مدفع رمضان أو مدفع الحاجة فاطمة هو أحد الرموز الرمضانية التي تغلغلت في ثقافتنا وهويتنا، وأصبحت صورة من صور الحضارة الإسلامية، وقد سألني أحد أحفادي عن مدفع الحاجة فاطمة، ما هو؟ ولماذا سُمي بهذا الاسم؟ ورغم انتشار هذا الاسم فإن الكثير من الناس لا يعرفون الإجابة عن هذه الأسئلة. ومدفع الحاجة فاطمة هو مدفع رمضان الشهير والذي ارتبط ذكره بشهر رمضان الكريم، والحاجة فاطمة هي الأميرة فاطمة ابنة الخديو إسماعيل، وهي إحدى بنات الخديو إسماعيل، تزوجت عام ١٨٧١م من الأمير طوسون بن محمد سعيد باشا والي مصر، وقد تميزت في حياتها وبين أخواتها بحبها للعمل العام والتطوعي، فحرصت على المساهمة في أعمال الخير ورعاية الثقافة والعلم، وقد نقلت هذه الثقافة وتأثر بها ابنها الأمير عمر طوسون، الذي كان أكثر أمراء أسرة محمد إقبالاً على العمل العام.
عرفت الأميرة فاطمة إسماعيل عن طريق طبيبها أن هناك مجموعة من الصعوبات التي تعاني منها جامعة القاهرة، وذلك بعدما دَعا إليها مصطفى كامل عام ١٩٠٦م، فقررت، تجاوبا مع الحركة الوطنية ورعاية للعلم وتشجيعا للعلماء، وقف مساحة من أراضيها وتبرعت بما يقرب من ٦ أفدنة لإقامة مبنى للجامعة الأهلية «القاهرة الآن»، ووهبت مجوهراتها الثمينة للإنفاق على تكاليف البناء، وقد نشرت مجلة الهلال الشهرية صورة لها وهي مرتدية جميع هذه المجوهرات قبل التبرع بها، كما أوقفت ٦٧٤ فدانا على مشروع الجامعة من أراضيها في المنصورة. وأعلنت الأميرة فاطمة أن سائر تكاليف البناء سوف تتحملها كاملة، والتي قدرت وقتها بمبلغ ٢٦ ألف جنيه، ومن كرمها أيضا أعلنت تحملها جميع نفقات حفل وضع حجر الأساس، والذي كان سيحمل الجامعة نفقات كبيرة، خاصة أن الخديو عباس حلمي الثاني كان قد أعلن أنه سيحضر حفل الافتتاح هو والأمير أحمد فؤاد، ورغم أنها شاركت في وضع حجر الأساس للجامعة، فإنها توفيت عام ١٩٢٠م قبل أن ترى صرح الجامعة ومنارتها التي قدمتها للعلم في مصر والوطن العربي، وعرفاناً بجهود الأميرة لإنشاء الجامعة، قررت الإدارة نقش اسمها على واجهة كلية الآداب، وما زال النقش موجودا حتى الآن وفيه: «هذه من آثار حضرة صاحبة السمو الأميرة فاطمة إسماعيل».
ولارتباط اسم المدفع باسم الأميرة قصة طريفة معروفة في التراث الشعبي المصري، فقد كان بعض الجنود في عهد الخديو إسماعيل يقومون بتنظيف أحد المدافع، فانطلقت قذيفة حينها على سبيل الخطأ وقد تصادف ذلك وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان فاعتقد الناس أن هذا نظام جديد من قبل الحكومة للإعلان عن موعد الإفطار، ولما علمت الحاجة فاطمة ابنة الخديو إسماعيل بهذا الأمر، أعجبتها الفكرة، وأصدرت فرماناً ليتم استخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية، وقد ارتبط اسم المدفع باسم الأميرة منذ ذلك الوقت قبل أن يشتهر بعد ذلك باسم مدفع رمضان. وهو موجود حاليا بمتحف الشرطة بقلعة صلاح الدين كأحد الآثار المصرية.
وتختلف طلقات مدفع رمضان عن الطلقات المستخدمة في الحروب، حيث يوضع بها كتلة من البارود لتعطي صوتاً مرتفعاً فقط، ومن ثم لا تحدث أضرارا. وتتم عملية الإطلاق بشد الحبل على كتل البارود لينطلق الصوت، ويوضع- قبل شد الحبل- بعض الحجارة أمام وخلف عجلات المدفع لتثبيته حتى لا ينزلق لحظة الانطلاق، واعتيد توفير مدفع آخر إلى جانب المدفع الرئيسي لتبادل الطلقات وتوفير البديل في حالة حدوث عطل في الأول.
ويرتفع مكان المدفع عن سطح الأرض بمقدار ١٧٠ مترا، وينطلق صوته متردداً في الأفق لمسافة تصل إلى عشرة كيلومترات حتى يسمعه أغلب سكان القاهرة. ومع ظهور الإذاعة المصرية، بدأت في نقل صوت المدفع مواكباً لموعد أذان المغرب مع ترديد العبارة الشهيرة «مدفع الإفطار.. اضرب»، ويتولى إطلاق المدفع عسكري برتبة صول، ويشترط توافر الورع والتقوى فيه بالإضافة إلى التزامه وانضباطه العسكري، وقد شهدت فترة السبعينيات من القرن الماضي إهمال استخدام المدفع والاعتماد فقط على تسجيل الإذاعة حتى قامت وزارة الداخلية في عام ١٩٨٣م بإصدار قرار بإعادة استخدام المدفع خلال شهر رمضان، وذلك بعد نقله من قلعة صلاح الدين إلى هضبة المقطم لتفادي حدوث أضرار للآثار الإسلامية في منطقة القلعة بسبب صوته المرتفع، كما لم يقتصر استخدام المدفع على العاصمة فقط، بل امتد لبقية محافظات الجمهورية حيث يوضع على مدخل المحافظة، ويقوم على خدمته الآن أربعة من رجال الأمن الذين يُعِدُّون البارود كل يوم مرتين لإطلاق المدفع لحظة الإفطار ولحظة الإمساك. وتتميز عملية إطلاق مدفع رمضان بطقوس خاصة، فيحضر الموظف المسؤول عن عملية الإطلاق إلى الساحة المتواجد فيها المدفع قبل الموعد بنصف ساعة. وقد اعتاد الكثير من الأطفال بل الكبار والأهالي أن يتجمعوا في الساحة ويتزاحموا فوق أسطح المنازل المجاورة لها ليشاهدوا عملية الإطلاق التي كانوا يقابلونها بالهتاف والتصفيق والتصفير، وهكذا الحال طوال الشهر الكريم.
وفى ليلة العيد وبعد ثبوت رؤية الهلال في ليلة التاسع والعشرين يطلق المدفع سبع طلقات متتالية، أما إذا أتم رمضان ثلاثين يوماً فيطلق المدفع سبع طلقات بعد العصر احتفالا بالعيد، وأثناء أيام العيد الثلاثة يُطْلَق المدفع عند كل أذان، وتتكرر العملية في أيام عيد الأضحى المبارك.
الاحتفال بهلال رمضان يعكس أهمية هذا الشهر في الثقافة الإسلامية، والمتتبع لتاريخ هذه الاحتفالات يتأكد من القيمة الاجتماعية والحضارية لهذا الشهر الكريم، بالإضافة لقيمته الدينية والفقهية، وكانت الاحتفالات في مصر برؤية هلال رمضان تبدأ في يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، وكانت الاحتفالات كبيرة وعظيمة يحضرها وجوه الناس وكبار رجال الدولة في العاصمة والمدن الكبرى، ويؤكد المؤرخ إبراهيم عناني، عضو اتحاد المؤرخين العرب، أنه في عام ١٥٥هـ خرج أول قاض لرؤية هلال رمضان وهو القاضي أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الذي ولي قضاء مصر، وخرج لنظر الهلال، وتبعه بعد ذلك القضاة لرؤيته، حيث كانت تعد لهم دكة على سفح جبل المقطم عرفت بـ«دكة القضاة»، يخرج إليها لاستطلاع الأهلة، فلما كان العصر الفاطمي بني قائدهم بدر الجمالي مسجداً له على سفح المقطم اتخذت مئذنته مرصداً لرؤية هلال رمضان، كما سن الفاطميون أيضاً ما يعرف بموكب أول رمضان، أو موكب رؤية الهلال، وهي العادة الحميدة التي استمرت في العصر المملوكي، فكان قاضي القضاة يخرج لرؤية الهلال ومعه القضاة الأربعة كشهود ومعهم الشموع والفوانيس، ويشترك معهم المحتسب وكبار تجار القاهرة ورؤساء الطوائف والصناعات والحرف، وتم في هذا العصر نقل مكان الرؤية إلى منارة مدرسة المنصور قلاوون، المدرسة المنصورية، بين القصرين لوقوعها أمام المحكمة الصالحية، وهي مدرسة الصالح نجم الدين بالصاغة، فإذا تحققوا من رؤيته أضيئت الأنوار على الدكاكين وفي المآذن وتضاء المساجد، ثم يخرج قاضي القضاة في موكب يحف به جموع الشعب حاملين المشاعل والفوانيس والشموع حتى يصل القاضي إلى داره، ثم تتفرق الطوائف إلى أحيائها معلنة الصيام.
أما في العصر العثماني، فعاد موضع استطلاع الهلال مرة أخرى إلى سفح المقطم، فكان يجتمع القضاة الأربعة وبعض الفقهاء والمحتسب بالمدرسة المنصورية بين القصرين، ثم يركبون جميعاً ويتبعهم أرباب الحرف إلى موضع مرتفع بجبل المقطم، حيث يترقبون الهلال، فإذا ثبتت رؤيته عادوا وبين أيديهم المشاعل والقناديل إلى المدرسة المنصورية، ويعلن المحتسب ثبوت رؤية هلال رمضان، ويعود إلى بيته في موكب حافل يحيط به أرباب الطرق والحرف بين أنواع المشاعل في ليلة مشهودة، واستمر الأمر على ذلك حتى أمر الخديو عباس حلمي الثاني بنقل مكان إثبات رؤية الهلال إلى المحكمة الشرعية بباب الخلق.
ومع إنشاء دار الإفتاء المصرية في أواخر القرن التاسع عشر، أسندت إليها مهمة استطلاع هلال رمضان والاحتفال به، وتقوم الدار بهذه المهمة كل عام بعد غروب شمس يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، ويتم ذلك من خلال لجانها الشرعية والعلمية المنتشرة بجميع أنحاء الجمهورية بالوادي الجديد وتوشكى وسوهاج وقنا والبحر الأحمر ومدينة السادس من أكتوبر ومرسى مطروح ومرصد حلوان، وتعلن الدار نتيجة الاستطلاع في احتفال جميل يحضره الإمام الأكبر والمفتون السابقون ووزير الأوقاف ومحافظ القاهرة والوزراء وسفراء الدول الإسلامية ورجال القضاء وغيرهم من رجال الدولة، ويكونون جميعاً في ضيافة مفتى الديار المصرية.
وقد كان الاحتفال يتم في سرادق بجوار دار القضاء العالي، عندما كان مقر دار الإفتاء فيها، ثم استقلت الدار بمبناها الحالي بالدراسة، وانتقل الاحتفال لقاعة المؤتمرات بالدور الأرضي بمبنى الدار، إلى أن ضاقت بالحضور فانتقلت إلى قاعة المؤتمرات الكبرى للأزهر الشريف بمدينة نصر بالقاهرة، ويتم نقل الاحتفال من خلال الإذاعات الرسمية المسموعة والمرئية، ويبدأ الاحتفال بتلاوة بعض آيات من القرآن الكريم، ثم يعلن فضيلة المفتي ثبوت رؤية الهلال، ومن ثم يكون اليوم التالي هو غرة الشهر الكريم، أو عدم ثبوته ويكون اليوم التالي المتمم لشهر شعبان.
وتتقيد دار الإفتاء المصرية في رؤية الهلال بقرارات مؤتمر جدة التي أقرتها منظمة المؤتمر الإسلامي، وقرارات مجمع البحوث الإسلامية في مؤتمره الثالث المنعقد في الفترة من ٣٠ سبتمبر إلى ٢٧ أكتوبر من عام ١٩٦٦، الذي نص في قراره الخاص بتحديد أوائل الشهور القمرية في بنده رقم «١» الفقرة «ب» على الآتي: يكون ثبوت رؤية الهلال بالتواتر والاستفاضة، كما يكون بخبر الواحد ذكراً كان أو أنثى، إذا لم تتحقق التهمة في إخباره لسبب من الأسباب، ومن هذه الأسباب مخالفة الحساب الفلكي الموثوق به الصادر ممن يوثق به، وهذا يعني أن الاعتماد على الرؤية البصرية هو الأساس مع الاستئناس بالحساب الفلكي لإفادته القطع واليقين في مثل تلك الأمور المحسوسة، والحساب الفلكي ينفي ولا يثبت، فإذا نفى الحساب إمكانية الرؤية فإنه لا تقبل شهادة الشهود على رؤيته بحال، لأن الواقع الذي أثبته العلم الفلكي القطعي يكذبهم، وفى هذا جمع بين الرؤية البصرية المأمور بها والحساب الفلكي المقطوع بدقته، وهو ما اتفقت عليه قرارات المجامع الفقهية الإسلامية كما أشرنا.
وقد انتهجت الدار سلوكاً حميداً للاحتفال بقدوم الشهر بطبع كتيب عن الصيام يوزع على السادة الحضور، كما يوزع على الجمهور الزائر للدار على مدى الشهر الكريم، ويتناول الكتاب فضائل الشهر والمسائل الفقهية المتنوعة الخاصة بفضل شهر رمضان، وأحكام الصيام من: أركان وشروط ومبطلات ومكروهات، والأعذار المبيحة للفطر، وأحكام قراءة القرآن وختمه، وفضل قيام ليلة القدر، وأحكام زكاة الفطر وحكمتها، وفضل صيام ست من شوال وغير ذلك، وهذه سنة حسنة للدار تنتهجها في جميع المواسم الدينية كالحج وغيره.
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبداً» «أخرجه الطبراني»، ومن أعظم نفحات الله وكرمه على الحضارة الإسلامية أن منحها شهراً يحمل عبق الجنة وريحها، شهراً فيه ليلة خير من ألف شهر، شهراً اختصه سبحانه بفضائل وبركات لا توجد في غيره من الشهور، ليكون محلا للسبق ونيل أعلى الدرجات، وتدارك الفائت من الأعمال والأوقات، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: 185].
ومن الفضائل التي اختص الله -عز وجل- بها شهر رمضان: إنزال القرآن الكريم فيه، وهو المعجزة الخالدة الدالة على نبوته، صلى الله عليه وسلم، على مر الزمان، الجامعة للقوانين المنظمة للكون، الصالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، فكان حرياً بأن يشرف به الزمان الذي ميزه الله وخصه بإنزاله فيه.
وكما اختار الله تعالى هذا الشهر لإنزال القرآن فيه اختاره أيضاً لإنزال غيره من الكتب المقدسة السابقة عليه، فقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «أُنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان، وأُنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأُنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان» (رواه أحمد: 107/4)، قال الحافظ ابن حجر: «يحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول سورة العلق» (فتح الباري 5/9).
وفضل شهر رمضان بين سائر الشهور كفضل سيدنا يوسف، عليه السلام، بين إخوته، فكما كان يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، عليه السلام، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب، وإن كان في يوسف من الحلم والعفو ما غمر به جفاء إخوته فقال: (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ) [يوسف:92]. فكذلك شهر رمضان فيه من الرأفة والبركات والنعم والخيرات والعتق من النيران والغفران ما يربو على بقية شهور العام.
ونظراً لما اختص الله -تعالى- به هذا الشهر الجليل من الكرامات والبركات والنفحات وتنزل الرحمات وكثرة التجليات، فقد حث فيه على فعل كثير من المستحبات، التي يتأكد فعلها في رمضان، ويعظم أجرها فيه أكثر مما لو أديت في غيره، وأول هذه المستحبات: المداومة على ملازمة القرآن وكثرة تلاوته خاصة في الليل، قال تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً) [المزّمِّل:6] ، وناشئة الليل هي تلك النفوس التي يربيها الليل وينشئها على قرآنه، وهي تلك الواردات الروحية والخواطر النورانية، التي تنكشف في ظلمة الليل، فتلك النفوس الصادقة التي تربت على أنوار القرآن الليلية هي أعظم ثباتا وتأثيرا، وأكثر إدراكاً في وعيها، وأكبر نجاحا في سعيها، وأشد اتساقاً وانسجاماً مع صاحبها، وهذا الانسجام يحصل بين القلب واللسان والجوارح عند قراءة القرآن، كما يحصل أيضا التوافق بين الأمر الشرعي بالقراءة ليلاً، وبين الأمر الكوني في نزول القرآن ليلاً، فكلما كانت قراءة المسلم للقرآن بالليل زاد اتساقه مع الكون، ويتضاعف هذا الاتساق بالقراءة في رمضان.
ومن أعظم الأعمال التي يثاب عليها المسلم في رمضان الصدقة، فهي عظيمة البركة على صاحبها وعلى كل من يسهم فيها بوجه ما، فيعمهم الثواب والخير، وإن قلت أياديهم فيها، فالتوسعة على الفقراء في رمضان مطلوبة، إذ لما كثرت العطايا الربانية والمنن الإلهية، وازداد سطوع الأنوار القرآنية في هذا الشهر، عظم الباعث على الجود، لذا «فقد كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل، عليه السلام، يلقاه كل ليلة في رمضان فيدارسه القرآن، فإذا لقيه جبريل، عليه السلام، كان صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» «رواه البخاري:67٢/٢»، والريح المرسلة خيرها بلا حدود، يعم القريب والبعيد، فلا يقتصر على فرد دون فرد أو جماعة دون جماعة، وهذا كان خلق النبي، صلى الله عليه وسلم، يعطى عطاء من لا يخشى الفقر.
وكذلك المؤمن الذي يقتدي بالنبي، صلى الله عليه وسلم، في رمضان يزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة ويرق للضعفاء، ويجود بما في يده ويطلق لها العنان في الإنفاق، فقد سئل النبي، صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة أفضل؟ قال: «صدقة في رمضان» «رواه الترمذي: 51/3).
ولفضل هذا الشهر العظيم وعموم الرحمة فيه وكثرة المنن التي يمنها الله -تعالى- على الأمة الإسلامية، فمن حقنا أن نهنئ بعضنا بعضاً بقدومه، والتهنئة بالأعياد والشهور المباركة والمناسبات السعيدة مشروعة ومندوب إليها، قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58]، والتهنئة مظهر من مظاهر الفرح، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يهنئ أصحابه بقدوم شهر رمضان، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: «كان الرسول يبشر أصحابه ويقول: أتاكم رمضان، شهر مبارك» «رواه النسائي: 129/4».. فاللهم أَهِلَّهُ علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، وزدنا فيه تعلقاً بك وشفقة على خلقك.. وكل عام والأمة العربية والإسلامية بخير ويمن وبركات.
قال الدكتور على جمعة عضو هيئة كبار علماء الأزهر الشريف ردا على سؤال حول ما إذا كان الرسول محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أهدر دم أحد أم لا؟: "حينما بحثنا فى هذا الأمر وجدناه صلى الله عليه وآله وسلم قد أهدر دم أربعة عشر شخصا، لكن ذلك كان فى إطار الأحكام القضائية؛ حيث إن من ضمن وظائفه صلى الله عليه وآله وسلم التى كان يقوم بها وظيفة القضاء". وأضاف على جمعة، فى بيان: "إننا نجد إهدار الدم هذا عبارة عن أحكام بالإعدام، وكل حكم من هذه الأحكام كان فى قضية لها تحقيقات وحيثيات حكم على نحو ما نراه بالمحاكم اليوم، لكن وبالرغم من كل هذا لم يتم تنفيذ هذا الحكم القضائى فى اثنتى عشرة حالة من الـ14 حالة، وتنفيذ الإعدام فى الحالتين الباقيتين سنده من حيث الرواية ضعيف جدا".
هذا الكتاب هو عبارة عن نتاج تفريغ سلسلة دروس ألقاها فضيلة العلامة الشيخ/ علي جمعة بمسجد العشيرة المحمدية بالدَّرّاسَة علىٰ مدار أحد عشر درسًا عام 2001م، بيَّن فيها فضيلته معالم الطريق إلىٰ اللّٰه تعالىٰ، وكيفية تخطي العقبات التي تقابل السالك، والتبصرة بالآفات التي قد تلحق المريد أثناء سيره؛ وكيفية التخلص منها، وهذا كله قد خرج من قلب قد وعىٰ الشريعة والحقيقة، ممن قد خاض هذا البحر وسبر غوره، مربٍّ فاضل قد سلك كثير من طلاب الحق والحقيقة علىٰ يديه؛ فأرشدهم ووجههم حتىٰ وصلوا إلىٰ شاطئ الأمان وبر العرفان، وهو -حفظه اللّٰه- في هذه الدروس قد لَخَّص ما حَصَّل من أنوار وبركات وفيوضات مشايخه الذين كانوا أقطاب عصرهم وقدوة زمانهم؛ فهو بذلك -جزاه اللّٰه عن الإسلام والمسلمين كل خير- قد مَهَّد الطريق لكل من أراد الوصول، وزلل الصعاب لكل من أراد التمسك بالأصول، وباللّٰه التوفيق.
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الحق إلى كافة الخلق ، وغمام الرحمة ، الصادق البرق ، والحائز في ميدان اصطفاء الرحمن قصب السبق ، خاتم الأنبياء ، ونبي الهدى ، الذي طهر قلبه وغفر ذنبه وختم به الرسالة رَبُّهُ ، خير من وطئ الثرى ، من لو حازت الشمس بعض كماله ما عدمت إشراقًا، أو كان للآباء رحمة قلبه ذابت نفوسهم إشفاقًا ، وعلى آله وصحبه وسلم .
أما بعد : فإن موضوع هذا البحث لم يقتصر على المفهوم الشائع عن البيئة ، والذي حددها بأنها كل ما يحيط بالإنسان من مخلوقات ومظاهر طبيعية ، ولكنه ينظر للبيئة على أنها الإنسان وكل ما يحيط به ؛ وذلك لأنه ليس ثمة سبب منطقي يُخْرِجُ الإنسانَ عن كونه جزءا من البيئة ، وهو أهم جزء فيها ، وصلاحها مرتبط بصلاحه ، وفساده وعدم المحافظة عليه من الناحية النفسية والعقلية والجسدية بتنمية قدراته يعد أكبر فساد في البيئة .
والخلافة والأمانة التي هي وظيفة الإنسان في الأرض تعني الاعتناء والرعاية بالإنسان أولا ، ثم بغيره من الكائنات ، وذلك لا يكون إلا بهدايته إلى المنهج السوي في إعمار الكون وفهم مراد الحق سبحانه وتعالى من الوجود .
والخلافة في الأرض بالمفهوم الإسلامي تعني تحمل الإنسان لمسئولية إعمار الكون والمحافظة على البيئة ، وذلك في مقابل ما ينعم به الإنسان من تسخير الكون في خدمته وسعادته .
والتسخير هو انتفاع الإنسان بصفته الإنسانية بخيرات الكون وطيباته ، ولذلك فلا يحق لإنسان ـ تبعا للمنهج الإسلامي ـ أن يستأثر بهذا النفع دون غيره على المستوى الزماني أو المكاني .
فقد نَصَّبَ الله الإنسان حارسا وخليفة في الكون وجعله مهيمنا على ما فيه من منافع وتسخيرات حتى يظل سيدا وخليفة فلا يُحْتَكَمُ عليه من غير جنسه ، وهي مسئولية يحاسب عليها في الآخرة ويجازى بمقتضى فعله فيها إن خيرا وصلاحا فخير وإن شرا وفسادا فشر .
وإعمار الكون والمحافظة على البيئة عملية تقوم على بعدين : البعد الأول يتعلق بالتصورات العقائدية التي ترسم العلاقات بين الإنسان والكون والإله . والبعد الثاني يتعلق بالتصورات الفقهية والتي تصدر عنها الأحكام الشرعية والتي تنظم العلاقات بين الإنسان والكون وبين الإنسان والخالق.
ويهدف البحث إلى توضيح ما جاء في الإسلام من تصورات عقائدية وأحكام فقهية جعلت الإنسان مطالبا وقادرا ومدفوعا إلى المحافظة على بيئته الإنسانية ، والمشاركة والتعاون على عدم الإفساد فيها ، وتوضيح أن الشرع الإسلامي لم يقف عند حدود المحافظة بل تعداها إلى التنمية والإصلاح وغير ذلك ؛ لأن الإسلام حض على العمل والتفكر والبحث عن أسرار الكون استدلالا على الوجود الإلهي ووصولا إلى المحبة .
فالتصور الذي رسمه الإسلام للسماء والأرض والجماد والنبات والحيوان كان أدعى إلى حصول الاهتمام والرعاية من الإنسان لبقية المخلوقات ، بل والرفق والرحمة والمحبة ؛ لأن المسلم بحبه لله تَحْصُلُ في قلبه المحبةُ لكل ما خلق الله وأبدع .
ويوضح البحث ما جاء في النصوص الشرعية من ثنائيات ترسم التصور الإسلامي للوجود ، مثل الخلافة والتسخير ، والحق والواجب ، والمنهج والبناء ، والمحافظة والمحبة ، والمنفعة والجمال .
المحتويات :
أولا : الخلافة والتسخير .
ثانيا : الحق والواجب .
ثالثا : المنهج والبناء .
رابعا : المحافظة والمحبة .
علاقة الكون بخالقه
علاقة الإنسان بالكون
علاقة التسخير
العلاقة بين الإنسان والأرض
الأمر العام بالرحمة والرفق بجميع الخلق
مفهوم الخلافة في المنظور الإسلامي
دعوة الإسلام إلى النظر والتأمل في الكون
دعوة الإسلام إلى عمارة الأرض
دعوة الإسلام إلى النهي عن الفساد والإفساد
العلاقة بين الحب والفساد
الإسلام والنهي عن الإسراف
الإسلام والأمر بالمشاركة في الانتفاع بما سخره الله في الكون
الإسلام والأمر بالنظافة على مستوى الإنسان والبيئة
الإسلام والمحافظة على الماء
الإسلام والمحافظة على النبات وتنميته
الإسلام والمحافظة على الحيوان والرفق به
الإسلام ورحمة الطير
الإسلام والتوازن البيئي
الإسلام والسلام البيئي
الحمد لله رب العالمين ، أمر بالقسط والمعروف والعدل ، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغى .
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، الذى جعل الله طاعته من طاعته ، أمرُهُ e مأخوذ به ، ونهيه منتهى عنه ، طاعته واجبة ، ومخالفته معصية .
وبعد : فهذا بحث فى الأوامر والنواهى ، ذكرنا فيه مسائل الأمر ، والنهى ، وتوسعنا فى ذكر مذاهب الأصوليين وأقوالهم ، وبيان أدلتهم ، وما يرد عليها ، وما يجاب به ، وقد أكثرنا من النقول عن محققيهم ومعتمديهم ، وإن لم نستقص الكلام ولا قاربنا الاستيعاب ، إلا أنا ذكرنا أهم ما ينبغى الوقوف عليه فى
مباحث الأمر والنهى .
ومن أغراض البحث : العناية ببيان ما ذهبت إليه المدارس السائدة فى علم الأصول ، وهى مدرسة المحصول ، ومدرسة الآمدى ، ومدرسة جمع الجوامع ، فاعتنينا عناية بالغة بتحرير ما اختاروه فى مسائل الخلاف ، والتنبيه على ما قد وقع من بين أتباع المدرسة الواحدة من الوفاق والخلاف .
ومن أغراض البحث بيان المختار عندنا ، والتنبيه على مواطن الضعف ، أو الخطأ ، أو المخالفة ، أو الوهم ، خاصة إذا وقع ذلك فى كلام أحد المعتبرين ، فإنه ينبغى تصحيحه ، وبيان وجه الصواب فيه حتى لا يُتابع عليه .
ومن أغراض البحث العناية بذكر الأمثلة الفقهية على القواعد الأصولية ، لتظهر ثمرتها ، وكيفية استثمار الأحكام منها .
فجاء البحث بحمد الله محررا بحيث لا تجد مجموعه فى كتاب .
مقدمة
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المصطفى، وعلى آله أهل الوفا، وأصحابه الحنفا، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فقد منّ الله علي منذ ريعان الشباب، وفي سن الثامنة عشر باعتلاء المنابر، وأداء واجب خطبة الجمعة، والصلاة بالناس. هذه الفريضة التي فرض الله سبجانه وتعالى فيها الاجتماع، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم التخلف عنها من علامات النفاق، وذلك فيما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره : (لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين). وحُمِلَ على هذا الترك قوله صلى الله عليه وسلم: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم) [رواه البخاري ومسلم].
فكانت صلاة الجمعة علامة من علامات وحدة المسلمين كاجتماعهم في أداء ركن الحج، وكاجتماعهم على مصحفٍ واحد يتلون فيه كتاب الله، وكاجتماعهم على نبيٍ واحد هو خاتم النبيين لا نبي بعده.
ومما منّ الله به علي منذ أواخر عام 1418 من الهجرة النبوية الشريفة أن اعتليت منبر مسجد السلطان حسن الذي هو أجمل مسجد بُني في الإسلام بناه السلطان حسن بن الناصر قلاوون حتى قال فيه الوارتيلاني في رحلته: إنه أعظم بناء في الإسلام.
وبفضل الله أخطب في هذا المسجد حتى كتابة هذا المقال في عام 1428 للهجرة النبوية الشريفة، ولقد اخترت بعض ما فتح الله علي به من خطب الجمعة، والتي تغيَّت تعريف المسلم بربه، وبالوحي الذي أنزل، وبرسوله الذي أرسل، وبدينه الذي شرع، وبالحياة التي أرادها لنا، وجعل تعالى في ذلك كله سعادة الدارين.
وقدمت بين يدي كل خطبة في هذا الكتاب الذي معنا بعض أفكارها، وعزوت الآيات إلى مواطنها، وخرجت الأحاديث النبوية وعزوتها إلى مصادرها، وضبطت ما يحتاج إلى ضبط مما قد يخفى على بعض الناس، وترجمت لبعض الأعلام كلما احتاج الأمر إلى ذلك، وفسرت بعض الكلمات الغريبة التي قد ترد في النصوص، مع فهرس اشتمل على عناوين تلك الخطب.
وأرجو الله تعالى أن تكون نافعة للمسلمين وللناس أجمعين، وأسأل الله سبحانه وقد وفقنا لذلك وهدانا إليه وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، أن يجعلها في ميزان حسناتي يوم ألقاه..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مقدمة :
الحمد لله، والصلاة والسلام علىٰ سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، اللهم اشرح صدورنا للإسلام، وافتح علينا فتوح العارفين بك، وتقبل منا صالح أعمالنا، وأعنا علىٰ ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك، وأقمنا في طاعتك، وأحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، اهدنا واهد بنا، وارزقنا رزقاً واسعاً، وعلماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، وعيناً دامعة، ونفساً قانعة، وشفاء من كل داء، واجعلنا من الموصولين بك، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسر غيوبنا، واهدنا إلىٰ أقوم طريق، وأقمنا في الحق وأقم الحق بنا، واجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء همنا وحزننا، واجعله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا، علمنا منه ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واحشرنا تحت لواء نبيك × يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب، ولا سابقة عقاب ولا عتاب، وصل اللهم علىٰ سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
أما بعد.....
فهذا كتاب: (شرح مناسك الحج)، والذي جعلناه زاداً خفيف المحمل، يستعين به من أراد الحج، ونسأل الله تعالىٰ فيه التوفيق والقبول.
الحج لغة هو: «القصد»، وشرعاً: «قصد البيت الحرام للنسك».
إذن الحج هو: قصد البيت الحرام -الذي هو الكعبة المشرفة بمكة المكرمة- للنسك، وليس لغرض آخر، كقصد العمل مثلا، فالحج بهذا المفهوم يشمل الحج والعمرة، لاسيما والعمرة عند الشافعية فرض في العمر مرة، كالحج تماما، وكلاهما حج لبيت الله الحرام، ولذلك فإن العمرة أحكامها أحكام الحج تماما في الميقات، وفي الإحرام، وفي المحرمات التي يجب أن يتجنبها الشخص المحرم.
ولا تختلف العمرة عن الحج إلا في بعض الأفعال التي يزيد فيها الحج علىٰ العمرة، ولكن العمرة من جنس الحج في أحكامها، وفيما يترتب علىٰ المخالفات فيها من وجوب دم، أو صيام، أو إطعام أو غير ذلك، فالحج كالعمرة، والعمرة كالحج.