القاهرة- قررت مؤسسة مصر الخير، تقديم مبلغ 250 ألف جنيه، إلى مستشفي العريش العام، لشراء جهاز قسطرة للقلب، حرصا على صحة المرضي الذين يضطرون للذهاب إلى الإسماعيلية للعلاج.
وقالت الدكتورة نجوي نجدت، رئيس قطاع الصحة بالمؤسسة، إن مساهمة المؤسسة جاءت في إطار دعم مستشفى العريش العام، خاصة مع استيعابها العديد من الحالات في الفترة الأخيرة، وتكرار طلب أهالي المرضي والقائمين على المستشفي توفير جهاز قسطرة القلب، حفاظا على حياة المرضي في منطقة شمال سيناء.
وأضافت رئيس قطاع الصحة بالمؤسسة، في تصريحات صحفية، الأحد، أن عدم وجود جهاز قسطرة القلب بالمستشفي يعرض حياة الكثير من الحالات للخطر، لأنه يجري نقلهم للإسماعيلية، ما يقلل فرصة النجاة، لافته إلى أن المؤسسة تعمل في العديد من المجالات مثل الصحة والتعليم والتكافل الاجتماعي والبحث العلمي، وفقا لـ«المصري اليوم».
هاجم أحد المختلين عقلياً خلال أحد ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب الدولة المصرية مؤكدا أن الدستور المصري يطعن في ألوهية الله تعالى ووحدانيته. جاء ذلك خلال ندوة الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء لمناقشة كتاب الشيخ الجليل علي عبد الرازق "الإجماع"، والذي أصدرته الهيئة المصرية للكتاب مؤخرا. وبالقرب من نهاية الندوة وقف أحد المختلين عقلياً مدعيا أن القانون المصري به مواد تخالف وحدانية الله تعالى، محدثا جلبة مرتفعة ، فصرخ فيه فضيلة الدكتور علي جمعة واصفا إياه بالفساد، كما تتدافع الحضور عليه واقتادوه خارج القاعة حتي تسلمته شرطة المعرض. وبالتحري عن هذا المختل والذي أدعى أنه الدكتور مصطفى رجب الباحث الإسلامي – ولعله يكون كاذباً - ، أكدت الشرطة أنه من الزبائن المعروفين لدى القائمين على ندوات المعرض, وأنه كثيرا ما يفعل مثل هذه الأمور المختلة نتيجة خلل نفسي في شخصيته ناتج عن تقدم عمره، وقامت شرطة المعرض بالاتصال بفضيلة الدكتور علي جمعة لعرض حالة هذا المختل، فطلب فضيلته من الشرطة إخلاء سبيله مراعاة لظروفه المرضية.
لم تكن مدينة القدس قبل الفتح الإسلامي سنة16 هـ/637 م إلا مدينة صغيرة تعرضت لاجتياح الفرس، ومنذ أن زار الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه المدينة ليستلمها ابتدأ الإعمار الإسلامي فيها; إذ أمر عمر أن يبني مسجد في مكان صلاته.
وكان يطلق عليه اسم مسجد عمر، كما أمر بإنشاء مظلة من الخشب على الصخرة المشرفة في قمة جبل موريا،واستمرت حتى عهد عبد الملك بن مروان.
وعندما كان معاوية بن أبي سفيان واليا على القدس والشام في عهد عمر رمم الأسوار واعتنى بالبساتين والأشجار، وبنى في عكا دارا لصناعة المراكب والسفن، وفي مدينة القدس نودي خليفة على المسلمين، وهو مؤسس الدولة الأموية، واختار قبل دمشق القدس عاصمة لمكانتها عند العرب.
وفي عهد عبد الملك بن مروان أمر بإنشاء قبة الصخرة سنة 72 هـ/691 م، وابتدأ بإنشاء المسجد الأقصى الذي أتمه فيما بعد ابنه الوليد سنة 97 هـ/715 م، ولقد أنفق عبد الملك مالا وفيرا في القدس لإنشاء هذين الصرحين للدلالة على قوة الإسلام وانتصاره، وأمر بتعبيد الطرق بين الشام والقدس لتسهيل سبل الزيارة الدينية المقدسة للحرم القدسي.
وفي قبة الصخرة وبعد إنجازها تقبل الوليد بن عبد الملك بيعة المؤمنين، خليفة على المسلمين، في حين كان أخوه سليمان ينشئ مدينة الرملة وما فيها من مسجد وقصر ودار للصناعيين، ثم جاء أخوه هشام ليبني قصر المفجر في أريحا، وهو أضخم قصور الأمويين.
ورغم ما أشيع عن إهمال العباسيين لبلاد الشام فلقد زار القدس عدد من الخلفاء مثل المنصور والمهدي والمأمون، وترك كل منهم أثره في إجراء إصلاحات مهمة في المسجد الأقصى وفي قبة الصخرة، ويعود إلى الخليفة المهدي فضل إعادة بناء المسجد الأقصى سنة 158 هـ/744م بعد زلزال أتى عليه.
ثم رزئت بلاد الشام بالاحتلال الصليبي الغربي، وكانت القدس الهدف الأكثر أهمية، تم ذلك سنة 492 هـ/1099 م، وكان أول ما سعى إليه هؤلاء الغزاة أن جعلوا قبة الصخرة كنيسة رفعوا عليها الصليب وهدموا أطراف الأقصى وجعلوه مقرا لفرسانهم.
وعندما حررها صلاح الدين الأيوبي سنة 583 هـ/1187 م قام بإعادة ترميم مسجد قبة الصخرة، وسجل ذلك في محيط القبة من الداخل، وكما كان الأيوبيون أبطالا في التحرير وكانوا قدوة في الإعمار والإنشاء; ففي مدينة القدس وحدها قام صلاح الدين بإعادة بناء سور القدس سنة 587 هـ/1191 م وتابع أولاده ذلك، كما قام بحفر الخندق حول الأسوار، وأنشأ الملك العادل أخو صلاح الدين الجامع العمري سنة 589 هـ/1193 م، وبنى سقاية لحفظ الماء وتموين القدس، وأنشأ ابنه الأفضل المدرسة الأفضلية والمسجد، وأنشأ قبة المعراج سنة 598 هـ/1201 م وقبة سليمان والزاوية الجراحية والمدرسة الناصرية وزاوية الدركاه وزاوية الهنود.
وتابع المماليك البناء وأصبحت القدس أكثر ازدهارا في عهدهم، وخلال حكم الملك الناصر محمد بن قلاوون المملوكي، الذي امتد ثلاثة وأربعين عاما، حفلت القدس بالعمائر المملوكية التي كانت نموذجا رائعا لتطور العمارة الإسلامية.
إن المباني الإسلامية التي أنشئت خلال العهود المختلفة تؤكد الشخصية الإسلامية التي تتمتع بها القدس القديمة التي ما زالت محافظة على طابعها العربي رغم انتهاكات اليهود وتغييراتهم الواسعة فيها، كما أن أهم ما يميز مدينة القدس ويؤكد طابعها الإسلامي الأصيل هو الحرم الشريف الذي تظهر فيه روائع العمارة الإسلامية وبخاصة قبة الصخرة; فإن المسجد الأقصى الحالي يعتبر في نظر المختصين عملا معماريا يجمع بين البساطة والجلال، في صورة تندر في غيره من المساجد، فعلى الرغم من أن بناء جدرانه ليس من السماكة بمكان، خاصة تلك الحاملة للقبة الكبرى، فإن جزءا كبيرا من فخامة المسجد يرجع إلى سعة بيت الصلاة; بحيث تمتلئ النفس مهابة وإجلالا عند الحلول فيه، وهذه السعة هي التي جعلت المعماري يسقفه بالخشب القوي فقط.
ويرجع الجزء الآخر من الجمال إلى طبيعة الزخرفة المنتشرة في المسجد بكثرة وشمول، فالفسيفساء -وهي في الأصل فن بيزنطي شهير- تنتشر على الحوائط والقبة من الداخل، ويغطي القاشاني المزخرف جدران المسجد إلى ارتفاع المحراب فيضيف ذلك جمالا بديعا، في الوقت الذي تحتل فيه التفريعات النباتية الخارجة من المزهريات -ثم بعد خروجها تنثني وتلتوي حتى تأخذ أحيانا شكلا حلزونيا- تحتل جانبا مهما من الزخرفة [منارات الهدى في الأرض لعبد الله نجيب، ص50].
من كل ما سبق، وبالتاريخ والمعاينة، يظهر لكل منصف وذي عينين أن القدس بمسجدها الأقصى وطرقها وأزقتها وتاريخها وحضارتها جزء من تاريخ الإسلام والمسلمين وحضارتهم المنتشرة في العالم العربي والإسلامي، نسأل الله عز وجل أن يردها إلينا من يد المغتصبين، ولا يضيع حق وراءه مطالب مهما طال الزمان.
احتل البريطانيون القدس في 9 ديسمبر 1917م، وخطب قائد الجيش البريطاني اللنبي في القدس محتفلا بانتصاره قائلا: "والآن انتهت الحروب الصليبية "، وكأن حملتهم على فلسطين كانت آخر حملة صليبية، ومنذ ذلك الوقت فتحت بريطانيا بالقوة مشروع التهويد المنظم لأرض فلسطين، واستطاعت بريطانيا بعد ذلك إقناع فرنسا بالتخلي عن مشروع تدويل فلسطين كما في نصوص سايكس بيكو مقابل رفع بريطانيا لدعمها للحكومة العربية التي نشأت في دمشق، ثم وفرت بريطانيا لنفسها غطاءً دوليًّا باستصدار قرار من عصبة الأمم في 24 يوليو 1922م بانتدابها على فلسطين، غير أن فكرة الانتداب التي ابتدعتها عصبة الأمم كانت قائمة على أساس مساعدة الشعوب المنتدبة وإعدادها لنيل استقلالها.
وقد تضمن صك الانتداب نفسه على فلسطين مسئولية الدولة المنتدبة (بريطانيا) في الارتقاء بمؤسسات الحكم المحلي، وصيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين، وهذا يعني ألا يقف وعد بلفور في نهاية الأمر عائقًا في وجه أبناء فلسطين ضد الارتقاء بمؤسساتهم وإقامة دولتهم.
وفي العام نفسه الذي صدر فيه وعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود نجحت الثورة البلشفية الشيوعية في الاتحاد السوفيتي، ومعظم قياداتها من اليهود- وعلى رأسهم مؤسسها الفكري كارل ماركس هو يهودي أيضًا - نجحت هذه الثورة في السيطرة على روسيا، وتم إصدار قوانين تحرم اضطهاد اليهود، وقوانين أخرى أهم وهي إلزامية على عاتق دولة الاتحاد السوفيتي بإقامة دولة إسرائيل ذات السيادة في فلسطين، ولأن أرض فلسطين كانت ستئول إلى الاحتلال البريطاني وليس الروسي، فقد اقتضى الأمر أن يتوجه اليهود بكافة الوسائل الدبلوماسية للحصول على قانون أو مجرد وعد من بريطانيا بإقامة دولة إسرائيل ولو مجرد وطن قومي على جزء من فلسطين.
وكان تنفيذ وعد بلفور يعني عمليًّا الإضرار بمصالح أهل فلسطين وحقوقهم، وتعطيل بناء مؤسساتهم الدستورية باتجاه إقامة دولتهم، وقد فضلت بريطانيا دائمًا التزام الشق المتعلق بوعد بلفور، وأصمت آذانها ولم تحترم الشق المتعلق بحقوق أبناء فلسطين العرب، وعاشت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني مؤامرة كبيرة؛ فحرم أهل فلسطين من بناء مؤسساتهم الدستورية وحكم أنفسهم، ووضعوا تحت الحكم البريطاني المباشر، وأُعْطِيَ المندوبون السامون صلاحيات مطلقة، وضيقت بريطانيا على الفلسطينيين سبل العيش وكسب الرزق، وشجعت الفساد، وسعت لتعميق الانقسامات العائلية والطائفية وإشغال أبناء فلسطين ببعضهم، وفي المقابل شجعت الهجرة اليهودية، فزاد عدد اليهود من 55 ألفًا (8% من السكان) سنة 1918م إلى 650 ألفًا (31% من السكان) سنة 1948م.
ويعتبر بن جوريون وحده صاحب مخطط فرض الأمر الواقع على القدس منذ صدور قرار تقسيم فلسطين في نوفمبر 1947م إلى مدينتين، والتهويد المبكر للجزء الغربي منها، حيث تعامل بن جوريون مع قرار تقسيم فلسطين بأسلوب يعتمد على الخداع والمكر لم يفهمه العرب، حيث عمل على أن يكون للقدس كيانًا منفصلا خاضعًا لنظام دولي خاص، تتولى الأمم المتحدة إدارته، وتعين مجلس وصاية ليقوم بأعمال السلطة الإدارية نيابة عن الأمم المتحدة، ولقد أكد القرار حدود المدينة والتي تضمنت بلدية القدس الحالية إضافة إلى القرى والبلدان المجاورة لها.
ورفض العرب قرار التقسيم؛ انطلاقًا من أن التدويل يسلبهم حقهم التاريخي والشرعي في السيادة على المدينة، إلا أن اليهود قبلوا مشروع التدويل حتى يمكنهم إعلان قيام دولة إسرائيل؛ على أن تعمل بعد ذلك على فرض أمر واقع جديد؛ ولذلك احتلت القوات الصهيونية مزيدًا من الأراضي العربية، ثم أقامت طريقًا يربط بين تل أبيب والقدس، كما بادرت باحتلال حي القطمون الذي له أهمية إستراتيجية في القدس قبل إعلان قيام دولة إسرائيل.
ولتحقيق الإستراتيجية التي تبناها بن جوريون لم يحترم قرارات مجلس الأمن، حيث لم يلتزم بقرار تجريد القدس من السلاح لحمايتها من الدمار.
وتكريسًا للأمر الواقع بادر بن جوريون بنقل العديد من الوزارات إلى القدس، وكان منها وزارة الخارجية؛ حتى تضطر الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلى نقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس، ومن ثم تعترف بالأمر الواقع الذي عمد بن جوريون إلى تثبيته؛ كما بدئ في إقامة مبنى الكنيست الجديد في 14 أكتوبر 1958م، والذي افتتح في 30 أغسطس 1966م، وبذلك يكون بن جوريون قد نجح في تنفيذ إستراتيجيته الهادفة إلى خلق أمر واقع جديد.
كانت هذه هي الخطة الماكرة الكبرى التي سعت إلى تهويد القدس الشريف، وكان اليهود ومن ساعدهم من الدول الغربية هم أطراف هذه النكبة التي يئن العالم العربي والإسلامي تحت وطأتها حتى اليوم، وهو ما يدعو إلى الاهتمام بأمر القدس إلى أن يرجع الحق لذويه {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [إبراهيم:20].
وقف العثمانيون طوال مدة حكمهم أمام أطماع اليهود ومحاولاتهم المتكررة للهجرة إلى القدس، وبالرغم من تعاطف العثمانيين مع اليهود الناجين من المذابح الإسبانية.
حيث فتحوا لهم البلاد كلها على الرحب والسعة ما عدا مكة والمدينة المنورة والقدس الشريف، فإن ذلك لم يرق لهم فبدأت أحلامهم وأطماعهم نحو القدس الشريف وفلسطين، وظهرت أول دعوة لذلك عام 1665م على يد يهودي تركي اسمه شبتاي تاسفي الذي بدأ بجمع اليهود وتنظيمهم وتنبيههم إلى الهجرة نحو فلسطين، وظلت هذه الحركة سرية ثم أعلنت; فخرج المئات من أتباعه في مظاهرات صاخبة، عندها أمر السلطان بالقضاء على هذه الحركة فما كان من شبتاي إلا أن أمر أتباعه بالتظاهر بالإسلام والعمل بسرية لتحقيق أهدافهم الخبيثة، وعرفوا باسم يهود الدونمه، ومع مرور الزمن وصلت أعداد منهم إلى مناصب رفيعة في الدولة والجيش هيأت لهم ما كانوا يطمحون إليه،خاصة في عهد الضعف الذي مر على الدولة العثمانية مع تكالب الطامعين في أراضيها.
وفي عهد محمد علي باشا والي مصر- الذي أعلن انفصاله عن الحكم العثماني واستيلاءه على مدينة القدس وبلاد الشام في عام 1831 م- تحسنت أوضاع الطوائف اليهودية في فلسطين; فقد أعفاهم من الضرائب والمغارم التي كان الباشا العثماني يفرضها على زعمائهم، وأصبح لهم تمثيل في المجالس المحلية الجديدة، كما سمح لليهود بترميم معبدهم في بيت المقدس بشرط ألا يزيدوا شيئا على المباني القديمة وعدم تبليط ما حول حائط البراق، وإن كان قد سمح لهم بزيارته والصلاة فيه والبكاء على سقوط الهيكل وخرابه دون أن يترتب على ذلك أي حق قانوني، وفي مقابل مبلغ من المال يدفع سنويا لوكيل الأوقاف، نظرا لأن الرصيف القائم أمام الحائط تعود ملكيته للأوقاف منذ عهد صلاح الدين الأيوبي، [تاريخ مدينة القدس لرفيق النتشه وآخرين، ص68-69].وما لبثت أن اصطدمت المطالب اليهودية بالموقف الحاسم للسلطة العثمانية بعد أن آل إليها حكم بلاد الشام، وهو ما دعا اليهود حول العالم إلى العمل ضد الدولة العثمانية.
ثم قامت الدولة العثمانية بعد ذلك بفصل شئون القدس عن ولاية الشام وارتباطها مباشرة بوزارة الداخلية في إسطنبول، وظهرت في هذه الأوقات المستعمرات، وإزاء هذه المشكلة وخوف الدولة العثمانية من وقوع مدينة القدس تحت سيطرة اليهود قاموا بوضع حد للهجرة اليهودية، صدرت قوانين خاصة بالقدس والهجرة اليهودية من قبل الباب العالي عام 1882م، وكان مضمونها ألا يسمح لليهودي بالدخول إلى فلسطين إلا في حالة واحدة هي الحج والزيارة المقدسة ولمدة أقصاها ثلاثة أشهر، على أن يحجز جواز سفر الزائر، ويودع في مراكز الشرطة حيث يتم استبدال الجواز الأحمر به مؤقتا، ولكن اليهود اخترقوا هذه القوانين بمساعدة قناصل الدول الأوروبية وصار عدد اليهود يزداد يوما بعد يوم، مما أحدث صدامات بين الفلسطينيين واليهود عام 1886م، ودفعت هذه الصدامات الدولة إلى اتخاذ إجراءات جديدة; إذ طلبت من متصرف القدس إجراء اتصالات مع قناصل الدول الأجنبية لإبلاغهم استياء السلطان والسلطات العثمانية لعدم قيام القنصليات الأجنبية في القدس بخطوات من جانبها لتسهيل إخراج رعاياها من اليهود الذين انتهت مدة إقامتهم [مشاريع الاستيطان اليهودي منذ قيام الثورة الفرنسية حتى نهاية الحرب العالمية الأولي لأمين عبد الله محمود ص14-15].
وضغط اليهود بشتى الطرق، حيث قام هرتزل- رئيس الجمعية الصهيونية- بلقاء السلطان عبد الحميد بهدف إقناعه بالسماح بالهجرة اليهودية إلى القدس نظير مبالغ طائلة يدفعها اليهود للسلطان وللدولة; إلا أن محاولات هرتزل لم تنجح، وهو ما دفع اليهود بعد هذا الموقف إلى العمل على إسقاط دولة الخلافة حتى يتسنى لهم التدفق على فلسطين،وانتقلت المعركة بعد ذلك بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية التي تبنت مواقف اليهود [الأطماع الصهيونية في القدس لعبد العزيز محمد عوض، ص840].
وبسبب هيمنة اليهود على معظم الدول الأجنبية التي وقفت معهم وشجعتهم على الهجرة حاول العرب حث الحكومة العثمانية على تطبيق القوانين بشكل فعال، إلا أن هذه المطالب لم تر النور; وذلك بسبب خلع السلطان عبد الحميد 1908م، الرجل الذي وقف سدا منيعا في وجه الأطماع اليهودية، وهو الحدث الذي أدخل السرور والفرح على اليهود في ذلك الوقت، وصارت الهجرات اليهودية تتدفق على القدس وغيرها من فلسطين، وهو ما احتاط له عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عهدته قدر الله تعالى أن يبتلي به المسلمون.
وإنا على يقين بأنه تعالى سيعيد إلى المسلمين نهضتهم ويبعث من جديد هذه العهدة العمرية لتكون نبراسا لنا حينما يعود لنا قدسنا الشريف بما يحمل من حب ووئام وأمن وسلام للعالم كله.
ربما لم يعرف التاريخ الإنساني ظاهرة تاريخية حملت مصطلحا مناقضا لحقيقتها مثل الحروب الصليبية -وهو ما يطلق عليه عند المسلمين: حروب الفرنجة: لتمييز مسيحيي الشرق شريكي الوطن عن غيرهم- استخدم الغرب هذا المصطلح على اعتبار أنه يعني النبل والخير والعدل.
ولكن هذا المصطلح المضلل المربك كان نتاجه عددا من التطورات التاريخية السيئة في التاريخ الأوروبي وفي التاريخ العربي على حد سواء.
كانت البداية الفعلية لتلك الحروب في السابع والعشرين من شهر نوفمبر سنة 1095م بالخطبة التي ألقاها البابا أربان الثاني في حشود المستمعين الذين اجتمعوا في جنوب فرنسا، ووجه خلال هذا اللقاء دعوة بشن حملة تحت راية الصليب ضد المسلمين في فلسطين.
ونتج عن ذلك أن خرج البطارقة يحثون على الذهاب إلى البيت المقدس خشية أن يضيع من بين أيديهم، وأخذ البطرك الذي كان بالقدس يطوف بالبطارقة بلاد الغرب يستنجدون أهلها ويستجيرون بهم ويحثونهم على الأخذ بثأر البيت المقدس، وكان عند الغربيين في هذا الوقت من الباعث الديني والنفساني ما كان سببا لاقتناعهم بذلك وخروجهم في حربهم.
وعندما وصلت جيوش الغرب إلى القدس لم يراعوا لساكنيها عهدا، وقد رصد التاريخ الإسلامي حدث دخولهم القدس بكثير من التفصيل والدقة سردها الإمام ابن الأثير رحمه الله في كتابه الكامل; فذكر أن المذبحة استمرت طوال يوم الدخول وليلته واقتحم الفرنجة المسجد الأقصى في صباح اليوم التالي وأجهزوا على من احتموا فيه، وصبغت ساحات المسجد بدماء العباد والزهاد الركع السجود، وتوجه قائد الحملة في الضحى لدخول ساحة المسجد متلمسا طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبته، وكان النظر لا يقع إلا على أكوام من الرءوس والأيدي والأقدام المقطعة في الطرقات والساحات، ونهب الفرنجة جميع الأمتعة وخربوا أثاث المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ونهبوا القناديل التي بلغت نيفا وأربعين قنديلا; كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا نيفا وعشرين قنديلا من ذهب.
وأبادوا أهل أنطاكية وخربوا حمص وبعلبك وحماة وعسقلان وقنسرين وطبرية وغيرها من البلاد وهجروا أهلها منها وفعلوا الأفاعيل العظيمة التي استحى حكماؤهم ومؤرخوهم منها.
وخلال الفترة من عام 1096م إلى عام 1291م قامت عدة مستوطنات صليبية على التراب العربي في فلسطين وأعالي بلاد الشام والجزيرة، وتعين على سكان هذه المنطقة العربية أن يدفعوا ثمنا فادحا لكي يقضوا على الكيان الصليبي من جهة، ويتصدوا للمشروعات والغارات الصليبية المتأخرة من جهة أخرى.
ولم يدم الأمر لهؤلاء كثيرا; فقد دارت بينهم وبين المسلمين المعارك العنيفة; حتى قاد صلاح الدين الأيوبي ضدهم معركة حطين في 4 يوليو1187 م قرب قرية المجاودة، بين الناصرة وطبرية; حيث كان النصر حليف المسلمين فيها، وأبلى القائد صلاح الدين الأيوبي فيها بلاء حسنا، ووضع فيها الفرنجة أنفسهم في وضع غير مريح استراتيجيا في داخل طوق من قوات صلاح الدين أسفرت عن سقوط مملكة القدس وتحرير معظم الأراضي التي احتلها الصليبيون [النوادر السلطانية لابن شداد 1/131].
ولما فتح صلاح الدين البيت المقدس أقام بظاهره إلى الخامس والعشرين من شعبان يرتب أمور البلد وأحواله، وتقدم بعمل الربط والمدارس، وأمر بإعادة الأبنية إلى حالها القديم، فإن من كان فيها من الفرنجة قد بنوا غربي الأقصى أبنية ليسكنوها، وعملوا فيها ما يحتاجون إليه من بناء ومستراح وغير ذلك، وأدخلوا بعض الأقصى في أبنيتهم فأعيد إلى الأول، وأمر بتطهير المسجد والصخرة من الأقذار والأنجاس، ففعل ذلك أجمع.
وعمر صلاح الدين المسجد الأقصى واستنفد الوسع في تحسينه وترصيفه وتدقيق نقوشه، وأحضر له من الرخام الذي لا يوجد مثله، ومن الفص المذهب القسطنطيني وغير ذلك مما يحتاج إليه، ومحا ما كان في تلك الأبنية من الصور، وكان الفرنجة قد فرشوا الرخام فوق الصخرة وغيبوها; فأمر بكشفها، ونقل إليها صلاح الدين المصاحف الحسنة، والربعات الجيدة، ورتب القراءة، وأدر عليهم الوظائف الكثيرة; فعاد الإسلام هناك غضا طريا، وهذه المكرمة من فتح البيت المقدس لم يفعلها بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه غير صلاح الدين رحمه الله وكفاه ذلك فخرا وشرفا [انظر: الكامل لابن الأثير 5/178].
لقد كانت ما يسمى بالحروب الصليبية من أهم الأسباب التي عطلت قوى الإبداع والنمو في الحضارة الإسلامية، وبعد نهاية النضال ضد الفرنجة دخلت المنطقة العربية في منحنى التدهور والأفول.
كانت الحملات الصليبية ضد الشرق العربي أول المشروعات الاستعمارية الأوروبية، وأيضا كانت المرحلة التي سبقت مرحلة الاستعمار الحديث، وكانت من ناحية ثالثة إلهاما للتجربة الصهيونية ذات الأهداف الاستيطانية.
لم يتوان المسلمون يوما عن الحفاظ على ما أقامه سلفهم في القدس الشريف من عمران يشهد على عظم هذه الحضارة وبقائها، خاصة العناية بالمسجد الأقصى وترميمه، وليس صحيحا ما أشيع أن العباسيين لم يهتموا بالحرم الشريف وعمارته.
فقد تم ترميم المسجد الأقصى أكثر من مرة في عصرهم; فأعاد الخليفة المنصور عام 140 هـ بناء المسجد الأقصى وأنفق عليه نفقة كبيرة: بعضها منه وباقيها من ألواح الذهب التي كانت على الأبواب من قبل، ولما انتهى سار إلى بيت المقدس فصلى في المسجد، وشكر الله على إتمامه وكان ذلك عام 141هـ.
ولما تعرضت القدس لهزة أرضية عنيفة في عام 158هـ/ 774م أدت إلى تدمير معظم بناء المسجد الأقصى، أمر الخليفة المهدي بإعادة بنائه بعد أن تهدم وهجره الناس; فأعيد بناؤه على نحو أقوى وأضخم، وترك الجزء القديم فيه كجانب جمالي وأثري، وصار للمسجد ستة وعشرون بابا; سمي الباب الأوسط المواجه للمحراب -وهو الرئيس- بالباب النحاسي الكبير، وكان على يمينه سبعة أبواب وعلى يساره سبعة; أي أن الحائط الشمالي كان يحوي خمسة عشر بابا، وكانت الأبواب الباقية في الحائط الشرقي منه.
هذا وقد انتصبت فوق المحراب قبة من الخشب جلدت من الخارج بأفرخ من الرصاص، وكانت أعمدة المسجد كلها من البناء لا من الحجر الرخام، وبذلك أمكن التفريق بينها وبين الأعمدة القديمة، وبلغ طول المسجد حينذاك 103 أمتار وعرضه 69 مترا [منارات الهدي في الأرض ص 48].وفي عصر الخليفة هارون الرشيد اهتمت الدولة بمدينة القدس; حيث عامل النصارى أحسن المعاملة فسمح للإمبراطور شارلمان بترميم الكنائس وبناء كنيسة العذراء; في دلالة على تسامح الإسلام مع الآخر.
وفي مطلع القرن الثالث الهجري تعرض المسجد الأقصى لزلزال كبير; فأمر الخليفة المأمون أمراء الأطراف أن يتولى كل منهم بناء رواق من المسجد على نفقته، وجعل المشرف على ذلك عبد الله بن طاهر، فتم للمأمون ما أراد عام 210 هـ [تاريخ القدس ص55].
وفي سنة 216هـ/831م زار الخليفة العباسي المأمون بيت المقدس، وكان قد أصاب قبة الصخرة شيء من الخراب فأمر بترميمه وإصلاحه، والأمر تطور على ما يبدو ليصبح مشروع ترميم ضخم اشتمل على قبة الصخرة المشرفة مما حدا بالمأمون أن يضرب فلسا يحمل اسم القدس لأول مرة في تاريخ مدينة القدس وذلك في سنة 217 هـ كذكرى لإنجاز ترميماته تلك.
وفي عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله سنة 301 هـ/913م تمت أعمال ترميمات خشبية في قبة الصخرة اشتملت على إصلاح قسم من السقف وكذلك عمل أربعة أبواب خشبية مذهبة بأمر من أم الخليفة المقتدر.
وفي الفترة الفاطمية تعرضت فلسطين لهزات أرضية عنيفة سنة 407 هـ/1016م، وأدت إلى إصابة قبة الصخرة وإتلاف بعض أجزاء القبة الكبيرة; فبدئ بترميمها في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، واستكمل الترميم في عهد ولده الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله، وقد اشتملت الترميمات على القبة وزخارفها وتمت على يدي علي بن أحمد في سنة 413 هـ/1022م [تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي ص372].
وقد تعرض المسجد الأقصى لهزة أرضية أخرى حدثت سنة 425 هـ/1033م أدت إلى تدمير معظم ما عمر في عهد المهدي، حتى قام الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله بترميمه في سنة 426 هـ/1034م: فقام باختصاره على شكله الحالي، وذلك عن طريق حذف أربعة أروقة من جهتيه الغربية والشرقية، كما قام بترميم القبة وزخارفها من الداخل.
وقد أشير لترميماته هذه من خلال نقشه التذكاري الموجود والذي جاء فيه ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم. نصر من الله لعبد الله ووليه أبي الحسن علي الإمام الظاهر لإعزاز دين الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين. أمر بعمل هذه القبة وإذهابها سيدنا الوزير الأجل صفي أمير المؤمنين وخاصته أبو القاسم علي بن أحمد بن أحمد أيده الله ونصره وكمل جميع ذلك إلى سلخ ذي القعدة سنة ست وعشرين وأربعمائة. صنعة عبد الله بن الحسن المصري المزوق (انظر: الإشارات إلى معرفة الزيارات، للهروي ص25).
وقد أشاد الرحالة ناصر خسرو في كتابه سفر نامه بازدهار المدينة وكثرة النشاط فيها وأن فيها سوقا كبيرة وجميلة بها كثير من الصناع وأن أرضها مبلطة بالحجارة، كما ذكر أن بها مستشفى عظيما عليه أوقاف طائلة [سفر نامه، ص56].
وبذلك بقيت القدس عامة والمسجد الأقصى وقبة الصخرة خاصة محط اهتمام الخلفاء والحكام والولاة طوال عهود الدولة الإسلامية، نسأل الله أن يهدي له من يكمل مهمتهم بتعميره والعناية المعمارية به وقبله بالصلاة فيه إلى أن يقضي الله بتحريره من أيدي غاصبيه.