل في رمضان, نجد هذا الكم الهائل من المسلسلات والأعمال التليفزيونية والفضائية في العالم الإسلامي, بما يحويه بعضها من مشاهد خارجة تخاطب غرائز الإنسان, وتجرح صومه وطاعته لله عز وجل, وتكدر الموقف الروحاني والإيماني الذي يعيشه المسلم في رمضان, حتى خشي على الصائم ألا تتحقق له فضائل هذا الشهر الكريم إذا أساغ لنفسه أن يضيع وقته في كل ما يبعد عنها, خاصة مع كثرة المعروض من تلك الأشياء.
إن مقصود الفن الحقيقي الذي تعارف عليه الحكماء والعقلاء أنه يوازن بين الترويح عن النفس والحفاظ على نشر القيم الصالحة في المجتمع.
يقول هاربرت ريد: وأظن أننا سنحكم بوجود الدليل الكافي للقول بأن للفن طبيعته الجدلية, فليس الفن ناتجا نتاجا ثانويا عن التطوير الاجتماعي, لكنه واحد من العناصر الأصلية التي تسهم في بناء المجتمع والثقافات (الفن والمجتمع ص13).
ولكن يحذر من استخدامه في غير الهدف الصحيح الذي قصده أصحابه منه, فقال ص10: أعتقد أننا بلغنا نقطة تحول في تطور المدنية الحديثة, أصبح فيها الجوهر الحق للفن في خطر من أن يعمي, وأصبح الفن في نفسه مندثرا من جراء سوء استعماله.
ويقول د/ حسين فوزي: ولا تحسبن الفن بمنأى عن أن يتحول هو أيضا من الخير إلى الشر, وذلك بوسائل أقل إنجازا وإن لم تكن أضعف أثرا في مستقبل البشر, فالفن قد يستخدم -بل استخدم فعلا- في محاولات لتدمير المجتمع, وذلك حين يتحول الفن عن مراميه السامية إلى أدوات دعاية وعدوان, أو حينما يهبط إلى أعمال خبيثة ليست من صحيح الفن, وإن لبست لبوسه نظما وموسيقى وغناء وتصويرا وتمثيلا ويضيف: ولو أن هذه الظواهر المنحلة في ضمن الفنون يقف عند حد تشخيص مرض اجتماعي نتيجة الحروب والانقلابات والعرقيات والانغماس في اللذائذ الحسية والمتع الدنيئة لقلنا شر يزول وشيكا, ولكنها -وهنا خطرها- تحمل في طياتها قدرة تبشيرية تهدد المجتمعات والشباب بخاصة, وجرثومة تميت المثل العليا في الأخلاق والعادات والتقاليد الصالحة التي أورثها السلف والمنصف لا ينكر وجود عدد من البرامج الجادة والمفيدة التي تبث عبر الفضائيات الهادفة يمكن أن يستفيد بها المسلم, ولا بأس من الترويح عن النفس بعض الوقت في رمضان بمشاهدة البرامج الجادة الخالية من وسائل الشر وتدمير الأخلاق والقيم.
فرمضان كما عهدناه جميعا هو شهر الطاعات والعبادات والتقرب إلى الله آناء الليل وأطراف النهار بالنفس والمال, وهو أيضا شهر صلة الأرحام, والارتقاء بالنفس بكثرة فعل الخيرات, وليس موسما للتفنن والتسابق في اللهو والغفلة وتضييع الأوقات, وإثارة الشهوات والملذات.
ولذا ينبغي على وسائل الإعلام في العالم الإسلامي أن تكون على قدر المسئولية, وأن تحرص على اختيار الأعمال الجادة التي تلتزم بالقيم, وتعمل على نشر الفضائل, وتساعد على البناء النفسي والصفاء الروحي للإنسان المكرم على سائر الأكوان, وبذلك تكون من المتحققين والفائزين بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة:2] نقول هذا بعد ما مر رمضان لعلها تكون كلمة صادقة لرمضان القادم لذا فإننا ننصح القائمين على تلك الأعمال بالعودة بالأعمال الفنية إلى سابق عهدها, أعمالا جميلة هادفة, تعالج قضايا مجتمعنا ومشكلاته, وترسخ قيمنا ومبادئنا المستمدة من نموذجنا الحضاري, كي تستمر المؤسسة الإعلامية بالعالم الإسلامي بجانب مؤسسات المجتمع المختلفة, في العمل وفق تعاليم ديننا والتمسك بعاداتنا وتقاليدنا الأصيلة في سبيل نهضة المجتمع وتقدمه.
أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم على نبيه المصطفى ليكون هداية ورحمة للعالمين, وما تضمنه ذلك القرآن من تعاليم تهدي إلى معاملة الإنسان والكون كله برقي وحضارة ومنهج, وتدعو إلى العلم والتقدم وتنبذ العدوان والإرهاب, كل ذلك يؤكد أنه لم تشهد البشرية كتابا مثله, وكذلك لنتشهد.
وقد حفظ الله سبحانه كتابه العزيز من أي تحريف أو تدليس, فالمسلمون من أول نزول القرآن أصبحت عندهم عقيدة وثقافة لحفظه حفظا تاما, لحروفه وكلماته وحركات نطقه, وترتيب آياته وسوره, فبذلوا جهودا بديعة لترجمة هذه العقيدة وتلك الثقافة إلى واقع, وشعروا دائما بأن الله سبحانه وتعالى يؤيدهم في هذا الحفظ قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9], فتعهد الله بحفظه ولهذا لم يقع ولن يقع التبديل فيه, وكان من صور حفظ الله للقرآن أنه لم يجعل حفظه في السطور فقط, بل جعل حفظه أيضا في الصدور, فمن أول يوم حفظوه في صدورهم وكتبوه في وثائق تؤيد هذا الحفظ, وعندما جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه المصاحف ما كان ليستطيع أن يضيف كلمة أو يحذف آية كما يتخرص الواهمون, القدامى والمحدثون الذين تسمح ثقافتهم بهذا التلاعب مع نصوص دينهم, فقد كان عثمان لا يكتب أي آية حتى يشهد عليها اثنان من الصحابة وهم عدول, ثم تناقله المسلمون تواترا جيلا بعد جيل حتى قيام الساعة, قال تعالى: (بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) [العنكبوت:49], قال الحسن: أعطيت هذه الأمة الحفظ وكان من قبلها لا يقرءون كتابهم إلا نظرا فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيون. (تفسير القرطبي:13/354), وما ذلك إلا لأن القرآن محفوظ في الصدور, ميسر على الألسنة, مهيمن على القلوب, معجز لفظا ومعنى. وحفظ القرآن أمر كوني يتولاه الله عز وجل بنفسه, ودلالة ذلك ما نجده من أطفال لا تتجاوز أعمارهم خمس سنوات ويحفظون القرآن عن ظهر قلب, فمتى حفظ هؤلاء هذا الكم الكبير من الآيات؟ وكأنهم قد خرجوا من بطون أمهاتهم يحفظون ذلك الكتاب الكريم! لقد استطاع المسلمون أن يحافظوا على كتابهم على مر العصور بحفظ الله له, وجعلوه محورا لحضارتهم وأنشأوا من أجل الحفاظ عليه العلوم, وتفننوا في كتابته بأجمل الخطوط, عاشوا معه وفيه وبه, فأقاموا حضارتهم بحفظهم لكتابهم وتفاعلهم معه. فمنها لانطلاق, وإليه الرجوع, وهو المخدوم بالعلوم, ولذلك نراهم أنهم قد بدأوا في خدمة العربية من أجل القرآن. كل هذا كان منهم بغرض حفظ كتاب رب العالمين, دون حول منهم ولا قوة, فهو وعد من الله الذي أنزله بأن يحفظه, ولم يكن في مقدور سيدنا محمد ولا أحد من البشر من بعده أن ينفذ هذا الوعد. ولكن الواقع الذي نعيشه يؤكد أن الوعد قد تم, ويزداد الإعجاز عبر الزمان من كل جهة; فإن القرآن لم يحفظ في الخزانات بعيدا عن الناس, ولم يقتصر حفظه على عائلات بعينها أو على فئة بذاتها,بل إن الجميع قد حفظه, ولذلك كانت الرقابة على حفظه من كل الأمة عبر الزمان والمكان, فقد حفظه الأطفال بعشرات الآلاف في كل مكان, وزاد من الإعجاز أن حفظه من لم يتعلم العربية ولم يعرف فيها كلمة واحدة. وقد تعرض القرآن الكريم لمحاولات التحريف فلم تفلح, ولمحاولات الترجمة الخاطئة السيئة النية فلم تؤثر فيه, ولمحاولة الطباعة المحرفة فبقي كما هو, ولمحاولة تقليده ومحاكاته بسيئ الكلام وركيكه فلم يزحزح عن مكانته, بل إن كل ذلك أكد معجزته الباقية عبر الزمان, وأعلى من شأنه في صدور الناس, وكان كل تلك الدعاوي والافتراءات -بالرغم مما اشتملت عليه من العدوان والطغيان- سببا في تمسك المؤمنين به, وبابا جديدا للدعوة إلى الله ودخول الناس في دين الله أفواجا, وبدلا من إبادة المسلمين التي أرادها مشركو مكة ومن بعدهم الفرس والروم ومن بعدهم الفرنجة والتتار ومن بعدهم الاستعمار والمتعصبون في الشرق والغرب, بدلا من ذلك انتشر الإسلام وأصبح عدد المسلمين أكبر أتباع دين طبقا لموسوعة جينز للأرقام القياسية. ورب ضارة نافعة, ففي تطاول أولئك المتطرفين على الإسلام والقرآن دليل على خواء الفرية القديمة والحديثة القائلة إن الإسلام انتشر بالسيف وهو محض افتراء, ذلك أنه في ظل تسامح المسلمين مع الحملة الشرسة التي توجه ضدهم وتصفهم بالإرهاب, نجد تزايد أعداد المسلمين في العالم أجمع يوما بعد يوم, شرقا وغربا. وذاع القرآن بصورة سلمية لأنه كتاب يصل إلى القلب والعقل معا, ينير البصر والبصيرة, ويعرف طريقه إلى النفوس السوية التي تخلصت من الحقد والكراهية. لقد كشفت الآونة الأخيرة عن نتائج مهمة ينبغي أن ينتبه لها المسلمون, فلا ننتظر حرقا آخر لكتاب الله من حاقد أو معتوه, أو طعنا في حفظه وقدسيته من متعصب أو جاهل كي ننهض إليه وندفع عنه الجهل والتشويه, إننا كمسلمين مطالبون بأن نعود إلى ريادة كتاب الله في آياته ومعانيه, بالقول والعمل, ونأخذ بزمام المبادرة ولا ننتظر ردود الفعل, ونخلع عن أنفسنا ثوب التقصير الذي طالما ارتديناه, فنصل إلى أرجاء المعمورة, نبلغ عن الله عز وجل كتابه العظيم وسنة نبيه, بالقول والعمل, وبكل لغات العالم, رغما فتراء الحاقدين ومعاندة المكابرين, قال تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ) [الصَّف:8].
يحرص الإسلام على أهمية التناسق والتوازن بين التقوى والعمل بما يحقق نهضة الأمة الإسلامية فردا ومجتمعا, كما يؤكد أن الركيزة الأساسية هي الإيمان والتقوى في حياة المسلم, فالتقوى من أهم الصفات التي حث الإسلام على تحلي المسلمين بها, لما لها من أثر عظيم على حياة المسلم في الدنيا والآخرة, فهي المقصد الأعظم والهدف الأسمى من كل التشريعات والأعمال.
والتقوى في الإسلام هي مناطق جميع الأعمال الصالحة, وحين نتدبر في النصوص القرآنية والنبوية نجد النص القرآني يؤكد تلك الحقيقة, ونجد أن الله جعل الدين والتقوى والخلق الحسن مناط التشريف والتقديم في الدنيا والآخرة, فالتقوى حالة قلبية ومنزلة إيمانية رفيعة ومرتقى عال لا يناله المسلم إلا بالمجاهدة والمصابرة، ولكن ما التقوى؟ التقوى هي فعل الخيرات. التقوى هي اجتناب الشرور. التقوى هي تحقق محبة الله ورسوله فيقلب المؤمن. التقوى هي حصول الرضا والسكينة. التقوى أن نعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله, وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. وبهذا المعنى الشامل للتقوى نجد جميع الآيات التي تنص على عمل ما منال أعمال الصالحة يكون الهدف منها تحقيق التقوى في نفس المسلم, حيث بيَّن الله تعالى أن القصد من كل ما شرعه سواء في العقيدة أو الشريعة أن تصبح التقوى صفة لازمة للمسلم, ففي ستة مواضع من القرآن يعقب الله تعالى على التشريع بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:21]، وفي ستة مواضع أخرى بلفظ: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأنعام:51], ولذلك جاء الأمر بالتقويل جميع الرسل الذين أرسلهم الله تعالى, فقال: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ) [النساء:131]، وإذا ما تدبرنا الآيات المحكمات في كتاب الله تعالى, نجد أن التقوى هي هدف وغاية أحكام الإسلام, ففي العبادة عموما يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:21]، وبشيء من التفصيل يقول سبحانه عن فريضة الصيام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:183]، وفي شعيرة الحج يقول جل وعلا: (الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ) [البقرة:197]، وفي المعاملات بين الله تعالى حكمته في الأمر بالقصاص فقال: (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:179]، ولماذا أمر عباده باتباع الصراط المستقيم والبعد عن الطرق الأخرى قال عز وجل: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153]، وجاء الأمر النبوي بعموم التقوى في الزمان والمكان والحال فقال: (اتق الله حيثما كنت, وأتبع السيئة الحسنة تمحها, وخالق الناس بخلق حسن) [أخرجه الترمذي 4/355] فإذا تحقق المرء بالتقوى في شئونه كلها نال ثمرتها العظيمة التي تضمن له السعادة في الدنيا والنجاة والفوز في الآخرة, ومن هذه الثمرات المباركة:
1- حصول محبة الله تعالى, قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ) [التوبة:4].
2- نزول رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة, قال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) [الأعراف:156]، وقال: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأنعام:155].
3- الدخول في معية الله ونصره, قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل:128]، وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ) [التوبة:36].
4- حصول الأمن من الخوف والحزن, قال تعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأعراف:35]، وقال: (وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الزُّمر:61].
5- حصول نور وبصيرة في القلب يميز بها الإنسان بين الخير والشر والحق والباطل, قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) [الأنفال:29], وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الحديد:28].
6- حصول السعة والبركة في الرزق, قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [الأعراف:96]، وقال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق:3-2].
7- تفريج الهموم والكروب, قال عز وجل: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطَّلاق:4].
8- رد كيد الأعداء والنجاة من شرهم, قال تعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران:120].
9- حسن العاقبة والخاتمة في الدنيا والآخرة, قال تعالى: (وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف:128], وقال: (مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الكَافِرِينَ النَّارُ) [الرعد:35].
10- التقوى سبب في قبول العمل, قال تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ) [المائدة:27]، وقال: (لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) [الحج:37]، والحاصل أن التقوى محلها القلب, وهي شعور يضع صاحبه في حالة حرص ومراقبة على سلوكياته حتى يأتي بها موافقة لما أمر الله, بعيدة كل البعد عما نهى الله عنه, وفي حالة حب يأنس فيها العبد بربه وينعم برضوانه.
من منن الله وكرمه على الأمة الإسلامية أن منحها شهرا فيه ليلة خير من ألف شهر, شهرا يحمل عبق الجنة وريحها, شهرا ميزه الله عن باقي شهور السنة بإنزال القرآن فيه وفريضة صيامه على المسلمين.
واختصه بفضائل وبركات لا توجد في غيره من الشهور, ليكون محلا للسبق ونيل أعلى الدرجات, وتدارك الفائت من الأعمال والأوقات, قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة:185].
وقد اختص الله عز وجل شهر رمضان من بين الشهور بإنزال القرآن الكريم فيه, وهو المعجزة الخالدة الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم على مر الزمان, الجامعة للقوانين المنظمة للكون, الصالحة للتطبيق في كل زمان ومكان, فكان حريا بأن يشرف به الزمان الذي ميزه الله وخصه بإنزاله فيه, كما اختار الله تعالى هذا الشهر لإنزال القرآن فيه اختاره أيضا لإنزال غيره من الكتب المقدسة السابقة عليه, فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان, وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان, والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان, وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان (رواه أحمد: 4/107), قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا, ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول سورة العلق. (فتح الباري 9/5) وفضل شهر رمضان بين سائر الشهور كفضل سيدنا يوسف عليه السلام بين إخوته, فكما كان يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب عليه السلام كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب, وإن كان في يوسف من الحلم والعفو ما غمر به جفاء أخوته فقال: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ) [يوسف:92] فكذلك شهر رمضان فيه من الرأفة والبركات والنعم والخيرات والعتق من النيران والغفران ما يربو على بقية شهور العام.
لما لشهر رمضان من منزلة عظيمة, فحقيق أن يحتفي الكون كله له, ففيه تفتح أبواب الخير وتغلق أبواب الشر, وهو ما فسر به قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين (رواه مسلم: 2/758) وفي ذلك إشارة إلى بركة الشهر وما يرجى للعامل فيه من الخير, وأن العمل فيه يؤدي إلى الجنة, كما يكثر فيه التجاوز عن الذنوب وغفرانها, فضلا عما اختص الله عز وجل ليالي شهر رمضان كلها بكثرة الصلات الربانية والنفحات الإلهية, ففي الليل تسري طاقات الأنوار التي يتجلى بها الله على خلقه.
ونظرا لما اختص الله تعالى به هذا الشهر الجليل من الكرامات والبركات والنفحات وتنزل الرحمات وكثرة التجليات, فقد حث فيه على فعل كثير من المستحبات التي يتأكد فعلها في رمضان, ويعظم أجرها فيه أكثر مما لو أديت في غيره, وأول هذه المستحبات: المداومة على ملازمة القرآن وكثرة تلاوته خاصة في الليل, قال تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) [المزمل:6] وناشئة الليل هي تلك النفوس التي يربيها الليل وينشئها على قرآنه, وهي تلك الواردات الروحية والخواطر النورانية التي تنكشف في ظلمة الليل, فتلك النفوس الصادقة التي تربت على أنوار القرآن الليلية هي أعظم ثباتا وتأثيرا, وأكثر إدراكا في وعيها, وأكبر نجاحا في سعيها, وأشد اتساقا وانسجاما مع صاحبها, وهذا الانسجام يحصل بين القلب واللسان والجوارح عند قراءة القرآن, كما يحصل أيضا التوافق بين الأمر الشرعي بالقراءة ليلا وبين الأمر الكوني في نزول القرآن ليلا, فكلما كانت قراءة المسلم للقرآن بالليل زاد اتساقه مع الكون, ويتضاعف هذا الاتساق بالقراءة في رمضان.
ومن أعظم الأعمال التي يثاب عليها المسلم في رمضان الصدقة, فهي عظيمة البركة على صاحبها وعلى كل من يسهم فيها بوجه ما, فيعمهم الثواب والخير وإن قلت أياديهم فيها, فالتوسعة على الفقراء في رمضان مطلوبة, إذ لما كثرت العطايا الربانية والمنن الإلهية, وازداد سطوع الأنوار القرآنية في هذا الشهر, عظم الباعث على الجود, لذا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير, وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل, وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن, فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة (رواه البخاري: 2/672), والريح المرسلة خيرها بلا حدود, يعم القريب والبعيد, فلا يقتصر على فرد دون فرد أو جماعة دون جماعة, وهذا كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
وكذلك المؤمن الذي يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في رمضان يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة ويرق للضعفاء, ويجود بما في يده ويطلق لها العنان في الإنفاق, فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الصدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان (رواه الترمذي: 3/51).
ولفضل هذا الشهر العظيم وعموم الرحمة فيه وكثرة المدن التي يمنها الله تعالى على الأمة الإسلامية, فمن -حقنا أن نهنئ بعضنا بعضا بقدومه, والتهنئة (بالأعياد والشهور المباركة والمناسبات السعيدة مشروعة ومندوب إليها, قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58], والتهنئة مظهر من مظاهر الفرح, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يهنئ أصحابه بقدوم شهر رمضان, فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان الرسول يبشر أصحابه ويقول: أتاكم رمضان, شهر مبارك (رواه النسائي: 4/129), فكل عام والأمة العربية والإسلامية بخير ويمن وبركات.
سألني أحد أحفادي عن مدفع الحاجة فاطمة ما هو؟ ولماذا سمي بهذا الاسم؟ وبرغم انتشار هذا الاسم فإن الكثير من الناس لا يعرفون الإجابة عن هذه الأسئلة, ومدفع الحاجة فاطمة هو مدفع رمضان الشهير الذي ارتبط ذكره بشهر رمضان الكريم.
والحاجة فاطمة هي الأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل تزوجت عام 1871 م من الأمير طوسون بن محمد سعيد باشا, والي مصر, وقد تميزت في حياتها وبين أخواتها بحبها للعمل العام والتطوعي, فحرصت علي المساهمة في أعمال الخير ورعاية الثقافة والعلم, وقد نقلت هذه الثقافة وتأثر بها ابنها الأمير عمر طوسون, الذي كان أكثر أمراء أسرة محمد إقبالا على العمل العام.
عرفت الأميرة فاطمة إسماعيل عن طريق طبيبها أن هناك مجموعة من الصعوبات التي تعاني منها جامعة القاهرة وذلك بعدما دعي إليها مصطفي كامل عام 1906م, فقررت تجاوبا مع الحركة الوطنية ورعاية للعلم وتشجيعا للعلماء, وقف مساحة من أراضيها وتبرعت بنحو6 أفدنة لإقامة مبني للجامعة الأهلية (القاهرة الآن) ووهبت مجوهراتها الثمينة للإنفاق علي تكاليف البناء, وقد نشرت مجلة الهلال الشهرية صورة لها وهي مرتدية جميع هذه المجوهرات قبل التبرع بها, كما أوقفت674 فدانا علي مشروع الجامعة من أراضيها في المنصورة, وأعلنت الأميرة فاطمة أن سائر تكاليف البناء سوف تتحملها كاملة والتي قدرت وقتها بمبلغ 26 ألف جنيه, ومن كرمها أيضا أعلنت تحملها جميع نفقات حفل وضع حجر الأساس, والذي كان سيحمل الجامعة نفقات كبيرة, خاصة أن الخديوي عباس حلمي الثاني كان قد أعلن انه سيحضر حفل الافتتاح هو والأمير احمد فؤاد, وبرغم أنها شاركت في وضع حجر الأساس للجامعة, فإنها توفيت عام1920 م قبل أن ترى صرح الجامعة ومنارتها التي قدمتها للعلم في مصر والوطن العربي, وعرفانا بجهود الأميرة لإنشاء الجامعة قررت الإدارة نقش اسمها علي واجهة كلية الآداب ومازال النقش موجودا حتى الآن وفيه آثار حضرة صاحبة السمو الأميرة فاطمة إسماعيل.
ولارتباط اسم المدفع باسم الأميرة قصة طريفة معروفة في التراث الشعبي المصري, فقد كان بعض الجنود في عهد الخديوي إسماعيل يقومون بتنظيف احد المدافع, فانطلقت قذيفة حينها علي سبيل الخطأ وقد تصادف ذلك وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان فاعتقد الناس أن هذا نظام جديد من قبل الحكومة للإعلان عن موعد الإفطار, ولما علمت الحاجة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل بهذا الأمر, أعجبتها الفكرة, وأصدرت فرمانا ليتم استخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية, وقد ارتبط اسم المدفع باسم الأميرة منذ ذلك الوقت قبل أن يشتهر بعد ذلك باسم مدفع رمضان, وهو موجود حاليا بمتحف الشرطة بقلعة صلاح الدين كأحد الآثار المصرية.
وتختلف طلقات مدفع رمضان عن الطلقات المستخدمة في الحروب, حيث يوضع بها كتلة من البارود لتعطي صوتا مرتفعا فقط, ومن ثم لا تحدث أضرارا ناتجة عن إطلاق المدفع, وتتم عملية الإطلاق بشد الحبل علي كتل البارود لينطلق الصوت ويوضع -قبل شد الحبل- بعض الحجارة أمام وخلف عجلات المدفع لتثبيته حتى لا ينزلق لحظة الانطلاق, واعتاد توفير مدفع آخر إلي جانب المدفع الرئيسي لتبادل الطلقات وتوفير البديل في حالة حدوث عطل.
ويرتفع المدفع عن سطح الأرض بمقدار 170 مترا وينطلق صوته مترددا في الأفق لمسافة تصل إلي عشرة كيلو مترات حتى يسمعه اغلب سكان القاهرة, ومع ظهور الإذاعة المصرية, بدأت في نقل صوت المدفع مواكبا لموعد أذان المغرب مع ترديد العبارة الشهيرة مدفع الإفطار.. اضرب ويتولي إطلاق المدفع عسكري برتبة صول ويشترط توافر الورع والتقوى فيه بالإضافة إلى التزامه وانضباط العسكري, وقد شهدت فترة السبعينيات من القرن الماضي إهمال استخدام المدفع والاعتماد فقط علي تسجيل الإذاعة حتى قامت وزارة الداخلية في عام1983 م بإصدار قرار إعادة استخدام المدفع خلال شهر رمضان, وذلك بعد نقله من قلعة صلاح الدين إلي هضبة المقطم لتفادي حدوث أضرار للآثار الإسلامية في منطقة القلعة بسبب صوته المرتفع, كما لم يقتصر استخدام المدفع علي العاصمة فقط, وامتد لبقية محافظات الجمهورية.
حيث يوضع عند مدخل المحافظة ويقوم علي خدمته الآن أربعة من رجال الأمن الذين يعدون البارود كل يوم مرتين لإطلاق المدفع لحظة الإفطار ولحظة الإمساك.
وتتميز عملية إطلاق مدفع رمضان بطقوس خاصة, فيحضر الموظف المسئول على عملية الإطلاق إلي الساحة الموجود فيها المدفع قبل الموعد بنصف ساعة, وقد اعتاد الكثير من الأطفال وحتى الكبار والأهالي -أن يتجمعوا في الساحة وبل ويتزاحموا فوق أسطح المنازل المجاورة لها ليشاهدوا عملية الإطلاق التي كانوا يقابلونها بالهتاف والتصفيق والتصفير, وهكذا الحال طوال الشهر الكريم, وفي ليلة العيد وبعد ثبوت رؤية الهلال في ليلة التاسع والعشرين يطلق المدفع سبع طلقات متتالية, أما إذا أتم رمضان ثلاثين يوما فيطلق المدفع سبع طلقات بعد العصر احتفالا بالعيد, وأثناء أيام العيد الثلاثة, يطلق المدفع عند كل أذان, وتتكرر العملية في أيام عيد الأضحى المبارك.
يتشرف كل مسلم حين ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأية نسبة قربت أو بعدت, وتتنوع صور تلك النسبة بتنوع ما يربط المسلم بحبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم فمنها ما يرجع إلى طاعته وحسن اتباعه.
ومنها ما يعود إلى التشرف بخدمته والقيام بخدمة شرعه, ومنها ما يتصل بمحبته وكثرة ذكره ومدحه, لينال المحب بذلك حبه صلى الله عليه وسلم وشفاعته ومعيته. وممن كان له السبق بذلك المقام في المديح شاعرا رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسان بن ثابت, وكعب بن مالك, مرورا بدرة عصره وزمانه الإمام البوصيري رضي الله عن الجميع.
وممن اشتهر بهذا فيمن عاصرناهم وسمعناهم السيد عباس الديب الصوفي الشاذلي العقادي, نسبة إلى شيخه السيد محمد أحمد العقاد رضي الله عنه, وهو الذي ابتدأ به السيد عباس المدح في أول قصيدة له سنة 1958 م, وقال في مطلعها:
|
الحمد لله حق الحمد للفقرا |
* |
شرفتموا قدرنا يا خير من حضرا |
وقد ولد رحمه الله تعالى في حي القلعة يوم الحادي عشر من مارس لعام 1918م, وماتت أمه وهو في الثالثة من عمره, فتعهده شقيقه الأكبر حسين, حتى التحق بكلية الحقوق جامعة القاهرة, ثم التحق بالجيش, وأدى الخدمة بفرقة في السودان, وظل هناك قرابة ثلاث سنوات, التحق بعدها بالري المصري في مدينة ملكال بالسودان, وقد تزوج وأنجب من الأبناء عشرة, بقي منهم بعد وفاته خمسة ذكور وأربع إناث وهم: زلفي, وحيد, فريد, سعيد, صبري, سلوى, ميسرة, حسين, زينب.
وتأثر مداح الرسول بوفاة والدته بشدة وداوم على زيارة قبرها, والبكاء عنده, ولم يمنعه هرمه ولا شيخوخته من البكاء بجوار قبر أمه, وقد كتب أبياتا لرثاء والدته من أروع ما جاء فيها:
|
أماه إن سكن الوليد الصدر أم حانية
|
|
وسقته أثداء الحنان فصار نفسا راضية |
|
وغدت أماني الحياة نشيده وأغانيه |
|
أماه كيف أنال ذا والموت بدد ماليه |
ويعد السيد عباس من رواد شعر المديح في القرن العشرين, حيث تبوأ مكانا عاليا في عالم الشعر الصوفي والمدائح النبوية, وقد حباه الله موهبة الشعر في سن متأخرة, وكانت أولى قصائده في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك التي قال في مطلعها:
|
تولى المصطفى أمري |
* |
وأسلمني إلى ربي |
|
وأشرق نوره سحرا |
* |
فكانت لحظة العمر |
|
فصارت ليلة القدر |
* |
فتم الوصل بالفجر |
ومن آخر ما أبدع الديب في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم قصيدة بعنوان: منازل الرضوان يقول فيها:
|
لم أجد في الخلق حصنا غير نور الله طه |
|
إنه المختار طه فهو نور الله فينا |
|
يحتمي فيه العبيد فهو لي ركن شديد |
|
إنه خير الأنام وهو مصباح الظلام |
واقتفى السيد عباس أثر أسلافه من المداحين الذين أتوا بعد البوصيري, حيث لم يكتفوا بما أبدعوا من قصائد ومدائح نبوية ورأوا أنه لزام عليهم أن تلتقي أنفاسهم بأنفاسه فراحوا يشطرون بردته الشهيرة, كل بما جاءت به قريحته, ومما قال عباس في ذلك:
|
يا رب بالمصطفى حسناه ساقيتي |
|
إني قتيل الهوى والمصطفى ديتي |
|
فإن لي ذمة منه بتسميتي |
|
عفوا.. وبالنور للرحمن هاديني |
|
مذ جئته مسلما في الحب ناصيتي |
|
محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم |
ولم يكتف السيد عباس بفن المديح فحسب, بل اهتم أيضا بنظم الأوراد والأدعية والأذكار الربانية نثرا وشعرا, ومن بين تلك الأذكار والأدعية مناجاته التي سمحت بها قريحته فيقول:
اللهم افض علينا من أسرار منتك ما يقيم بنا حقيقة التوحيد, ومن أنوار عزتك ما يبلغنا سدرة التفريد, ومن رضاك ومحبتك ما يؤمننا يوم الخوف والوعيد, إنك أنت الحميد المجيد, الفعال لما يريد, وأنت على كل شيء شهيد.
ومن دواوين شعره المنشورة ديوان بعنوان بين أمي والقرآن وهو حوار دار في مخيلته بينه وبين أمه بعد انتقالها إلى رحمة الله, وقد عالج في هذا الحوار الكثير من قضايا العصر التي تثار بين الحين والآخر, مما تدفعه علينا عواصف التشدد حينا, وزوابع الانحلال والإباحية حينا اخر, تلك التي يبغون من ورائها تشكيك الشباب في دينهم وزعزعة عقيدتهم, ومن تلك القضايا خطر التعصب لرأي وتخطئة المخالف وتبديعه بل تكفيره, مما يعد مناقضا ومحجوجا بصريح قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ) [النحل:125] فيقول السيد عباس:
|
فسألتها يا أم ما للناس قد ضلوا الطريق |
|
وغدوا على جهل جهول بالعدو وبالصديق |
|
يتعصبون بلا هدى وكأنهم رأس المضيق |
|
هذا كفور ذا جهول ذاك بدعي عريق |
|
هم وحدهم جند الإله وغيرهم أهل الحريق |
|
ويقودهم متبجح بالزهد يرديه البريق |
|
متفيهق بلسانه والقلب سفاح عريق |
|
قالت بني فهؤلاء خوارج الفكر العتيق |
|
فالدين دين الله ليس لمدعي العلم الصفيق |
|
والله لو ملك الجهول لكان كل دم يريق |
وقد نشرت للشيخ عباس الديب مؤلفات طيبة في المدائح والأوراد والأذكار, ولا يزال بعضها تحت يد أبنائه, وهو لم يبغ من وراء كل ذلك شيئا من عرض الدنيا ولمذاتها, بل دأب على التأكيد بالإذن بطبع ونشر كتبه وقصائده للراغبين في ذلك دون الرجوع إليه, ليضرب لنا المثل والقدوة في الزهد والإخلاص والحب لذكر الله ومدح رسول صلى الله عليه وسلم.
رحم الله عباس الديب وأسكنه فسيح جناته, ونفعه بمدحه وثنائه على النبي المصطفى وجمعنا وإياه في الآخرة مع سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.